عظات العلامة اوريجانيوس على سفر ارميا
ترجمة
جاكلين سمير كوستى
اعداد
القمص تادرس يعقوب ملطى

عظة (1)
متي بدأ إرميا يتنبأ؟
تحت حكم أي من الملوك كان يتنبأ؟
وما الذي قيل له من قبل الرب؟
1.الله سريع في تقديمه الخير، بطيء في العقاب لمستحقيه. وبالرغم من أنه قادر علي الذين هم تحت الحكم بدون أن يتكلم أو ينذر، إلا أنه لم يفعل شيئًا من هذا؛ بل بالعكس، حتى عندما يحكم فإنه يتكلم، علي اعتبار أن الكلام هو وسيلة لرفع العقوبة عن المحكوم عليه.
يمكننا تقديم أمثلة عديدة لحنان الله في الكتاب المقدس، ولكن يكفي الآن هذا العدد الصغير الحاضر في ذهني حتى يمكننا إدراك غاية الفقرة التي تم قراءتها. صار أهل نينوى خطاة، وقد تم الحكم عليهم من قبل الله: بعد ثلاثة أيام كان يجب أن تنقلب مدينة نينوى (يو 3: 4).
لم يشأ الله توقيع حكمه عليها دون أن ينطق، ولكنه أعطاها فرصة للتوبة (حك 12: 10)، ومجالاً للرجوع، وأرسل لها نبيًا عبرانيًا، حتى متي أبلغها النبي "بعد ثلاثة أيام تنقلب نينوي" لا يصبح أهلها محكوم عليهم ففيما بعد، وإنما بتوبتهم يتمتعون بالرحمة الإلهية.
سكان سدوم وعمورة كان محكوم عليهم، كما يظهر من كلام الله لإبراهيم؛ ومع ذلك فقد قام الملائكة بواجبهم في البحث عن الخلاص أناس لم يكونوا يريدون ان يخلصوا، حينما قالوا للوط: "من لك أيضًا هنا. أصهارك وبنبك وبناتك وكل من لك في المدينة أخرج من المكان" (تك 19: 12)، لم تكن الملائكة تجهل أن هؤلاء لن يتبعوا لوط[1]. ولكنهم أكملوا عمل الخير والصلاح من قبل الذين أرسلهم.
2. سوف تجدون نفس الشيء فيما يختص بإرميا. يحدد النص فترة عمله النبوي: متي بدأ يتنبأ وحتى متي. فإذا لم يستخدم القارئ عقله عند القراءة، وإذا لم يبحث عن الفكرة الموجودة في الجزء الذي تم قراءته، فإنه سوف يقول: إن هذا ليس إلا مجرد تاريخ، يحدد النص متي بدأ إرميا يتنبأ ومتي توقف عن التنبؤ: ماذا أستفيد من هزة القصة؟
لقد قرأت وعرفت أنه توقف عن التنبؤ "في أيام يوشيا بن آمون ملك يهوذا في السنة الثالثة عشرة من ملكه" (أر 1: 2) وأنه تنبأ "في أيام يهوياقيم بن يوشيا ملك يهوذا" ثم "إلي تمام السنة الحادية عشرة لصدقيا بن يوشيا ملك يهوذا" وعرفت أن نشاطه النبوي امتد تحت حكم ثلاثة ملوك "إلي سبي أورشليم في الشهر الخامس"
فما هي إذًا المعلومات التي يمكننا أن نستخلصها من هنا إذا استخدمنا عقولنا في القراءة؟
3. لقد حكم الله علي أورشليم بسبب خطاياها، وكان الحكم هو تسليم أهلها إلي السبي. ومع ذلك ، فحين جاء وقت السبي، أرسل الله بحبه ورحمته، هذا النبي في أيام المُلك الثالث قبل السبي، حتى يعطي الفرصة لمن يريدوا لكي يفكروا ويتوبوا بسبب كلام النبي. ولقد كلف الله النبي أن يتنبأ أيضًا في أيام الملك الثاني بعد الأول، وأيضًا في أيام الملك الثالث في وقت السبي نفسه. لأن الله في طوا أناته أعطى مهلة للناس حتى عشية السبي، وهكذا يمكننا القول أن السبي قد تم بعد أن نصح الله الناس لكي يتوبوا حتى يمحو لهم آلام سبيهم. أيضًا مكتوب أن "إرميا تنبأ حتى سبي أورشليم في الشهر الخامس". وعندما بدأ السبي كان إرميا مازال يتنبأ، وكان يتكلم بهذا الكلام تقريبًا: ها انتم قد أصبحتم سجناء؛ لكن في هذا الحال توبوا حتى إذا ما تبتم فإن آلام السبي لن تستمر طويلاً، ورحمة الله تأتي عليكم.
إذا فنحن نجد شيئًا مفيدًا في الجزء الخاص بأوقات التنبؤ؛ فلقد علمنا أن الله في حبه لفعل الخير ينصح الذين يسمعونه حتى لا يقاسوا من آلام السبي. ويوجد شيئًا مشابهًا بالنسبة لنا أيضًا: فإذا أخطأنا، فإننا نصبح نحن أيضًا مسبيين، لأن يسلم مثل هذا للشيطان (1كو 5: 5) لا يختلف عن تسليم أهل أورشليم إلي نبوخذنصر: فكما أُسلموا إلي نبوخذنصر بسبب خطاياهم، هكذا نحن أيضًا نسلم إلي الشيطان الذي هو نبوخذنصر بسبب خطايانا؛ ويقول الرسول كذلك حينما يتحدث عن خطاة أخرىن: هؤلاء الذين أسلمهم للشيطان حتى يتعلموا ألا يجدفوا.
4. أنظر إذا أي شقاء عظيم أن يخطئ الإنسان فيسلم إلي الشيطان، الذي يسبي (يأسر) النفوس التي تخلي عنها الله؟! لليس بدون سبب يترك الله هؤلاء الخطاة. فإنه يرسل المطر علي الكرمة ثم لا تعطيه هذه الكرمة سوى شوكًا بدلاً من العنب، ماذا يفعل بها الله إلا أن يأمر السحب بألا تمطر عليها؟
إذًا فنحن أيضًا مهددون بالسبي بسبب خطايانا إن لم نتب يجب أن نُسلم إلي نبوخذنصر وإلي البابليين حتى يعذبونا بالمعني الروحي. أمام هذا التهديد، تدعونا كلمات الأنبياء، وكلمات الشريعة وكلمات الرسل وكلمات إلهنا ومخلصنا يسوع المسيح إلي التوية وإلي الرجوع. فإن سمعنا لهم نؤمن بالذي قال: "ندم الله علي الشر الذي تكلم أن يصنعه بهم فلم يصنعه" (يونان 3: 10).
5. هذا بالنسبة للمقدمة[2]؛ وبعد المقدمة مكتوب أن "كانت كلمة الرب إليّ" أي إلي إرميا بلا شك. فماذا قالت له كلمة الرب؟ قالت له شيئًا مميزًا جدًا ومختلفًا عما قيل للأنبياء الآخرين، إننا بالفعل لا نجد مثل هذا الكلام موجهًا إلي أي من الأنبياء: فقد دعي إبراهيم نبيًا في الآية: "انه نبي وهو يشفع لك" (تك 20:7)، ولم يقل له الله: "قبلما صورتك في البطن عرفتك وقبلما خرجت من الرحم قدستك" (أر 1: 5)؛ كما تقدس إبراهيم بعد فترة من الزمن حينما خرج من أرضه ومن عشيرته ومن بيت أبيه، ووُلد اسحق بوعد دون أن توجه إليه تلك الكلمات. لقد حصل إرميا علي عطية خاصة وهي: "قبلما صورتك في البطن عرفتك وقبلما خرجت من الرحم قدستك".
6. ونحن لا نفكر أن البعض يعتقدون أن تلك الكلمات قد تتعدي إرميا، وهم في اعتقادهم هذا ينسبونها إلي ربنا ومخلصنا. يجب أن نعرف أنه إذا كانت معظم العبارات التي سوف أذكرها تتلاءم أو تنطبق علي مخلصنا، فإنه يوجد عدد صغا من الكلمات التي قيلت لإرميا والتي تعتبر محيرة في هذا الشأن، إذ أنها في نظر عدد كبير من الناس لا يمكن أن تنطق علي المخلص.
فما هي إذًا هذه العبارات التي يمكن أن تنطق علي المخلص؟
"إلي كل من أرسلك إليه تذهب وتتكلم بكل ما آمرك به. لا تخف من وجوههم لأني أنا معك لأنقذك يقول الرب" (أر 1: 7-8) .
لا يظهر هنا بوضوح أن تلك الكلمات تنطق علي المخلص، ولكن يتضح من التكملة:
"ومد الرب يده ولمس فمي وقال الرب لي ها قد جعلت كلامي في فمك. أنظر. قد وكلتك هذا اليوم علي الشعوب وعلي الممالك لتقلع وتهدم". فأين هي الشعوب التي قلعها إرميا؟ وأين هي الممالك التي هدمها؟
لأنه مكتوب بكل وضوح: "قد وكلتك اليوم علي الشعوب وعلي الممالك لتقلع وتهدم". وأي سلطان كان لإرميا حتى يهلك، إذا افترضنا أن هذه الكلمة موجهة لإرميا :"وتهلك" ، وهل يوجد أعداد كثيرة من الناس بناهم إرميا حتى يقال له : "وتبني".
