مقدمة(1)
اشتهر آباء الكنيسة بالحرص على إتمام مسئوليتهم الرعوية بتوصيل رسالة الخلاص إلى أفراد رعيتهم بكل الوسائل الممكنة. وضمن هذه الوسائل الفعالة ما عثر عليه لكثير منهم من رسائل رعوية بالغة الأهمية.
وبالإضافة إلى التراث اللاهوتي الثمين الذي خلفه القديس أثناسيوس(2) بطريرك الإسكندرية ال 20 فقد عثر له على مجموعتين من الرسائل الرعوية كان لاكتشافهما أثر عميق في الأوساط العلمية والدينية في العالم.
والمجموعة الأولى من رسائله هي رسائل أعياد القيامة Paschal Letters والمجموعة الثانية عبارة عن عشرين رسالة شخصية Personal Letters بعضها مرسل إلى جماعات من الرهبان، والبعض إلى كنائس وإيبارشيات معينة، ومعظمها مرسل إلى أساقفة وكهنة حول أسئلة ومشاكل رعوية. وضمن كتاباته المختلفة توجد إشارات إلى رسائل أخرى. ولكن للأسف لم يعثر على تلك الرسائل بعد.
يعتبر عيد القيامة من أقدم وأهم أعياد الكنيسة، فقد بدأ الاحتفال به من القرن الأول. لذلك اعتاد بطاركة الإسكندرية انتهاز هذه المناسبة الغنية بدروسها وذكرياتها الروحية لكتابة الرسائل الرعوية إلى شعبهم.
____________________________________
(1) هذه المقدمة وحاشيتها أخذت عن ميمر القيامة سنة 1957 لدير السيدة العذراء (السريان).
(2) ولد أثناسيوس سنة 298م في الثلاثين، وتنيح 373م. اشتهر بالرسولي، وحامي الإيمان، وبطل مجمع نيقية، وواضع قانون الإيمان. وهو غني عن التعريف، تحتاج ترجمة حياته إلى كتاب كامل. فهو الراعي الصالح الذي جال بلاد الكرازة المرقسية إلى أقصى الصعيد مرارًا لافتقاد شعبه. كما أسس الكنيسة الأثيوبية بسيامة فرمنتيوس Frumentios أول أسقف لاكسوم، وقد نُفي خمس مرات لتشملنا بركاته آمين.
واتخذت هذه الرسائل في الأول، شكل مواعظ روحية عن أهمية العيد وعمل الفداء العظيم، مستحثة المسيحيين على إتباع تعاليم المخلص ومنهضة بالتذكرة نفوسهم ليثبتوا في الحق.
ولكي تعم فائدتها كتبت فيما بعد في شكل رسائل(1) تبعث مع رسل مخصوصين إلى سائر أساقفة الأقاليم.
ولما ثار الخلاف بين كنائس الشرق والغرب عن موعد عيد القيامة(2) أصدر مجمع نيقية المسكوني الأول سنة 325 قرارًا إجماعيًا بضرورة اتفاق كل الكنائس على الاحتفال بعيد القيامة في يوم واحد.(3)
________________________________
(1) وأقدم إشارة إلى رسائل القيامة عرفت لأساقفة الإسكندرية ترجع إلى القرن الثالث الميلادي. راجع ما ذكره أوسابيوس "أبو التاريخ الكنسي" عن رسائل ديوناسيوس الإسكندري البابا (14)
(Eusabius. H. E. 7-20)
(2) اتبع مسيحيو آسيا الصغرى التقويم العبري فكانوا يعيدون الفصح (صلب المسيح) في 14 نيسان الذي قد يقع في أي يوم من أيام الأسبوع. وأطلق عليهم Quartadecimanians. أما كنائس الإسكندرية وروما والغرب فكانت تصر على أن يكون الاحتفال بصليب المسيح في يوم "جمعة" وبالتالي يكون الاحتفال بالقيامة في يوم "أحد".
(3) قرر مجمع نيقية أنه لا يناسب أن نعيد القيامة مع اليهود، بل يجب أن يكون العيد في يوم الأحد ألأول بعد البدر الكامل الذي يلي الاعتدال الربيعي. على أن يكون ذلك أيضًا بعد الفصح اليهودي. وإذا وقع البدر الكامل يوم أحد فيكون عيد القيامة الأحد التالي وبهذا = القرار انتهت الخلافات حول يوم العيد. إلا أن بعض الكنائس عادت تختلف على طريقة حساب ميعاد "البدر الكامل" ويوم "الاعتدال الربيعي" وباتباع الغرب للتقويم الغريغوري في سنة 1583، نشأ فرق آخر بلغ الآن 13 يومًا عن التقويم اليولياني الذي تتبعه كنائس الشرق.
ولما كان تحديد هذا الميعاد سنويًا يحتاج إلى دراية فلكية واسعة وعمليات حسابية دقيقة فقد أسند المجمع هذا العمل إلى أساقفة الإسكندرية نظرًا لشهرتهم الفلكية والعملية، ليقوموا بتحديد موعد العيد وتبليغه إلى الكنائس الأخرى في أنحاء المسكونة.(1)
ومن ذلك الحين أصبح لرسائل القيامة التي حررها أساقفة الإسكندرية أهمية تاريخية ممتازة.
لم يعثر علماء الغرب على رسائل القيامة لأثناسيوس إلا في القرن التاسع عشر. إذ لم يكن معروفًا عنها قبل ذلك إلا إشارات وردت في كتابات القديس جيروم(2) وآخرين، وقصاصات ضمن كتابات قزماس(3).
وفي سنة 1842م نقل هنري تتام(4) H. Tattam إلى إنجلترا من دير والدة الإله بالإسقيط المشهور بدير السريان كمية كبيرة من المخطوطات السريانية. ولما أودعت بالمتحف البريطاني اكتشف W. Cureton أنها تحوي مجموعة من رسائل القيامة للقديس أثناسيوس. فترجمها من السريانية إلى الإنجليزية ونشرها في لندن سنة 1848. كما ترجمها Larsaw إلى الألمانية ونشرها في برلين سنة 1852م.
_________________________________________
(1) ورد في قاموس
الآثار المسيحية صفحة 1592 بعض الشك حول رسمية تفويض كنيسة الإسكندرية بهذا العمل إلا أن Robertson يصرح في كتابه Writings of Athanasius صفحة 500 بأن ما ذكره الأنبا كيرلس بابا الإسكندرية في كتاباته عن القيامة “Prologus Paschalis" يؤكد هذه الحقيقة بوضوح. ويرى روبرتسن أن مجال ذلك الشك لا يدور حول هذه الحقيقة التاريخية نفسها بل حول المرجع الخاص بها.
(2) St. Jerome أكبر متحمس لنشر الرهبنة في روما. ويعتبر "قنطرة" الثقافة الدينية بين الشرق والغرب إذ قضى زمانه متنقلاً بين بلادهما ناقلاً ومترجمًا ومؤلفًا (331-430م).
(3) وهو مشهور "بالبحار الهندي" Cosmas Indicopleustes وهو تاجر مصري من الإسكندرية اشتهر في منتصف القرن السادس م. جاب البحار: المتوسط وألحمر والخليج الفارسي وزار الهند وسيلان. وأهم مؤلفاته "الوبوغرافيا المسيحية" مكون من 12 جزء كتبه حوالي سنة 547م.
(4) تمكن تتام من الحصول على 6 كتب في 14 يناير 1838 ثم على 43 كتابًا في 9 فبراير 1938 ثم عاد بعد أربع سنوات 1842 وحصل على كمية أخرى ولكن الرهبان استطاعوا إنقاذ بعضها.
كتب القديس أثناسيوس 45 رسالة لأعياد القيامة ال 45 التي جلس فيها على كرسي الإسكندرية من عيد القيامة سنة 329 إلى سنة 373. ولم يكتب رسالة لسنة 328 التي سيم فيها بطريركًا لأنه سيم يوم 8 يونيو 328 أي بعد عيد القيامة الذي كان يوم 14 أبريل 328م (الموافق 19 برمودة 44ش). ولأن سلفه الأنبا الكسندروس كان قد كتب رسالة القيامة قبل نياحته في 17 أبريل 328.
وللأسف لم يعثر منها إلا على 27 رسالة فقط. وبعضها غير كامل. وما زالت 18 رسالة مفقودة وهي رسائل السنوات التالية: 336- 337- 343- 344- 349- 351- 353- 354- 358- 359- 360- 361- 362- 363- 364- 365- 366- 369م. كما أن الأصل اليوناني (وهي اللغة الدولية التي كتب بها أثناسيوس) ما زال مفقودًا.
وقد عثر على مخطوطة سريانية أخرى بها فهرست ومختصر ال 45 رسالة التي لأثناسيوس وبمطابقة الفهرست مع ما وجد من الرسائل ثبت عددها وصحة تسلسلها وتاريخها.
يتفق أسلوب هذه الرسائل مع كتابات أثناسيوس الأخرى. إذ تمتاز بنفس الغيرة الروحية، وحرارة دوافع المحبة نحو شعبه، وبساطة العبارة. كما تدل على خبرة عميقة ودراسة واسعة لأسفار الكتاب المقدس بعهديه. فكل نصائحه وإرشاداته وتعابيره من الكتاب المقدس. لدرجة أن أسلوبه إصطبغ بلغة الكتاب وروحه. ولا عجب فإنه من فضلة القلب يتكلم الفم.
سنحاول بمشيئة الرب ترجمة هذه الرسائل عن الإنجليزية عن مجموعة
“Nicience & Post – Nicience Fathers” مجلد 4، مع تبويبها ووضع بعض العناوين الجانبية، وحذف بعض العبارات منعًا للتكرار أو الإطالة.
الرسالة الأولى(1)
عيد القيامة في 11 برمودة سنة 45 ش
6 أبريل سنة329م.
هيا بنا يا أحبائي، فالوقت يدعونا إلى حفظ العيد. وشمس البرّ (مل 2:4) إذ يشرق بأشعته الإلهية علينا يعلن عن موعد العيد. لذا يجب الاحتفال به مطيعين إياه، لئلا إذ فاتنا الوقت قد يفوتنا السرور أيضًا.
من أهم واجباتنا هو تمييز الأزمنة والأوقات، حتى نتمكن من ممارسة الفضيلة. كان الطوباوي بولس يعلم تلميذه أن يلاحظ الوقت، قائلاً: "أعكف على ذلك في وقت مناسب وغير مناسب (2 تي2:4)، حتى إذا ما عرف الوقتين – المناسب وغير المناسب – يستطيع أن يصنع الأمور التي تناسب مع الوقت ويتحاشى ما هو غير مناسب.
وهكذا فإن إله الكل نفسه يعطي كل شيء في وقته كقول سليمان الحكيم (جا 7:3)، مريدًا بذلك أن يعم خلاص البشر في كل مكان في الوقت المناسب.
وهكذا "حكمة الله" (1 كو 24:1)، ربنا ومخلصنا يسوع المسيح، أوجد في الأوقات المناسبة، من النفوس المقدسة أنبياء وأحباء الله (حك 27:7). وبالرغم من أن كثيرين قد قدموا صلوات لأجله (لكي يأتي مسرعًا ليقدم الخلاص) قائلين: "ليأتِ من صهيون خلاص الله" (مز 14:7)، أو كما جاء في سفر نشيد الأناشيد على لسان العروس قائلة "ليتك كأخ لي الراضع ثدي أمي" (نش 1:8)، أي ليتك كنت كبني البشر تحمل آلام البشرية من أجلنا. بالرغم من كل هذه الصلوات فإن إله الكل، خالق الأزمنة والأوقات، الذي يعرف ما هو لصالحنا أكثر منا، فإنه في الوقت المناسب، في ملء الزمان، وليس في أي وقت ما اعتباطًا، أعلن كطبيب ماهر طريق شفائنا، إذ أرسل ابنه لكي نطيعه قائلاً: "في وقت القبول وفي يوم الخلاص أعنتك". (إش 8:49)
___________________________________________
(1) استعنت كثيرًا بترجمة دير السريان للرسالة.
لهذا السبب كتب الطوباوي بولس حاثًا إيانا أن نحفظ هذا الموسم بقوله "هوذا الآن وقت مقبول… هوذا الآن يوم خلاص" (2 كو 6:2).
قديمًا دعي الرب بواسطة موسى… إلى حفظ أعياد اللاويين في المواسم المقررة قائلاً: "ثلاث مرات تعيد لي في السنة" (خر14:23. الثلاثة أعياد هي: عيد الفصح أو الفطير، عيد الخمسين أو الأسابيع أو الحصاد، عيد المظال أو الجمع). وكانت أبواق الكهنة تهتف حاثة على حفظ العيد كأمر المرنم الطوباوي القائل: "انفخوا في رأس الشهر بالبوق عند الهلال ليوم عيدنا" (مز 3:81).
وكما كتب، كانت الأبواق تدعوهم أحيانًا إلى الأعياد، وتارة إلى الصوم، وثالثة إلى الحرب، ولم يكن ذلك من قبيل المصادفة أو جزافًا، إنما كان الهتاف يتم لكي يتسنى لكل واحدٍ أن يحضر إلى الأمر المعلن عنه.
هذه الأمور التي أتحدث عنها ليست من عندياتي بل جاءت في الكتب المقدسة الإلهية، إذ كما جاء في سفر العدد، عندما ظهر الله لموسى كلمه قائلاً "اصنع لك بوقين من فضة، مسحولين تعملهما، فيكونان لك لمناداة الجماعة" (عد 1:10-2). وهذا يطابق دعوة الرب الآن للذين يحبونه ههنا…
أنهم لم يكونوا يهتفون بالأبواق في وقت الحروب فحسب (عد 9:10)، لكنها كانت هناك أبواق للأعياد أيضًا كما جاء في الناموس… إذ يقول: "في يوم فرحكم وفي أعيادكم ورؤوس شهوركم تضربون بالأبواق" (عد 10:10).
ومتى سمع أحدكم الناموس يوصي باحترام الأبواق، لا يظن أن هذا أمرًا تافهًا أو قليل الأهمية، إنما هو أمر عجيب ومخيف!
فالأبواق تبعث في الإنسان اليقظة والرهبة أكثر من أي صوت آخر أو آلة أخرى. وكانت هذه الطريقة مستخدمة لتعليمهم إذ كانوا لا زالوا أطفالاً…
ولئلا تؤخذ هذه الإعلانات على أنها مجرد إعلانات بشرية، فقد كانت أصواتها تشبه تلك الني حدثت على الجبل (خر 16:19) حينما ارتعدوا هناك ومن ثم أعطيت لهم الشريعة ليحفظوها.
والآن فلنترك الرموز والظلال(1) لننتقل إلى معانيها.
هيا بنا إلى الحقائق، لنتطلع إلى الأبواق الكهنوتية التي لمخلصنا، التي تهتف داعية إيانا تارة إلى الحرب كقول الطوباوي بولس "فأن مصارعتنا ليست مع دم ولحم بل مع الرؤساء مع السلاطين مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر مع أجناد الشر الروحية في السماويات"(2).
وتارة تدعونا إلى العفة وإنكار الذات والوفاق بين الأزواج فنحدث العذارى عن الأمور الخاصة بالعفة، والذين أحبوا حياة البتولية عن حياة الزهد، والمتزوجين عن الأمور الخاصة بالزواج المكرم(3). وهكذا تظهر لكل واحد الفضائل الخاصة به وجزاءه المكرم.
وتارة تدعونا للصوم، وأخرى للعيد. وهنا نجد الرسول يهتف بالبوق مرة أخرى ليعلن قائلاً "إن فصحنا أيضًا المسيح قد ذبح لأجلنا. إذًا لنعيد ليس بخميرة عتيقة ولا بخميرة الشر والخبث"(4).
وإن أردت أن تنصت إلى هتاف بوق… فأنصت إلى قول مخلصنا "وفي اليوم الأخير العظيم من العيد وقف يسوع ونادى قائلاً إن عطش أحد فليقبل إليّ ويشرب"(5) لأن المخلص لا يدعونا إلى مجرد عيد بل إلى "العيد العظيم" ذلك إن كنا مستعدين للاستماع إلى ما يعلنه لنا، والطاعة لندائه.
وإذ توجد نداءات مختلفة –كما سبق أن قلت- أنصتوا إلى النبي الذي يهتف في البوق معلنًا الحق قائلاً "اضربوا بالبوق في صهيون قدسوا صومًا"(6)
هذا بوق منذر يوصينا باهتمام عظيم. فنحن حينما نصوم يلزمنا أن نقدس الصوم.
ليس كل من يدعو الله يقدس الله، لأنه يوجد من يدنس الله، وهؤلاء لا يدنسون الله ذاته، فحاشا لله أن يتدنس، إنما تدنست أفكارهم من جهة الله. لأن الله القدوس، ومسرته في القديسين(7). ولهذا نجد الطوباوي بولس يتهم الذين يهينون الله بأنهم "بتعدي الناموس يهينون الله"(8).
___________________
(1) لأن الناموس إذ له ظل الخبرات العتيدة (عب10:1).
(2) أف12:6.
(3) 1كو2:7-5.
(4) 1كو7:5،8.
(5) يو37:7.
(6) يؤ15:2.
(7) مز3:16.
(8) رو32:2.
ولكي يفرزنا الله عن الذين يدنسون الصوم يقول "قدسوا صومًا"، إذ كثيرين ممن يتسابقون في الصوم يدنسون أنفسهم بأفكار قلوبهم، وذلك أحيانًا بصنعهم الشرور ضد اخوتهم، وأحيانًا أخرى باستخدامهم الغدر والغش…
وحسبي أن أذكر أن كثيرين يفتخرون على الغير بالصوم وهم بهذا يسببون أضرارًا خطيرة. فمع أن الفريسي كان يصوم يومين في الأسبوع إلا أنه لم يستفد شيئًا لأنه افتخر بذلك على العشار. وكأن الكلمة يوبخ شعب بني إسرائيل (الشرير) لصومه هكذا، واعظًا إياهم بإشعياء النبي "أمثل هذا يكون صوم أختاره: يومًا يذلل الإنسان فيه نفسه، يحني كالأسلة رأسه ويفرش تحته مسحًا ورمادًا؟! هل تُسمي هذا صومًا ويومًا مقبولاً للرب؟!"(1)
ولكي أظهر كيف نصوم، وماذا يكون عليه صومنا، يلزمنا أن ننصت إلى الله وهو يوصي موسى في سفر اللاويين "وكلم الرب موسى قائلاً. أما العاشر في هذا الشهر السابع فهو يوم الكفارة. محفلاً مقدسًا يكون لكم تذللون نفوسكم وتقربون وقودًا للرب"(2) ولكي تظهر الشريعة ماذا تقصد من هذا يكمل "أن كل نفس لا تتذلل في هذا اليوم عينه تقطع من شعبها"(3).
كيف نصوم؟
أننا مطالبون أن نصوم، لا بالجسد فقط بل بالروح أيضًا. والروح يتضع حينما لا يتبع الأفكار الرديئة بل يغتذي بالشوق.
فالفضائل والشرور كلاهما غذاء للروح. فالإنسان له أن يغتذي بأي الغذائين، له أن يميل إلى أي منهما حسب إرادته الخاصة.
فإن مال الإنسان نحو الفضيلة. أغتذى بالفضيلة، والصلاح، وضبط النفس، والإتضاع، والإحتمال، وذلك كقول الرسول بولس "متربيًا (مغتذيًا) بكلام الإيمان"(4) وكما كان الحال مع مخلصنا الذي قال: "طعامي أن أعمل مشيئة أبي الذي في السماوات"(5)
فإذا كان حال الروح غير هذا، بل كان الإنسان يميل إلى أسفل، فإنه لا يتغذى إلا بالخطية، وهكذا يصف الروح القدس الخطاة ويتكلم عن غذائهم، وذلك حينما يشير إلى الشيطان قائلاً عنه "جعلته طعامًا لأهل…" (مز 4:74) فالشيطان هو طعام الخطاة!
__________________________________
(1) إش5:58 يبين عدم قبول الله التمسك بمظاهر العبادة إذا لم تقترن بالروح.
(2) لا26:23-27.
(3) لا29:23.
(4) 1تي6:4.
(5) يو34:4.
(6) .
وإذ ربنا ومخلصنا هو الخبز السماوي، لهذا فهو غذاء القديسين، لهذا قال "إن لم تأكلوا جسدي وتشربوا دمي…." (يو 53:6)
بينما الشيطان هو غذاء الدنسين، الذين لا يصنعون أعمال النور بل أعمال الظلمة. ولكي يجذبهم الله ويردهم عن شرورهم، يوصيهم أن يقتاتوا بالفضيلة وخاصة تواضع العقل، المسكنة، واحتمال الإهانات، والشكر لله.
إن صومًا كهذا متى حفظ مقدسًا هكذا، فأنه لا يؤدي إلى التوبة فحسب، بل ويهيء القديسين ويسمو بهم عن الأرضيات.
بالتأكيد ما سأقوله الآن عجيب جدًا، غير أنه ليس ببعيد عن الحق، إذ أنه من تلك الأمور المعجزية، كما تعلمون كذلك من الكتب المقدسة.
فحينما كان ذلك الرجل العظيم موسى صائمًا، تكلم مع الله واستلم الشريعة.
وعندما كان العظيم القديس إيليا صائمًا، استحق أن يعاين رؤى إلهية. وفي النهاية رفع على مثال ذاك (السيد المسيح) الذي صعد إلى السماء.
ودانيال عندما كان صائمًا، أؤتمن على الشر، رغم كونه شابًا، وكان هو الوحيد الذي يفهم أسرار الملك، واستحق أن يعاين رؤى إلهية.
وقد يساور البعض الشك بسبب طول مدة صوم هؤلاء الرجال، التي تبدو كأمر عجيب. لكن ليؤمن هؤلاء وليعرفوا أن التأمل في الله وكلمة الله كافيًا لتغذية هؤلاء الصائمين(2)…
فالملائكة لا يسندهم سوى معاينتهم وجه الله على الدوام.
وطالما كان موسى يكلم الله لذلك كان يلزمه أن يصوم جسديًا، لكنه كان يغتذي بالكلام الإلهي. وغذ نزل إلى الناس شعر بألم الجوع مثل سائر البشر. لأنه لم يذكر عنه أنه صام أكثر من الأربعين يومًا التي كان يحادث فيها الله، وعلى هذا النحو استحق كل أحد من القديسين لطعام يفوق العقل.
لهذا إن اغتذت نفوسنا يا أحبائي بالطعام الإلهي، من الله الكلمة، وسلكنا حسب مشيئته، وصامت أجسادنا عن الأمور الخارجية، بهذا نحفظ ذلك العيد العظيم المخلص.
_________________________
(1) ينبغي ألا نرتئي فوق ما نرتئي، إنما يصوم الإنسان قدر قامته الروحية (خاضعًا لقوانين الكنيسة ومسترشدًا بأب اعترافه) فليس لإنسان منا أن يصوم مثلاً كموسى أربعين يومًا بغير أكل أو شرب بحجة الإقتداء بموسى…الخ. وهذا ما يعلنه القديس أثناسيوس فيما بعد.
حتى اليهود الجهلاء، تناولوا من الطعام الإلهي حينما أكلوا الخروف في الفصح كرمز، لكن عدم فهمهم للرمز لا زالوا حتى يومنا هذا مخطئين، لأنهم يأكلون الفصح بعيدًا عن المدينة "أورشليم" مبتعدين عن الحق… إذ لا يسمح لهم بإقامة تلك الطقوس في أي مدينة أخرى(1)، وحيث أن أورشليم قد خربت لهذا كان يلزم أن تنتهي تلك الرموز أيضًا.
لاحظوا أنه بمجيء مخلصنا قد انتهت هذه المدينة(2) وخربت كل أرض اليهود. ومن شهادة هذه الأمور وما تؤكده لنا عيوننا عن هذه الحقائق لا تحتاج إلى دليل آخر، لهذا يلزم بالضرورة أن ينتهي الرمز.