يعلن إرميا: "لم أعمل صلاحًا" فكيف إذًا يكلف بالبناء والغرس؟ هذه الكلمات إذا طبقناها علي المخلص فلن تحير أو تقلق المفسرين، لأن إرميا هنا هو رمز للمخلص؛ أما هذه التي سوف أذكرها فإنها تدعو كثيرًا للحيرة في تفسيرها، ولكن هذا التفسير بدا أكثر ذكاءً حينما أراد أن يوضح إمكانية انطباقها هي أيضًا علي المخلص: "فقلت آه يا سيد الرب إني لا أعرف أن أتكلم لأني ولد". هو الذي هو الحكمة، هو الذي هو قوة الله: كيف إذًا تنطبق عبارة إني لا أعرف ان أتكلم علي المخلص؟ فضًلا عن أنه غير مسموح بتطبيق كلمات "لأني ولد" علي المخلص، الذي يُفترض هنا انه قال شيئًا غير صحيح (غير سليم) لأن الرب يجيب: "لا تقل" ، فمن المؤكد أنه ينهي هذه العبارة لأنها لم تكن سليمة.
هذه الكلمات إذًا لا تنطق علي المخلص، بينما التي سبقتها لم تبدُ محيرة في نسبتها إلي المخلص. وسوف يكون من الأسهل أن نقول أن بعض هذه الكلمات تنطبق علي إرميا والبعض الآخر علي المخلص.
ولكن في هذه الحالة سيكون كل إنسان ذو عقل راشد حائرًا جدًا في هذه الفقرة علي اعتبار أنه يجب عليه أن يتجرد من عقله ويقوم بعمل تمايز في هذا النص المترابط بين كلمات موجهه لإرميا وأخرى موجهه للمخلص، وليقول أن بعضها لا ينطق علي السيد المسيح ولكن علي إرميا، وأن البعض الآخر الذي يتعدى إرميا لا ينطبق عليه وإنما علي السيد المسيح.
لنقبل إذًا أن الفقرة كلها منسوبة لإرميا، والذي يبدو متجاوزًا لإرميا دعونا نقوم بشرحه.
7. من مِن الناس أخذ كلامًا من عند الله وله نعمة الكلمات الإلهية، ومع هذا يقوم بقلع وهدم شعوب وممالك؟
ولكن عندما نقول أن من أخذ كلام من الله يقلع ويهدم شعوب وممالك، فأرجوك لا تأخذ كلمات شعوب وممالك بالمعني المادي؛ ولكن علي اعتبار ان الخطية تملك علي النفوس البشرية بحسب كلمات الرسول: "إذًا لا تملكن الخطية في جسدكم المائت" (رو 6: 12)، وبما أن هناك أنواعًا عديدة من الخطايا، فسوف نفهم أن المعني الرمزي لشعوب وممالك هو الشرور الفظيعة الموجودة في نفوس البشر، والتي تُقلع وتهدم عن طريق كلام الله المعطي لإرميا أو لغيره من الأنبياء.
وهكذا يمكننا أن ننسب لإرميا الكلمات الأولي التي اعتبرت محيرة حينما طبقت علي المخلص، وفي الوقت نفسه ننسب لإرميا أيضًا الكلمات الثانية إذا فسرناها بطريقة رمزية.
سوف يقول لي الحاضرون: اشرح لنا أيضًا العبارة الأخرى، وحاول أن تفسر الفقرة كلها مطبقًا كلامها علي المخلص؛ بالنسبة للجزء الثاني لا توجد صعوبة، فمن الواضح أن المخلص قد أقتلع ممالك الشيطان وهدم الشعوب حينما أباد الحياة الوثنية؛ وأما بالنسبة للعبارة التي تبدو كأنها نوع من التجديف حينما ننسبها إلي المخلص، فأشرح لنا كيف يمكن للرب أن يقول: "إني لا أعرف أن أتكلم لأني ولد".
إذا ترون أن هذه الفقرة المحيرة: فنحن نعلم أن المخلص هو الرب؛ ونتساءل كيف يمكن ان ننسب هذه الكلمات إلي المخلص بطريقة تليق بكلمة الله المتجسد وفي الوقت نفسه تطابق الحقيقة. يجب أن نأخذ الكتابات بشاهد. لأنه بدون شهادات فإن اعتقاداتنا وتفسيراتنا تصبح بلا قيمة، وأن القاعدة: "علي فم شاهدين أو علي فم ثلاثة شهود يقوم الأمر" (تث 19: 15)، تنطبق بالأكثر علي تفسير النصوص والكتابات منها علي البشر؛ وتستلزم أن أبني كلمات تفسيري علي شاهدين هما: في العهد الجديد وفي العهد القديم، آخذًا ثلاثة شهود: من الإنجيل- من كلام نبي- من كلام رسول، لأنه هكذا فإن كل كلمة سوف تكون قائمة. فكيف إذًا يمكننا أن ننسب للمخلص تلك العبارة السابقة؟ هاهي شهادة من العهد القديم: "لأنه قبل أن يعرف الصبي الخير والشر سيرفض الشر ليختار الخير" (اش 7: 16). وبمنتهي الوضوح قيل عن المخلص في إشعياء: "ها العذراء تحبل وتلد إبنًا وتدعو اسمه عمانوئيل" (إش 7: 14). فهنا إذا وردت كلمات: "قبل أن يعرف الصبي".
وإذا كان لابد لنا ان نأخذ أيضًا مثلاً آخر من الإنجيل، فقبل أن يصير يسوع رجلاً، وهو بعد طفلاً صغيرًا، ولأنه "أخلى نفسه" (فيلبي 2: 7)، "كان ينمو" (لو 2: 52)، فليس من أحد ينمو إذا كان قد بلغ درجة الكمال، ولكن الإنسان حينما يكون محتاجًا للنمو، كان "ينمو" إذًا "في العمر"، كان ينمو "في الحكمة"، كان ينمو "في النعمة أمام الله وأمام والناس" (لو 2: 52). لأنه "أخلي نفسه" عندما نزل هنا إلي أسفل، فإذا كان قد استعاد من جديد ما قد تركه حينما أخلي نفسه لأنه أخلي نفسه بإرادته فما العجب أو الغرابة في أنه كان "ينمو في الحكمة والعمر والنعمة أمام الله وأمام الناس"، وفي أن تتحقق بشأنه عبارة: "لأنه قبل أن يعرف الصبي الخير والشر، يرفض الشر ويختار الخير" (إش 7: 16)، وأيضًا عبارات إشعياء الأخرى التي ذكرتها.
8. ولكن قد يقول قائل: حتى إذا كنت قد تمكنت من نسبة عبارة أنا لا أعرف إلي المخلص، وحتى إذا كنت قد استطعت ان تقول شيئًا مثل هذا علي المخلص باعتباره صبي صغير، أفلا تصدم وأنت تستخدم لغة مثل هذه مع "الوحيد الجنس"، مع "بكر كل خليقة" (كولوسي 1: 15)، مع الذي قبل أن يُحبل به في البطن أعطي هذه البشارة المفرحة: "الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظللك" (لو 1: 35)، ومع كل هذا يقول "إني لا أعرف أن أتكلم"! أنظر: إذا كنت لا تستطيع أن تجد في هذه الفقرة شيئًا كريمًا أو عظيمًا يوافق المخلص، آخذًا في الاعتبار أنه عندما لا يعرف بعض الأشياء يكون أعظم مما لو عرفها. وعندي لذلك السند والبرهان من كلماته هو نفسه معترفًا أنه لا يعرف بعض الأشياء. فمثلاً بالنسبة للقائلين له: "أليس باسمك أكلنا، وباسمك شربنا، وباسمك أخرجنا شياطين وصنعنا عجائب كثيرة؟"، فيجيب: "اذهبوا عني إني لا أعرفكم". هل عبارة إني لا أعرفكم التي قالها هنا السيد المسيح قد أنقصت من قدرته؟ ألم تعظم من شأنه بالأكثر وتجعله موضعًا للإعجاب من حيث أنه لم يعرف الأشرار والضالين؟ إنه لم يعرف حقيقة سوي المختارين: "يعلم الرب الذين هم له" (1تي 2: 19)، "الذي يجهله يصير مجهولاً" (الذين لا يعترفون به لا يعترف بهم)
يعتبر إذًا الخاطيء مجهولاً بالنسبة لله. قد يقول الحاضرون: إنك أوضحت أن الله لا يعرف الخطاة، وأنه لا يعرف الذين يفعلون الإثم، لأنهم لا يستحقون أن يكونوا معروفين عنده، ولكن كيف ستقول أن عبارة "إني لا اعرف أن أتكلم" هي عبارة عظيمة ومجيدة إذا قيلت من المخلص؟
إن الكلام هو من البشر؛ إن الكلام هو الاستعانة بلغة، كأن نتكلم لغة العبرانيين مثلاً أو لغة اليونانيين وغيرها من لغات البشر. إذا ارتفعت إلي المخلص وعرفته أنه الكلمة الذي "في البدء كان عند الله" (يو 1: 2)، فسوف تدرك أنه لا يعرف أن يتكلم، لأن اللغة هي لغة بشرية، وأن الأشياء التي يعرفها تتعدى اللغة؛ وإذا قارنت لغة الملائكة بلغة البشر، وعرفت أن الله أيضًا أعظم من الملائكة، كما شهد الرسول أيضًا في رسالته إلى العبرانيين (عب 1: 4-5)، فسوف تقول أنه كان يتعدى ويفوق حتى لغة الملائكة عندما كان الكلمة عند الآب. إذًا فقد تعلّم بطريقة ما، ليس علم الأشياء العظيمة، ولكن علم الأشياء السفلى الصغيرة المحدودة؛ تمامًا كما أغِصب نفسي على المناغاة (التمتة) حينما أتحدث إلى أطفال صغار، لأنه إذا لم أكن أعرف أن أتكلم لغة أتكلم بلغة الأطفال الصغار، فيجب عليّ أنا البالغ أن أضغط على نفسي لكي أتحدث معهم. كذلك المخلص، حينما كان "في الآب" (يو 14: 10) وحينما كان في عظمة ومجد الله، لم يكن يتحدث بلغة بشرية، ولا يعرف أن يكلم الناس الأرضيين، ثم حينما جاء في الجسد قال في البداية: "إني لا أعرف أن أتكلم لأني ولد" وَلَد بمقتضى ميلاده الجسدي، ولكنه كبير جدًا في الأيام بما أنه بكر كل الخليقة: وَلَد لأنه جاء "عند انقضاء الدهر" (عب 9: 26).
إذً فهو يقول: "اني لا أعرف أن أتكلم"، إني أعرف أشياءً أكبر وأعظم بكثير من أن تقال، أعرف أشياء تفوق هذه اللغة البشرية. أتريدوني أن أتحدث إلي الناس؟ إني لم أعرف بعد لغة البشر؛ إن عندي لغتك أنت أيها الآب إني كلمتك أنت يا الله؛ معك أعرف ان أتكلم، أما مع الناس"لا أعرف ان أتكلم"،
9. "لأني ولد". "لا تقل إني ولد لأنك إلي كل من أرسلك إليه تذهب"، ثم أن الرب مد يده ولمس فمه وجعل كلامه في فمه، وأعطاه كلامًا من أجل الممالك حتى يقتلعها. إن المخلص لم يكن في حاجة إلي كلمات تقتلع حينما كان "عند الآب"، لم يكن في حاجة إلي كلمات تهدم وتنقض الأشياء الشريرة، لأنه لم يكن هناك شيئًا يستحق الهدم أو القلع.
وكما أنه شيء عظيم للمخلص أن يقول: لا أعرفكم لأنكم فاعلي ظلم، كذلك هو شيء عظيم أن يقول: "اني لا أعرف أن أتكلم" وذلك بسبب عظمة مجده الفائقة غير المحدودة، والتي يعني بها: اني لا اعرف ان أتكلم بلغة البشر.
10. أما بالنسبة للكلمات: "قبلما صورتك في البطن عرفتك"، سواء قيلت لإرميا أو المخلص، اقرأ سفر التكوين، ولاحظ ما قيل عن خلقة العالم، وسوف تري أن الكتاب المقدس يتحدث بطريقة جدلية جدًا عندما يتحاشي أن يقول: قبلما"علمتك" في البطن عرفتك. في الواقع حينما خُلق الإنسان "علي صورة الله" :"وقال الله نعمل الإنسان علي صورتنا كشبهنا" (تك 1: 26) ولم يقل "نصور" ؛ ولكن عندما أخذ طينًا من الأرض، لم يعمل الإنسان، ولكنه "صورة" (تك 2: 7)، "وأخذ الرب الإله آدم ووضعه في جنة عدن ليعملها ويحفظها" (تك 2: 15). إذا استطعت، لاحظ ما يفرق بين الكلمات "يعمل" و "يصور" ، ولماذا تجنب الرب في حديثه سواء لإرميا أو للمخلص أن يقول: قبلما عملتك في البطن عرفتك: السبب هو الذي عمل ليس في بطن، ولكن الذي صُور من خلال الطين الذي من الأرض هو الذي خُلق في البطن.
"قبلما صورتك في البطن عرفتك" ؛ لو أن الرب عرف كل الناس يجب أن تكون كلمات "إني لا أعرف أن أتكلم" قريبة من ذهننا هنا لمل كان قد اختص إرميا بالقول "عرفتك". إذًا فالله يعرف الأبرار الذين يكونون مستحقين أن يُعرفوا منه "يعلم الرب الذين هم له" (2تي 2: 19)، وعلي العكس من ذلك فإن الرب لا يعرف غير المستحقين، والمخلص أيضًا لا يعرفهم إذ يقول لهم: "إني لم أعرفكم قط" (مت 7: 23). نحن البشر، نستطيع أن نحكم أي من الأشياء تستحق أن نعرفها: فتوجد أشياء لا نود حتى ان نسمع عنها حتى لا نتعرف عليه، وتوجد أشياء أخرى نريد معرفتها. الرب الذي هو إله كل الأشياء يريد أن يعرف فرعون، يريد أن يعرف المصريين ولكنهم ليسوا مستحقين أن يُعرفوا منه؛ أما موسي فكان مستحقًا هو وكل الأنبياء الذين كانوا مثله. يجب عليك أن تعمل أعمال صالحة كثيرة حتى يبدأ الرب في معرفتك، لأنه إذا كان قد عرف إرميا قبلما صوره في البطن، فإن هناك أشخاصًا أخرى، يبدأ في معرفتهم عندما يبلغون الثلاثين أو الأربعين عامًا.
توجد إذًا عبارات غامضة، التي إذا نسبناها إلي المخلص فإنها لا تثير أي تساؤل، بينما إذا نسبت إلي إرميا فإنها تجذب انتباه كل الذين عندهم
11. أذنان للسمع: كيف يمكن للرب ان يقول: "قبلما صورتك في البطن عرفتك وقبلما خرجت من الرحم قدستك"؟ إن الله يقدس لنفسه بعض الناس؛ ولكنه في حالة إرميا لم ينتظر حتى وقت ولادته ليقدسه، ولكنه قبل ان يخرج من الرحم كان فعلاً قد تقدس. إذا طبقت هذا الكلام علي المخلص، فإنه لا توجد صعوبة في القول بأنه قبلما يخرج من الرحم كان قد تقدس، بل وأكثر من ذلك، فإن المخلص لم يتقدس فقط قبلما خرج من الرحم وإنما قبل ذلك بكثير. أما إرميا فقد تقدس قبل خروجه من الرحم.
12. "جعلتك نبيًا للشعوب"، إذا قمت بتفسير هذه العبارة ناسبًا إياها إلي إرميا، فسوف تلاحظ في الأصحاحات التالية انه أعطي الأمر بالتنبؤ لجميع الشعوب، وسوف نجد هذا العنوان: النبوات التي قالها إرميا لكل الشعوب، لعيلام، لدمشق، لمؤآب، إذا بما أنه قد تنبأ لكل الشعوب إذًا فالكلمات "جعلتك نبيًا للشعوب" تنطبق عليه بالمعني الحرفي.
أما بالنسبة للمعني الروحي، إذا كان الأمر يتعلق بإرميا فقد سبق لنا الكلام فيه، أما بالنسبة للمخلص، فما حاجتنا للحديث؟ فهو قد تنبأ بالفعل لكل الشعوب، كما أنه ضمن الأسماء (الصفات) المتعددة لله، له اسم النبي، وكما أنه الكاهن الأعظم، والمخلص والطبيب فإنه أيضًا النبي. والواقع أن موسي في تنبؤه بشأن المخلص قد قدمه، ليس فقط كنبي، وإنما كنبي فائق، بقوله: "يقيم لك الرب إلهك نبيًا من وسطك من إخوتك مثلي. له تسمعون. ويكون ان الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه" (تث 18: 15، 19) إذًا فإنه هو الذي جُعِل نبيًا للشعوب، والذي آخذ من الرب نعمة منسكبة علي شفتيه (مز 45: 2). حتى أنه يتنبأ، ليس فقط في الفترة التي كان موجودًا فيها بالجسد، لكن أيضًا الآن بالروح فهو يتنبأ لكل الشعوب حتى يحقق من خلالهم نبوته ويرد الناس إلي الخلاص.
13. "فقلت آه يا سيد الرب إني لا أعرف أن أتكلم لأني ولد. فقال الرب لي لا تقل إني ولد لأني إلي كل من أرسلك إليه تذهب".
لقد قلنا أنه يمكننا أن نكون أولادًا صغارًا بحسب إنساننا الداخلي رغم كوننا شيوخ بحسب الجسد. ويمكن أن يحدث أيضًا أن يكون الإنسان ولدًا صغيرًا من الخارج ومن الداخل ناضج. هكذا كان إرميا، الذي كا قد أعطي نعمة من الله وهو بعد في عمر ولد صغير بحسب الجسد؛ ولهذا قال له الرب: "لا تقل إني ولد لأني إلي كل من أرسلك إليه تذهب وتتكلم بكل ما آمرك به. لا تخف من وجوههم". إن كلمة الله يعرف المخاطر التي يتعرض لها شهوده وأنبيائه من قبل الذين يسمعونهم، فعندما يعاتبون يكرهونهم، وعندما يوبخون ويلومون يضطهدونهم؛ ويتحمل الأنبياء كل الآلام الممكنة: "ليس نبي بلا كرامة إلا في وطنه وفي بيته" (مت 13: 57).
فالله إذًا عندما أرسل النبي كان يعرف جميع المخاطر التي سيواجهها فقال له: "لا تخف من وجوههم لأني أنا معك لأنقذك يقول الرب"، الذي قاساه إرميا نقل إلينا: لقد وضع في دار السجن (في بئر الوحل)، وبقي فيه وكان يأكل رغيف خبز فقط كل يوم (إر 37: 20)، هذا إلي جانب الآلام الكثيرة التي تحملها والتي ذكرت كلها في سفره. "أي من الأنبياء لم يضطهده آبائكم؟"، كما قيل لليهود. وأنه لا مفر من أن "جميع الذين يريدون أن يعيشوا بالتقوى في المسيح يسوع يضطهدون" من قِبَل القوات المضادة المعادية التي تستخدم كل الوسائل الممكنة لديها في اضطهاد المؤمنين. كذلك فإن المضطهَدين يتحملون كل الآلام بدون تذمر، مُتَمَنين أن يُضطهدوا بلا سبب وليس بسبب خطأ ارتكبوه، وإذا حدث أن اضطهدنا من أجل الحق فلنسمع هذا التطويب: "طوبي لكم إذا عيروكم وطردوكم وقالوا عليكم كل كلمة شريرة من أجلي كاذبين افرحوا وتهللوا. لأن أجركم عظيم في السماوات. فإنهم هكذا طردوا الأنبياء الذين قبلكم" (مت 5: 11).