وليس كلامي فقط هو الذي يوضح هذه الأمور، بل قد سبق النبي فأنبأ بذلك صارخًا: "هوذا على الجبال قدما مبشر منادِ بالسلام" (نا 15:1). وما هي رسالته التي بشر بها إلا التي أخذ يعلنها لهم، قائلاً: "عيدي يا يهوذا أعيادك، أوفي للرب نذورك. فإنهم لا يعودوا إلى ما هو قديم. قد انتهى؛ لقد انقرض كله. لقد ارتفع ذاك الذي نفخ على الوجه وخلصك من الغم" (نا 1: 15؛ 2:1 LXX). والآن: من هو هذا الذي ارتفع؟... إن أردتم معرفة الحقيقة والتخلص من ادعاءات اليهود، تطلعوا إلى مخلصنا الذي ارتفع ونفخ في وجه تلاميذه قائلاً: "اقبلوا الروح القدس" (يو22:20). فبمجرد أن كمل هذا (الصلب) انتهت الأمور العتيقة، فانشق حجاب الهيكل (مت51:27)، وتحطم المذبح (اليهودي)، ومع أن المدينة لم تكن بعد قد خربت، إلا أن رجسة الخراب (مت15:24) كانت تستعد للجلوس في وسط الهيكل، فتتلقى أورشليم وكل تلك الفرائض العتيقة نهايتها.
___________________________
(1) يحذرهم الناموس من تقديم الذبيحة في أي مكان آخر (تث11:12-14).
(2) خربت مدينة أورشليم سنة 70 م على يد القائد الروماني فسياسياتس وابنه تيطس، وقد حاول البعض إعادة بناء الهيكل في عهد الإمبراطور يوليانوس، فحدثت زلزلة وحوادث خارقة للطبية أبطلت العمل، إتمامًا لقول الرب لليهود "هوذا بيتكم يترك لكم خرابًا" مت38:23.
حمل الله:
منذ ذلك الحين تركنا وراءنا عصر الرموز، فلم نعد نمارس تلك الطقوس في ظلها، بل قد حولناها كلها إلى الرب. "وأما الرب فهو الروح. وحيث روح الرب هناك حرية"(1).
فأننا متى سمعنا هتاف البوق المقدس، لا نعود نذبح خروفًا عاديًا، بل ذلك الحمل الحقيقي الذي ذبح عنا –ربنا يسوع المسيح- الذي سيق "كشاة تساق إلى الذبح وكنعجة صامتة أمام جازيها"(2).
فقد تطهرنا بدمه الكريم "الذي يتكلم أفضل من هابيل"(3)، واحتذت أرجلنا باستعداد الإنجيل(4)، حاملين في أيدينا سلاح الله الكامل الذي كان موضوع تعزية الطوباوي الذي قال "عصاك وعكازك هما يعزيانني"(5). وبالإجمال نكون مستعدين في كل شيء، وغير مهتمين بشيء لأن الرب قريب(6)، وذلك كقول الطوباوي بولس. وكذلك يقول مخلصنا "في ساعة لا تظنون يأتي إبن الإنسان"(7).
"إذا لنعيد ليس بخميرة عتيقة ولا بخميرة الشر والخبث بل بفطير الإخلاص والحق" (1 كو 8:5).
وإذ نخلع الإنسان العتيق وأعماله، نلبس الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله (أف 22:4، 24)، ونلهج في ناموس الله نهارًا وليلاً، بعقل متواضع وضمير نقي.
لنطرح عنا كل رياء وغش، مبتعدين عن كل رياء ومكر.
ليتنا نتعهد بحب الله ومحبة القريب، لنصبح خليقة جديدة، متناولين خمرًا جديدًا...
إذًا لنحفظ العيد كما ينبغي.
________________________
(1) 2كو17:3.
(2) إش7:53.
(3) عب24:12
(4) أف15:6.
(5) مز4:23.
(6) في5:4.
(7) لو40:12.
(8)
موعد العبد:
إننا نبدأ الصوم المقدس(1) في اليوم الخامس من برمودة (31 مارس) وبإضافة تلك الستة أيام المقدسة(2) - وبإضافة تلك الستة أيام المقدسة العظيمة(2) التي ترمز إلى أيام خلقة العالم – ينتهي الصيام ونستريح في السبت(4) المقدس للأسبوع في العاشر من برمودة (5 أبريل).
وحينما يشرق علينا اليوم الأول من الأسبوع المقدس (الأحد) يكون العيد وهو الحادي عشر من نفس الشهر (6أبريل).
ثم نحسب ابتداء منه الأسابيع السبعة(5) أسبوعًا أسبوعًا فنعيد عيد البنديكستي المجيد(6) الذي كان يقابل "عيد الأسابيع"(7)…
وقد كان يوم خلاص، فيمنحون فيه الصفح والإبراء من الديون.
________________________________
(1) القريب هو كل إنسان محتاج إلى خدمتك أو معونتك مهما كان جنسه أو لونه أو ديانته – راجع مثل السامري الصالح (لو25:10-37).
(2) يقصد صوم أسبوع الآلام وقديمًا كان يقام منفصلاً عن صوم الأربعين المقدسة. كما ورد في الباب الثامن عشر من كتاب "مصباح الظلمة وإيضاح الخدمة" لابن كبر (قسيس المعلقة في القرن 14م). "وكانت جمعة الآلام تعمل مفردة في الوقت المخصوص بها لأن لها وقتًا مشروطًا واحدًا محددًا قرره الآباء ورسموه ليكون الفصح المجيد بعد عيد فصح اليهود بحيث أنه لا يكون معه البتة. ثم اتصلت بآخر الأربعين المقدسة فحسن وضعها…"
(3) التي لأسبوع الآلام.
(4) لو56:23.
(5) وهي السبعة أسابيع التي لأيام الخماسين.
(6) عيد البنديكستي Pentecost. وهو عيد حلول الروح القدس ويسمى كذلك عيد العنصرة. (أعمال1:2-14).
(7) وكان يسمى أيضًا عيد الخمسين (خر22:34، لاويين15:23، تث16:16) وعيد الباكورة (ع26:28، وكان يعتبر عيد شكر لأجل الحصاد وبجانب احتفال المسيحيين به في العهد الجديد للشكر على نعمة حلول الروح القدس، فقد اعتاد الأقباط أيضًا الشكر على خيرات الله الزراعية فيقدمون للمحتاجين باكورة من الفواكه وحاصلات الموسم في هذا اليوم.
لنحفظ العيد في اليوم الأول من الأسبوع العظيم كرمز للحياة الأخرى، التي نأخذ عنها هنا وعدًا بأنه ستكون لنا حياة أبدية بعد الموت.
من ثم سنحفظ عيدًا نقيًا مع المسيح، هاتفين قائلين مع القديسين "لأني سأجوز إلى بيت الله بصوت الإبتهاج والحمد وهتاف المعيدين"(1) حيث هرب الحزن والكآبة والتنهد. وستكلل رؤوسنا البهجة والفرح.
ليتنا نستأهل لنوال هذه البركات.
فلنتذكر الفقير، ولا ننس عمل الله للغريب.
وفوق الكل فلنحب الله من كل نفوسنا، ومن كل قدرتنا، ومن كل قوتنا، ونحب قريبنا كنفسنا(2). حتى نحصل على ما لم تره عين وما لم تسمع به أذن وما لم يخطر على قلب بشر، ما أعده الله للذين يحبونه(3). بنعمة ابنه الوحيد ربنا ومخلصنا يسوع المسيح الذي له مع الآب والروح القدس المجد والسلطان إلى أبد الآبدين. آمين.
سلموا على بعضكم بعضًا بقبلة مقدسة. يسلم عليكم جميع الإخوة الذين معي.
________________________
(1) مز4:42.
(2) مت37:22، مر12، 30، لو27:10.
(3) 1كو9:2.
الرسالة الثانية
عيد القيامة في 24 برمودة سنة 46 ش
19 أبريل سنة 330م
إخوتي… هل جاء عيد الفصح وحل السرور، إذ أتى بنا الرب إلى هذا العيد مرة أخرى، لكي إذ نتغذى روحيًا –كما هي العادة- نستطيع أن نحفظ العيد كما ينبغي؟!
إذًا فلنعيد به فرحين فرحًا سماويًا مع القديسين الذين نادوا قبلاً بمثل هذا العيد، وكانوا قدوة لنا في الاهتداء بالمسيح. لأن هؤلاء ليس فقط أؤتمنوا على الكرازة بالإنجيل فحسب، وإنما حتى فحصنا الأمر نجدهم كما هو مكتوب أن قوته كانت ظاهرة بهم، لذلك كتب (الرسول) "كونوا ممتلئين بي"(1).
هذه الوصية الرسولية تنذرنا نحن جميعًا، لأن الوصايا التي أرسلها (الرسول) إلى أشخاص، إنما يأمر بها في نفس الوقت كل إنسان في كل مكان، إذ كان "معلمًا لكل الأمم في الإيمان والحق"(1).
على وجه العموم، تحثنا وصايا كل القديسين على ذلك بالقدوة، وذلك كما استعمل سليمان الأمثال قائلاً: "اسمعوا أيها البنون تأديب الرب، أصغوا لأجل معرفة بفهم، لأني أعطيتكم تعليمًا صالحًا، فلا تتركوا شريعتي. فإن كنت ابنًا لأبي غضًا ووحيدًا عند أمي" (أم 1:4). لأن الأب البار يربي أولاده تربية حسنة، إذ يجتهد في تعليم الآخرين بسيرته المستقيمة الفاضلة. حتى إذا ما حدثت مقاومة، لا يخجل من سماعه هذا القول "فأنت الذي تعلم غيرك ألست تعلم نفسك" (رو 21:2)، إنما يكون بالحري مثل خادم أمين يقدر أن يخلص نفسه ويربح الآخرين. وإذ تتضاعف النعمة المعهودة إليه يستطيع أن يسمع ذلك القول "نعمًا أيها العبد الصالح والأمين. كنت أمينًا في القليل فأقيمك على الكثير. أدخل إلى فرح سيدك" (مت 21:25).
__________________________
(1) 1تي7:2.
ليتنا لا نكون سامعين فقط بل وعاملين بوصايا مخلصنا، فأن هذا يليق بنا في كل الأوقات وبالأخص في أيام العيد، أننا بإقتدائنا بسلوك القديسين يمكننا أن ندخل معهم إلى فرح ربنا الذي في السموات، هذا الفرح غير الزائل بل باق بالحقيقة.
هذا الفرح يحرم فاعلو الشر أنفسهم منه بأنفسهم، ويتبقى لهم الحزن والغم والتنهدات مع العذابات…
لنرى هؤلاء الذين ليس لهم الافتداء باهتداء القديسين، ليس لهم الفهم الحقيقي الذي به كان الإنسان منذ البداية عاقلاً وعلى صورة الله… ماذا يشبهون؟!
أنهم بسبب عدم نعمتهم يشبهون بالوحوش التي بلا فهم، إذ صاروا في اللذات الدنسة مثل الحيوانات، كفرسان جامحة(1)!
لقد دعوا "أولاد الأفاعي"(2) كقول يوحنا، بسبب أهوائهم وأخطائهم والخطية التي تقودهم إلى الموت، إذ لم يرتفعوا بأذهانهم عن الأمور المنظورة، بل يحسبون أن هذه الأمور المنظورة هي أمور صالحة، ويسرون بها لأجل خدمة شهواتهم لا الله.
أنه لأجل هذا السبب عينه جاءت الكلمة المحبة للإنسان… تبحث لتجد ما قد فقد، وتطلب أن تصدهم عن غباوتهم هذه، صارخة قائلة "لا تكونوا كفرس أو بغل بلا فهم بلجام وزمام زينته لكم لئلا يدنو إليك"(3).
وإذ كان هؤلاء متهاونين ومقتدين بالأشرار، لهذا يصلي النبي في الروح قائلاً بأنهم في نظره كانوا يشبهون تجار فينيقية(4).
ويعترضهم الروح المنتقم ضدهم بهذه الكلمات "يا رب عند التيقظ تحتقر خيالهم"(5).
وهكذا إذ يتغيرون إلى شبه الأغبياء، ينطمس فهمهم… لذلك "بينما يزعمون أنهم حكماء صاروا جهلاء… وكما لم يستحسنوا أن يبقوا الله في معرفتهم أسلمهم الله إلى ذهن مرفوض ليفعلوا ما لا يليق"(6). لأنهم لم ينصتوا إلى الصوت النبوي الذي وبخهم قائلاً "فبمن تشبهون الله. وأي شبه تعادلون به؟!"(7) ولا أنصتوا إلى داود الذي صلى من أجل أمثالهم وترنم قائلاً "مثلها يكون صانعوها بل كل من يتكل عليها"(8) إذ صاروا عمي عن التطلع إلى الحق….
__________________________________________
(1) أر8:5.(2) مت7:3
(3)مز9:32.(4)إش2:23.
(5)مز20:73(6)رو22:1،28.
(7)إش8:40.(8)مز8:115.
والآن فإن أولئك الذين لا يحفظون العيد.. هؤلاء مقدمون على أيام حزن لا سعادة، لأنه "لا سلام قال الرب للأشرار" (إش 22:48). وكما تقول الحكمة إن الفرح والسعادة منتزعان عن فمهم. هكذا تكون أفراح الأشرار.
أما عبيد الرب الحكماء، فقد لبسوا بحق الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله(2)، هؤلاء يتقبلون كلمات الإنجيل، ويحسبون الوصايا التي أعطيت لتيموثاوس على أنها وصايا عامة إذ جاء فيها "كن قدوة للمؤمنين في الكلام، في التصرف، في المحبة، في الروح، في الإيمان، في الطهارة"(3).
وهكذا يحفظون العيد حسنًا، حتى ينظر إليهم غير المؤمنين. ويقولون "إن الله بالحقيقة فيكم"(4).
فكما أن من يقبل رسولاً إنما يقبل الذي أرسله(5)، هكذا من يسلك على منوال القديسين يجعل الرب هدفه وقصده في كل شيء، لذلك فإن بولس وهو مرتبط بالمسيح يقول "كما أنا بالمسيح".
لأنه توجد أولاً كلمات مخلصنا ذاتها، إذ وهو الإله العظيم قال لتلاميذه "تعلموا مني لأني وديع ومتواضع القلب. فتجدوا راحة لنفوسكم"(6).
كذلك عندما صب ماء في مغسل واتزر بمنشفة وغسل أقدام تلاميذه قال لهم "أتفهمون ما قد صنعت بكم. أنتم تدعونني معلمًا وسيدًا وحسنًا تقولون لأني أنا كذلك. فإن كنت أنا السيد والمعلم قد غسلت أرجلكم، فأنتم يجب عليكم أن يغسل بعضكم أرجل بعض. لأني أعطيتكم مثالاً حتى كما صنعت أنا بكم تصنعون أنتم أيضًا"(7).
آه يا أخوتي، ما أعجب حب المخلص المملوء ترفقًا؟!
بأي قوة، وبأي بوق يلزمنا أن نهتف صارخين ممجدين بركاته علينا؟! فلا نحمل صورته فحسب، بل ونأخذ منه مثلاً ونموذجًا للتعييد السماوي. وكما ابتدأ هو هكذا يلزمنا نحن أن نكمل، فلا نرتعب من الآلام، ولا نشتم من يشتمنا، بل نبارك لاعنينا. ونسلم أمورنا في كل شيْ لله الذي يقضي بعدل(8).
(1)
(2) أف12:4.
(3) 1تي12:4.
(4) 1كو25:14.
(5) مت40:10.
(6) مت29:11.
(7) لو12:13-16.
(8) 1بط21:2-23.
لأن أولئك الذين طبعوا على هذا، وشكلوا أنفسهم حسب الإنجيل، يكونون شركاء مع المسيح، وممتثلين بالتحول الرسولي، الذي على أساسه يصيرون مستحقين للمديح منه، ذاك الذي مدح أهل كورنثوس عندما قال ،فأمدحكم أيها الإخوة على أنكم تذكرونني"(1)…
لنتمسك بالتقليد وليس بتعاليم الناس
هؤلاء الأشرار لا يتخفون فقط من جهة الظاهر حاملين كقول الرب ثياب الحملان، ظاهرين كقبور مبيضة، بل وينطقون بالكلمات الإلهية بينما دوافعهم الداخلية شريرة.
وأول من أخذ هذه الصورة هو الحية، التي نفثت بالشر منذ البداية، فتحدث الشيطان (عن طريقها) مع حواء خادعًا إياها.
وجاء بعد ذلك أولئك الذين يبعثون بالهرطقات الباطلة، فيستخدمون كلمات الكتاب المقدس، لكنهم لا يتمسكون بما تسلمناه من القديسين، ناظين إلى أن ما يتسلموه من القديسين هو من تقاليد الناس. هذا خطأ، إذ هم لا يعرفون من هم القديسين ولا ما هي قوتهم؟!
لذلك بحق مدح بولس أهل كورنثوس، لأن أفكارهم كانت متفقة مع التقاليد التي سلمهم إياها(2).
وقد وبخ الرب بحق اليهود قائلاً لهم "وأنتم أيضًا لماذا تتعدون وصية الله بسبب تقليدكم؟!(3). وذلك لأنهم غيروا الوصايا التي استلموها من الله بحسب فهمهم مفضلين إتباع تقاليد الناس.
بعد هذا بمدة قصيرة أصدر بولس الطوباوي توجيهاته إلى أهل غلاطية الذين كانوا في خطر من هذا، كاتبًا لهم يقول "إن كان أحد يبشركم بغير ما قبلتم فليكن أناثيما"(4).
الفرق بين التقليد وتعاليم الناس
لا توجد صداقة بين كلمات القديسين والأوهام التي من خلق البشر، لأن القديسين هم خدام للحق، كارزين بملكوت السموات، أما هؤلاء الذين يسلكون في اتجاه مضاد، فأنه ليس لهم سوى أن يأكلوا ويفكروا فيما سينتهي، قائلين "لنأكل ونشرب لأننا غدًا نموت"(5). لذلك ينتهر لوقا الطوباوي ما هو من خلق الناس مسلمًا إيانا ما هو مروٍ من القديسين ذاكرًا في بدء الإنجيل "إذ كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المتيقنة عندنا كما سلمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخدامًا للكلمة. رأيت أنا أيضًا إذ تتبعت كل شيء من ألأول بتدقيق أن أكتب على التوالي إليك أيها العزيز
______________________________
(1) 1كو2:11.
(2) 1و2:11.
(3) مت3:15
(4) غلا9:1.
(5) إش13:22.
ثاؤفيلس لتعرف صحة الكلام الذي علمت به(1).
فكل قديس من القديسين يتسلم التقاليد يساهم بغير تحريف أن يثبت تعاليم الأسرار.
لذلك فأن الكلمة الإلهية تطالبنا بالتلمذة على يدي هؤلاء فهم معلمون لنا بالحق، ولهؤلاء وحدهم يلزمنا أن نصغي، لأن لهم وحدهم "صادقة هي الكلمة ومستحقة كل قبول"(2) هؤلاء ليسوا تلاميذ لأنهم سمعوا من الآخرين بل هم شهود عيان وخدام للكلمة إذ سمعوا منه ما قد سلموه.
فالبعض منهم يتحدث عن الأعمال العجيبة التي صنعها مخلصنا مبشرين بلاهوته السرمدي، والبعض كتب عن ميلاده حسب الجسد من العذراء، كما أعلنوا عن ميلاده حسب الجسد من العذراء، كما أعلنوا عن عيد الفصح المقدس قائلين "لأن فصحنا أيضًا المسيح قد ذبح لأجلنا"(3) حتى أننا نتذكر كأفراد وكجماعة، فتتذكره كنائس العالم جميعها، كما هو مكتوب أن المسيح قام من الأموات، هذا الذي من نسل داود، كما جاء في الإنجيل.
ليتنا لا ننسى ما قد سلمه… أي عن قيامة الرب، إذ يقول عنه أنه أباد الذي له سلطان الموت أي الشيطان وأنه أقامنا معه، إذ حل رباطات الموت، ووهبنا بركة عوض اللعنة، وأعطانا الفرح عوض الحزن، وقدم لنا العيد عوض النوح، ذلك في الفرح المقدس الذي لعيد القيامة، العيد الدائم في قلوبنا، إذ نفرح به على الدوام كأمر بولس "صلوا بلا انقطاع اشكروا في كل شيء"(4). وهكذا لا نتغافل عن أن نقدم التعاليم في هذه المواسم كما تسلمنا من الآباء.
مرة أخرى نكتب لكي نحفظ التقاليد الرسولية، مذكرين بعضنا بعضًا بالصلاة، حافظين العيد معًا بفم واحد، شاكرين الرب بحق.
وهكذا إذ نقدم الشكر للرب مقتدين بالقديسين، فأن لساننا يمجد الله اليوم كله كقول المرتل(5).
وإذ نحفظ العيد كما ينبغي نتأهل للفرح الذي في السماء.
____________________________________
(1) لو1:1.
(2) 1تي5:1.
(3) 1كو7:5.
(4) 1تس17:5.
(5) مز28:35
أننا نبدأ صوم الأربعين في 13 من شهر Phamenoth (9 مارس) وبعدما نصوم هذه الفترة نبدأ بأسبوع البصخة المقدس في 18 من شهر برمودة (13 أبريل)، ونحفظ العيد في أول الأسبوع أي في 24 من الشهر (19 أبريل). وبإضافة السبعة أسابيع التي للبنيكستي العظيم بفرح مقدس متهللين في ربنا يسوع المسيح، الذي خلاله للآب المجد والسلطان في الروح القدس إلى أبد الآبدين. آمين.
يسلم عليكم الإخوة الذين معي.
قبلوا بعضكم بعضًا بقبلة مقدسة
+ + +
الرسالة الثالثة
عيد القيامة في 16 برمودة 47 ش
11 أبريل 231م
لنعيد رغم صيقتنا(1) ووجودي معكم
أخوتي الأحباء
لقد اقترب منا يوم العيد مرة أخرى، الذي أن صمتنا فيه نجعله غير مقدس، إنما يلزم أن يكون مكرسًا للصلاة أكثر من كل الأيام، وفيه نحفظ الوصايا. لأنه وإن كنا في ضيق من أولئك الذين يحزنوننا، وبسببهم سوف لا نخبركم عن هذا الموسم (إذ لا يكون بين شعبه)، لكن شكرًا لله الذي يعزي الحزانى، حتى لا ننهزم بشرور أولئك الذين يتهموننا فنصمت، ففي طاعتنا لصوت الحق نصرخ معكم عاليًا في يوم العيد، لأن إله الكل قال بأن يتكلما (موسى وهارون) مع الشعب لحفظ الفصح، ويعلن الروح في المزامير قائلاً: "انفخوا في رأس الشهر بالبوق عيد الهلال كيوم عيدنا". ويصرخ النبي قائلاً: "عيدي يا يهوذا أعيادك" (نا 15:1).
وأنا لا أرسل إليكم الكلمة كأنكم جاهلين، بل أعلنها للذين يعرفونها، حتى يدركون بأنه وإن كان بعض البعض يفرقنا، لكن الله يجمعنا، فإننا نعيد بنفس العيد، ونتعبد لنفس الإله على الدوام.
ونحن لسنا نعيد كمتفرجين، عالمين أن الرسول يوبخ أمثال أولئك قائلاً: "أتحفظون أيامًا وشهورًا وأوقاتًا وسنين" (غل 10:4)، بل بالحري نكرم هذا اليوم العظيم من أجل العيد، حتى نرضي الله – نحن جميعًا الذين نخدم الله في كل مكان - وذلك بصلواتنا الجماعية. وقد أعلن بولس الطوباوي عن قرب سرور كهذا، وهو في هذا لم يعلن عن أيامٍ بل عن الرب الذي من أجله نحفظ العيد، إذ يقول "المسيح قد ذبح لأجلنا" (1 كو 7:5)، فإذ نتأمل أبدية الكلمة نقترب منه لخدمته.
___________________________
(1) يبدو أن البابا أثناسيوس كان مستبعدًا عن شعبه بسبب بعض المضايقات التي مرت بها الكنيسة من الهراطقة.