14. "لأني أنا معك لأنقذك يقول الرب. ومد الرب يده ولمس فمي وقال الرب لي...". لاحظ الفرق بين إرميا وبين إشعياء: يقول إشعياء: "فقلت ويل لي إني هلكت لأني إنسان نجس الشفتين وانا ساكن بين شعب نجس الشفتين لأن عينَّي قد رأتا الملك رب الجنود" (إش 6: 5). وبما أنه من خلال هذا الاعتراف كانت لديه، إن لم تكن أفعال نجسة فعلي الأقل بعض كلمات قليلة نجسة فهو لم يكن مخطئًا إلا إلي هذه النقطة ومع ذلك فإن الرب لم يمد يده ولكن واحد من السيرافيم لمس بيده شفتيه وقال: "ها قد نَزَعت إثمك"، أما أرميا فعلي العكس من ذلك، لأنه بما أنه كان قد تقدس من الرحم، فلم يُرسَل غليه لا ملقط ولاجمرة من علي المذبح لم يكن به شيء يستحق النار لكن يد الله نفسه لمسته. فهو لهذا يقول: "ومد الرب يده ولمس فمي وقال الرب لي ها قد جعلت كلامي في فمك. انظر. قد وكلتك اليوم علي الشعوب وعلي الممالك لتقلع وتهدم".
مَن يكون أكثر سعادة من الإنسان حينما يقلع الممالك العديدة التي يظهرها الشيطان: ممالك القوات المقاومة، ممالك الخطايا، يقلعها عن طريق الكلمات التي يعطيها له الله كما هو مكتوب "ها قد جعلت كلامي في فمك.انظر. قد وكلتك اليوم علي الشعوب وعلي الممالك لتقلع"؟ وكما انه توجد ممالك، فهناك أيضًا شعوب.
توجد مثلاً مملكة للفجور، وشعوب الفجور يمثلون الأفعال الفردية للفجور. الطمع والسرقة اللذان هما خطايا من نفس النوع، لا يمثلون سوي مملكة واحدة، بينما هناك عدة ممالك حيث توجد أنواع متعددة من الخطايا؛ ثم أنظر إلي الخطاة واحدًا واحدًا حتى تدرك ما هي الشعوب الخاضعة للمالك: فيمكننا القول أن هذا الإنسان مثلاً عنده شعوب عديدة خاضعة لمملكة الفجور، وهذا الآخر عنده شعوب عديدة خاضعة لمملكة السرقة، أو لمملكة الإدانة أو الغضب.
وكلام الله المرسل إلي هذه الشعوب والممالك يعمل علي القلع والهدم. ولكن ماذا يقلع؟ لقد أجاب المخلص علي هذا السؤال حينما قال: "كل غرس لم يغرسه أبي السماوي يُقلع" (مت 15: 13). ويوجد في داخل النفوس أشياء لم يغرسها الآب السماوي قط: "أفكار شريرة، قتل، زني، فسق، سرقة، شهادة زور، تجديف" (مت 15: 19)، كل هذه غروس لم يغرسها الآب السماوي. وإن أردت أن تعرف من غرس هذه الأفكار، فاسمع: "انسان عدو فعل هذا" هذا الذي "زرع الزوان في وسط الحنطة". فإن الله يقف هنا إذًا ومعه بذاره، وكذلك أيضًا يقف الشيطان: فإذا تركنا "البيت مكنوسًا ومزينًا" للشيطان، فإن العدو يزرع غرسًا لم يغرسه الآب السماوي قط، بينما إذا تركنا البيت مكنوسًا ومزينًا لله بدلاً من الشيطان، فإن الرب يزرع زرعه بفرح في داخل قلوبنا. فلا تظن إذًا أن إرميا قد نال عطية محزنة عندما وُكل علي الشعوب وعلي الممالك ليقلع. لا، فإن الله في صلاحه يقلع بكلامه الشرور، يقلع ممالك العدو من وسط ملكوت السماوات، يقلع شعوب الأعداء من وسط شعب الله.
15. "لتقلع وتهدم" (إر 1: 10). يوجد بناء من الشيطان ويوجد بناء من الله. البناء الذي"علي الرمل" هو من الشيطان، لأنه غير مؤسس علي شيء صلب صلد، أما البناء الذي "علي الصخر" فهو من الله. أنظر ماذا يُقال للمؤمنين: "أنتم فلاحة الله، بناء الله" (1كو 3: 9).
إذًا يوجه كلام الله "علي الشعوب وعلي الممالك ليقلع ويهدم، ليهلك وينقض". إذا قلعنا ولم نقم بإهلاك الشيء المقلوع، فإن هذا الشيء يبقى؛ وإذا هدمنا ولكن بدون أن نُزيل حجارة الأساس فإن ما تهدم يظل باقيًا. فمن مظاهر صلاح الله وحبه أنه بعدما يقلع يهلك، وبعدما يهدم يبيد ما قد هُدم. أما فيما يختص بالأشياء المقتلعة والمهلكة، فاقرأ بعناية كيف يتم إهلاكها: "احرقوا القش بنار لا تُطفأ، واجمعوا الزوان حرقًا والقوها في النار". هذه هي طريقة الإبادة والإهلاك بعد القلع؛ أتريد أن ترى أيضًا الهلاك الذي يحدث للأبنية الفاسدة بعد هدمها؟ فإن ذلك البيت الذي كان يهدم بسبب البَرص يتحول إلي تراب، ثم يُؤخذ هذا التراب ويُلقي خارج المدينة (لا 14: 41)، حتى لا يبقي حجر واحد، كما في العبارة: "سوف أبيدهم كما وَخل الشوارع" أو(سوف أساويهم بالأرض).
يجب ألا تبقي الأشياء الفاسدة مطلقًا؛ إنما يتم إهلاكها لتجنب استخدام بقاياها في بناء أبنية جديدة يعملها الشيطان، كما أنه يتم اقتلاع الأشياء الفاسدة حتى لا يجد الشيطان فيها بذارًا أخرى يزرعها من جديد، لذلك يتم إهلاكها حتى لا تُوجد فرصة للشيطان لكي يزرع الزوان مع الحنطة.
16. ولكن لا يقف كلام الله عند هذا الحد، عند القلع والهدم والإهلاك.
فلنفترض مثًلا أنه قد تم اقتلاع الأشياء الفاسدة والشريرة من داخلي، فماذا أستفيد من ذلك إذا لم تزرع أعمال صالحة بدلاً من تلك الفاسدة التي اقتلعت؟ لذلك فقد عالجت كلمات الله هذا الموضوع بتنسلسل، فلابد في البداية أن: "تقلع وتهدم وتهلك" ثم بعد ذلك: "تبني وتغرس".
ولقد لاحظت في الكتاب المقدس أن الأشياء التي تبدو حزينة (محزنة) في مظهرها، تُذكر دائمًا في بداية الحديث، ثم تليها بعد ذلك الأشياء التي تبدو مفرحة: "أنا أميت وأنا أحيي" : لم يقل الله أنا أحيي ثم بعد ذلك أنا أميت، لأنه من المستحيل أن ما أحياه الله يتم إبادته سواء من الله نفسه أو من أي أحد، لكن: "أنا أميت وأنا أحيي" احيي مَن؟ بولس المشتِِِكي، بولس المضطهد للكنيسة، سوف أحييه حتى يصبح بولس رسول يسوع المسيح (2كو 1: 1). لو أن الهراطقة المساكين كانوا قد فهموا هذا، لمل كانوا يعارضوننا باستمرار قائلين: [ انظروا كيف أن رب الشريعة قاسي عديم الشفقة والرحمة بالبشر، وكيف هو يقول :"أني أميت وأحيي"!]
ولكن انتم يا من تعارضون، ألا ترون في الكتاب المقدس الوعود الإلهية بإقامة الأموات؟ ألا ترون أن القيامة من الأموات قد تحققت فعلاً في كل إنسان: "مدفونين معه بالمعمودية" وقائمين أيضًا معه بقوته. (1كو 6: 14)
يبدأ الله إذًا بالكلمات الأكثر حزنًا، ولكنه ضرورية؛ فمثلاً: "أنا أميت" ثم بعدما أمات "أنا أحيي. سحقت ةإني أشفي" (تث 32: 39).
لأن "من يحبه الرب يؤدبه وكأب بابن يسر به" (أمثال 3: 12). يسحق في البداية ثم يشفي. فكذلك الحال هنا: "قد وكلتك هذا اليوم علي الشعوب وعلي الممالك لتقلع وتهدم وتهلك وتنقض وتبني وتغرس".
لذا فإن أول شيء هو أن نستأصل ونقلع كل ما هو شرير من نفوسنا؛ فإن الله لا يستطيع أن يبني حيثما توجد مباني فاسدة وشريرة "لأنه أية شركة للحق مع الباطل. أية شركة للنور مع الظلمة؟" يحب أن يقتلع الشر من أساسه. يجب أن يهدم بناء الشرير تمامًا من نفوسنا، حتى تقوم كلمات الله بعمل البناء والغرس فينا.
لأنه لا يمكنني أن أفهم تلك العبارة بطريقة أخرى: "ها قد جعلت كلامي في فمك" لماذا؟ "لتقلع وتهدم وتهلك". نعم إنها كلمات تقلع شعوب. كلمات لهدم ممالك، ولكن ليست الممالك المادية التي في هذا العالم، وإنما يجب عليك أن نفهم بطريقة سامية المقصود بالكلمات التي تقلع والكلمات التي تهدم.
وعند ذلك تمنح قوة من الله كما هو مكتوب: "الرب يعطي كلمة للمبشرين بعظم قوة"، قوة تقلع ما تصادفه من عدم الإيمان (الرياء) أو الرذيلة. قوة تهلك وتهدم إذا ما تواجدت أوثان مقامة في داخل القلب، حتى إذا ما هُدم الوثن يُقام مكانه للرب، في هذا الهيكل يترآى مجد الله ويظهر، ولا يعود ينبت زوان، وإنما فردوس لله في هيكل الله، في المسيح يسوع، الذي له المجد الدائم إلي أبد الآباد. آمين.
عظة (2)
حول تفسير الآيات:
"وأنا قد غرستك كرمة سورق زرع حق كلها. فكيف تحولت لي سروغ جفنة غريبة؟ فإنك وإن اغتسلت بنطرون وأكثرت لنفسك الإشنان فققد نقش إثمك أمامي يقول السيد الرب". (أر 2: 21-22).
1. "إذ ليس الموت من صنع الله، ولا هلاك الأحياء يُسره. لأنه إنما خلق الجميع للبقاء. فمواليد العالم إنما كونت معافاة وليس فيها سم مهلك ولا ولاية للجحيم علي الأرض" (حك 1: 13-14). إذا خرجت قليلاً عن الموضوع أقول: من أين إذا جاء الموت؟ "بحسد إبليس دخل الموت إلي العالم" (حك 2: 24). لقد صنع الله كل ما يمكن أن يكون جميلاً لنا، ونحن خاقنا لأنفسنا الشر والخطايا. هنا في البداية يثير النبي تساؤلاً أمام هؤلاء الذين امتلأت نفوسهم بالمرارة المخالفة للعذوبة التي وضعها الله فيهم، فيقول: "فكيف تحولتِ لي سروغ جفنة غريبة"؟ كأنه يقول: إن الله لم يصنع العَرَج، ولكنه علي العكس أعطي الجميع أرجلاً نشطة خفيفة الحركة، ثم حدثت عله جعلتهم يعرجون! خلق الله من البدء جميع الأعضاء سليمة، ثم حدثت علة جعلت بعض هذه الأعضاء تتألم. هكذا أيضًا صنعت النفس علي صورة الله، ليس فقط بالنسبة للإنسان الأول وإنما بالنسبة لكل إنسان، لأن الكلمات: "نعمل الإنسان علي صورتنا كشبهنا" (تك 1: 26). تمتد إلي كل البشر. وما يقال عن آدم يقال أيضًا علي جميع البشر. كان آدم يحمل في البداية "صورة الله"، ثم أضاف عليها بخطاياه "صورة الترابي" (1كو 15: 49). هكذا حدث مع كل البشر، فقد كانت صورة الله سابقة لصورة الشر.
"لقد لبسنا" ونحن خطاة "صورة الترابي"، لنلبس إذًا بتوبتنا "صورة السماوي"، عالمين رغم كل شيء أن الخليقة قد صنعت علي صورة السماوي.
تضع كلمات الكتاب المقدس هذا التساؤل أمام الخطاة؛ فيقول لهم الله بنغمة العتاب: "فكيف تحولت لي سروغ جفنة غريبة؟" فأنا "قد غرستك كرمة سورق زرع حق كلها"...سبق لنا القول أن الله غرس نفس الإنسان مثل "كرمة جميلة"، لكنه بتغيره وانحرافه، تحول إلي عكس ما أراده الخالق:
"وأنا قد غرستك كرمة سورق زرع حق كلها"، وليس "زرع حق بعضها"، ليست زرع حق هنا وزرع رديء هناك، ولكنها "زرع حق كلها" فكيف تحولت إلي مرارة علي الرغم من أنني خلقتكِ كلكِ بجملتك حق؟ كيف أصبحت كرمة غريبة؟
2. فلننظر بعد ذلك إلي العبارة: "فإنك وإن اغتسلت بنطرون وأكثرت لنفسك الإشنان فقد نُقش إثمك أمامى يقول السيد الرب". هل معني هذا أن النفس الخاطئة تظن إنه باغتسالها بالنطرون المادي تضع نهاية لإثمها وخطيتها؟ هل يظن أحد أنهه باغتسالها بذلك العشب (الاشنان) الذي ينبت من الأرض يطهر نفسه، حتى تقول كلمة الله للكرمة المتحولة إلي المرارة والتي أصبحت غريبة: "فإنك وإن اغتسلت بنطرون وأكثرت لنفسك الاشنان فقد نُقش إثمك أمامي يقول السيد الرب"؟ لا، ولكن يجب علينا أن نعرف أن كلمة الله كلي القرة، وهو قادر علي شفاء الكل "لأن كلمة الله حي وفعالة وأمضي من كل سيف ذي حدين" (عب 4: 12). توجد إذًا كلمة تكون عبارة عن نطرون ، وأخرى تكون عبارة عن عشب، كلمة بمجرد نطقها تتطهر الخطايا التي من نوع معين. ولكن كما أن كلمات النطرون والعشب لا تصلح علاجًا لكل الخطايا، وتكون هناك خطايا تتطلب آخر علاجًا آخر خلاف لعشب والنطرون، فقد قيل للنفس التي ظنت أن خطاياها يمكن أن تغسل بالنطرون والعشب: "فإنك وإن اغتسلت... يقول السيد الرب". أنظروا إلي الجروح: توجد جروح تُعالج بالمراهم والدهون، وأخرى تعالج بالزيت، وأخرى بعصابة وأربطة، وهذه الأنواع من العلاج تكفي لشفائها، ولكن هناك جروح أخرى قيل عنها: "ليس فيه صحة بل جرح وإحباط وضربة طرية لم تعصر ولم تعصب ولم تلين بالزيت. بلادكم خربة. مدنكم محرقة بالنار" (إش 1: 6-7). نفس الشيء بالنسبة للخطايا: بعضها يؤدي إلي اتساخ النفس وهذه تحتاج إلي كلمة نطرون أو كلمة عشب لتنظيفها، وبعضها لا يمكن علاجه بهذه الطريقة لأنها تعاني أكثر بكثير من مجرد الاتساخ.
أنظر كيف أن الرب الذي يعرف كيف يفرق بين الخطايا، يعلن في إشعياء قائلاً: "غسل السيد قذر بنات صهيون ونقي دو أورشليم من وسطها بروح القضاء وبروح الإحراق" (إش 4: 4).
قذر ودم؟ القذر "بروح القضاء" والدم "بروح الإحراق".
فإذا ارتكبت خطية، حتى ولو لم تكن "خطية للموت" (1يو 5: 16)، فقد اتَّسَخْتْ: وسوف "يغسل السيد قذر بنات صهيون وينقي دم أورشليم من وسطها".
وما نحتاجه نحن حينما نخطئ خطية أخطر ليس هو النطرون أو العشب وإنما نحتاج إلي "روح الإحراق".
3. واعلي الآن قد عرفت ما هو سبب أن السيد المسيح يُعمد "بالروح القدس والنار" (لو 3: 16). ليس أنه يعمد إنسان واحد بالروح القدس والنار، وإنما هو يعمد الإنسان البار بالروح القدس، أما الإنسان الآخر الذي بعدما يؤمن وبعدما يكون مستحقًا للروح القدس، يخطئ من جديد، فإن الرب يغسله بالنار.
فطوبي لمن اعتمد بالروح القدس ولا يحتاج أن يُعَمَّد بالنار، ومسكين جدًا من يكون محتاجًا أن يعمد بالنار. ومع ذلك فإن يسوع المسيح يستطيع ان يعمد في الحالتين. ومكتوب: "يخرج قضيب من جذع يسى وينبت غصن من أصوله" (إش 11: 1) القضيب للمُعَاقَبِين والغصن للصالحين. وكذلك فإن الله "نار آكلة" (عب 12: 29)؛ و"الله نور" (1يو 1: 5): نار آكلة للخطاة ونور للأبرار والقديسين.
وطوبي لمن له نصيب في القيامة الأولي (رؤ 20: 6)، والذي احتفظ بمعمودية الروح القدس. من هو ذلك الإنسان الذي لا يخلص إلا بقيامة أخرى؟ أليس هو الذي يحتاج إلي معمودية النار؟ فعندما يقف أمام هذه النار يُستعلن بالنار (1كو 3: 13)، ولتجد النار خشبًا وعشبًا وقشًا (1كو 3: 12) لتحرقه.
بعد هذه العظة، فلنجمع علي قدر ما نستطيع كلمات الكتاب المقدس ولنضعها بأمانة في قلوبنا، ولنحاول أن نطبقها في حياتنا حتى نكون أطهار قبل موعد رحلينا، فإذا ما أعددنا أعمالنا بما يتناسب مع هذا الرحيا فسوف نكون مستحقين أن نحسب مع الأبرار (مت 22: 1)، ونستحق الخلاص بالمسيح يسوع الذي له المجد والسلطان إلي أبد الآبدين آمين.
عظة (3)
تفسير للآية:
"هل صرتُ برية لإسرائيل أو ارض ظلام دامس؟" (إر 2: 31).
1. في بداية هذا النص، يقول الرب أنه لم يكن برية لإسرائيل، ولا أرض ظلام دامس. مَن مِنّا لا يتساءل عن الهدف من وراء هذه الكلمات؟ يقول الرب أنه لم يكن برية لإسرائيل ولا أرض ظلام. فهل أصبح اليوم برية لإسرائيل، هل أصبح الآن أرض ظلام[3]؟ أم ماذا؟ وعندما لم يكن لإسرائيل كذلك، هل كأن للأمم في ذلك الوقت برية وأرض ظلام؟ فإذا كان الله لم ولن يكن للجميع برية أو أرض ظلام، فلماذا إذًا قال ذلك الكلام لإسرائيل؟ فلنراجع أعمال الله الصالحة العامة والخاصة[4].