(2) استحسنت كتابة نص الآية من الكتاب المقدس (مز3:81).
لأنه ماذا يعني العيد سوى خدمة النفس؟! وما هي هذه الخدمة إلا الصلاة الدائمة لله والشكر المستمر؟! فغير الشاكرين، البعيدين عن هذا هم بالحق محرومون من الفرح النابع من هذا، لأن الفرح والبهجة منزوعان عن أفواههم، ولذلك فإن الكلمة (الإلهية) لا تسمح لهم أن يكونوا في سلام، إذ لا سلام للأشرار قال الرب (إش 22:48)، إنما يعملون في ألم وحزن.
لهذا، حتى الذي كان مدينًا بعشرة آلاف وزنة لم ينل الصفح في نظر الرب (مت24:18)، لأنه عندما صفح عنه في الكثير، عاد فاستحق القصاص حتى عما صفح عنه بسبب نسيانه الرحمة…فإذ اختبر الرحمة، كان يلزم أن يكون هو أيضًا مترفقًا بالعبد زميله!
والذي أخذ الوزنة الواحدة، ولفها في منديل وخبأها في الأرض طرد أيضًا لتذمره وعدم شكره، سامعًا تلك الكلمات "أيها العبد الشرير والكسلان عرفت أني أحصد حيث لم أزرع واجمع من حيث لم أبذر. فكان ينبغي أن تضع فضتي عند الصيارفة. فعند مجيئي كنت آخذ الذي لي مع ربا. فخذوا منه الوزنة وأعطوها للذي له العشر وزنات (مت26:25). لأنه عندما طلب منه أن يعطي سيده حساب الوزنة كان يلزمه أن يعرف شفقة سيده الذي أعطاه هذه الوزنة ويعرف قيمة هذه العطية. فالذي أعطاه ليس برجل قاسي، لأنه لو كان كذلك لما أعطى عبيده الوزنات منذ البداية. ولا العطية التي قدمها هي بالأمر غير النافع أو باطلة، إذ ليس فيها خطأ.
فالذي أعطى هو صالح، والعطية كان يمكن أن تأتي بثمار. لذلك ملعون من يخفي القمح في وقت البذار (راجع أم26:11)، إذ يطالبنا المثل الإلهي ألا نهمل العطية أو نخبئها من غير إكثارها ومضاعفاتها، وإلا بحق نطرد خارجًا كأشرار متذمرين. على هذا ألأساس مدح الرب أولئك الذين ضاعفوا وزناتهم، قائلاً: "نعمًا أيها العبد الصالح الأمين. كنت أمينًا في القليل فأقيمك على الكثير. أدخل إلى فرح سيدك (مت23:25).
هذا كان صحيحًا وبحق، إذ يعلن الكتاب المقدس أنهم ربحوا قدر ما أخذوا. والآن ينبغي علينا يا أحبائي أن نخضع إرادتنا حسب لطف الله ولا نقصر عن العمل، لئلا إذا ما تركنا إرادتنا عاطلة ترحل عنا النعمة التي وهبت لنا فينا. وإذ يجدنا العدو (الشيطان) هكذا فارغين وعراة يدخل فينا، فيكون حالنا كتلك الحالة التي وردت في الإنجيل، ذلك الرجل الذي خرج منه الشيطان. فإنه بعد ما خرج الشيطان منه وذهب إلى أماكن جافة، عاد ومعه سبعة أرواح أشر منه إلى المنزل فوجده فارغًا، لذلك سكن هناك، وصارت أواخر ذلك الرجل أشر من أوائله.
فعدم التحلي بالفضائل يعطي للأرواح الشريرة فرصة للدخول فينا. وأكثر من هذا توجد وصية من الرسول إلى تلميذه يلزمه ألا تكون النعمة المعطاة لنا عاطلة بلا نفع. ويؤكد قائلاً له ألا يهمل الموهبة المعطاة له. لأن الذي يفلح أرضًا يُسر بالخبز، وأما طريق الكسلان فمملوء أشواكًا. ويحذرنا الروح ألا نسقط في هذا (الكسل) قائلاً "احرثوا لأنفسكم حرثًا ولا تزرعوا في الأشواك" (إر3:4)… ويوضح النبي نهاية مثل هذا الكسل قائلاً: "ملعون من يعمل عمل الرب برخاء" (إر10:48) لأنه يلزم على خادم الله أن يكون مجتهدًا حريصًا. نعم، وبالحري يكون ملتهبًا كالنار، حتى عندما يحطم الشهوات الجسدية بروح ملتهبة يكون قادرًا على الاقتراب من الله الذي يلقبه القديسون بـ "النار الآكلة".
لذلك فإن إله الكل هو "الصانع ملائكته رياحًا وخدامه نارًا ملتهبة"(3).
كذلك منع الجمهور عند رحيله عن مصر من أن يلمسوا الجبل الذي فيه يعلن الله الشريعة، لأنه ليس لهم هذه الصفة (نارًا ملتهبة). لكنه نادى موسى الطوباوي إليه، إذ كان ملتهبًا في الروح ومملوء بالنعمة غير المنطوق بها، قائلاً "ويقترب موسى وحده"(4) ودخل موسى السحاب أيضًا، وعندما كان الجبل يدخن ولم يصبه أذى بل بالعكس تنقى بفاعلية كلمات الله التي هي كفضة مختارة منقاة في الأرض(5).
(3)مز4:104(4)خر2:24
(5)مز6:12
لهذا عندما رغب بولس الطوباوي ألاَّ تبرد نعمة الروح المعطاة لنا، حذرنا قائلاً: "لا تطفئوا الروح" (1 تس 5: 19)، حتى نبقى شركاء مع المسيح. ذلك إن تمسكنا حتى النهاية بالروح الذي أخذناه، إذ قال: "لا تطفئوا..." ليس من أجل أن الروح موضوع تحت سلطان الإنسان أو أنه يحتمل آلامًا منه، بل لأن الإنسان غير الشاكر يرغب في إطفاء الروح علانية، ويصير كالأشرار الذين يضايقون الروح بأعمال غير مقدسة..
فإذ هم بلا فهم، مخادعين، ومحبين للخطية، وما زالوا سائرين في الظلام، فإنه ليس لهم ذلك النور الذي يضيء لكل إنسان آت إلى العالم (يو 1: 9).
لقد أَمسكت نار كهذه بإرميا النبي عندما كانت الكلمة فيه كنارٍ، قائلاً إنه لا يمكن أن يحتمل هذه النار (إر 20: 9)...
وجاء سيِّدنا يسوع المسيح المحب للإنسان لكي يلقي بهذه النار على الأرض، قائلاً: "ماذا أريد لو اضطرمت؟ (لو 12: 49).
لقد رغب الرب – كما شهد حزقيال (حز 18: 23، 32) - توبة الإنسان أكثر من موته، حتى ينتزع الشر عن الإنسان تمامًا، عندئذ يمكن للنفوس التي تنقت أن تأتي بثمر. فتثمر البذار التي بذرها (الرب) البعض بثلاثين والبعض بستين والآخر بمائة.
وكمثال، أولئك الذين مع كليوباس (لو 24: 32) مع أنهم كانوا ضعفاء في بداية المر بسبب نقص معلوماتهم، لكنهم أصبحوا بعد ذلك ملتهبين بكلمات المخلص، واظهروا ثمار معرفته.
وبولس الطوباوي أيضًا عندما أمسك بهذه النار لم ينسبها إلى دم ولحم، ولكن كمختبر للنعمة أصبح كارزًا بالكلمة (المسيح).
ولكن لم يكن هكذا التسعة البرص الذين شفوا، لأنهم لم يشكروا الرب الذي طهرهم.
ولا يهوذا الذي حصل على الرسولية ودعي بتلميذ الرب، ولكن أخيرًا بينما كان يأكل مع المخلص رفع عقبه ضده، وصار خائنًا.
(1) (6)لو24
أمثال هؤلاء ينالون جزاءهم عن غباوتهم، حيث أن رجاءهم يصير باطلاً لعدم اعترافنا بالجميل، فإن النار الأخيرة المعدة للشيطان وجنوده تنتظر أولئك الذين أهملوا النور الإلهي. هكذا تكون نهاية الإنسان غير الشاكر.
اشكروا الله في كل شيء.
لكن خدام الله الأمناء الحقيقيين، لا يكفوا عن تمجيد الله، إذ يعرفون أنه يحب الشاكرين. وهم يقدمون له الشكر في وقت الضيق كما في الفرح يقدمون التسبيح لله بشكر غير مبالين بهذه الأمور الزمنية، بل متعبدين لله إله كل الأزمنة.
هكذا منذ القدم كان أيوب الذي وهب أكثر من كل رجال عصره يشكر الله عندما كان في نعيم. ولما حلت به الضيقة أحتملها بصبر، وإذ تألم كان يشكر الله.
وأيضًا داود المتواضع في وقت الحزن يتغنى قائلاً "أبارك الرب في كل حين"(1).
وبولس الطوباوي لم يكف في كل رسائله عن أن يشكر الله ففي وقت الفرح لم يتوقف عن الشكر، وفي وقت الحزن كان يزداد تسبيحه لله عالمًا أن الضيق ينشئ صبرًا، والصبر تزكية والتزكية رجاء، والرجاء لا يخزى(2).
إذن لنقتف آثار هؤلاء الرجال فلا يمر علينا وقت دون أن نشكر الله، خاصة الآن فإذ نحن في شدة بسبب الهراطقة الأريوسيين الذين يضادوننا، نسبح الله وننطق بكلمات القديسين قائلين "هذا كله جاء علينا وما نسيناك"(3).
نعم فإننا حتى وإن كنا نتضايق محزونين فأننا نشكر الله، لأن الرسول الطوباوي الذي يقدم الشكر في كل وقت يحثنا أن نسلك في نفس الطريق على الدوام بقوله "في كل شيء…. مع الشكر لتعلم طلباتكم لدى الله"(4).
وإذ يرغب في أن نثبت على هذا الموقف يقول "صلوا بلا انقطاع. اشكروا في كل شيء"(5) لأنه عارف أن المؤمنين يكونون أقوياء طالما هم يشكرون، وأنهم يفرحون هادمين حصون الأعداء (الشياطين) كأولئك القديسين الذين قالوا "لأني بك اقتحمت جيشًا وبإلهي تسورت أسوارًا"(6).
______________________________
(1) مز1:34.
(2) رو3:5-5.
(3) مز17:44.
(4) في6:4.
(5) 1تس17:5،18.
(6) مز29:18.
إذًا لنثبت في كل الأوقات، خاصة الآن رغم ما يحيق بنا من أحزان وما يثيره الهراطقة ضدنا.
دعنا إذن أيها الأخوة الأحباء نعيد بشكر ذلك العيد المقدس الذي يقترب منا الآن، ممنطقين أحقاء أذهاننا، متشبهين بمخلصنا يسوع المسيح الذي كتب عنه "ويكون البر منطقة متينة والأمانة منطقة حقوية"(1)
ليمسك كل واحد منا بالجذع الذي من يسى، وليحتذي باستعداد الإنجيل(2).
لنحفظ الرسول –كقول الرسول- "ليس بخميرة عتيقة ولا بخميرة الشر والخبث بل بفطير الإخلاص والمحبة"(3)، واثقين أننا قد اصطلحنا خلال المسيح، غير منفصلين عن الإيمان به، ولا مدنسين أنفسنا مع الهراطقة والغرباء عن الحق، هؤلاء الذين نشهد مناقشاتهم ورادتهم عن خستهم. أما نحن فنفرح في أحزاننا وندخل أتون الحديد ونعبر ذلك البحر الأحمر المرعب دون أن يصيبنا أي أذى.
هكذا أيضًا عندما ننظر إلى ارتباك الهراطقة نغني مع موسى بأغنية المسيح قائلين "أرنم للرب لأنه قد تعظم" خر1:15. فنسبح مرتلين، إذ نرى الخطية التي فينا قد طرحت في البحر، وأما نحن فنعبر إلى البرية.
وإذ نتنقى بصوم الأربعين مع الصلوات والتداريب والأعمال الصالحة نستطيع أن نعبر إلى أورشليم لنأكل الفصح المقدس.
موعد العيد
يبدأ صوم الأربعين في الخامس من شهر Phamenath (أول مارس)، وكما قلت إذ قلت أنه إذ نتنقى ونستعد بواسطة هذه الأيام التي للصوم، نبدأ في الأسبوع المقدس الذي للفصح العظيم في 10 برمودة (5 أبريل)، حيث يلزمنا أن نزيد من صلواتنا زيادة عظيمة، ونزيد من أصوامنا وأسهارنا حتى يمكننا أن ندهن مقدمة منازلنا بالدم الثمين فيهرب المهلك(4).
وفي الخامس عشر من برمودة (10 أبريل) لنستريح، لأنه في ليلة الأحد نسمع رسالة الملائكة "لماذا تطلبون الحي من بين الأموات. إنه قام"(5).
نستقبل بعد ذلك يوم الأحد العظيم – أقصد في السادس عشر من شهر برمودة (11 أبريل) الذي إذ فيه قام ربنا، ووهبنا أن يكون لنا سلام مع اخوتنا.
_______________________
(1) 1بط13:1.
(2) أش5:11.
(3) أف15:6.
(4) خر7:2،23.
(5) راجع لو5:24.
إذًا لنحفظ العيد حسب مشيئته، ولنصف إلى ذلك اليوم الأول من الأسبوع المقدس السبع أسابيع التي للبنديكست، وإذ في هذا اليوم (عيد العنصرة) تسلمنا نعمة الروح القدس، فلنشكر الرب في كل حال…
قبلوا بعضكم بعضًا بقبلة مقدسة. يسلم عليكم الأخوة الذين معي.
وإنني أصلي من أجلكم أيها الأخوة المحبوبين الذين أشتاق إليهم، أن تكونوا في صحة، راجيًا أن تذكرننا في الرب…
عيد القيامة في 7 برمودة 48(1)
2 أبريل 332م.
+ + +
(أرسلت هذه الرسالة من البلاط الإمبراطوري بواسطة أحد الجنود(2))
أرسل إليكم يا أحبائي رسالتي متأخرًا وليس كما اعتدت؛ واثقًا أنكم ستسامحونني على تأخيري وذلك لطول رحلتي وبسبب مرضي. فقد أعاقاني هذان السببان عن الإرسال، هذا مع حدوث عواصف شديدة على غير العادة. فأرجأت الكتابة إليكم.
وبالرغم من طول مدة السفر مع مرضي الشديد، لكنني لا أنسى أن أقدم لكم تعاليم العيد، إذ من واجبي أن أخبركم عن العيد.
ومع أن هذه الرسالة قد جاءت متأخرة عما اعتدت عليه، لكنني أظن أنه لا زال الوقت مناسبًا، خاصة وأن أعداءنا(3). قد صاروا في عار، ووبختهم الكنيسة لأنهم اضطهدونا بلا سبب فلنرنم الآن بترنيمة العيد ناطقين بتسبحة النصرة ضد فرعون قائلين "أرنم للرب فأنه قد تعظم. الفرس وراكبه طرحهما في البحر"(4).
حسنًا يا أحبائي أن نخرج من عيد إلى عيد، فأن احتفالات العيد والأسهار المقدسة التي ترتفع في عقولنا، تدعونا إلى حفظ السهر على التأمل في الأمور الصالحة.
ليتنا لا نترك هذه الأيام تمر علينا مثل تلك التي حزنا فيها، إنما إذ نتمتع بالغذاء الروحي تخمد شهواتنا الجسدية.
بهذه الوسيلة نقدر أن نغلب أعداءنا (الشياطين والشهوات كما صنعت يهوديت المباركة(5)، إذ تدربت أولاً على الأصوام والصلوات، وبهذا غلبت الأعداء وقتلت أليفاناذ.
________________________________
(1) جاء في النص السرياني 17 برمودة بدلاً من 7، وقد ذكر التاريخ الصحيح في صلب الرسالة وهو 7 برمودة.
(2) جاء هذا في نص الخطاب.
(3) يقصد بالأعداء الهراطقة الذين وشوا به.
(4) خر1:15.
(5) يهوديت 8:13.
(6) يوديت8:13.
وعندما كان الخراب سيحيق بكل جنس استير… لم تفسد ثورة الطاغية إلا بالصوم والصلاة إلى الله، وهكذا حولت هلاك شعبها إلى حفظهم في سلام(1).
وإذ كانت الأيام التي فيها يقتل العدو أو تباد مؤامراته، تعتبر بالنسبة لهم أعيادًا… لذلك أمر موسى المبارك أن يعيد بعيد الفصح العظيم، لأن فرعون قد قتل والشعب خلص وتحرر من العبودية…
والآن يا أحبائي.. قد ذبح الشيطان، ذلك الطاغية الذي هو ضد العالم كله، فنحن لا نقترب من عيد زمني بل عيد دائم سمائي. معلنين إياه لا خلال ظلال (وحرف) بل في الحق. لأن أولئك بعد ما شبعوا من جسد الخروف الأبكم تمموا العيد، وإذ مسحوا قوائم بيوتهم بالدم نجوا من المهلك. أما الآن فإذ نأكل "كلمة" الآب وتمسح قلوبنا بدم العهد الجديد نعرف النعمة التي يهبنا إياها المخلص الذي قال "ها أنا أعطيكم سلطانًا لتدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو" (لو19:10) لأنه لا يعود يملك الموت، بل تتسلط الحياة عوض الموت، إذ يقول الرب "أنا هو الحياة" (يو6:14)، حتى أن كل شيء امتلأ بالفرح والسعادة، كما هو مكتوب "الرب قد ملك، فلتفرح الأرض".
لأنه عندما ملك الموت "على أنهار بابل جلسنا فبكينا" (راجع مز1:97، 1:137) ونحنا، لأننا قد شعرنا بمرارة الأسر. وأما الآن إذ بطل الموت وانهدمت مملكة الشيطان، لذلك امتلأ كل شيء بالفرح والسعادة. ولم يعد الله معروفًا في اليهودية وحدها بل في كل الأرض "في كل الأرض خرج منطقهم وإلى أقصى المسكونة كلماتهم" (مز1:76، 4:19).
الأمور الباقية واضحة يا أحبائي. أنه يلزمنا أن نقترب إلى عيد كهذا لا بثوب مدنس، بل أن تلتحف نفوسنا بأثواب طاهرة.
يلزمنا أن نلبس ربنا يسوع(6)، حتى نستطيع أن نعيد العيد معه.
والآن نحن نلبسه عندما نحب الفضيلة ونبغض الشر؛ عندما ندرب أنفسنا على العفة ونميت شهواتنا، عندما نحب البر الآثم، عندما نكرم القناعة، ويكون لنا عقلاً راسخًا، عندما لا ننسى الفقير بل نفتح أبوابنا لجميع البشر، عندما نعين الضعفاء وننبذ الكبرياء.
______________________________________
(1) أس16:4.
(2) .
(3) .
(4) رو4:13.
لقد كان هذا لإسرائيل القديم(1) في رموز، محاربين لأجل النصرة، معيدين في ظلال وحرف.
أما نحن أيها الأحباء فقد تحقق لنا ما كان ظلالاً، وتم ما كان حرفًا، لذلك يلزمنا ألا ننظر إلى العيد كرمز، ولا نذهب إلى أورشليم التي هي هنا أسفل (في الأرض) لكي نقدس خروف الفصح… لئلا عندما يعبر الوقت (الموسم) ينظر إلينا أننا نصنع أمرًا غير مناسب. ولكن بحسب أمر الرسل يلزمنا أن نتعدى حدود الحرف، ونترنم بأغنية التسبيح.
فبإدراكنا هذا، مجتمعين مع بعضنا البعض بالحق (المسيح) يقتربون إلينا ويقولون لمخلصنا "أين تريد أن نعد لك لتأكل الفصح؟!"(2).
فإنه لا تعود هذه الأمور تصنع في أورشليم التي هي أسفل ولا هناك فقط بالعيد بل أينما يريد الله. إنه يريد الآن أن يكون العيد في كل مكان حتى أنه "في كل مكان يقرب لاسمي (لأسمه)" (مل 11:1).
فمع أنه في التاريخ لم يكن يحفظ الفصح إلا في أورشليم لكن لما جاء ملء الزمان وعبرت الظلال وانتشرت الكرازة بالإنجيل في كل مكان، ونشر التلاميذ الأعياد في كل الأماكن كأنهم يسألون المخلص "أين تريد أن نعده؟!" والمخلص أيضًا إذ حول الحرف إلى روح، وعدنا أنهم لا يعودون يأكلون جسد الخروف، بل يأكلون جسده هو قائلاً: خذوا كلوا واشربوا هذا هو جسدي ودمي (راجع مت26:26-28).
فإذ ننتعش بهذه الأمور، فأننا بالحق يا أحبائي نحفظ عيد الفصح الحقيقي.
أننا نبدأ في أول برمودة (27 مارس) ونستريح في السادس منه (أول أبريل)، في عشية اليوم السابع، في أول أيام الأسبوع المقدس أشرق علينا في السابع من برمودة (2 أبريل) فنعيد أيضًا عيد البنديكستي المقدس بعد ذلك معلنين في هذه الأيام العالم الآتي، حتى يكون مع المسيح إلى الأبد، مسبحين الله فوق الكل في المسيح يسوع وخلالهن قائلين مع كل القديسين "آمين"
قبلوا بعضكم بعضًا بقبلة مقدسة.
يسلم عليكم كل الأخوة الذين معي.
__________________________________________
(1) هنا نلاحظ عدم اعتراف الكنيسة الأولى باسرائيل بعدما صلبوا الرب وتشتتوا وانتفت عنهم كلمة "اسرائيل".
(2) مت17:26.
(3) .
(4) .
إننا نرسل لكم هذه الرسالة من البلاط بيد الضابط officer المساعد، الذي أعطى له بواسطة Ablavius إلى مقاطعة Praetorium الذي يخاف الله بحق. لأنني وأنا البلاط دعاني الإمبراطور قسطنطين أن أراه، ولكن الMeleteins الذين كانوا هناك حاولوا إهلاكي وتحطيمي أمام الإمبراطور وذلك بدافع الحسد. ولكنهم قد صاروا في خزي وطردوا كموشين إذ انكشفوا متلبسين في أمور كثيرة.
الذين طردوا هم Callinicus، Ision، Sudaemon وGeloeus Hieracamon (1) الذي بحسب اسمه المخزي يدعى أولجيوس.
+ + +
__________________________
(1)هذا الاسم يعني "الضاحك أو الكثير الضحك".
عيد القيامة في 20 برمودة 49 ش
15 أبريل 333م
أخوتي….
إننا ننتقل هكذا من أعياد إلى أعياد، ونسير من صلوات إلى صلوات، ونتقدم من أصوام إلى أصوام، ونربط أيامًا مقدسة بأيام مقدسة.
لقد جاء مرة أخرى الوقت الذي يجلبنا إلى بداية جديدة، تعلن عن الفصح المبارك الذي فيه قدم الرب ذبيحة.
إننا نأكله بكونه طعام الحياة، ونتعطش إليه مبتهجة نفوسنا به كل الأزمان، كأنه يفيض بدمه الثمين.
إننا نشتاق إليه على الدوام شوقًا عظيمًا، وقد نطق مخلصنا بهذه الكلمات في حنو محبته موجهًا حديثه إلى العطشى، إذ يريد أن يروي كل عطشان إليه، قائلاً "إن عطش أحد فليأت إلي ليشرب"(1).
ولا يقف الأمر عند هذا الحد إذا جاءه أحد يروي عطشه فحسب، بل عندما يطلب إنسان يعطيه المخلص بفيض زائد مجانًا. لأن نعمة الوليمة لا يحدها زمن معين ولا ينقص عظمة بهائها، بل هي دائمًا قريبة تضيء أذهان المشتاقين إليها برغبة صادقة. لأن في هذه الوليمة فضيلة دائمة يتمتع بها ذوي العقول المستنيرة المتأملين في الكتاب المقدس نهارًا وليلاً، وذلك مثل الرجل الذي وهب نعمة كما جاء في المزامير "طوبى للرجل الذي لم يسلك في مشورة المنافقين وفي طريق الخطاة لم يقف وفي مجلس المستهزئين لم يجلس. لكن في ناموس الرب يلهج نهارًا وليلاً"(2) لأن مثل هذا لا تضيء له الشمس أو القمر أو مجموعة الكواكب الأخرى، بل يتلألأ ببهاء الله الذي هو فوق الكل.