لا يمكن أن يكون الله برية لأحد وهو الذي يشرق شمسه علي الأشرار والصالحين. ولا يمكن أن يكون ارض ظلام وهو الذي يمطر علي الأبرار والظالمين. كيف يمكن أن يكون برية وهو الذي عمل النهار، وأيضًا أعطانا الليل للراحة؟
كيف يكون برية وهو الذي يعول كل نفس، ويعطي للإنسان القدرة والحكمة والذكاء، ويعطيه أيضًا في جسده "الحواس المدربة" (عب 5: 14)؟
إذًا، فمن وجهة النظر الخاصة، فسوف أعود إلي موضوع إسرائيل وأقول: لم يكن الله لهم برية ولا أرض ظلام عندما كانوا في مصر، فكان يصنع لهم العجائب ويعطيهم الآيات، ولكن في كل مرة كانوا يتراخون فيها كانوا يجدون الله في نظرهم برية وأرض ظلام، مع انه لا يمكن لله أن يكون كذلك.
ومع ذلك، عندما لم يكن الله برية ولا أرض ظلام لإسرائيل، كان للأمم برية وأرض ظلام، ثم وعندما تحول الله عن إسرائيل وأصبح بالنسبة لهم برية وأرض ظلام في نظرهم، كثرت النعمة للأمم، وأصبح يسوع المسيح بالنسبة لنا ليس برية وإنما شبع وامتلاء، ليس أرض ظلام وإنما أرض خصبة.لأن "بني المستوحشة أكثر من بني ذات البعل" (إش 54: 1).
يوجه الله الوعيد لهؤلاء الذين لم يكن لهم أبدًا في يوم من الأيام برية أو أرض ظلام، ولكن أنتم الذين قلتم "قد شردنا (سوف لا يكون لنا إله) لا نجيء إليك بعد" (أر 2: 31).
هل كان ذلك يأسًا من شعب إسرائيل عندما قالوا: "لا نجيء إليك بعد، سوف لا يكون لنا إله[5]".
عظة (4)
تفسير الآيات من:
"وقال الرب لي في أيام يوشيا الملك" (إر 3: 6)
حتى:
"قد بررت نفسها العاصية إسرائيل أكثر من الخائنة يهوذا" (إر 3: 11)
1. يمثل هذا الجزء شيئًًا من الغموض يجب علينا كشفه، وبعد ذلك إذا سمح الله، سوف نعرف القصد منه.
يريدنا النبي هنا أن نعرف –كما هو مكتوب في سفر الملوك- أن الشعب قُسَّم في أيام رحبعام إلى مملكة مكونة من عشرة أسباط كانت تحت حكم يربعام، وإلى مملكة أخرى مكونة من سبطين تحت حكم رحبعام. مجموعة أسباط يربعام دُعيت إسرائيل، وسبطا رحبعام دُعيا يهوذا. واستمر هذا الانقسام في الشعب حتى هذا اليوم (وقت النبي): فنحن في الواقع لا نعرف أي حدث كان من شأنه تجميع إسرائيل ويهوذا في اتحاد واحد.
إذًا فإسرائيل –إسرائيل التي ليربعام وخلفائه- أخطأت أولاً وأخطأت أيضًا أكثر؛ ووصلت خطاياها –بالمقارنة مع يهوذا- إلى درجة أن الله جعلها تُساق إلى السبي عند الآشوريين، واستمر ذلك كما يقول الكتاب "حتى الآن".
وبعد ذلك أخطأ أيضًا أبناء يهوذا، وتم سبيهم إلى بابل، ولكن ليس "حتى الآن" مثل إسرائيل، وإنما لمدة 70 سنة تنبأ عنها إرميا كما ذكرها أيضًا دانيال.
ويعلن الله أخطاء إسرائيل في الكلمات الموجودة في الآية 6، ثم يقول[6]: بعد كل تلك الخطايا التي ارتكبتها إسرائيل، فإن يهوذا التي عَلِمَت بكل هذه الخطايا،ورأت كيف أَرْسَلَتْها (أي إسرائيل) للسبي، لم تستفد من ذلك الدرس، بل على العكس، أكثرت من خطاياها، إلى درجة أن خطاياها هذه إذا ما قورنت بخطايا إسرائيل فسوف نجد بِرًا في إسرائيل أكثر من يهوذا.
وعندئذ[7] أخذ النبي الأمر بالتنبؤ لأن يهوذا أصبحت أكثر شرًا من إسرائيل، وحتى يرجعوا عن خطاياهم. ثم بعد هذا، تنبأ النبي أيضًا أن إسرائيل ويهوذا سوف يجتمعان، وأنه في يوم من الأيام سوف يجمعهم مُلْك واحد[8].
ومن كان مهتمًا بتفسير القراءات، فليراجع ما تم شرحه اليوم، وسوف يرى أن المعنى قد أخذ في الوضوح.
"وقال الرب لي في أيام يوشيا الملك: هل رأيت ما فعلت العاصية إسرائيل؟" –إسرائيل أولاً وليس يهوذا- "انطلقت إلى كل جبل عال وإلى كل شجرة خضراء وزنت هناك. فقلت بعدما فعلت كل هذه: ارجعي إليّ. فلم ترجع. فرأت أختها الخائنة يهوذا. فرأيت أنه لأجل كل الأسباب إذ زنت العاصية إسرائيل، فطلقتها وأعطيتها كتاب طلاق"،
1. كان على يهوذا أن تستخلص من ذلك درسًا –لأني طلقت إسرائيل وطردتها عند الآشوريين وأعطيتها كتاب طلاق في يديها- ومع ذلك "لم تخفْ الخائنة يهوذا أختها" ولم تكتفِ بهذا الدرس، بل أضافت إلى خطاياها آثام أكثر، حتى بدت خطايا شعب إسرائيل بالمقارنة بخطايا شعب يهوذا كأنها بر وصلاح. "لم تخف الخائنة يهوذا أختها بل مضت وزنت هي أيضًا. وكان من هوان زناها أنها نجست الأرض وزنت مع الحجر ومع الشجر. وفي كل هذا أيضًا لم ترجع إليّ أختها الخائنة يهوذا بكل قلبها بل" رجعت إليّ "بالكذب". لم تهابني بعد كل ما فعلتهُ بإسرائيل ولم ترجع إليّ رجوعًا كاملاً بل بالعكس رجعت إليّ بالكذب. "فقال الرب لي: قد بررت نفسها العاصية إسرائيل أكثر من الخائنة يهوذا".
2. دعونا نرى ما هو القصد من وراء هذا الجزء.
إن دعوة الأمم بدأت عند سقوط إسرائيل، فبعدما كرز الرسل لجماعة اليهود قالوا لهم: "كان يجب أن تُكَلَموا أنتم أولاً بكلمة الله ولكن إذ دفعتموها عنكم وحَكَمتم أنكم غير مستحقين للحياة الأبدية هوذا نتوجه إلى الأمم" (أع 13: 46).
ويقول أيضًا الرسول العارف بهذا الموضوع: "بِزَلّتِهم صار الخلاص للأمم لإغارتهم" (رؤ 11: 11). إذًا فالأخطاء الكثيرة لهذا الشعب أدت إلى استبعادهم، كما أدت أيضًا إلى دخولنا إلى "رجاء الخلاص"، نحن الذين كنا غرباء عن عهود الموعد، لا رجاء لنا" (أف 2: 12). كيف إذًا حدث ذلك الأمر، كيف أنه بعدما ولدت في أي مكان من العالم، وبعدما كنت غريبًا عن أرض الموعد، أقف اليوم لأتحدث عن وعود الله، وأؤمن بإله الآباء إبراهيم وإسحق ويعقوب، بل وأكثر من ذلك أن أقبل في داخلي يسوع المسيح الذي تنبأ عنه الأنبياء من قبل؟
ونلاحظ أ، شعب إسرائيل هذا هو الذي كتب عنه: "فطلقتها (أي إسرائيل) وأعطيتها كتاب طلاقها". إن الله قد طلق إسرائيل وأعطاها كتاب طلاقها وهذا قد يحدث بالنسبة للمتزوجين. إذا أصبحت الزوجة مكروهة عند زوجها كما هو مكتوب في شريعة موسي، فإن الزوج يكتب لها كتاب طلاق فتطلق، ويكون من حق الزوج الذي طلق امرأته الأولي لسبب سوء سلوكها يتزوج بأخرى.
بنفس الطريقة فإن شعب إسرائيل بعدما أخذ كتاب طلاقه تم إهماله تمامًا. فأين أنبيائهم بعد؟ وأين"معجزاتهم" بعد؟ وأين هو ظهور الله لهم؟ وأين العبادة والهيكل والذبائح؟ لقد طَرُدوا من مكانهم.