أعزائي… إن الرب هو الذي سبق فأعد لنا أولاً هذا العيد، وهو الذي يتعطف بنا ويتحنن علينا بأن نعيد به عامًا بعد عام فقد أرسل ابنه للصليب من أجلنا، ووهبنا بهذا السبب العيد المقدس الذي يحمل في طياته كل عام شهادة بذلك، إذ يتم العيد كل عام في نفس الوقت (بنفس المناسبة).
________________________________
(1) يو37:7.
(2) مز1:1،2.
وهذا أيضًا ينقلنا من الصليب الذي قدم للعالم إلى ذاك الذي هو موضوع أمامنا، إذ منه ينشئ لنا الله فرحًا بالخلاص المجيد، ويحضرنا إلى نفس الاجتماع، ويوحدنا في كل مكان بالروح، راسمًا لنا صلوات عامة، ونعمة عامة تحل علينا من العيد.
فإن هذا هو عجب محبته المترفقة، أنه يجمع في نفس المكان من هم على بعد، ويقرب أولئك الذين هم بعيدين بالجسد ليكونوا بروح واحد.
لهذا ألا نعرف يا أحبائي النعمة التي تنبع من قدوم العيد!؟
أما نرد شيئًا لذاك الذي هو محسن علينا؟!
حقًا إنه يستحيل أن نرد لله حسناته علينا، لكنه أمر شرير أن نأخذ الهبات ولا نعرفها.
والطبيعة نفسها تشهد بعجزنا، لكن إرادتنا توبخ جحودنا. لهذا فأن بولس الطوباوي عندما كان يتعجب من عظم بركات الله قال "من هو كفء لهذه الأمور"(1) لأنه قد تحرر العالم بدم المخلص، وبالموت داس الموت، ممهدًا طريق الأمجاد السماوية بغير عقبات أو حواجز لهؤلاء الذين ينمون.
لهذا عندما أدرك أحد القديسين النعمة مع عجزه عن أن يرد لله مقابلها قال "ماذا أرد للرب من أجل كثرة حسناته لي"(2).
لأنه عوض الموت تقبل حياة، وبدل العبودية نال حرية وبدل القبر وهب له ملكوت السموات.
لأنه منذ وقت قديم "تسلط الموت من آدم إلى موسى"، أما الآن فأن الصوت الإلهي قال "اليوم تكون معي في الفردوس". وإذ يشعر الإنسان القديس بهذه النعمة يقول "لولا أن الرب كان معي، لهلكت نفسي في الهاوية"(3).
علاوة على هذا، يشعر الإنسان بعجزه عن أن يرد للرب عن إحساناته، لكنه يعرف عطايا الله كاتبًا في النهاية "كأس الخلاص أتناول وباسم الرب أدعو… عزيز في عيني الرب موت أتقيائه"(4).
___________________________
(1) 2كو17:2
(2) مز12:116.
(3) راجع رو14:5، لو43:23، 17:94.
(4) مز13:116، 15.
أما عن الكأس، فقد قال الرب "أتستطيعان أن تشربا الكأس التي سوف أشربها أنا؟!"(1). ولما قبل التلميذان هذا، قال لهما "أما كأسي فتشربانها… وأما الجلوس عن يميني وعن يساري فليس لي أن أعطيه إلا للذين أعد لهم من أبي"(2).
لهذا يلزمنا أيها الأحباء أن تكون لنا حساسية من جهة العطية، حتى وإن وجدنا عاجزين عن رد إحسانات الرب، إنما يلزمنا أن ننتهز الفرصة.
فأن كنا بالطبيعة عاجزين عن أن نرد "للكلمة" أمور تليق به، عن تلك البركات التي أغدق بها علينا فلنشكره إذ نحن محفوظون في التقوى. وكيف يمكننا أن نربط بالتقوى إلا بتعرفنا على الله الذي من أجل حبه للبشر قدم كل هذه البركات؟! (فأننا بهذا نحفظ الشريعة في طاعة لها، سالكين في الوصايا، لأنه بكوننا غير جاحدين بل شاكرين إياه لا نكون مخالفين للناموس ولا مرتكبين لأمور مكروهة، لأنه الله يحب الشاكرين).
وأيضًا عندما نقدم أنفسنا للرب مثل القديسين، عندما نصف أنفسنا بأننا لا نحيا لنفوسنا بل للرب الذي مات من أجلنا، كما فعل بولس الطوباوي عندما قال "مع المسيح صلبت فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا في"(3).
والآن أيها الأخوة تكمن حياتنا حقيقة في نبذنا الأمور الجسدية وتمسكنا بثبات في الأمور الخاصة بمخلصنا وحدها. فالموسم الحالي لا يتطلب منا مثل هذا الكلام فحسب بل والإقتداء بأعمال القديسين.
لنقتد بهم، ذلك إن عرفنا ذاك الذي مات (عنا) فلا نعود بعد نحيا لأنفسنا بل للمسيح الساكن فينا.
وإذ نرد إلى ربنا قدر طاقتنا، إنما نرد إليه لا من عندياتنا بل بتلك الأشياء التي أخذناها منه، التي هي نعمته، فهو يسألنا عطاياه التي وهبنا إياها. وقد حمل شهادة بذلك بقوله أن الذي تعطوني إياه إنما هو عطاياي(4). لأن ما تعطوني كأنه منكم إنما قد نلتموه مني إذ هو عطية من قبل الله.
لنقدم لله كل فضيلة وقداسة صحيحة هي فيه، ولنحفظ العيد الذي له في تقوى بهذه الأمور التي قدسها لأجلنا.
_______________________
(1) مت22:20.
(2) مت23:20.
(3) غلا20:2.
(4) راجع عد2:28
لنعمل في الأعياد المقدسة…. مستخدمين نفس الوسائل التي تقودنا إلى طريق نحو الله.
ولكن ليتنا لا نكون مثل الوثنيين أو اليهود الجهلاء أو الهراطقة أو المنشقين…
فالوثنيين يظنون أن العيد يظهر بكثرة الأكل.
واليهود إذ يعيشون في الحرف والظلال يحسبون هكذا.
والمنشقون يعيدون في أماكن متفرقة بتصورات باطلة.
أما نحن يا إخوتي، فلنسمو على الوثنيين حافظين العيد بإخلاص روحي وطهارة جسدية. ولنسمو على اليهود فلا نعيد خلال حرف وظلال، بل بكوننا قد تلألأنا مستنيرين بنور الحق، ناظرين إلى شمس البر (مل 2:4). ولنسمو على المنشقين فلا نمزق ثوب المسيح بل لنأكل في بيت واحد هو الكنيسة الجامعة فصح الرب الذي بحسب وصاياه المقدسة يقودنا إلى الفضيلة موصيًا بنقاوة هذا العيد. لأن الفصح حقًا خالٍ من الشر، للتدرب على الفضيلة والانتقال من الموت إلى الحياة.
هذا ما يعلم به الرمز الذي جاء في العهد القديم. لأنهم تعبوا كثيرًا للعبور من مصر إلى أورشليم، أما الآن فنحن نخرج من الموت إلى الحياة.
هم عبروا من فرعون إلى موسى، أما نحن فإننا نقوم من الشيطان لنكون مع المخلص.
وكما أنه في مثل ذلك الوقت يحملون شهادة سنوية عن رمز الخلاص هكذا فأننا نحن نصنع ذكر خلاصنا.
نحن نصوم متأملين في الموت، لكي نكون قادرين على الحياة.
ونحن نسهر ليس كحزانى، بل منتظرين الرب، متى جاء من العرس حتى نعيش مع بعضنا البعض في نصرة، مسرعين في إعلان النصرة على الموت.
ليتنا يا أحبائي، نحكم أنفسنا –كما تتطلب الكلمة- في كل الأوقات ونحكم أنفسنا حكمًا تامًا، وهكذا نعيش دون أن ننسى قط أعمال الله العظيمة، ولا ننفصل قط عن ممارسة الفضيلة!
وكما ينذرنا الصوت الرسولي قائلاً "أذكر يسوع المسيح المقام من الأموات"(2)، دون أن يشار إلى زمن محدود بل أن يكون ذلك في فكرنا في كل الأوقات.
ولكن لأجل كسل الكثيرين نحن نؤجل من يوم إلى يوم، فلنبدأ إذًا من هذه الأيام!
لقد سمح بوقت التذكر (بقيامة المسيح) لأجل هذا الهدف حتى يظهر للقديسين جزاء دعوتهم، وينذر المهملين موبخًا إياهم.
لهذا فإنه ليتنا في كل الأيام الباقية نكون محفوظين في سلوك صالح، ويكون عملنا التوبة عن كل ما نهمل فيه، لأنه لا يوجد إنسان قط معصوم من الخطأ، ولو كانت حياته يومًا واحدًا على الأرض، كما يشهد بذلك أيوب الرجل البار.
__________________________
(1) .
(2) 2تي8:2.
وإذ نمتد إلى ما هو قدام(1)، ليتنا نصلي ألا نتناول الفصح بغير استحقاق حتى لا نكون في خطر.
لأن الذين يحفظون العيد في نقاوة يكون الفصح طعامهم السماوي، أما الذين ينتهكون العيد بالدنس والاستهتار، فأنه بالنسبة لهم يكون موبخًا وخطيرًا. فأنه مكتوب بأن من يأكله أو يشربه بدون استحقاق يكون مجرمًا في جسد (موت) الرب(2).
لذلك ليتنا لا نقف عند مجرد تنفيذ الطقوس الخاصة بالعيد، بل نستعد للاقتراب للحمل الإلهي ونلمس الطعام السماوي.
لننقي أيدينا ونطهر الجسد.
لنحفظ فكرنا كله من الدنس، فلا نسلم أنفسنا للكبرياء والشهوات، بل ننشغل دومًا بربنا وبالتعاليم الإلهية، حتى نكون بالكلية طاهرين نستطيع أن نكون شركاء مع الكلمة(3).
أننا نبدأ العيد المقدس في الرابع عشر من برمودة (9 أبريل) في (أول) عشية الأسبوع، وينتهي في التاسع عشر من نفس شهر برمودة (14 أبريل) ويكون اليوم الأول من الأسبوع المبارك هو 20 من نفس شهر برمودة (15 أبريل) الذي نضيف إليه السبعة أسابيع التي للبنديكستي؛ وذلك بصلوات، وبمحبة الأقرباء(4)، ومحبتنا لبعضنا البعض، وأن نكون في سلام مع الكل.
أننا بهذا نكون ورثة ملكوت السموات، خلال ربنا يسوع المسيح، الذي له مع الآب كل مجد وسلطان إلى أبد الآبدين. آمين.
يسلم عليكم كل الأخوة الذين معي.
قبلوا بعضكم بقبلة مقدسة.
+ + +
____________________________
(1) في13:3.
(2) راجع 1كو27:11.
(3) راجع 2بط4:1.
(4) القريب هنا يعني كل إنسان.
7 أبريل 334م.
أحبائي... لقد جاء بنا الله مرة أخرى إلى موسم العيد، وخلال محبته المترفقة جمعنا معًا للتعييد. لأن الله الذي أخرج إسرائيل(1) من مصر لا يزال حتى الآن يدعونا إلى العيد، قائلاً على لسان موسى: احفظ شهر الثمار الجديدة "واعمل فصحًا للرب إلهك" (تث10:16)، وعلى لسان النبي "عيدي يا يهوذا أعيادك أوفي نذورك" (نا15:1).
فإن كان الله نفسه يحب العيد ويدعونا إليه، فليس محقًا يا إخوتي أن نؤجله أو نستهين به، إنما يلزمنا أن نأتي إليه بغيرةٍ وسرورٍ، حتى إذ نبدأ هنا بالفرح تشتاق نفوسنا إلى العيد السماوي.
إن عيدنا هنا بنشاط، فإننا بلا شك نتقبل الفرح الكامل الذي في السماء، وكما يقول الرب: "شهوة اشتهيت أن آكل هذا الفصح معكم قبل أن أتألم. لأني أقول لكم إني لا آكل منه بعد حتى يكمل في ملكوت الله (لو15:22، 16).
فنحن نأكل منه الآن أن كان يفهمنا سبب العيد وبمعرفتنا للمخلص، نسلك حسب نعمته كقول بولس "إذًا لنعيد ليس بخميرة عتيقة، ولا بخميرة الشر والخبث، بل بفطير الإخلاص والحق (1كو7:5). لأنه في هذه الأيام مات الرب، كي لا نعود نشتاق إلى أعمال الموت! لقد بذل حياته، حتى نحفظ حياتنا من شباك الشيطان!
_________________________________
(1) خروج إسرائيل من مصر كان صورة رمزية لإنعتاق الإنسان من عبودية شهوات العالم. وإذ تم الخروج الأول بذبح الخروف… هكذا ذبح الحمل الحقيقي عنا، فبطلت الذبيحة الأولى إذ تحقق المرموز إليه. وبذا انتفت عن جماعة اليهود صفة إسرائيل وانتهت كل طقوسهم وكان يلزمهم أن يقبلوا المسيح ويصيروا مسيحيين، لكن إذ رفضوا السيد المسيح صاروا تحت اللعنة وانتفت عنهم صفة "الشعب المختار" وحكم عليهم بالخراب والتشتيت.
(2) .
(3)
(4) .
(5) .
وما هو أعجب جدًا، أن الكلمة صار جسدًا، حتى لا نعود نعيش بعد في الجسد بل بالروح نعبد الله، إذ هو الروح!
فمن لا يستعد هكذا، يفسد الأيام ولا يكون قد حفظ العيد، بل يكون إنسانًا جاحدًا يلوم النعمة… ولا يتضرع إلى الرب الذي خلصه في مثل هذه الأيام.
ليسمع مثل هذا الذي يتوهم أنه قد حفظ العيد، الصوت الرسولي يوبخه قائلاً "أتحفظون أيامًا وشهورًا وأوقاتًا وسنين. أخاف عليكم أن أكون قد تعبت فيكم عبثًا"(1).
فالعيد ليس من أجل الأيام بل من أجل الرب. فنحن نعيد له لأنه تألم من أجلنا، إذ "فصحنا أيضًا المسيح قد ذبح لأجلنا"(2).
وقد علم موسى اليهود ألا يكون العيد لأجل الأيام بل من أجل الرب قائلاً "هو فصح الرب"(3). لكن إذ فكر اليهود أن يحفظوا العيد بطل فصحهم بسبب اضطهادهم للرب، ولم يعد فصحهم بعد منسوبًا للرب، إنما صار منسوبًا إليهم(4)، لأنهم قد أنكروا يا أخوتي رب الفصح.
لأجل هذا حول الرب وجهه عن تعاليمهم قائلاً "رؤوس شهوركم وأعيادكم بغضتها نفسي"(5).
لهذا من يحفظ الفصح على منوالهم يوبخه الرب، وذلك كما فعل مع أولئك البرص الذين طهرهم. فقد أحب ذاك الذي قدم له الشكر، وغضب من الآخرين ناكري المعروف، لأنهم لم يعرفوا المخلص، بل انشغلوا بتطهرهم من البرص أكثر من ذاك الذي طهرهم.
لكن "واحد منهم لما رأى أنه شفي رجع يمجد الله بصوت عظيم. وخر على وجهه عند رجليه شاكرًا له. وكان سامريًا. فأجاب يسوع وقال أليس العشرة قد طهروا. فأين التسعة. ألم يوجد من يرجع ليعطي مجدًا لله غير هذا الغريب الجنس؟!(6).
___________________________
(1) غلا10:4،11.
(2) 1كو7:5.
(3) خر11:12.
(4) يو4:6.
(5) أش14:1.
(6) لو15:17-18.
لذلك وهبه شيئًا أعظم مما نال الآخرون، فأنه إذ تطهر من برصه سمع الرب يقول له "قم وامض. إيمانك خلصك"(1).
فمن يقدم الشكر والتمجيد له مشاعر رقيقة، لهذا فأنه يبارك "معينه" (الرب) من أجل ما وهبه من بركات.
ويلفت الرسول أنظار كل البشر إلى هذا الأمر قائلاً "مجدوا لله في أجسادكم(2) ويأمر النبي قائلاً: أعط مجدًا لله.
وبالرغم من تلك الشهادة التي حملها رئيس الكهنة ضد مخلصنا، واحتقار اليهود له، وإدانة بيلاطس له في تلك الأيام لكن صوت الآب الذي جاءه كان مجيدًا وعظيمًا جدًا إذ يقول "مجدت وسأمجد أيضًا"(3). لأن تلك الآلام التي احتملها لأجلنا قد عبرت، لكن ما يخصه كمخلص يبقى إلى الأبد.
وإذ نحن نذكر هذه الأيام، ليتنا لا ننشغل باللحوم بل بتمجيد الله.
ليتنا نكون كأغبياء من أجل ذاك الذي مات من أجلنا. وذلك كقول الرسول "لأننا إن صرنا مختلين فلله أو كنا عاقلين فلكم… إذ نحن نحسب هذا أنه إن كان واحد قد مات لأجل الجميع فالجميع إذا ماتوا. وهو مات لأجل الجميع كي يعيش الأحياء فيما بعد لا لأنفسهم بل للذي مات لأجلهم وقام"(4).
يلزمنا ألا نعيش بعد لأنفسنا بل نعيش كعبيد للرب.
وليس باطلاً تقبل النعمة، لأن الوقت مقبول(5)، ويوم الخلاص قد تبلج بموت مخلصنا.
فمن أجلنا نزل الكلمة، وإذ هو خالد، حمل جسدًا الموت، وذلك من أجل خلاصنا…
لقد ذبح ربنا حتى يبطل الموت بدمه!
وفي موضع معين، وبخ الرب بحق أولئك الذين اشتركوا في سفك دمه بغير سبب دون أن يستنيروا "بالكلمة"… قائلاً (على فم النبي) "ما الفائدة من دمي إذا نزلت (الحفرة)؟!". هذا لا يعني أن نزول الرب إلى الجحيم كان بلا نفع، إذ انتفع منه العالم كله. لكن تعني أنه بعد ما تحمل الرب هذا كله، لا زال بعض الأشرار يرفضون الانتفاع من نزوله إلى الجحيم فيخسرون (ويدانون).
_______________________________
(1) لو19:17.
(2) 1كو20:2.
(3) يو28:12.
(4) 2كو13:5-15.
(5) 2كو1:6،2.
فهو ينظر إلى خلاصنا كاستنارة وربح عظيم، ويتطلع بالعكس إلى هلاكنا كخسارة.
كذلك في الإنجيل، مدح الرب أولئك الذين ضاعفوا الوزنات، سواء ذلك الذي صارت وزناته عشرة عوض الخمسة أو أربع وزنات عوض الوزنتين… إذ ربحوا وجاءوا بالحساب حسنًا.
أما ذاك الذي ألقى بالوزنة كأنها ليست بذي قيمة، فقال "أيها العبد الشرير!… كان ينبغي أن تضع فضتي عند الصيارفة فعند مجيئي كنت آخذ الذي لي مع ربا. فخذوا منه الوزنة أعطوا للذي له العشر وزنات. لأن كل من له يعطى فيزداد ومن ليس له فالذي عنده يؤخذ منه. والعبد البطال اطرحوه إلى الظلمة الخارجية هناك يكون البكاء وصرير الأسنان"(1).
لأنها هذه ليست إرادته أن تصير النعمة التي يهبنا إياها غير نافعة، بل يطلب منا أن نتحمل آلامًا لكي نأتي بالثمار التي هي له، كقول الطوباوي بولس "وأما ثمر الروح فهو محبة، فرح، سلام(2)، وإذ له هذا الشرح الصحيح للموقف أنه لا يملك شيئًا من عندياته، بل كل ما لدى الإنسان هو عطية من قبل الله، لهذا كان بولس يعلم بمبدأ صحيح، مشابه للسابق، بقوله "أعطوا الجميع حقوقهم"(3). وفي هذا كان بولس يشبه أولئك الذين أرسلهم رب البيت ليأتوا بثمار كرمه(4)، معلمًا البشر جميعهم أن يردوا ما نالوه.
أما إسرائيل فقد أحتقر (المرسلين) ولم يرد أن يرد (حق الله)، إذ كانت إرادتهم شريرة، بل وأكثر من هذا قتلوا المرسلين، ولم يخجلوا حتى من رب الكرم بل قتلوه هو أيضًا.
حقًا عندما جاء ولم يجد فيهم ثمارًا لعنهم في شجرة التين قائلاً "لا يكن منك ثمر بعد إلى الأبد"(5) فيبست ولم تعد مثمرة حتى تعجب التلاميذ من ذلك.
عندئذ تحقق ما نطق به الأنبياء "وأبيد منهم صوت الطرب وصوت الفرح، صوت العريس وصوت العروس، صوت الأرحية ونور السراج وتصير كل هذه الأرض خرابًا"(6)، إذ بطل عنهم كل خدمة الناموس، وهكذا سيبقون إلى الأبد بغير عيد.
____________________________
(1) مت26:25-30.
(2) غلا22:5.
(3) رو7:13.
(4) مت33:21.
(5) 21:19.
(6) أر10:25.
وهم لا يحفظون بعد الفصح، لأنهم كيف يستطيعون أن يحفظوه؟! إنه لم يعد لهم بعد موطن إنما قد صاروا مشتتين في كل مكان إنهم (لا) يأكلون الفطير… حيث أنهم عاجزون عن تقديم ذبيحة الخروف، إذ أمروا أن يصنعوا هذا عندما يأكلون الفطير.
أنهم يعصون الناموس في كل شيء، وبحسب أحكام الله يحفظون أيامًا للحزن لا للسعادة.
هكذا أيضًا يكون حال الهراطقة الأشرار وأصحاب الإنشقاقات الأغبياء، أحدهما يذبح الرب والآخر يمزق ثوبه.
هؤلاء أيضًا محرومون من العيد، لأنهم يعيشون بغير تقوى ولا معرفة، ويتنافسون بنفس التصرف الذي حدث في أمر بارباس اللص حيث فضله اليهود عن المخلص، لهذا لعنهم الرب في شجرة التين.
غير أنه في محبته المترفقة ترك جذر (الشجرة) ولم يهلكه إذ لم يلعنه، إنما قال بأنه لا يجني منها أحد ثمرة قط. وبصنعه هذا أبطل الظل… وترك الجذر لكي نتطعم نحن فيه (أما هم ففي عصيانهم يبسوا). "وهم إن لم يثبتوا في عدم الإيمان (أن صاروا مسيحيين ورفضوا تشامخهم وخضعوا للرب) سيطعمون. لأن الله قادر أن يطعمهم أيضًا"(1).
إن كان الله قد لعنهم من أجل إهمالهم… فقد نزع عنهم الحمل الحقيقي.
أما بالنسبة لنا، فقد جاءنا العيد.
لقد جاء اليوم المقدس الذي يلزمنا فيه أن نبوق داعين إلى العيد. ونفصل أنفسنا للرب بالشكر، ناظرين إلى أن هذا العيد هو عيدنا نحن. لأننا قد صار علينا أن نقدسه، لا لأنفسنا بل للرب، وأن نفرح فيه لا في أنفسنا بل في الرب، الذي حمل أحزاننا قائلاً "نفسي حزينة جدًا حتى الموت"(2).
فالوثنيين وكل الغرباء عن الإيمان يحفظون الأعياد لإرادتهم الذاتية، هؤلاء ليس لهم سلام إذ يرتكبون الشر في حق الله.
أما القديسون فإذ يعيشون للرب يحفظون العيد، فيقول كل منهم "مبتهجًا بخلاصك"، "أما نفسي فتفرح بالرب"(3).
فالوصية عامة بأن يفرح الأبرار بالرب، حتى إذ يجتمعون معًا يترنمون بذلك المزمور الخاص بالعيد وهو عام للجميع، قائلين "هلم نرنم للرب"(4) وليس لأنفسنا.
____________________________
(1) رو23:11.
(2) مت38:26.
(3) مز14:9، 9:35.
(4) مز1:95.
هكذا فرح إبراهيم إذ رأى يوم الرب، لا يوم نفسه. تطلع إلى قدام فرأى يوم الرب ففرح(1).
وعندما جرب، قدم بالإيمان اسحق جاعلاً من ابنه الوحيد الذي نال فيه المواعيد ذبيحة. ولما منع من ذبحه تطلع فرأى المسيا في "الخروف"(2) الذي ذبح لله عوضًا عن ابنه.
لقد جرب الأب في ابنه، ولم يكن الذبح أمر بغير معنى، إنما كان فيه إشارة إلى الرب كما في إشعياء إذ يقول "كشاة تساق إلى الذبح وكنعجة صامتة أمام جازيها فلم يفتح فاه"(3)، إنما قد حمل خطايا العالم.
على هذا الأساس منع إبراهيم من أن يمد يده على الصبي، حتى لا يستغلها اليهود كفرصة ليزدروا بالصوت النبوي الذي ينطق بخصوص مخلصنا ناسبين إياه إلى ذبح اسحق، حاسبين أن كل هذا يشير إلى ابن إبراهيم.
لم تكن الذبيحة (من أجل اسحق)(4)، بل من أجل الذي قدم الذبيحة، إذ بهذا قد جرب. لقد قبل الله إرادة مقدم الذبيجة، لكنه منع تقديم الذبيحة. لأن موت اسحق لا يؤدي إلى تحرير العالم، إنما موت مخلصنا وحده الذي بجراحاته شفينا(5). فقد أقام الساقطين، وشفى المرض، وأشبع الجياع، وسد أعواز المحتاجين، وما هو أعجب أنه أقامنا نحن الأموات، مبطلاً الموت، محظرًا إيانا من الحزن والتنهد إلى الراحة والسعادة كالتي لهذا العيد، إلى الفرح الذي هو في السموات.
ولسنا نحن وحدنا الذين نتأثر بهذا، بل والسماء أيضًا تفرح معنا مع كل كنيسة الأبكار المكتوبة في السموات(6).
الكل يفرح معًا كما يعلن النبي قائلاً "ترنمي أيتها السموات لأن الرب قد فعل رحمة.. اهتفي يا أسافل الأرض. أشيدي أيتها الجبال ترنمًا، الوعر وكل شجرة فيه لأن الرب قد فدى يعقوب…"(7).
_______________________________
(1) يو56:8، عب17:11.
(2) تك15:22.
(3) أش7:53.
(4) النص الإنجليزي
(was not properly the setting rights of Isaac.)
(5) أش5:53.
(6) عب23:12.
(7) أش23:44.
ومرة أخرى يقول "ترنمي أيتها السموات وابتهجي أيتها الأرض. لنشيد الجبال بالترنم لأن الرب قد عزى شعبه وعلى يائسيه يترحم"(1).
إذًا الخليقة كلها تحفظ عيدًا يا أخوتي، وكل نسمة تسبح الرب كقول المرتل(2)، وذلك بسبب هلاك الأعداء (الشياطين) وخلاصنا.
بالحق أن كان في توبة الخاطئ يكون فرح في السماء(3)، فكيف لا يكون فرح بسبب إبطال الخطية وإقامة الأموات؟!
آه. يا له من عيد وفرح في السماء!!
حقًا. كيف تفرح كل الطغمات السمائية وتبتهج، إذ يفرحوا ويسهروا في اجتماعاتنا ويأتون إلينا فيكونون معنا دائمًا، خاصة في أيام عيد القيامة؟!
أنهم يتطلعون إلى الخطاة وهم يتوبون.
وإلى الذين يحولون وجوههم (عن الخطية) ويتغيرون، وإلى الذين كانوا غرقى في الشهوات والترف والآن هم منسحقون بالأصوام والعفة.
وأخيرًا يتطلعون إلى العدو (الشيطان) وهو مطروح ضعيفًا بلا حياة، مربوط الأيدي والأقدام، فنسخر منه قائلين: "أين شوكتك يا موت. أين غلبتك يا هاوية" (1 كو 55:15).
فلنترنم الآن للرب بأغنية النصرة.
من هو هذا الذي إذ يأتي مشتاقًا إلى عيد سماوي ويوم ملائكي، يقول مثل النبي "فآتي إلى مذبح الله، إلى الله، بهجة فرحي، وأحمدك بالعود يا الله إلهي"(5).
والقديسون يشجعوننا أيضًا للسلوك بهذا المسلك قائلين "هلم نصعد إلى جبل الرب إلى بيت إله يعقوب"(6).
____________________________
(1) أش13:49 لم يذكر النص الآية كاملة.
(2) مز6:150.
(3) لو7:15.
(4) .
(5) مز4:43.
(6) أش3:2
لكن هذا العيد ليس لأجل الدنسين، ولا يصعد إليه الأشرار، بل الصالحين والمجاهدين والذين يسلكون بنفس الهدف الذي هو للقديسين، لأنه "من يصعد إلى جبل الرب ومن يقوم في موضع قدسه؟! الطاهر اليدين والنقي القلب الذي يحمل نفسه إلى الباطل ولا حلف كذبًا"(1). لأنه كما يكمل المزمور قائلاً "يحمل بركة من عند الرب (وبرًا من إله خلاصه)".
هذا واضح أنه يشير إلى ما يهبه الرب للذين عن يمينه قائلاً "تعالوا يا مباركي أبي رثوا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم"(2)
أما الإنسان المخادع، وغير نقي القلب، والذي ليس فيه شيئًا طاهرًا… فهذا بالتأكيد غريب عن القديسين… ويحسب غير مستحقًا ليأكل الفصح، لأن "كل ابن غريب لا يأكل منه"(3).
لهذا عندما ظن يهوذا أنه قد حفظ الفصح، بينما كان قد دبر خداعًا ضد المخلص، أصبح غريبًا عن المدينة التي هي من فوق وبعيدًا عن الصحبة الرسولية، لأن الشريعة أمرت أن يؤكل الفصح بحرص لائق، أما هو بينما كان يأكل نفبه الشيطان ودخل إلى نفسه(4).
ليتنا لا نعيد العيد بطريقة أرضية، بل كمن يحفظ عيدًا في السماء مع الملائكة!
لنمجد الله بحياة العفة والبر والفضائل الأخرى!
لتفرح لا في أنفسنا بل في الرب، فنكون مع القديسين!
لنسهر مع داود الذي قام سبع مرات، وفي نصف الليل كان يقدم الشكر من أجل أحكام الله العادلة!
لنبكر كقول المرتل "يا رب بالغداة تسمع صوتي، بالغداة أقف أمامك وتراني"!(5) لنصم مثل دانيال!
لنصلي بلا انقطاع كأمر بولس. فكلنا يعرف موعد الصلاة خاصة المتزوجين زواجًا مكرمًا!
فإذ نحمل شهادة بهذه الأمور، حافظين العيد بهذه الكيفية نستطيع أن ندخل إلى فرح المسيح في ملكوت السموات.
_________________________
(1) مز3:24.
(2) مت34:25.
(3) خر43:12.
(4) لو31:22
وكما أن إسرائيل (في القديم) عندما صعد إلى أورشليم تنقى في البرية، متدربًا على نسيان العادات (الوثنية) المصرية، هكذا فأن الكلمة وضع لنا هذا الصوم المقدس الذي للأربعين يومًا، فنتنقى ونتحرر من الدنس، حتى عندما نرحل من هنا يمكننا بكوننا قد حرصنا على الصوم (هكذا) أن نصعد إلى جمال الرب العالي، ونتعشى منه، ونكون شركاء في الفرح السماوي.
فأنه لا يمكنك أن تصعد إلى أورشليم وتأكل الفصح دون أن تحفظ صوم الأربعين.
موعد العيد(1)
________________________
(1) لما كانت الخاتمة شبه مكررة فيما يختص بموعد العيد إلا من جهة المواعيد، لذلك استحسنت منعًا للتكرار عدم ورودها في الرسائل فيما بعد مكتفيًا بترجمة الجدول الخاص بأعياد القيامة في أيام القديس البابا أثناسيوس أن شاء الرب في آخر الكتاب…
ولكن في هذه الرسالة السابعة ذكر في النهاية أن أيام السبوت والآحاد يتوقف فيها الصوم (الانقطاعي) وذكر المترجم إلى الإنجليزية في الهامش بأنه لم تكن تحسب هذه الأيام على أنها أصوام عدا يوم السبت الذي هو قبل عيد القيامة مباشرة.
ونحن نصوم حاليًا 55 يومًا هي 40 يومًا + أيام البسخة (أسبوع الآلام) + 7 أيام بدلاً من السبوت لأنها لا تصام انقطاعيًا.
عيد القيامة في 4 برمودة 51 ش.
30 مارس 335م.
كتب بولس الطوباوي إلى أهل كورنثوس أنه يحمل في جسده على الدوام إماتة يسوع(1)، ليس كمن يحمل هذا الفخر وحده بل ويلزمهم هم، كما نحن أيضًا أن نحمل هذا.
ليتنا يا أخوتي نقتفي آثاره! وليكن هذا هو فخرنا الدائم فوق كل شيء في كل وقت.
هذا يصير فينا خاصة في أيام العيد إذ نذكر موت مخلصنا، لأن من يصير مشابهًا له في موته، يصير أيضًا مجاهدًا في الأعمال الفاضلة، مميتًا أعضاءه التي على الأرض(2)، صالبًا الجسد مع الأهواء والشهوات، ويحيا في الروح سالكًا حسب الروح(4).
مثل هذا الإنسان يكون دائم التفكير في اله فلا ينسى الله قط، ولا يفعل أعمال الموت.
والآن، فإنه لكي نحمل في جسدنا إماتة يسوع، أضاف الرسول للحال موضحًا لنا الطريق الذي نتبعه قائلاً "فإذ لنا روح الإيمان عينه حسب المكتوب آمنت لذلك تكلمت. نحن أيضًا نؤمن ولذلك نتكلم أيضًا"(5). وقد أردف أيضًا متحدثًا عن النعمة التي تنبع عن المعرفة قائلاً "عالمين أن الذي أقام الرب يسوع سيقيمنا نحن أيضًا يسوع ويحضرنا معكم"(6).
عندما احتضن القديسون مثل هذه الحياة الحقيقية بواسطة الإيمان والمعرفة" ينالون بلا شك الفرح السماوي. ذلك الفرح الذي لا يهتم به الأشرار إذ هم محرومون من التطويب النابع عنه… لأنهم لا يرون جلال الرب(7).
______________________________
(1) 2كو10:4.
(2) مز22:24.
(3) كو5:3.
(4) غلا24:5، 25.
(5) 2كو13:4.
(6) 1كو14:4.
(7) أش10:26.
فإنهم وإن كانوا يسمعون الإعلان العام "استيقظ أيها النائم وقم من الأموات"(1)، ويقومون ويأتون إلى السماء قارعين الباب قائلين "افتح لنا" (2)، إلا أن الرب سينتهرهم كمن لا يعرفهم… قائلاً لهم "لا أعرفكم"، ويصرخ الروح ضدهم "الأشرار يرجعون إلى الهاوية كل الأمم الناسين الله".
أننا نقول بأن الأشرار أموات، لكن لا في حياة تعبدية ضد الخطية، ولا هم مثل القديسين يحملون الموت في أجسادهم، إنما يدفنون النفس في الخطايا والجهالات فتقترب النفس من الموت. وإذ يشبعونها بالملذات المميتة، تكون نفوسهم أشبه بنسور صغيرة تحوم فوق جثث الموتى. وقد أعلنت الشريعة عن هذا إذ تأمر في صورة رمزية بعدم أكل النسور وجميع الطيور التي تأكل الجيف (لا 13:11).
هؤلاء يقتلون النفس بالشهوات، ولا يقولون سوى "لنأكل ونشرب لأننا غدًا نموت" (إش 13:22).
وقد وصف النبي الثمرة التي يجتنيها أمثال هؤلاء الذين ينغمسون في الملذات، فقال "فأعلن في أذني رب الجنود لا يغفرن لكم هذا الإثم حتى تموتوا" (إش 14:22).
نعم، حتى عندما يعيشون، فإنهم يكونون في عارٍ، إذ يحسبون آلهتهم بطونهم، وعندما يموتون يتعذبون لأنهم افتخروا بمثل هذا الموت.
ويحمل بولس أيضًا شهادة عن هذه النتيجة فيقول "الأطعمة للجوف والجوف للأطعمة والله سيبيد هذا وتلك" (1 كو 13:6).
وتعلن الكلمة الإلهية عن هؤلاء بأن موت الأشرار شر ومبغضو الصديق يخطئون (مز 21:34)، لأن الأشرار يرثون نارًا مرة وظلامًا مهلكًا.
أما القديسون والذين يمارسون الفضيلة ممارسة حقيقية، فقد أماتوا أعضاءهم التي على الأرض، الزنا والنجاسة والهوى والشهوة الرديئة (كو 5:3). فيتحقق فيهم، بسبب هذه النقاوة وعدم الدنس، وعد مخلصنا "طوبى للأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله" (مت 8:5).
_______________________________
(1) أف14:5.
(2) مت11:25.
هؤلاء صاروا أمواتًا للعالم، وازدروا بمقتنياته مقتنين موتًا مشرفًا، إذ هو "عزيز في عيني الرب موت أتقيائه"(1)
هؤلاء أيضًا قادرون على الاقتداء بالرسول القائل "مع المسيح صلبت فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا في"(2).
هذه هي الحياة الحقيقية التي يحيا الإنسان في المسيح، فأنه وإن كان ميتًا عن العالم إلا أنه كما لو كان قاطنًا في السماء، منشغلاً في الأمور العلوية، كمن هو هائم في حب تلك السكنى السماوية، قائلاً إننا وإن كنا نسلك في الأرض "فأن سيرتنا نحن هي في السموات"(3).
الذين يحبون هكذا مشتركين في فضيلة كهذه، هم وحدهم القادرون على تمجيد الله… وهذا هو ما يعنيه العيد.
فالعيد لا يعني التمتع بأكل اللحوم والملابس الفاخرة، ولا هو أيام للترف، إنما تكمن بهجته في معرفة الله وتقديم الشكر والحمد له.
هذا الشكر وهذا الحمد، يقدمه القديسون وحدهم الذين يعيشون في المسيح، إذ مكتوب "ليس الأموات يسبحون الرب ولا من ينحدر إلى أرض السكوت. أما نحن فنبارك الرب من الآن وإلى الدهر"(4).
هكذا كان الأمر مع حزقيا الذي خلص من الموت فسبح الله قائلاً "لأن الهاوية لا تحمدك. الموت لا يسبحك…. الحي هو يحمدك كما أنا اليوم"(5).
فتسبيح الله وتمجيده هو من اختصاص الذين يحبون في المسيح وحدهم، هؤلاء يصعدون إلى العيد، لأن الفصح ليس للأمم ولا للذين هم يهود بحسب الجسد بل للذين يعرفون الحق، وذلك كقول ذاك الذي أرسل للإعلان عن مثل هذا العيد "لأن فصحنا أيضًا المسيح قد ذبح لأجلنا".
لذلك وإن كان الأشرار يقحمون أنفسهم لكي يحفظوا العيد، بينما عملنا في العيد وهو تمجيد الله، لهذا فأنهم كأشرار يقتحمون متطفلين في دخولهم كنيسة القديسين. هؤلاء يوبخهم الله معاتبًا كل واحد منهم "مالك تتحدث بفرائضي"(6).
__________________________
(1) مز15:116.
(2) غلا20:2.
(3) في2:3.
(4) مز17:115،18.
(5) أش18:38،19.
(6) مز16:50.
والروح القدس يوبخهم قائلاً بأنه ليس للتسبيح مكانًا في فم الخاطئ(1)، ولا للخطية وجود في مذبح الله، لأن فم الخاطئ يتكلم في الأمور الجامحة، كقول المثل "فم الأشرار ينبع شرورًا"(2).
كيف يمكننا أن نسبح الله بفم دنس، إذ لا يمكن أن يتفق النقيضان معًا؟! "لأنه أي خلطة للبر والإثم. وأية شركة للنور مع الظلمة"(3). هذا ما يعلنه بولس خادم الإنجيل.
لهذا لا يمكن للخطاة والغرباء عن الكنيسة الجامعة أي الهراطقة والمنشقين المستبعدين عن أن يمجدوا الله مع القديسين، أن يستمروا في حفظ العيد كما ينبغي.
أما البار، فإنه وإن كان يظهر ميتًا عن العالم، لكنه يتجاسر فيقول "أنا لا أموت بل أحيا وأحدث بأعمالك العجيبة"(4). فإنه حتى الله لا يخجل من أن يدعى لهم إلهًا، هؤلاء الذين بحق يميتون أعضاءهم التي على الأرض(5)، ويحيون في المسيح الذي هو إله أحياء لا إله أموات. هذا الذي بكلمته ينعش كل البشر، ويعطيهم طعامًا يحيا به القديسون، كما أعلن الرب قائلاً "أنا هو خبز الحياة"(6).
ولما كان اليهود عديمي الإدراك ولم تكن حواسهم مدربة على الفضيلة، لهذا لم يفهموا أقواله عن "الخبز" فتذمروا ضده لأنه قال عن نفسه أنه الخبز الحي الذي نزل من السماء ويهب حياة للبشر(7).
الخطية لها خبزها الخاص بها، الذي يدعو المحبين لملذاتها ليموتوا بموتها، وتدعو ناقصي الفهم قائلة "المياه المسروقة حلوة وخبز الخفية لذيذ"(8). لأنه حتى من يلمس هذا الخبز لا يعرف أن ما هو مولود من الأرض يبيد معها.
__________________________________
(1) ابن سيراخ9:15.
(2) أم28:15.
(3) 2كو14:6.
(4) راجع مز17:118.
(5) كو5:3.
(6) يو48:6.
(7) يو51:6.
(8) أم17:9.
فعندما يفكر الخاطئ في أن يجد لذة، فإنه في نهاية هذا العام لا يجد فيه بهجة، كما تقول حكمة الله أن خبز الخداع مسر للرجل، لكن فمه بعد ذلك يمتلئ حصاة. وأن العسل يسقط من شفتي المرأة الزانية التي تكون إلى حين حلوة، ولكن النهاية تجدها أكثر مرارة من المر ذاته، وأكثر حدة من السيف ذي الحدين.
هكذا إذ يأكل الخاطئ ويفرح إلى حين، فأنه عندما ترحل نفسه (من هذا العالم) سوف تستخف بهذا الطعام!
فالغبي لا يدرك أن من يبتعد عن الله يهلك. مع أنه يوجد صوت نبوي يقول رادعًا "والآن مالك وطريق مصر (تشير إلى العبادة الوثنية بما فيها من ملذات وشهوات) لشرب مياه شيمور؟! ومالك طريق أشور لشرب مياه النهر؟!(1).
وحكمة الله التي تبني البشرية تمنعهم من هذه الأشياء (خبز الخطية)، صارخة أن ينفصلوا عنها ولا يتأخروا في المكان ولا يتطلعوا إليها، لأنها مياه غريبة سوف تعبر وترحل سريعًا…
كذلك تدعونا الحكمة إلى نفسها قائلة "الحكمة بنت بيتها نحتت أعمدتها السبعة. ذبحت ذبحها مزجت خمرها. أيضًا رتبت مائدتها. أرسلت جواريها تنادي على ظهور أعالي المدينة. من هو جاهل فليمل إلى هنا. والناقص الفهم قالت له: هلموا كلوا من طعامي واشربوا من الخمر التي مزجتها"(2).
وبأي رجاء يأكل خبز الحكمة؟
"اتركوا الجاهلات فتحيوا وسيروا في طريق الفهم"(3) لأن خبز الحكمة محي، إذ يقول الرب "أنا الخبز الحي الذي نزل من السماء. إن كل أحد من هذا الخبز يحيا إلى الأبد"(4).
ويلمنا الرب قائلاً "أنا هو خبز الحياة. آباؤكم أكلوا المن في البرية وماتوا. هذا هو الخبز النازل من السماء لكي يأكل منه الإنسان ولا يموت"(5).
أن ألأشرار يفتقرون إلى خبز كهذا… أما الأبرار فهم وحدهم الذين تهيأوا لكي يشبعوا، قائلاً كل واحد منهم أما أنا فالبر أنظر وجهك. أشبع إذا استيقظت بشهبك"(6).
__________________________
(1) أر18:2.
(2) أم1:9-5.
(3) أم6:9.
(4) يو51:6.
(5) يو48:6-51.
(6) مز15:17.
لأن من يشترك في الخبز الإلهي دائمًا يجوع مشتاقًا، وإذ هو جائع لا يحرم من أن يعطي له كما وعد "الحكمة" ذاته قائلاً "الرب لا يجمع نفس الصديق"(1). وكما وعد أيضًا في المزامير "بطعامها أبارك بركة مساكينها أشبع خبزًا"(2).
إننا نسمع مخلصنا يقول "طوبى للجياع والعطاش إلى البر لأنهم يشبعون"(3).
حسنًا إذن ما يفعله القديسون، إذ يحيون في المسيح، ويبثون في أنفسهم شوقًا نحو هذا الطعام.
وقد تفجر شوق أحدهم إذ يقول "كما يشتاق الإيل إلى جداول المياه هكذا تشتاق نفسي إليك يا الله"(4).
"نفسي عطشت إلى الله الحي متى أجيء وأعاين وجه الله؟!".
"يا الله إلهي أنت إليك أبكر. عطشت إليك نفسي. يشتاق إليك جسدي في أرض ناشفة ويابسة لكي أبصر قوتك ومجدك كلما رأيتك في قدسك"(5).
ما دام الأمر هكذا يا أخوتي، فليتنا نميت أعضاءنا التي على الأرض(6)، ونتقوت بالخبز الحي: الإيمان بالله وحب الله، عالمين أنه بدون إيمان لا يمكن أن تكون لنا شركة في خبز كهذا. لأنه عندما دعي ربنا الكل إليه قال "إن عطش أحد فليقبل إلي ويشرب"(7) وللحال تحدث عن الإيمان الذي بدونه لا يقدر إنسان أن يأخذ من مثل هذا الطعام "ومن آمن بي كما قال الكتاب تجري من بطنه أنهار ماء حي"(8).
بهذا الهدف كان ينعش تلاميذه المؤمنين بكلماته ويعطيهم الحياة باقترابهم من لاهوته. أما المرأة الكنعانية فإذ لم تكن بعد مؤمنة لم يتكرم عليها حتى بمجرد الإجابة عليها رغم احتياجها الشديد إلى طعام منه.
________________________
(1) أم3:10.
(2) مز15:132.
(3) مت6:5.
(4) مز1:42.
(5) مز1:63،2.
(6) كو5:3.
(7) يو37:7.
(8) يو38:7.
وهو لم يصنع هذا احتقارًا بها. حاشا له، لأنه محب لكل البشر… ولهذا نجده يذهب إلى سواحل صور وصيدا (أي يذهب عند غير المؤمنين)، ولكن صنع هذا معها لأنها لم تكن آمنت بعد ولا أخذت حكمة.
وبحق صنع هذا يا أخوتي، ما كان لها أن تنتفع شيئًا لو استجاب لطلبتها قبل أن تعلن إيمانها، ولكن بإيمانها يمكنها أن تنال طلبتها إذ يجب أن الذي يأتي إلى الله يؤمن بأنه موجود وأنه يجازي الذين يطلبونه" وأنه "بدون إيمان لا يمكن إرضاؤه"(1).
هذا ما يعلم به بولس.
فهي إذ كانت إلى تلك اللحظة غير مؤمنة، الأمر الذي يجعلها دنسة، وهذا يظهر من قوله "ليس حسنًا أن يؤخذ خبز البنين ويطرح للكلاب"(2).