فالله إذًا قد أعطي إسرائيل كتاب طلاق؛ ثم نحن، يهوذا، لأن المخلص قد خرج من سبط يهوذا لقد رجعنا إلي الرب، ولكن يبدو أن أيامنا الأخيرة سوف تشابه أيام يهوذا الأخيرة إن لم تكن أسوأ منها. فيبدو أن هذا هو وقت انتهاء العالم فعلاً. ويظهر هذا بوضوح من كلام السيد المسيح في إنجيله: "ولكثرة الإثم تبرد محبة الكثيرين، ولكن الذي يصبر إلي المنتهي فهذا يخلص" (مت 24: 12-13). وأيضًا: "سيقوم مسحاء كذبة وأنبياء كذبة ويعطون آيات عظيمة وعجائب حتى يضلوا لم أمكن المختارين أيضًا" (مت 24: 24). وهذا هو وقتنا الحاضر الذي يقصده المخلص بمجيئه الثاني، حيث أنه إذا بحثنا في العديد من الكنائس سوف لا نجد مؤمنًا واحدًا حقيقيًا: "ولكن متي جاء ابن الإنسان ألعله يجد الإيمان علي الأرض" (لو 18: 8). وبالفعل، فإنه إذا حكمنا علي الأوضاع من حيث الحقيقة وليس من حيث العدد، ولو نظرنا إلي الأعماق الداخلية بدلاً من النظر إلي أعداد الناس المجتمعة، فسوف ندرك أننا لم نعد بعد مؤمنين أمناء. فقبل ذلك كان يوجد مؤمنين حقيقيين، في عصر الشهداء المزدهر، فعند عودة مواكب أجساد الشهداء إلي القبور كانت الكنيسة كلها تجتمع بلا أي خوف، وكان الداخلون إلي الإيمان حديثًا يتعلمون مبادئ المسيحية وهم يريدون من حولهم اجساد الشهداء، كما أن مؤمنين كثيرين كانوا يعترفون بإيمانهم حتى الموت دون أن يكونوا خائفين او متزعزعين في إيمانهم بالله الحي. إذًا فنحن نعرف أناسًا قد رأوا أشياء عجيبة وغير عادية. فكان يوجد إذا مؤمنين قليلون، ولكنهم مؤمنون حقيقيون، اتبعوا الطريق الضيق الكرب المؤدي إلي الحياة. أما الآن وقد أصبحنا كثيرين في عددنا، ولما كان من غير الممكن ان يكون هناك كثيرين منتخبين، لأن يسوع لا يكذب حينما يقول: "كثيرون يدعون وقليلون يُنتخبون"، فمن بين الجموع الذين يتخذون العقيدة الدينية عملاً لهم (مهنة لهم) يوجد بالكاد قليلين يصلحون للانتخاب الإلهي وللتطويب.
4. فعندما يقول الله: "لقد طلقت أولاً إسرائيل بسبب خطاياها وأبعدتها عني، ويهوذا لم ترجع إلي بالرغم من معرفتها بما حدث لإسرائيل"، فإنه يتحدث أيضًا عن خطايانا. عند قراءتنا للمصائب والأهوال التي حلت بشعب إسرائيل، يجب أن تأخذنا رعدة ونقول: "إن كان الله يشفق علي الأغصان الطبيعية فلعله لا يشفق عليك أيضًا" (رو 11: 21). إذا كان الذين يفتخرون بأنهم زيتونة حقيقية (رو 11: 24)، الذين هم متأصلين في جذور إبراهيم وإسحق ويعقوب، قد قطعتم الله بلا شفقة، رغم صلاحه وحبه للإنسان، فكم بالحري نحن؟
"هوذا لطف الله وصرامته" (رو 11: 22)، فهو ليس لطيفًا بدون صرامة، ولا صارمًا بدون لطف. فلو أن الله كان لطيفًا فقط بلا صرامة لكنا قد ازددنا في احتقارنا وعدم مبالاتنا تجاه لطفه. ولو كان صارمًا بلا لطف لكنا قد سقطنا في اليأس من خطايانا. ولكن في الواقع بما أنه إله فهو لطيف وصارم في آن واحد، وأما نحن البشر فإننا نحن الذين نختار: نختار لطفه إذا رجعنا إليه، ونختار صرامته إذا بقينا في خطايانا. ويكلمنا الله علي لسان الأنبياء ليقول لنا: "هل رأيت ما فعلت العاصية إسرائيل"، -يفهم من إسرائيل هنا الشعب اليهودي-، "انطلقت إلي كل جبل عال وإلي كل شجرة خضراء".
إذا نظرت إلي الفريسي الذي صعد إلي الهيكل بغرور بدون أن يقرع صدره ولا ان ينشغل بخطاياه، بل قائلاً: "اللهم إني أشكرك أني لست مثل باقي الناس الخاطفين الظالمين الزناة، ولامثل هذا العشار. أصوم مرتين في الأسبوع وأعشر كل ما أقتنيه"(لو 18: 11-12)، فسوف تفهم أنه قد صعد إلي كل جبل عال، بمشاعره التي تستحق اللوم وبحبه للتفاخر والتباهي، كذلك بالغرور والكبرياء صعد أيضًا إلي كل أكمة مرتفعة، جاء تحت كل شجرة، ليس شجرة مثمرة، وإنما شجرة خشب فقط. فهناك اختلاف بين شجر الخشب وبين الشجر المثمر: فعندما نزرع شجرًا للأخشاب فقط، نقوم بزرع بذور غير مثمرة، مجرد بذور عميقة. وهي ترمز إلي حوارات الهراطقة وحجبهم ذات البريق الغاش المخادع الغي صالح لإقناع السامعين. فإذا تركن أنفسنا وراء هذه المجادلات، فقد ذهبنا تحت كل شجرة للخشب.
5. "وزنت هناك. فقلت بعدما فعلت كل هذه ارجعي إليّ. فلم ترجع. فرأت أختها الخائنة يهوذا (خيانة إسرائيل)". هذا العتاب موجه لنا نحن أيضًا، نحن الذين نخطئ، ولا نوفي بعهودنا مع الله، نحن الذين لا نري ما حدث للذين فقدوا عهودهم مع الله على الرغم من كونهم من نسل إبراهيم وعلى الرغم من أنهم قد أخذوا الوعد.
يجب علينا إذًا أن نتمسك بهذه الفكرة: بما أن هؤلاء قد قُطِعوا من البركات ومن الوعود الإلهية، وأن كونهم من نسل إبراهيم لم يفدهم بشىء، فكم بالحري إذا أخطأنا نحن، فسوف نكون مُهمَلين من الله. ويقول لهم المخلص: "لو كنتم أولاد إبراهيم لكنتم تعملون أعمال إبراهيم". كذلك يقول لهم القديس يوحنا: "لا تبتدئوا تقولون في أنفسكم لنا إبراهيم أبًا، لأني أقول لكم أن الله قادر أن يقيم من هذه الحجارة أولادًا لإبراهيم".
إنه يقصدنا نحن بكلمة هذه الحجارة، بقلوبنا الحجرية وقسوتنا تجاه الحق، وأنها بالفعل حقيقة أن الله في قدرته قد أقام أولادًا لإبراهيم من خلال الحجارة.
"فرأيت أنه لأجل كل الأسباب إذ زنت العاصية إسرائيل فطلقتها وأعطيتها كتاب طلاقها لم تخف الخائنة يهوذا أختها". بعد كل هذا الذي صنعته بإسرائيل لم تخف يهوذا مما حدث للآخرين.
جاء عبدًا جديدًا ليخدم صاحب منزل، وبما أنه قد تم شراؤه حديثًا، بدأ يسأل ويستفسر: أي من الخدم السابقين كان صالحًا في عينيْ سيده ولماذا؟ وأي منهم كان شريرًا في عينيه ولماذا؟ وبعدما يفكر إذا كان سوف يستمر في خدمة سيد ذلك المنزل، فإنه يجتنب السلوك الذي أدى إلى طرد العبيد الأشرار وعقابهم. ثم في عمله بالسلوك الطيب الذي اتبعه العبيد السابقين والذي جعلهم مطوَّبين من سيدهم، تأخذه الغيرة ليحذوا حذوهم.
نحن أيضًا، كنا عبيد، ولكن ليس لله ولكن للأوثان والشياطين؛ لقد كنا وثنيين وإننا رجعنا فقط إلى الله من أمس أو من أول أمس: فلنقرأ الكتاب المقدس، ولننظر من فيه تبرر، ومن فيه قد دين، ولنتمثل بالذين قد تبرروا، ولنتحاشى السقوط في أخطاء الذين أُسلِموا إلى السبي والذين طُرِدوا بعيدًا عن الله.
6. "لم تخف الخائنة يهوذا أختها بل مضت وزنت هي أيضًا. وكان من هوان زناها أنها نجست الأرض وزنت مع الحجر ومع الشجر"، فعندما نخطئ وتتحول قلوبنا إلى حجر فإننا لا نفعل شيئًا آخر سوى ارتكاب الزنا مع الحجر.
"وفي كل هذا أيضًا لم ترجع إليّ أختها الخائنة يهوذا بكل قلبها بل بالكذب". إذا كنا في توبتنا ورجوعنا لله نضع الشروط والتحفظات، فإننا نستحق هذا العقاب من الله أننا لم نرجع إليه بكل قلبنا. فإنه لهذا قال الكتاب: لم ترجع إليّ أختها الخائنة يهوذا بكل قلبها، ولم يقل: لم ترجع إليّ أختها الخائنة يهوذا وبقيت بلا حركة (بلا رد فعل)، وإنما: رجعت إليّ بالكذب.
إن التوبة الحقيقية إذًا هي أن نقرأ الكتب القديمة[9]، ونعرف من هم الأبرار ونتمثل بهم، ومن هم الخطاة ونتجنب السقوط في أخطائهم؛ أن نقرأ كتب العهد الجديد وكلام الرسل. وبعد القراءة نكتب كل ما قرأناه في قلوبنا ونطبقه في حياتنا حتى لا يعطي لنا نحن أيضًا كتاب طلاق، ولكن حتى نستطيع أن نبلغ إلى الميراث الأبدي، وأن الأمم عندما يخلصون فإن إسرائيل أيضًا حينئذ تستطيع أن تَخلُص.
لأن: "أن القساوة قد حصلت جزئيًا لإسرائيل إلى أن يدخل ملؤ الأمم. وهكذا سيخلص جميع إسرائيل" (رو 11: 25-26)، "ويكونوا رعية واحدة لراعِِ واحد". ولإلهنا المجد والقدرة إلى أبد الآبدين آمين.