وعندما وثقت في قوة "الكلمة" وغيرت من طريقها اقتنت أيضًا الإيمان، وبالتالي لم يعد بعد يحدثها كأنها "كلب" إنما غير طريقة حديثه عنها على أنها مخلوق بشري قائلاً "يا امرأة عظيم إيمانك"(3).
وإذ آمنت وهبها ثمرة إيمانها قائلاً لها "ليكن لك كما تريدين. فشفيت ابنتها من تلك الساعة".
من يؤهل للدعوة السماوية، بهذه الدعوة يتقدس، لكنه إن سلك في هذه الدعوة بإهمال، فإنه وإن كان قد تنقى لكن (بإهماله هذا) يصير دنسًا.
يقول الرسول "(فكم عقابًا أشر تظنون) أنه يحسب مستحقًا من داس ابن الله وحسب دم العهد الذي قدس به دنسًا وازدرى بروح النعمة"(4).
أنه سيسمع تلك الكلمات "يا صاحب كيف دخلت إلى هنا ولي عليك لباس العرس؟!(5) لأن وليمة القديسين طاهرة بلا دنس "لأن كثيرين يدعون وقليلين ينتخبون"(6).
ويشهد بهذا يهوذا، الذي وإن جاء إلى العشاء، لكنه احتقر الوليمة وخرج من حضرة الرب وفقد حياته خانقًا نفسه.
وأما التلاميذ الذين استمروا مع المخلص، فقد صارت لهم سعادة الوليمة.
__________________________
(1) عب6:11.
(2) مت26:15.
(3) مت28:15.
(4) عب29:10.
(5) مت12:22.
(6) مت14:22.
وذاك الشاب الذي ذهب إلى كورة بعيدة وبدد أمواله في عيش مسرف، متى عاد مشتاقًا إلى الوليمة السمائية ورجع إلى نفسه قائلاً "كم من أجير لأبي يفضل عنه الخبز وأنا أهلك جوعًا؟!"(1). وللحال قام وذهب إلى أبيه واعترف قائلاً له "أخطأت إلى السماء وقدامك ولست مستحقًا بعد أن أدعى لك ابنا بل اجعلني كأحد أجراك"، فأنه بعدما اعترف هكذا صار مستحقًا لأكثر مما طلب. لأن الآب لم يقبله كعبد أجير ولا تطلع إليه كانسان غريب، بل قبله كابن، ورده من الموت إلى الحياة، واعتبره مستحقًا للوليمة الإلهية، وأعطاه ثوبه الأول الثمين، حتى أنه بسبب هذا صار غناء وفرح في بيت الأبوة.
هذا هو عمل الحب الأبوي المترفق وصلاحه، أنه ليس فقط يقيم الإنسان من الأموات بل ويعيد إليه نعمته العظيمة خلال الروح. وبدل الفساد يلبسه ثوبًا غير فاسد، وبدل الجوع يذبح العجل المثمن، وعوض المسافة الطويلة التي قطعها في رحلته فأن الآب المنتظر رجوعه يقدم حذاء لقدميه. وما هو أعجب من هذا يعطيه خاتم الخطبة الإلهي في إصبعه، وفي هذا كله يجعله في صورة مجد المسيح…..
هذه هي العطايا المجانية التي يقدمها الآب، والتي بها يكرم الرب الساكنين معه والراجعين إليه تائبين، ومنعشًا إياهم. فأنه يعدنا (يسوع) قائلاً "أنا خبز الحياة من يقبل إلي لا يجوع. ومن يؤمن بي فلا يعطش أبدًا"(2).
ونحن أيضًا فسنحسب مستحقين لهذه الأمور، إن كنا في هذا الزمان نلتصق بمخلصنا، وكنا أطهارًا لا في أيام الفصح والسنة (أسبوع البصخة) وحدها، بل ونأخذ في اعتبارنا كل زمان حياتنا كما لو أنها كانت عيدًا. فنستمر قريبين منه غير مبتعدين عنه "إذ نقول له "إلى من نذهب وكلام الحياة الأبدية عندك؟!"(3).
ليت الذين هم منا وقد ابتعدوا عنا يرجعون مرة أخرى، معترفين بخطاياهم، ولا يكون في قلبهم شيء ضد أحد، بل بالروح يميتون أعمال الجسد(4). لأنه هكذا إذ ينعشون النفس هنا، يشتركون مع الملائكة في المائدة السمائية الروحية، ولا يكونوا كالعذارى الخمس الجاهلات(5) اللواتي كن يقرعن ولكنهن رفضن، بل يدخلون مع الرب مثل العذارى الحكيمات المحبات للعريس. وإذ يظهرون إماتة يسوع في أجسادهم(6) فأنهم يقبلون منه الحياة والملكوت…
_________________________
(1) لو17:15.(2)يو35:6.
(3)يو68:6.(4)رو13:8.
(5)مت1:25-12.(6)2كو10:4.
عيد القيامة في 30 برمهات 54ش
26 مارس 338م.
إخوتي… بالرغم من أنني أسافر كل هذه المسافة من أجلكم، لكنني لا أنسى تلك العادة التي تسلمناها من الآباء، لهذا فأنني لا أصمت غير مخبر إياكم عن موعد العيد المقدس…
فأنه وإن كان قد عاقني أولئك الذين صبوا على الأحزان التي سمعتم عنها، وبالرغم من التجارب التي لحقت بي، وبعد المسافة التي تفصل بيني وبينكم، وبينما يتتبع أعداء الحق خطواتنا ناصبين لنا الشباك حتى يعثروا على رسالة منا يزيدون بها من جراحاتهم باتهامنا؛ وفي هذا كله يعزينا الرب ويقوينا في شدائدنا، لهذا فأننا مهما كنا وسط مؤامرات يدبرونها حولنا، غير أننا لا نخاف من أن نعلمكم ونخبركم بعيدنا الذي للقيامة المنقذ، حتى ولو كنا في أقاصي الأرض.
كذلك عندما كتبت إلى كهنة الإسكندرية، طلبت منهم أن يرسلوا إليكم هذه الرسائل تحت إشرافهم، رغم معرفتي بالمخاطر التي تحيط بهم من الأعداء. إلا أنني قد أوصيتهم أن تكون لهم الشجاعة الرسولية في الحديث قائلين: لا يفصلنا عن المسيح شدة أو ضيق أو اضطهاد أو جوع أو عري أو تجارب أو سيف(1).
وإذ أنا أحفظ العيد، أشتاق أن تحفظوه أنتم أيضًا يا أحبائي.
وإذ أشعر أنه من واجبي على أن أعلن لكم هذا العيد، لهذا لم أتأخر عن أن أقوم بهذا العمل حتى لا توبخني الوصية الرسولية القائلة "فأعطوا الجميع حقوقهم"(2).
وإذ قمت بكل أعمالي تجاه الله، كنت شغوقًا أن أعيد العيد معكم، غير معط حسابًا لبعد المسافة التي بيننا. لأنه وإن كان المكان يفصل بيننا، لكن الرب واهب العيد الذي هو نفسه عيدنا(3)، والذي هو واهب الروح القدس(4)، يجمعنا معًا في الفكر والرأي وفي رباط السلام(5)، لأننا جميعًا مشغولون بنفس الأمور، ونقدم نفس الصلوات من أجل بعضنا البعض. لذلك لا يستطيع بعد المكان أن يفصل بيننا، إذ يجمعنا الرب ويوحدنا مع بعضنا البعض.
________________________________
(1) رو35:8.(2)رو7:13.
(3)1كو7:5.(4)لو13:11.
(5) أف3:4.
لأنه إن كان قد وعد قائلاً بأنه إن اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمه يكون في وسطهم(1)، فأنه من الواضح أنه إذ يكون الرب في وسط أولئك المجتمعين مع بعضهم البعض في كل مكان (رغم بعد المكان عن بعضهم البعض)، فأنه يوحد بينهم ويقبل صلوات جميعهم، كما أنهم لو كانوا مقتربين معًا، وينصت إلى الكل كأنهم يصرخون بفم واحد قائلين "آمين"!
أنني أحتمل أحزانًا كهذه، وتجارب مما قد أشرت إليكم عنها يا أخوتي…
ولكي لا أضايقكم بالمرة، أريد فقط أن أذكركم باختصار، لأن الإنسان لا ينسى ما يذوقه من آلام في التجربة... حتى لا يكون الإنسان غير شاكر فيبتعد عن الاجتماع الإلهي. لأنه لا يوجد وقت فيه يمجد الإنسان الله مثل الوقت الذي فيه تعد الضيقات، ولا يوجد وقت يقدم فيه الإنسان التشكرات مثل الوقت الذي فيه يجد الراحة بعد التعب والضيق.
فحزقيا عندما أهلك الأشوريين سبح الرب شاكرًا قائلاً "الرب لخلاصي. فنعزف بأوتارنا كل أيام حياتنا في بيت الرب"(2).
والثلاثة فتية الأبطال الطوباويون الذين جربوا في بابل. حناانيا وميصائيل وعزاريا، عندما صاروا في أمان وأصبحت النار بالنسبة لهم مثل الندى، شكروا الله مسبحين إياه وممجدينه.
وأنا أيضًا كتبت إليكم يا إخوتي، واضعًا هذه الأمور في ذهني، لأن الله إلى أيامنا هذه لا يزال يصنع أمورًا هي في نظر البشر مستحيلة. وما لا يستطيع البشر أن يفعلوا، مستطاع لدى الله... ألا وهو أن يحضرنا إليكم، ولا يسلمنا كفريسة في فم أولئك الذين يريدون أن يبتلعوننا…
الله الصالح يضاعف حنو محبته لنا، ليس فقط عندما وهب الخلاص للعالم خلال حكمته، بل أيضًا عندما يضطهدنا الأعداء (الأريوسيين) ويمسكوا بنا، وذلك كقول الطوباوي بولس عندما كان يصف غنى محبة المسيح غير المدركة قائلاً "الله الذي هو غني في الرحمة من أجل محبته الكثيرة التي أحبنا بها. ونحن أموات بالخطايا أحيانًا مع المسيح"(3) لأن قدرة الإنسان وكل الخلائق ضعيفة وفقيرة، أما القدرة التي هي فوق الإنسان، غير المخلوقة، غنية وغير مدركة، ليس لها بداية بل هي سرمدية.
_________________________________
(1) مت20:18
(2) أش2:38.
(3) أف4:2،5.
لا يستخدم الله طريقة واحدة للعلاج، بل بكونه غنيًا يستخدم طرقًا كثيرة لأجل خلاصنا بكلمته، الذي هي ليس بمحدود ولا مقيد ولا معوق في طرق علاجه التي يقدسها لنا، إنما هو غنى، وقادر أن يشكل نفسه حسب احتياجات وقدرة كل نفس.
إنه كلمة الله وقوته وحكمته كما يشهد سليمان عن الحكمة قائلاً: "وهي واحدة وقادرة على كل شيء وثابتة في ذاتها ومجددة الكل ومنتقلة إلى النفوس القديسة في أجيال الأجيال وتجعل أحباء وأنبياء لله" (حك 27:7).
فبالنسبة للذين لم يبلغوا بعد طريق الكمال، يكون (الكلمة) بالنسبة لهم (1 كو 2:3) كقطيعٍ يقدم لهم لبنًا. وهذا ما خدم به بولس إذ يقول: "سقيتم لبنًا لا طعامًا".
أما بالنسبة للذين تقدموا وتعدوا دور الطفولة الكاملة، ولكنهم لازالوا ضعفاء إذ هم يطلبون الكمال، هؤلاء أيضًا يكون (الكلمة) بالنسبة لهم كطعامٍ قدر طاقة احتمالهم. وقد خدم به بولس أيضًا، إذ قال "أما الضعيف فيأكل بقولاً" (رو 2:14).
وبالنسبة للإنسان الذي يبدأ في السلوك في طريق الكمال، فإنه لا يعود يأكل من الأشياء السابقة بل يكون "الكلمة" للخبز، والجسد للطعام، إذ مكتوب: "أما الطعام القوي فللبالغين الذين بسبب التمرن قد صارت لهم الحواس مدربة" (عب 14:5).
بالحري عندما تبذر الكلمة لا تأتي بثمر متساو في كل الناس، بل يأتي ثمر كثير ومتنوع، يأتي بمائة وستين وثلاثين (مت 8:13)، كما علمنا المخلص باذر النعمة وواهب الروح.
وهذا ليس بأمر مشكوك فيه، ولا بمحتاجٍ إلى من يؤيده، إنما يمكننا أن نتطلع إلى الحقل الذي يزرع فيه (الرب)، إذ نجد أن الكلمة واضحة ومثمرة في الكنيسة، ليس فقط بالعذارى وحدهن يتزين الحقل، ولا بالرهبان وحدهم، بل وأيضًا بالمتزوجين زواجًا مكرمًا، وبعفة الجميع…
لقد أعد الرب منازل كثيرة عند أبيه (يو 2:14)، لكن بالرغم من أن مكان السكنى نجد فيه درجات متنوعة حسب تقدم كل واحدٍ، غير أننا جميعًا سنكون في داخل الحصون، محفوظين في داخل نفس السياج حيث يطرد العدو (الشيطان) وكل جماعته خارجًا.
لأنه خارج النور تكون الظلمة، وبالابتعاد عن البركة توجد اللعنة، هكذا يكون الشيطان بعيدًا عن القديسين، والخطية بعيدة عن الفضيلة. لهذا ينتهر الإنجيل الشيطان قائلاً "اذهب يا شيطان" (مت 10:4). بينما يدعونا نحن قائلاً: "ادخلوا من الباب الضيق" (مت 13:7) ومرة أخرى يقول "تعالوا يا مباركي أبي رثوا الملكوت المعد لكم".
وهكذا أيضًا يصرخ الروح من قبل في المزامير قائلاً "ادخلوا أبوابه بحمد (بمزامير)(3).
لأنه خلال الفضيلة يدخل الإنسان إلى الله كما فعل موسى في السحابة الكثيفة حيث كان الله.
ولكن خلال الرذيلة يخرج الإنسان من حضرة الرب، كما حدث مع قايين عندما قتل أخاه(4)، إذ خرج من لدن الرب قدر ما قلقت نفسه.
والمرتل يدخل قائلاً "فآتي إلى مذبح الله، إلى بهجة فرحي (شبابي)"(5).
ويحمل الكتاب المقدس شهادة ضد الشيطان أنه خرج من حضرة الله وضرب أيوب بقروح (أي 7:2). لأنه هكذا تكون صفات الذين يخرجون من حضرة الله، يضربون رجال ويؤذونهم. وهكذا أيضًا تكون صفات الخارجين عن الإيمان (الأريوسيين) يضطهدون الإيمان ويضرون به.
وعلى العكس نجد القديسين إذ يقتربون منهم (رجال الله) وينظرون إليهم كأصدقاء، كما فعل داود متحدثًا بأسلوب صريح قائلاً "عيناي على أمناء الأرض لكي أجلسهم معي" (مز6:101).
ويحثنا بولس أن نقبل ضعفاء الإيمان(8) لأن الفضيلة خيرية (أي يحب الإنسان الخير للغير)… والخطية تجعل الإنسان يحب الشر للغير. وهذا ما فعله شاول –كخاطئ- عندما اضطهد داود، أما داود فإذ وجد فرصة لقتل شاول لم يقتله.
وعيسو أيضا أضطهد يعقوب، أما يعقوب فبالوداعة غلب شره.
والأحد عشر باعوا يوسف، أما يوسف ففي عطفه المملوء حنوًا تراءف عليهم.
___________________
(1)
(2) .
(3) مز4:100.
(4) تك16:4.
(5) مز4:43.
(6) .
(7) .
(8) رو1:14.
خراب اليهود وخسرانهم كل نعمة إلهية.
وما الحاجة إلى الإطالة في هذا الحديث؟! فأن ربنا ومخلصنا عندما أضطهده الفريسيون بكى لأجل خرابهم!.
هم ضايقوه، أما هو فلم يهددهم، ولا حتى عندما أحزنوه أو قتلوه! إنما حزن من أجل أولئك الذين ارتكبوا هذا!
تألم هذا المخلص لأجل الإنسان، أما هم فاحتقروا "الحياة" والنور، والنعمة" وطردوه!
كان يمكنهم أن ينالوا هذا كله خلال المخلص الذي تألم عنا. لكن بسبب ظلمتهم وعماهم بكى!
لأنهم لو فهموا ما قد كتب في المزامير ما كانوا يتجرأون هكذا ضد المخلص، إذ يقول الروح "لماذا ارتجت الأمم وتفكرت الشعوب في الباطل؟!"(1).
لو تأملوا نبوة موسى(2) لما صلبوا ذاك الذي هو حياتهم!
لو فحصوا بفهم ما كان مكتوبًا، ما تحققت فيهم تلك النبوات التي جاءت ضدهم، وما كانت قد صارت مدينتهم هكذا الآن خرابًا، وتنزع النعمة عنهم، ويصيرون بلا ناموس (إذ عصوه ورفضوا واهب الناموس) ويصيرون غرباء لا أولاد.
وهكذا سبق أن أعلنت المزامير قائلة بأن بنو الغرباء عملوا معه عملاً باطلاً(3)، وجاء في أشعياء النبي "ربيت بنينًا ونشأتهم. أما هم فعصوا علي"(4). وهكذا لم يعودوا بعد شعب الله أو الأمة المقدسة بل صار حكام سدوم وشعب عمورة أفضل منهم. كقول النبي أن سدوم أختك لم تفعل هي مثلك(5). لأن أهل سدوم استهانوا بالملائكة، أما الملائكة فاستهانوا بالرب الله ملك الكل، وتجاسروا فقتلوا رب الملائكة غير عارفين أن المسيح الذي ذبحوه هو حي.
ولكن هؤلاء اليهود الذين تآمروا لموت الرب فرحوا قليلاً في هذه الأمور وفقدوا الأبديات.
لقد كانوا جاهلين هذا. أن المكافأة الخالدة لا تكمن في المنح الزمنية، بل هي ترجوا أمورًا أبدية. لأنه بضيقات وأتعاب وأحزان يدخل القديسون ملكوت السموات، وإذ يبلغ الملكوت يهرب منه الغم والضيق والتنهد ويبقى في راحة.
هكذا إذ جرب أيوب هناك صار صديق الرب المشهور!
________________________
(1) مز1:2.
(2) تث66:28.
(3) راجع مز45:18.
(4) إش2:1.
(5) راجع مرأ6:4، حز48:16.
أما الذي يحب الملذات، متمتعًا بها إلى حين، فأنه يعبر بعد ذلك إلى حياة مملوءة أحزانًا مثل عيسو الذي كان له طعام مؤقت، لكنه دين بعد ذلك بسببه…
آه أيها الأعزاء المحبوبون! وإن كنا سنقتني تعزية من الأحزان، وراحة من الأتعاب، وصحة من الأتعاب، وخلودًا بعد الموت، فإنه لا يجوز لنا أن نغتم من الأمراض البشرية التي تلحق بالبشرية، ولا نقلق بسبب التجارب التي تحل بنا.
يلزمنا ألا نخاف إن تآمر الذين يحاربون المسيح (الأريوسيين) ضد الصالحين، إنما بالحري نحن نرضي الله بالأكثر بسبب هذه الأمور، إذ نتهيأ أكثر ونتدرب على حياة الفضيلة. لأنه كيف ننال الصبر ما لم توجد متاعب وأحزان؟
وكيف تظهر الشهامة إلا باحتمالنا الهزء والظلم؟
وكيف يختبر الاحتمال ما لم يوجد هجوم من الأعداء (الأريوسيين وغيرهم)؟
وكيف تتزكى طول أناتنا إن لم توجد وشايات ممن هم ضد المسيح (الأريوسيين)؟!
وأخيرًا كيف يمكن للإنسان أن يدرك الفضيلة ما لم تظهر أولاً شرور الأشرار؟!
هكذا فإن ربنا سبقنا في هذا عندما أراد أن يظهر للناس كيف يحتملون…
عندما ضرب احتمل بصبر،
وعندما شتم لم يشتم،
وإذ تألم لم يهدد، بل قدم ظهره للضاربين، وخديه للذين يلطمونه، ولم يحول وجهه عن البصاق (1 بط 23:2؛ إش 6:50).
وأخيرًا كانت إرادته أن يقاد إلى الموت حتى نرى فيه صورة كل الفضائل والخلود، فنسلك مقتفين آثار خطواته، فندوس بالحق على الحيات والعقارب وكل قوة العدو (الخطية).
هكذا إذ سلك أيضًا بولس على منوال ربه، أوصانا قائلاً "كونوا متمثلين بي كما أنا أيضًا بالمسيح"(2).
_________________________
(1) 1.
(2) 1كو1:11.
بهذا تغلب بولس على انقسامات الشيطان كاتبًا "فأني متيقن أنه لا موت ولا حياة ولا ملائكة ولا رؤساء ولا قوات ولا أمور حاضرة ولا مستقبلة ولا علو ولا عمق ولا خليقة أخرى تقدر أن تفصلنا عن محبة الله التي في المسيح يسوع ربنا"(1). لأن العدو يقترب منا وقت الأحزان والتجارب والأتعاب مجاهدًا أن يهلكنا، ولكن الإنسان الذي في المسيح يناضل هذه الأمور المضادة، فيقابل الغضب بطول الأناة، والاستهزاء بالوداعة، والرذيلة بالفضيلة، عندئذ ينال النصرة ويعلن قائلاً "أستطيع كل شيء في المسيح يسوع الذي يقويني"(2)، و"لكننا في هذه جميعها يعظم انتصارنا بالذي أحبنا"(3).
هذه هي نعمة الله، وهذه هي طرق الله في إصلاح بني البشر، فأنه تألم ليحرر الذين يتألمون فيه.
نزل لكي يعرفنا،
قبل أن يولد حتى نحب ذاك الذي هو ليس (بإنسان عادي)،
نزل إلى حيث (الموت) ليهبنا عدم الموت،
صار ضعيفًا لأجلنا حتى ننال قوة…
أخيرًا صار إنسانًا حتى نقوم مرة أخرى نحن الذين نموت كبشر، ولا يعود يملك الموت علينا، إذ تعلن الكلمات الرسولية قائلة "لا يسود علينا الموت بعد"(4).
وإذ لا يقبل هذا الأريوسيون والمانويون(5)، إذ هم ضد المسيح وهراطقة، يشتمون بألسنتهم ذاك الذي هو "معين"، ويجدفون على من يحررهم، ويفكرون بأفكار متنوعة ضد المخلص. لأنه عند نزوله من أجل خير الإنسان ينكرون لاهوته، ناظرين إلى مجيئه من العذراء مع شكهم في كونه إبن الله. وإذ جاء متجسدًا يرفضون سرمديته. وإذ يرونه متألمًا لأجلنا ينكرون ما لجوهر أبديته، سامحين لأنفسهم بأعمال الجحود، مزدرين بالمخلص، شاتمين إياه عوض أن يعرفوا نعمته.
____________________
(1) رو38:8،39.
(2) في13:4.
(3) رو37:8.
(4) راجع رو9:6،14.
(5) Ario-Maniacs وفي نص السرياني Arius, Manetes.
إننا نوجه لهؤلاء (أي للأريوسيين) هذه الكلمات بحق قائلين: "آه أيها الجاحد المضاد للمسيح! إنك بكليتك شرير وذابح لربك، وأعمى تمامًا، ويهودي في تفكيرك! هل فهمت الكتاب المقدس وأنصت إلى القديسين، إذ يقول "أنر بوجهك فنخلص"(1)، "نورك وحقك يهديانني"(2).
ألا تعرف أن الرب لم ينزل من أجل نفسه بل لأجلنا، وبسبب هذا تذهل من أجل حنو محبته؟!
لو تأملت في الآب والابن لما جدفت على الابن كمن له طبيعة مغايرة؟!
لو فهمت عمله الخاص بحنو محبته من نحونا لما كنت تجعل الابن غريبًا عن الآب، ولا تنظر إليه كغريب، هذا الذي صالحنا مع الآب…
إن الرب كان يهزأ دومًا بالشيطان لا يزال إلى يومنا يصنع هذا (قائلاً للأريوسيين) "أنا في الآب والآب فيّ"(3).
هذا هو الرب المعلن في الآب، وأيضًا الآب معلن في الابن، الذي هو حقًا ابن الآب، إذ تجسد من أجلنا في أواخر الأيام، ليقدم نفسه للآب عوضًا عنا، ويخلصنا خلال تقدمته وذبيحته!..
هذا هو الذي في القديم ذبح كخروف، إذ رمز له الخروف، لكنه بعد ذلك جاء وذبح لأجلنا "لأن فصحنا أيضًا المسيح قد ذبح لأجلنا"(4).
هذا هو الذي خلصنا من شباك الصيادين من أضداد المسيح (حيل ومكائد الأريوسيين)… وأنقذنا نحن كنيسته…
ما هو إذا عملنا يا أخوتي تجاه هذا الصنيع، إلا أن نمجد الله ونشكر ملك الكل؟!
أولاً لنهتف بكلمات المزامير قائلين "مبارك الرب الذي لم يسلمنا فريسة لأسنانهم"(5).
لنحفظ العيد بهذه الطريقة التي أشار بها إلينا مخلصنا –يوم عيد القيامة المقدس- حتى نقدس العيد الذي في السموات مع الملائكة!..
_____________________
(1) مز7:80.
(2) مز3:43.
(3) يو11:14.
(4) 1كو7:5.
(5) مز6:124.
لقد كان الشعب قديمًا ينشد مسبحًا عندما يخرج من الحزن…
وفي أيام أستير حفظوا عيدًا للرب(1) إذ أنقذوا من المنشور المهلك الذي ينادي بالموت، حاسبين هذا عيدًا، مقدمين الشكر للرب، وممجدين إياه…
ليتنا نفي نحن بنذورنا للرب، معترفين بخطايانا، حافظين العيد للرب في أحاديثنا وسلوكنا وطريقة حياتنا، مسبحين ربنا الذي أدبنا إلى قليل لكنه لم يتركنا أو يهلكنا… ولا أبتعد صامتًا عنا.
والآن إذ خرجنا من خداع مضادي المسيح المشهورين (الأريوسيين)… وعبرنا كما في البرية إلى كنيسته المقدسة محتملين في البرية تجاربًا وأحزان، فأننا نرسل إليكم وننتظر منكم رسائلاً كالعادة.
لهذا… فأنني أتقدم بالشكر إلى الله بنفسي، وأوصيكم أنتم أيضًا أن تشكروه معي…
وإذ هي عادة رسولية (أن أرسل إليكم رسالة) لهذا فإن أضداد المسيح وأصحاب الانشقاقات رغبوا في أن يفسدوا هذه العادة ويوقفونها. لكن الله لم يسمح بهذا، بل جدد وحفظ ما قد أمرنا به بواسطة الرسول، حتى نحفظ العيد مع بعضنا البعض، حافظين يومًا مقدسًا حسب تقليد الآباء ووصيتهم…..
_____________________
(1) إش9:3، 21:9.
عيد القيامة في 20 برمودة 55ش
15 أبريل 339م.
إذ كان بولس الرسول متمنطقًا بكل فضيلة(1)، وقد دعي مؤمنًا بالرب، لأنه لم يكن يشعر بشيء في ذاته(2)، بل كان يتوق إلى الفضيلة والتسبيح ومع ما يتفق مع الحب والبر، لهذا كان دائمًا ملتصقًا بهذه الأمور أكثر فأكثر، وكان يحمل إلى المواضع السمائية ويختطف إلى الفردوس(3) وإذ فاق غيره في توبته، فسيتمجد أكثر منهم.
وعندما نزل (من الفردوس) كرز لكل واحد "لأننا نعلم بعض العلم، ونتنبأ بعض التنبؤ"(4). "الآن أعرف بعض المعرفة لكن حينئذ سأعرف كما عرفت"(5). فأنه في الحقيقة قد عرف بين القديسين كرعية معهم(6).
فمعرفته للأمور المستقبلة والكاملة هي بعض المعرفة، أما الأمور التي أمره بها الرب وأتمنه عليها فقد عرفها معرفة كاملة كقوله "فليفتكر هذا جميع الكاملين منا"(7).
فكما أن إنجيل المسيح هو كمال وتحقيق للخدمة التي سبق أن أعطيت بواسطة الشريعة (الموسوية)…، هكذا أيضًا ستكون الأمور المستقبلة هي تحقيق وتنفيذ لما هو موجود حاليًا، حيث يتحقق للمؤمنين ما لم يرونه الآن، والتي لم يترجونها كقول بولس "لأن ما ينظره أحد كيف يرجوه أيضًا؟! ولكن إن كنا نرجو ما لسنا ننظره فأننا نتوقعه بالصبر"(8).
فإذ كان لهذا الرجل الطوباوي هذه الصفات، وقد عهدت إليه النعمة الرسولية، لهذا كتب مشتاقًا أن يكون جميع الناس مثله(9)……
عظيمة هي الشركة في ملكوت السموات، لأن هناك ألوف ألوف وربوات ربوات يخدمون الله.
ومع أن طريق الملكوت ضيق وكرب بالنسبة للإنسان، لكنه متى دخل رأى إتساعًا بلا قياس، وموضعًا فوق كل موضع، إذ شهد بذلك أولئك الذين رأوا عيانًا وتمتعوا بذلك.
________________________
(1)أف14:6.(2)1كو4:4.
(3)2كو4:12.(4)1كو9:13.
(5)1كو12:13.(6)أف19:2.
(7)في15:3.(8)رو24:8، 25.
(9) 1كو7:7.
(يقول البشر في الطريق) "جعلت ضغطًا (أحزانًا) على قوتنا"(1)، لكن عندما يروون فيما بعد عن أحزانهم يقولون "أخرجتنا إلى الخصب"(2)، وأيضًا "في الضيق رحبت لي"(3).
حقًا يا أخوتي نصيب القديسن هنا هو الضيق، إذ1 هم يتعبون متألمين بسبب شوقهم إلى الأمور المستقبلة، مثل ذاك الذي قال "ويل لي فأن غربتي قد طالت"(4). إذ يتضايقون وينفقون بسبب خلاص الآخرين كما كتب بولس الرسول إلى أهل كورنثوس قائلاً "أن يذلني إلهي عندكم إذا جئت أيضًا وأنوح على كثيرين من الذين أخطأوا من قبل ولم يتوبوا عن النجاسة والزنا والعهارة التي فعلوها"(5). وكما ناح صموئيل بسبب هلاك شاول، وبكى أرميا من أجل سبي الشعب.
هؤلاء عندما يرحلون من هذا العالم، فأنهم بعد هذا الحزن والكآبة والتنهد ينالون سعادة وسرورًا وتهليلاً إلهيًا، ويهرب منهم البؤس والحزن والتنهد.
إن كان هذا هو حالنا يا أخوتي "فليتنا لا نتوانى في طريق الفضيلة، إذ ينصحنا قائلاً "كونوا متمثلين بي كما أنا أيضًا بالمسيح"(6). فأنه أن كان قد قدم هذه النصيحة إلى أهل كورنثوس وحدهم، لكنه ينصحنا نحن جميعًا عن طريقهم، إذ لم يكن رسولهم وحدهم بل كان "معلمًا للأمم في الإيمان والحق"(7).
وباختصار، فأن الأمور التي كتب بها إلى أشخاص معينين، إنما يأمر بها الجميع لهذا كتب إلى شعوب مختلفة، فأمر بعض (الوصايا) في رسائله إلى روما وأفسس وفليمون.
فأنتهر البعض ساخطًا عليهم، كما في حالتي أهل كورنثوس وأهل غلاطية.
وقد نصائحًا للبعض كما صنع مع أهل كولوسي وأهل تسالونيكي.
أما أهل فيلبي فقد زكاهم وفرح بهم.
والعبرانيون علمهم أن الشريعة هي ظل لهم.
أما بالنسبة لابنيه الخاصين. تيموثاوس وتيطس، فأنه عندما كانا قريبين منه قدم لهما تعليمات، وعندما كانا بعيدين كان يذكرهما.
وهكذا فقد كان بولس كل شيء لكل الناس، وبكونه إنسان كامل طبق تعاليمه حسب احتياج كل واحد، حتى يخلص بكل الطرق بعضًا منهم، لهذا لم تكن كلمته بغير ثمر، إنما نبتت في كل موضع وصارت مثمرة حتى يومنا هذا…
________________________
(1)مز11:66.(2)مز12:66.
(3)مز1:4.(4)راجع مز120:
(5)2كو21:12.(6)1كو1:11.
(7)1تي7:2.
بحق يلزمنا أن نبحث في الفكر الرسولي، لا في بداية الرسائل بل وفيما جاء بنهايتها وفي صلبها حيث يورد المعتقدات والنصائح.
وأنني أرجو بصلواتكم أن أظهر لكم طريقة هذا القديس التي هي ليست باطلاً. وإذ هو قد تمرن مرانًا حسنًا في هذه الأمور الإلهية، وعرف قوة التعليم الإلهي، لذلك حسبها ضرورية.
ففي المكان الأول يظهر الكلمة الخاصة بالمسيح والسر الخاص به، وبعد ذلك يشير إلى تصحيح العادات، إذ يكونوا قد عرفوا الرب، فيشتاقون إلى تنفيذ الأوامر الإلهية.
لأنه لو أن "المرشد" (المسيح) إلى الوصايا غير معروف، فأنهم لا يكونوا مستعدين لحفظ الوصايا.
وقد استخدم موسى المؤمن –خادم الله- نفس الطريقة. لأنه عندما أذاع كلمات الشريعة الإلهية، تكلم أولاً عن الأمور الخاصة بمعرفة الله، قائلاً "اسمع… الرب إلهنا رب واحد"(1) وبعدما أشار للشعب عن الله وعلمهم بمن يؤمنون به وأخبرهم عن الله الحقيقي، عندئذ بدأ يقدم الشريعة الخاصة بالأمور التي بها يكون الإنسان مرضيًا لله، قائلاً "لا تزن. لا تسرق" مع بقية الوصايا.
هكذا بحسب التعليم الرسولي "يجب أن الذي يأتي إلى الله يؤمن بأنه موجود، وأنه يجازي الذين يطلبونه"(2).
الآن فأنه يبحث عن الله عن طريق الأعمال الصالحة كقول النبي "اطلبوا الرب ما دام يوجد. ادعوه وهو قريب. ليترك الشرير طريقه ورجل الإثم أفكاره"(3).
أمثلة أخرى:
وأيضًا لم يخطئ الإنسان (هرماس) في كتاب "الراعي" إذ بدأ في أول الكتاب قائلاً… "قبل كل شيء آمن أنه يوجد إله واحد، الذي خلق كل الأشياء وأوجدها من العدم إلى الوجود"(4).
وبالحري الإنجيليون الطوباويون الذين سجلوا كلمات الرب، في بداية أناجيلهم كتبوا عن الأمور الخاصة بالمخلص، حتى أنهم إذ يعرفون أولاً الرب الخالق، يصدقهم الغير عندما يروون الحوادث الواردة. لأنه كيف يمكن تصديق، كتب من جهة تفتيح عيني المولود أعمى من بطن أمه وغيره من العمى، وإقامة الموتى وتحويل الماء خمرًا وتطهير البرص، إن لم يتعلموا أولاً أنه هو الخالق، إذ كتب "في البدء كان الكلمة"؟!(5)
____________________
(1) تث4:6.
(2) عب6:11.
(3) إش6:55، 7.
(4) عن كتاب الراعي لهرماس
(5) يو1:1.
وما جاء في إنجيل متى أنه ذاك الذي من زرع داود "عمانوئيل" ابن الله الحي؟! هذا الذي يخفي اليهود والأريوسيين وجوههم عنه، أما نحن فنعرفه ونتعبد له.
لهذا فقد أرسل الرسول –كما رأينا- إلى شعب مختلف، لكنه يذكر ابنه الخاص لكي لا يزدري بالتعاليم التي أستلمها منه(1)، آمرًا إياه "أذكر يسوع المسيح المقام من الأموات من نسل داود بحسب إنجيلي"(2).
وإذ يحدثه عن هذه الأمور التي سلمه إياها، لكي يتذكرها على الدوام، لهذا يكتب له في الحال قائلاً "اهتم بهذا. كن فيه"(3).
لأن التأمل الدائم وتذكر الكلمات الإلهية، يقوي التقوى تجاه الله، وينتج حبًا لذاك الذي هو غير منفصل (عنا).
وإذ هو مفكر في هذا، يتكلم عن نفسه وعن الآخرين المشابهين له في الفكر، قائلاً بشجاعة "من سيفصلنا عن محبة الله (المسيح)" رو35:8. لأن أمثال هؤلاء الناس إذ ثبتوا في الرب وصار لهم تدبير ثابت تجاهد، وبكونهم واحدًا في الروح (لأن من يرتبط بالروح روح واحد)، فأنهم يكونون ثابتين "مثل جبل صهيون" فأنه وإن ثارت آلاف التجارب ضدهم فإنهم يكونون مؤسسين على الصخر الذي هو المسيح(4).
أما المهملون فأنهم لا ينالون في المسيح بهجة، وإذ لا يكون لهم غرضًا دائمًا للصلاح لهذا فهم يتدنسون بالهجمات الزمنية، ولا يهتمون بالأمور التي تسمو على الزمنيات إذ هم غير ثابتين، ومستحقين التوبيخ من جهة الإيمان. لأن هم هذا العالم أو غرور الغنى يخنقانهم(5). أو كما قال يسوع في ذلك المثل الذي أشار به عليهم، إذ هم ليسوا مؤسسين على الإيمان الذي بشر لهم به، بل قبلوه إلى حين وحالاً في وقت الاضطهاد أو الضيق من أجل الكلمة، حالاً يعثرون(6).
_______________________
(1) 2تي14:3.
(2) 2تي8:2.
(3) 1تي15:4.
(4) مز1:125، 1كو4:10، مت25:7.
(5) مت22:13.
(6) مت21:13
فأولئك الذين يفكرون في الشر، نقول أنهم يفكرون تفكيرًا باطلاً وليس تفكيرًا صحيحًا، ليس تفكيرًا صالحًا بل طالحًا، لأن ألسنتهم تعلم النطق بالكذب.
إنهم صنعوا شرًا ولم يكفوا تائبين.
وإذ هم محتفظين بالابتهاج بالأعمال الشريرة، يسرعون في هذا بغير توقف، مطئين تحت أقدامهم الوصية الخاصة بالأقوياء وبدلاً من أن يحبوا الأقرباء يدبرون شرورًا ضدهم، كما يشهد القديس قائلاً "والملتمسون لي الشر تكلموا بالمفاسد واليوم كله يلهجون بالغش"(1).
والسبب في مثل هذا التفكير ليس إلا بسبب جهلهم وذلك كما أعلن المثل الإلهي من قبل قائلاً بأن الابن الذي ينسى وصية أبيه يفكر في الشرور.
وإذ مثل هذا التفكير شر… لهذا يوبخ الروح القدس قائلاً… "لأن أيديكم قد تنجست بالدم وأصابعكم بالإثم. شفاهكم تكلمت بالكذب ولسانكم يلهج بالشر. ليس من يدعو بالعدل وليس من يحاكم بالحق"(2).
ولكن ما هي نهاية الاحتفاظ بمثل هذه الأفكار، إذ يعلن للحال قائلاً "يتكلمون على الباطل ويتكلمون بالكذب. قد حبلوا بتعب وولدوا إثمًا. فقسوا بيض أفعى ونسجوا خيوط العنكبوت. الآكل من بيضهم يموت والتي تكسر تخرج أفعى"(3).
مرة أخرى. أي رجاء لمثل هذه الأمور، فقد أعلنه "من أجل ذلك أبتعد الحق عنا ولم يدركنا العدل. ننتظر نورًا فإذا ظلام. ضياءً فنصير في ظلام دامس. نتلمس الحائط كعمي وكالذي بلا أعين نتجسس. وقد عثرنا في الظهر كما في العتمة. في الضباب كموتى. نزأر كلنا كدبة وكحمام (هدرًا نهدر)(4).
هذه هي ثمار الشر. إذ ينال هذه الجزاءات من يأنس بها، لأن الالتواء لا ينقذ صاحبه، بال بالحقيقة يأتي ضد من يستخدمه، ممزقًا إياهم أولاً مهلكًا إياهم…
هؤلاء (الأشرار) ألسنتهم حسب شهادة المرتل أنه سيف ماض وأسنانهم أسنة وسهام(5). ولكن الأمر العجيب أنه بينما يهاجم الآخرين لا يضرهم، إنما يتمزقون هم بأسنتهم التي لهم. لأنهم يملكون في ذواتهم الغضب والحق والحسد والخداع والكراهية والمرارة…
________________________
(1) حز12:38.
(2) إش3:59، 4.
(3) إش4:59، 5.
(4) إش9:59-11.
(5) مز4:57.
وبالرغم من أنهم يعجزون عن أن يضروا الآخرين (بهذه الشرور)، إذ بها ترتد على أنفسهم هم أولاً وضدهم، وذلك كما يصلي المرتل قائلاً "سيفهم يدخل في قلبهم"(1). وهناك أيضًا عن مثل هذا "الشرير…بحبال خطيته يمسك"(2).
إذ كانت أفكار فليهود هو أن يصنعوا بالرب ظلمًا… نسوا أنهم كانوا يجلبون الغضب ضد أنفسهم لهذا انتحبهم الرب (على لسان النبي) قائلاً: "لماذا ارتجت الأمم وتفكرت الشعوب في الباطل" (مز 1:2).
حقًا باطل هو تفكير اليهود، إذ يفكرون في الموت ضده الحياة، ويشيرون بأمور غير معقولة ضد كلمة الآب!
ومن يتطلع الآن إلى تشتيتهم وخراب مدينتهم يقول: "الويل لهم، فقد فكروا شرًا ضد أنفسهم"…
حسن هو هذا يا اخوتي، لأنهم إذ أخطأوا في حق الكتاب المقدس لم يعرفوا أن "من يحفر هوة يقع فيها، ومن ينقض جدارًا تلدغه حية" (جا 8:10)...
خدام الرب الأبرار المؤمنون الذين هم تلاميذ ملكوت السموات، يخرجون منه جددًا وعتقاء(4)، ويتألمون في الكلمات الإلهية أثناء جلوسهم في بيوتهم، وعند النوم، وعند قيامهم، وهم سائرون في الطريق.(5).
هؤلاء لهم رجاء صالح بسبب وعد الروح الذي قال "طوبى للرجل الذي لم يسلك في مشورة المنافقين، وفي طريق الخطاة لم يقف، وفي مجلس المستهزئين لم يجلس. لكن في ناموس الرب إرادته، وفي ناموسه يلهج نهارًا وليلاً"(6)
______________________
(1) مز15:37.
(2) أم 22:5.
(3) .
(4) مت52:13.
(5) تث7:6.
(6) مز1
فإذ يكون مؤسسًا على الإيمان، وفرحًا بالرجاء يتجاسر فيقول "فمي يتكلم بالحكم (الحكمة) ولهج قلبي فهم"(1)، وأيضًا "لهجت بكل أعمالك بصنائع يديك أتأمل"(2)، "إذا ذكرتك على فراشي في السهد (الصباح) ألهج بك"(3).
ثم يتقدم فيتجاسر قائلاً "فكر قلبي (مرضية) أمامك في كل حين"(4).
وما هو قصد هذا الإنسان؟ أنه يقول "يا رب أنت معيني ومخلصي"(5).
مثل هذا الإنسان يدرب نفسه ويشغل قلبه بالرب، فلا يصيبه شيء مضاد، لأنه بالحق يتقوى قلبه بالثقة في الرب، كما هو مكتوب "المتوكلون على الرب مثل جبل صهيون لا يزول إلى الأبد، الساكن بأورشليم"(6)….
مثل هذا وإن كانت التجارب والأحزان تهاجمه من الخارج لكنه إذ يمتثل للكلمات الرسولية يكون ثابتًا في التجارب ومداومًا على الصلاة(7)، متأملاً في الناموس، لذلك فهو يثبت ضد ما يحل به ويكون مرضيًا لله، وينطق بهذه الكلمات المكتوبة "ضيق وشدة أصاباني أما وصاياك فهي لذاتي"(8).
يتحرك مثل هذا في عمل الفضيلة لا بالعمل فحسب ولكن من جهة أفكار ذهنه أيضًا، لهذا يقول… "سبقت عيناي وقت السحر لألهج في (جميع) أقوالك"(9)، لأنه بالنسبة للكاملين يسبق الفكر التنفيذ الجسدي.
ألم يبدأ مخلصنا بأفكار الذهن عندما أن يعلمنا نفس هذا الشيء؟! إذ قال "أن كل من ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه" واعتبر غضب الإنسان على أخيه قتل. لأنه عندما يزول الغضب لا يوجد القتل، وإذ تستبعد الشهوة لا يحدث زنا. هكذا أيها الأحباء. إن التأمل في الوصية أمر ضروري، وكذلك الحديث المتواصل بخصوص الفضيلة "لكي يكون إنسان الله كاملاً متأهبًا لكل عمل صالح"(10).
فبهذه الأمور يكون الوعد بالحياة الأبدية، لما كتب بولس إلى تيموثاوس داعيًا إياه إلى التدرب على التفكير المستمر قائلاً "روض نفسك للتقوى. لأن الرياضة الجسدية نافعة لقليل ولكن التقوى نافعة لكل شيء إذ لها موعد الحياة الحاضرة والعتيدة".
______________________
(1)مز3:49.(2)مز5:143.
(3)مز6:63.(4)مز4:19.
(5)مز14:18.(6)مز1:125.
(7)رو12:12.(8)مز143:119.
(9)مز48:119.(10)2تي17:3.
مستحقة كل إعجاب هي فضيلة هذا الرجل يا أخوتي! لأنه خلال تيموثاوس يأمر الجميع ألا يهتموا بشيء أكثر من التقوى، بل وفوق كل شيء أن يهتموا اهتمامًا رئيسيًا بالإيمان في الله. لأنه أي نعمة تكون لرجل شرير وهو غريب عن حفظ الوصايا؟!
بلى، فإن الشرير لا يستطيع أن يحفظ أي من الوصايا، لأنه حسبما يكون فكره هذا تكون أفعاله. وذلك كالروح الذي يوبخ أمثال هؤلاء "قال الجاهل في قلبه ليس إله" مردًا بعد ذلك الأعمال التي تطابق هذا الفكر…."فسدوا رجسوا بأفعالهم"(1).
فالرجل الشرير (أي فاسد الفكر) يفسد جسده على أي وضع بالسرقة، إرتكاب الزنا، السب، السكر، وأمثال هذه.
وإذ يستذنب أرميا إسرائيل بسبب ارتكابهم مثل هذه الأمور يصرخ قائلاً "يا ليت لي في البرية مبيت مسافرين فأترك شعبي وأنطلق من عندهم لأنهم جميعًا زناة جماعة خائنين. يمدون ألسنتهم كقسيهم للكذب لا للحق قووا في الأرض. لأنهم خرجوا من شر إلى شر وإياي لم يعرفوا يقول الرب"(2) فهو ينتهرهم بسبب أعمالهم من شر وكذب وخروجهم من شر إلى شر، ويتهمهم بالشر بسبب عدم معرفتهم بالرب.
فالإيمان والأعمال هما أختان مرتبطتان بعضهما البعض.
فمن يؤمن بالرب يكون تقيًا، ومن يكون تقيًا فهو مؤمن بالأكثر.
لهذا فمن هو شرير يكون بلا شك ضالاً عن الإيمان، ومن يترك التقوى يتخلى عن الإيمان الحقيقي.
وكمثال، بولس إذ يشهد بهذا أيضًا، نجده ينصح تلميذه قائلاً "وأما الأقوال الباطلة الدنسة فأجتنبها لأنهم يتقدمون إلى أكثر فجور. وكلمتهم ترعى كآكلة، الذين منهم هيميناس وفيليتس". وقد أشار فيما كان شرهما قائلاً "اللذان زاغا من الحق قائلين أن القيامة قد صارت"(3).
ومرة أخرى إذا أراد إبراز ارتباط الإيمان بالصلاح، يقول "وجميع الذين يريدون أن يعيشوا بالتقوى في المسيح يسوع يضطهدون"(4).
بعد هذا، لكي لا ينكر أحد صلاحه في أثناء الاضطهاد، ينصحهم أن يحفظوا الإيمان قائلاً "وأما أنت فأثبت على ما تعلمت وأيقنت"(5).
____________________________
(1)مز1:14،2.(2)أر2:9.
(3)2تي16:2-18.(4)2تي12:3.
(5)2تي14:3.
وكما أنه عندما يساعد الأخ أخاه، يصيران حصنين لبعضهما البعض، هكذا أيضًا الإيمان والصلاح، إذ ينميان متشابهان ممسكان بعضهما البعض، فمن يختبر أحدهما بالضرورة يتقوى بالآخر.
لذلك إذ يرغب في أن يتدرب التلميذ على الصلاح حتى النهاية، وأن يجاهد من أجل الإيمان، نصحه قائلاً "جاهد جهاد الإيمان وتمسك بالحياة الأبدية"(1). لأنه متى أقلع عن شر الأوثان وتمسك بالله الحقيقي… فأنه بعد ذلك يحارب بالإيمان ضد أولئك الذين يضادون الله (أي الشياطين)!
رجاء الأمرين اللذين نتكلم عنهما –أي الإيمان والصلاح- هو رجاء واحد أي الحياة الأبدية، إذ يقول (الرسول) "جاهد جهاد الإيمان الحسن وأمسك بالحياة الأبدية"، "روض نفسك للتقوى… التقوى نافعة لكل شيء إذ لها موعد الحياة الحاضرة والعتيدة"(2).
لذلك فأن Ario-maniacas الذين يخرجون الآن عن الكنيسة بكونهم أضداد للمسيح ينقبون حفرة عدم الإيمان، التي يتعطشون إليها. وإذ هم يتقدمون في الشر، فأنهم يفسدون إيمان البسطاء(3)، مجدفين على ابن الله قائلين أنه مخلوق وأنه وجد من العدم.
لنحذر من هؤلاء كما حذرنا الرسول من هيميناس وفيليتس قائلاً "ولكن أساس الله الراسخ قد ثبت إذ له هذا الختم. يعلم الرب الذين هم له. وليتجنب الإثم كل من يسمى اسم المسيح"(4) لأنه حسنًا أن ينفصل الإنسان عن الشر وأعمال الإثم، حتى يقدر أن يقدس العيد. أما من يتدنس بأدناس الأشرار، فإنه لا يستطيع أن يقدم الفصح للرب إلهنا… إذ يقول الرب "اخرجوا من وسطهم (أي من وسط الخطية والإثم) واعتزلوا… ولا تمسوا نجسًا"(5). لأن الإنسان لا يعتزل الخطية ويتمسك بالأعمال الفاضلة، ما لم يتأمل في أعماله، وإذ يروض نفسه للتقوى يتمسك بالاعتراف بالإيمان، فبعدما جاهد بولس الجهاد، حفظ إكليل البر الذي وضع له والذي سيهبه له الديان العادل، ليس له وحده بل وكل الذين على مثاله.
________________________
(1) 1تي12:6.
(2) 1تي7:4،8.
(3) رو18:16.
(4) 2تي19:2.
(5) 2كو7:6.
وإذ هذا التأمل والتدرب في حياة الصلاح، كلاهما من عمل القديسين في كل الأزمنة، لذلك فهما ضروريان لنا في وقتنا الحاضر، عندما ترغب الكلمة الإلهية أن تكون محفوظين مع القديسين بسلوكنا على منوالهم.
فما هو العيد إلا التعبد لله، والاعتراف بالتقوى، والصلاة الدائمة من كل القلب…؟!
هكذا إذ يرغب بولس في أن نكون على هذا الحال على الدوام، يوصينا قائلاً "افرحوا كل حين. صلوا بلا انقطاع. اشكروا في كل شيء"(1). لا على انفراد بل جميعنا نعيد معًا في وحدة… إذ يوصينا النبي قائلاً "هل نرنم للرب نهتف لصخرة إلهنا" (مز 1:95).
ومن هو هذا المهمل العاصي للصوت الإلهي، فلا يترك كل شيء ويجري إلى اجتماع العيد العام؟! هذا الذي لا يحفظ في مكان واحد، بل "في كل الأرض خرج منطقهم وإلى أقطار المسكونة بلغت أقوالهم" (مز 4:19). ولا تقدم الذبيحة في مكان واحد بل في كل الأمم (راجع مل 11:1)…
هكذا تصعد التسابيح والصلوات بصورة متشابهة، مرتفعة ومن كل مكان إلى الآب الصالح واهب النعم. فالكنيسة الجامعة التي هي في كل مكان تقدم نفس العبادة لله ببهجة وسرور، مرسلة أغنية التسبيح قائلين "آمين".
حقًا كيف يحرم من التطويب، ذاك الذي لا ينشغل بالصلاة يا إخوتي؟!…
ما دام الأمر هكذا، فليتنا نقدم أصواتًا مفرحة مع القديسين، ولا يفشل أحد عن تقديم واجبه من جهة هذه الأمور، حاسبًا كأنها لا شيء تلك الآلام والتجارب التي تحل بنا خاصة في هذه الأيام عن طريق جماعة أوسابيوس.
أنهم يرغبون في أن يلحقوا بنا الضرر، ويقذفوا بنا إلى الموت بأتهاماتهم، وذلك بسبب صلاح الله معيننا!
لكننا كخدام مؤمنين بالله، نعرف أنه منقذنا في وقت الضيق. فقد وعدنا ربنا مقدمًا قائلاً "طوبى لكم إذا عيروكم وطردوكم وقالوا عليكم كل كلمة شريرة من أجلي كاذبين. افرحوا وتهللوا لأن أجركم عظيم في السموات"(1).
__________________
(1) 1تس16:5-18.
(2) .
(3) .
(4) .
(5) مت11:5،12.
نعود مرة أخرى فنقول أنها كلمات المخلص تعلن بأن الأحزان لا تحل على جميع الناس في هذا بل (خاصة) على القديسين الذين يخافونه. لهذا فإنه قدر ما يكتنفنا الأعداء نتحرر وبالرغم من تعييرهم لنا لاجتماعنا معًا فأنهم إذ يريدون أن يخرجوننا من حياة التقوى، إلا أننا نجسر فنبشر قائلين "هذا كله جاء علينا ولا نسيناك"(1)….
بموته أبطل سلطان الموت
لقد أراد رب الموت أن يبطل الموت، وبكونه هو "الرب" لهذا فأن ما قد أراده حققه لأجلنا نحن جميعًا إذ عبرنا من الموت إلى الحياة.
أما توهمات اليهود ومن على أمثالهم (الأريوسيين) فهي أوهام باطلة، لذلك جاءت النتيجة على خلاف ما توقعوا، بل جاءت النتيجة ضدهم، لأن "الساكن في السموات يضحك الرب يستهزء بهم"(2).
عندما أقتيد الرب إلى الموت ضد النسوة اللواتي كن يتبعن إياه باكيات، قائلاً "لا تبكين علي" بمعنى أن حادث موت الرب ليس للحزن بل للفرح، لأن الذي يموت عنا هو حي (قادر أن يقوم)، إذ هو ليس مخلوق من عدم، بل مولود من الآب.
إن موته بحق موضوع فرح، إذ نرى علامات النصرة ضد الموت، ونرى عدم فسادنا خلال جسد الرب. لأنه إذ قام ممجدًا، فأنه من الواضح أنه سيقيمنا جميعًا. وإذ بقى جسده بغير فساد، فأننا لا نشك في أننا سننال عدم الفساد!
لأنه كما يقول بولس(3) –وقوله حق- أنه كما بإنسان واحد أخطأ جميع الناس، هكذا بقيامة ربنا يسوع المسيح سنقوم جميعنا.
يقول (الرسول) "لأن هذا الفاسد لا بد أن يلبس عدم فساد. وهذا المائت يلبس عدم موت(4)…..
________________________
(1) مز17:44. متحدثًا بعد ذلك عن ضرورة فرحنا بالرب وعدم شركتنا مع الهراطقة الأريوسيين…
(2) مز4:2.
(3) رو12:5.
(4) 1كو53:15.
ذكرت مجموعة آباء نيقية الرسالة 12 وعلقت بأنها جاءت في طبعة (MS) بعد الرسالة ال11 مع اعتبار أنه يحتمل أن تكون الرسالة 12… وهي موجهة إلى سرابيون ومما لا شك فيه أنه أسقف ثاميوس Thmuis (راجع رسالة 54).
وفحوى الرسالة أنه يشكر النعمة الإلهية التي قدمت البركات التي تغمرهم بها وبخاصة في وقت العيد. وأن الرب قد هيأ فرصة لإرسال هذه الرسالة. وقد ذكر أن جماعة من الMeletians جاءوا من سوريا وادعوا أنهم يتبعون الكنيسة الجامعة، لهذا أسرع أثناسيوس كاتبًا إلى أساقفة سوريا…
وقد أخبره عن الأساقفة الحقيقيين والخارجين عن الكنيسة حتى لا يتقل منهم رسائلاً.
وقد علق المترجم أنها كتبت من روما.
+ + +
عيد القيامة في 24 برمودة 57ش
19 أبريل 341م
أخوتي الأعزاء.. أنني كما اعتدنا أستعد مرة أخرى لأخبركم عن العيد المنقذ الذي سيحل. فأنه وإن كان أضداد المسيح (الأريوسيون) يضايقونكم وإيانا بأحزان وآلام، لكن إذ يعزينا الله بالإيمان المشترك(1) أكتب إليكم من روما.
وإذ أحفظ العيد هنا مع الأخوة، إلا أنني أكون حافظًا له معكم بالإرادة والروح، إذ نقدم جميعًا صلوات عامة إلى الله الذي وهبنا لا أن نؤمن به فحسب بل وأن نتألم أيضًا من أجله(2).
فإننا ونحن مضطربون لبعدنا عنكم، لكن الله يحركنا للكتابة إليكم، فتصير لنا هذه الرسالة تعزية، ويلاحظ بعضنا البعض محرضين بعضنا في الأعمال الصالحة(3).
حقًا إن أحزانًا غير محصية واضطهادات مرة موجهة ضد الكنيسة، ضدنا. لأن الهراطقة (الأريوسيين) إذ هم فاسدين في أذهانهم، منحرفين عن الإيمان، يقاومون الحق ويضطهدون الكنيسة بعنف، بجلد وتمزيق بالأسياط، وقسوة على الجميع، حتى السب في الأساقفة!
ومع ذلك فإننا لن نهمل العيد بسبب هذه الأمور، إنما يلزمنا على وجه الخصوص أن نذكرها من وقت إلى آخر ولا ننساها تمامًا.
والآن فإن غير المؤمنين (الأريوسيين) لا يبالون بحلول الأعياد، بل يقضون حياتهم كلها في السب والأمور المملوءة غباء، أما أعيادهم التي يحفظونها فهي للحزن لا للفرح.
أما بالنسبة لنا نحن في هذه الحياة الحاضرة، فإننا فوق كل شيء لنا طريقًا أكيدًا (للسماء). إنه بالحق عيدنا. لأن مثل هذه الأمور (المضايقات) تخدمنا في التدرب والتجربة، فإذ نتزكى ونختار خدامًا للمسيح، نصير شركاء في الميراث مع القديسين.
لذلك كان أيوب يرى أن العالم هو مكان يتجرب فيه الشر على الأرض(4) فالذين يتزكون في هذا العالم بالأحزان والأتعاب والغم، بل كل واحد منهم المجازاة التي تتلائم معه، إذ يقول الله على لسان النبي "أنا الرب فاحص القلب مختبر الكلى لأعطي كل واحد حسب طرقه"(5)….
____________________
(1) رو12:1.
(2) في29:1.
(3) عب24:10.
(4) أي1:7.
(5) أر10:17.
هذا لا يعني أن الله لأول مرة يعرف ماذا يتناسب مع ما يتزكى عليه الإنسان، إنما يعرف هذا من قبل أن يوجد الإنسان إنما لأنه صالح وصانع خيرات، لهذا فهو يوزع المكافأة التي تتناسب مع عمل كل إنسان، حتى يعلن كل واحد أن حكم الله بر! وفي ذلك يقول النبي مرة أخرى بأن الرب مختبر الصديق وفاحص الكلى(1).
مرة أخرى فأن هذا (الألم يسمح به) لكل واحد… فتعلن الفضيلة بواسطة الذين تزكوا، كما قيل لأيوب "لعلك تناقض حكمي، تستذنبني لكي تتبرر أنت؟!(2)… ويشعر الناس بأفعالهم (بسبب التجارب) فيعرفوا أي سلوك هم اتبعوه فينوب بعضهم عن شرهم متمسكين بالثبوت في الإيمان.
وعندما لحق بولس أحزانًا واضطهادات وجوعًا وعطشًا يقول "ولكننا في هذه جميعها يعظم انتصارنا بالذي أحبنا"(3).
فخلال الألم كان ضعيفًا في الجسد، لكن بإيمانه ورجائه كان قويًا في الروح، وقوته هذه كملت ضعفه.
والقديسون الآخرون أيضًا الذين كان لهم ثقة مماثلة في الله، قبلوا تجاربًا مشابهة بسرورٍ، إذ كان أيوب يقول "فليكن اسم الرب مباركًا" (أي 21:1). والمرتل يقول "جربني يا رب وامتحني (أبلني). صف (نق) كليتي وقلبي" (مز 2:26)، لأنه إذ يتزكى الأقوياء، يصير المتهمون مذنبون. وإذ يرى الأقوياء عملية التنقية، ويدركون بركات النار الإلهية، فأنهم لا يجبنون أمام تجارب كهذه بل بالحري يبتهجون بها. ولا يصيبهم قط ضرر من مثل هذه الأمور التي حدثت، بل يصيرون إلى أمجاد أكثر تتلألأ، كالذهب في النار (مل 3:3؛ 1 بط 7:1)، وكما قال ذاك الذي امتحن في مثل هذه المدرسة. جربت قلبي. تعهدته ليلاً. فحصتني لا تجد فيَّ ذمومًا. لا يتغذى فمي من جهة أعمال الناس (مز 3:17، 4).
__________________
(1) أر12:20.
(2) أي8:40،9.
(3) رو37:8.
(4) .
(5) .
(6) .
(7) .
أما أولئك الذين أعمالهم لا تصدها الوصايا، الذين لا يعرفون شيئًا سوى الكل والشرب والموت، مثل هؤلاء ينظرون إلى التجارب على أنها خطرة. هؤلاء يتعثرون فيها، حتى إنهم إذ لا يمتحنون في الإيمان يسلمون إلى ذهن مرفوض ليفعلوا ما لا يليق(1).
لذلك فأن الطوباوي بولس عندما يحثنا إلى تداريب مثل هذه، وقد سبق له أنه قاس نفسه بها قائلاً "لذلك أسر بالضعفات… والضيقات"(2) ومرة أخرى "روض نفسك للتقوى(3).
فإذ قد عرف أن الاضطهادات التي تحيق بالمختارين لحياة التقوى، لذلك رغب لتلميذه أن يتأمل مقدمًا المصاعب الخاصة بالتقوى، حتى متى حلت الشدائد وثارت الأحزان احتملها بسهولة، إذ قد تدرب فيها.
لأنه إذ يكون الإنسان منشغل الفكر بهذه الأمور، فإنه يختبر الفرح الخفي اختبارًا عاديًا…
وبهذه الكيفية إذ اختبر الشهداء الطوباويون المصاعب، صاروا كاملين بسرعة في المسيح، غير مبالين بضرر في شيء إذ هم متأملون الراحة.
وأما هؤلاء الذين "ينادون بأسمائهم في الأراضي"(4)، ولهم في أفكارهم "خشبًا وعشبًا وقشًا"(5)، أمثال هؤلاء إذ هم غرباء عن الضيق، أيضًا غرباء عن ملكوت السموات.
وإذ يعرف البعض أن الضيق ينشئ صبرًا، والصبر تزكية، والتزكية رجاء، والرجاء لا يخزى، لهذا فأنهم يتدربون على مثال بولس الذي يقول "أقمع جسدي وأستعبده حتى بعدما كرزت للآخرين لا أصير أنا نفسي مرفوضًا(6). فيتحملون التجارب بسهولة، هذه التي تحل بهم من حين إلى حين لأجل تزكيتهم، ذلك أن كانوا يصغون إلى النصيحة النبوية القائلة "جيد للرجل أن يحمل النير في صباه. يجلس وحده ويسكت لأنه قد وضعه عليه. يجعل في التراب فمه لعله يجد رجاء. يعطي خده لضاربه. يشبع عارًا. لأن السيد لا يرفض إلى الأبد. فإنه ولو أحزن يرحم حسب كثرة مراحمه"(7).
لأنه بالرغم مما يحل بهم من الأعداء: من ضرب وسب وتوبيخ، إلا أنها لا تصد عنهم كثرة مراحم الله. لأنه سرعان ما نكتشف أنهم هم مجرد زمنيون أما الله فهو دائمًا واهب عطايا ومقدم حنو محبته للذين يرضونه.
لذلك أيها الأخوة الأحباء، ليتنا لا نتطلع إلى الأشياء الوقتية، بل نثبت أنظارنا نحو الأبديات.
___________________________
(1)رو28:1.(2)2كو10:12.
(3)1تي7:4.(4)مز11:49.
(5)1كو12:3.(6)1كو27:9.
(7)مراثي27:3-32.
فقد تأتي الأحزان، لكنها ستأتي حتمًا، وهكذا أيضًا السب والاضطهادات، لكنها تحسب كلا شيء بسبب الرجاء الموضوع (أمامنا). لأن كل هذه الأمور الحاضرة تكون تافهة متى قورنت بالأمور المقبلة.
فآلام الزمان الحاضر لا تحسب أهلاً لأن تقارن بالرجاء بالرجاء الآتي(1). لأنه أي شيء يقارن بالملكوت؟ أو أي شيء نقارنه بالحياة الأبدية؟ وماذا يمكننا أن نقدم هنا حتى نرث هناك، لأننا نحن "ورثة الله ووارثون مع المسيح"(2).
لذلك أيها المحبوبون، لا يصح لنا أن نعط اعتبارًا للأحزان والفتيات بل نهتم بالرجاء الموضوع لنا بسبب هذا الضيق(3).
يمكننا أن نمتثل بالآب بيساكر إذ قال عنه الكتاب المقدس "رأى أن المحل حسن والأرض أنها نزهته فأحنى كتفه للحمل، "وصار للجزية عبدًا"(4).
فإذ ذاب يساكر بالحب الإلهي مثل العروس التي في سفر نشيد الأنشاد، جمع الكثير من الكتاب المقدس، لأن فكره لم ينشغل بالقديم (مجرد أرض الموعد) بل بالمواريث (لأن ما ورد في العهد القديم عن الرغبة في أرض الميعاد لم يكن إلا رمز للشوق إلى الميراث السماوي.. فيساكر هذا إذ تطلع إلى الأرض الحسنة إنما رمز لتطلع النفس إلى السماء الحسنة).
فهنا كما لو أنه قد بسط جناحيه ورأى من بعيد "الراحة" التي في السموات.
فقد كانت الأرض مملوءة جمالاً، فكم بالأكثر تكون (المدينة) السماوية؟! لأنها دائمًا جديدة ولا تشيخ!
الأرض التي هاهنا ستزول كقول الرب، أما ما يرثها القديسون (الميراث السماوي) فإنها أبدية.
والآن إذ رأي يساكر هذه الأمور، يفرح مفتخرًا بالأحزان والأتعاب حانيًا كتفيه، ولم يبالي بمن يضربونه، ولا يضطرب بالشتائم، بل كرجل قوي ينتصر بالأكثر بهذه الأمور ويزداد شوقه نحو أرضه، وهكذا فهي (الضيقات) تفيده.
_________________________
(1) رو18:8، 2كو17:4.
(2) رو17:8.
(3) هذه القوال تكشف لنا عن روح الكنيسة الأولى في وسط آلامها وضيقاتها، لأنها مملوءة فرحًا وسلامًا.
(4) تك15:49.
لقد ألقى "الكلمة" بالبذار، وهو يهتم بالزراعة ساهرًا حتى تأتي بمائة ضعف.
ماذا يعني هذا أيها ألخوة إلا أنه عندما يقوم الأعداء (الأريوسيون) ثائرين ضدنا، سنتمجد. وعندما يضطهدوننا لا نجبن، بل بالحري نطلب إكليل الدعوة العال في المسيح يسوع ربنا؟!
وعندما يشتموننا لا نضطرب، بل نقدم خدنا للضاربين ونحني ظهرنا؟!…
ليتنا إذ نعرف أننا نتألم من أجل الحق، وأن الذين يرفضون الرب (الأريوسيين) يضربوننا ويضطهدوننا، نحيبه كل فرح حينما نقع في تجارب متنوعة، عالمين أن تجربة إيماننا تنشئ صبرًا، كقول يعقوب(1).
لنفرح إذ نحفظ العيد يا أخوتي عالمين أن خلاصنا يحدث في وقت الألم. لأن مخلصنا لم يخلصنا بغير تعب، بل تألم من أجلنا مبطلاً الموت. لهذا اخبرنا قائلاً "في العالم سيكون لكم ضيق(2).
وهو لم يقل هذا لكل إنسان بل للذين يخدمونه خدمة صالحة بجهاد وإيمان، أي الذين يعيشون بالتقوى من جهته فسيضطهدون(3)….
+ + +
_____________________
(1) يع2:1.
(2) يو33:16.
(3) تحدث بعد ذلك باطلة عن الأشرار وثمار شرهم، ومن موعد العيد.
عيد القيامة في 16 برمودة 58ش
11 أبريل 342م
إن سعادة عيدنا يا أخوتي هي قريبة منا جدًا، ولن يفشل في بلوغها من يرغب في تبجيله. لأن "الكلمة" هو قريب، هذا الذي هو كل الأشياء لأجل خيرنا. لقد وعدنا ربنا يسوع المسيح أن يكون معنا على الدوام معنا…. قائلاً "ها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر"(1).
فإذ هو الراعي، ورئيس الكهنة، والطريق، والباب، وكل شيء في نفس الوقت لأجلنا، هكذا يظهر أيضًا "عيدًا" لنا كقول الطوباوي بولس "لأن فصحنا المسيح قد ذبح"(2).
أنه هو ما كنا ننتظره، لقد أضاء على صلوات المزامير القائل "ابتهج وافرح برحمتك لأنك نظرت إلى مذلتي وعرفت في الشدائد نفسي"(3). إنه بحق فرح حقيقي، إنه عيد حقيقي، إذ يخلصنا من الشر، وهذا يبلغه الإنسان خلال تبنيه الأحاديث الصالحة، وتزكية فكره بخضوعه لله.
لأنه إذ يتوق القديسون إلى هذا كل حياتهم، يكونون كبشر فرحين بعيد.
واحد يجد راحته في الصلاة لله، وذلك مثل داود الطوباوي، الذي يقوم بالليل (فيصلي) لا مرة بل سبع مرات.
وآخر يعطي المجد خلال تسابيح الحمد، مثل موسى العظيم.
وآخرون يتعبدون بمثابرة دائمة مثل العظيم موسى والطوباوي إيليا.
هؤلاء كفوا عن أعمالهم هذه هنا. لكنهم يحفظون العيد في السماء، ويفرحون فيما قد سبق أن تعلموه خلال الظلال إذ عرفوا الحق خلال الرموز.
ولكن ماذا نرش في احتفالنا بالعيد؟!
من سيكون "قائدنا" إذ نسرع نحو هذا العيد؟! لا يقدر أحد أن يقوم بهذا العمل يا أحبائي، إلا ذاك الذي دعي اسمه عليكم معي، إذ يقول ربنا يسوع المسيح "أنا هو الطريق".
____________________
(1) مت20:28.
(2)