عظة (5)
تفسير للآيات من:
"ارجعوا أيها البنون العصاة فأشفي عصيانكم" (إر 3: 22).
إلى:
"من أجل ذلك تنطقوا بمسوح" (إر 4: 8).
1. مكتوب بوضوح في أعمال الرسل أن الرسل قد دخلوا أولاً إلى مجمع اليهود ليعلنوا لهم كإخوة لهم من نسل إبراهيم وإسحق ويعقوب وليوضحوا لهم ما يختص بمجيء السيد المسيح في كلام الكتاب المقدس. ولكن لما يقبل اليهود منهم الكلام الذي كلموهم به، كان يجب عليهم تغيير السامعين لكلامهم، كما هو مكتوب: "كان يجب أن تكلموا أنتم أولاً بكلمة الله. ولكن إذ دفعتموها عنكم وحكمتم أنكم غير مستحقين للحياة الأبدية. هوذا نتوجه للأمم" (أع 13: 46).
أن هذا الذي قيل بكل وضوح في أعمال الرسل، قبل أيضًا من قبل الأنبياء في مرات عديدة؛ وفي الواقع أن الروح القدس يتكلم بواسطة الأنبياء إلي أبناء ذلك الشعب قبل كل شيء، ولكن إذا حدث انه بعدما تكلم كثيرًا لم يتم سماعه فإنه يتوجه برسالته النبوية إلي الأمم.
وهذا ما يظهر لنا من خلال بداية قراءتنا هذا اليوم، حيث يقول الله لأبناء إسرائيل قبل هذا الجزء بالتحديد: "تدعيني يا أبي ومن ورائي لا ترجعين. حقًا أنه كما تخون المرأة قرينها هكذا خنتموني يا بيت إسرائيل يقول الرب"، وبعدما قيل هذا الكلام الذي يخص إسرائيل، فإن الروح القدس يتوجه أيضًا إلينا نحن أبناء الأمم ويقول: "ارجعوا أيها البنون العصاة فأشفي عصيانكم"، لأننا نحن المقصود بنا الناس المملوءين عصيان (جراح). عن كل واحد منا يمكنه ان يقول، حتى وإن كان قد شفي من جراحاته: "نحن الذين كنا قبلاً، نحن أيضًا، غير المؤمنين، أغبياء، ضالين، عبيد للشهوات والأهواء المتنوعة نحيا في الشر والشهوة، مُبغَضين ومُبغِضين بغضنا بعضًا. ولكن حين أُظهر صلاح مخلصنا الله وحبه للبشر سكب رحمته علينا بنعمة الميلاد الجديد". وبما أنني ذكرت هذا الجزء للقديس بولس الرسول فسوف أحاول أن أشرحه بأكثر وضوحًا. فإنه لم يقل: "نحن كنا قبلاً غير مؤمنين، أغبياء" ، ولكن القديس بولس الرسول، ابن إسرائيل، الذي من جهة بر الناموس بلا لوم، يقول: "نحن الذين كنا قبلاً نحن أيضًا" نحن أيضًا أبناء إسرائيل "كنا غير مؤمنين، أغبياء؛ فإن أبناء الأمم لم يكونوا هم وحدهم الأغبياء، ولم يكونوا وحدهم الغير مؤمنين، ولم يكونوا وحدهم الخطاة، ولكن نحن أيضًا الذين استلمنا الشريعة، كنا كذلك قبل مجيء السيد المسيح.
وبعد ذلك الكلام الموجه إلي إسرائيل، فقد قيل لنا نحن أبناء الأمم: "ارجعوا أيها البنون العصاة فأشفي عصيانكم". لكن قد يقول قائل: "إن هذا الكلام موجه إلي إسرائيل وأنك أنت الذي تطبقه علي الأمم".
أوضح أنه عندما يوجه الله حديثًا يختص بالتوبة والرجوع لا يضيف كلمة إسرائيل، وإنما يبدأ بها في الحال، فقد قيل بعد ذلك: "إن رجعتِ يا إسرائيل يقول الرب إن رجعت إليّ وإن نزعت مكرهاتك من امامي فلا تتيه. وان حلفت حي هو الرب بالحق والعدل والبر فتتبرك الشعوب به وبه يفتخرون" (إر 4: 1-2). إذًا كانت موجهة الفترة الأولي إلي أبناء الأمم والشعوب، ثم بعد ذلك إلي إسرائيل، لأن القساوة قد حصلت جزئيًا لإسرائيل إلي أن يدخل ملوك الأمم. وهكذا سيخلص جميع إسرائيل؛ حسبما قال الرسول في رسالته إلي أهل رومية.(رو 11: 25-26).
أنظر كيف أن الله يدعونا -إذا رجعنا- أن نرجع بالكامل، حينما يعدنا أنه إذا رجعنا إليه بالتوبة فإنه يشفي جراحاتنا (عصياننا) بالمسيح يسوع، ونحن أيضًا بلا انتظار ولا تأخير نجيب مثل إسرائيل ونقول: "ها قد أتينا إليك لأنك انت الرب إلهنا" (أر 3: 22). لقد قال الرب: "ارجعوا أيها البنون العصاة فأشفي عصيانكم"، وأبناء الأمم يجيبون: "سوف نكون خدامك أنت"، نحن الذين كن قبلاً خدامًا للشيطان ولقوات الشر، ولكن علي الرغم من ذلك، فإننا الآن بعدما دعوتنا للتوبة نجيب قائلين: "ها قد أتينا إليك"، لأننا لم نكن ننتظر سوي شيئًا واحد: دعوتك. وعلي عكس الذين تم دعوتهم، فقدموا أعذارًا كثيرة، نحن عندما دُعينا لم نقدم أعذارًا. ونجد هذا بالفعل في أمثال الانجيل، أن الذين دعوا اولاً قبل الأخرىن كانوا يقولون واحدًا بعد الآخر: "إني اشتريت حقلاً وانا مضطر ان أخرج وانظره. أسالك أن تعفيني. وقال آخر اني اشتريت خمسة أزواج بقر وأنا ماض لأمتحنها. أسألك أن تعفيني. وقال آخر ان تزوجت بإمرأة فلذلك لا أفدر أن أجيء". إذًا فإن هذا ليس هو أسلوبنا، نحن أبناء الأمم، ان يتم دعوتنا وان نعتذر. فلماذا نعتذر؟ وما هو ذلك الحقل الذي سوف يشغلنا؟ وأي زوجة تشغلنا؟ حقيقةً، ما هو هذا الشيء الذي من شأنه أن يشغلنا؟
إذا فقد قال لنا الله: " ارجعوا أيها البنون العصاة فأشفي عصيانكم"، ونحن عندما ننظر إلي جراحاتنا وإلي الوعد بالشفاء نجيب في الحال ونقول: "ها قد أتينا إليك لأنك أنت الرب إلهنا" ولنتذكر أننا بهذه الكلمات قد أقمنا عهدًا مع الله، واننا لن نكون ملكًا لأحد لآخر، لن نكون ملكًا لأفكار الغضب ولا أفكار الكآبة ولا أفكار الشهوة، لن نصبح ملكًا للشيطان وجنوده. بل بالعكس، بما أننا قد دُعينا وأننا أجبنا "ها قد أتينا إليك"، فلنثُبت إذًا بأفعالنا أننا ملكًا له هو وحده. ونضيف: "لأنك أنت الرب إلهنا". لأننا لا نعرف لأنفسنا إلهًا آخر، ليست البطن إلهًا لنا مثل الذين قيل عنهم: الذين آلهتهم بطونهم، ولا الفضة، ولا الطمع؛ فيجب علينا ألا نقيم إلهًا ولا ان نؤله شيئًا من الذي تؤلهه الناس، ولكن لنا إله الذي هو فوق كل شيء، الله الذي هو "إله وأب واحد للكل الذي علي الكل وبالكل وفي كلكم" (أف 4: 6). وبما ان شغلنا الشاغل هو حب الله، فسوف نقول: "ها قد أتينا إليك لأنك الرب إلهنا".
3. ثم أننا في إدانتنا لأخطائنا السابقة -حينما كنا نظن أن الأوثان كانت عظيمة ومرتفعة جدًا وكنا نعبدها معجبين بهذه الأشياء التي نقدم لها العبادة، ولكن الآن قد حكمنا عليها بأنها كانت كاذبة- نقول في توبة ورجوع: "حقًا باطلة هي الآكام". وربما، بشيء من البحث، سوف نتعرف على الفرق بين الآكام وبين الجبال عند الأمم، الذين يتهمون هذه الآكام مثلها مثل الجبال بالكذب حينما يقولون: "حقًا باطلة هي الآكام ثروة الجبال" (إر 3: 23). نحن نشرح هذا حتى ندين أخطائنا السابقة.
أن المعبودات عند الأمم كانت تُعبَد إما كآلهة أو كأبطال. وفي الواقع أن الوثنيين هم أنفسهم يَعْلَمون أن بعض هذه الكائنات المعبودة كانت قبلاً بَشَرًا ثم تم تأليههم بعد ذلك.فهم يعبدون "هرقل" ليس كإله بالولادة وإنما كإنسان تم تحويله إلى إله. كذلك يعبدون Ascle`pios كإنسان تحول من حالته الإنسانية إلى الحالة الإلهية بسبب تقواه وفضيلته. ولكنهم حينما يعبدون آباء هؤلاء الأبطال فإنهم يعبدونهم كآلهة بالطبيعة وليس كبشر متحولين إلى آلهة.
إذًا فالذين يعتبرهم الأمم آلهة بالطبيعة سوف يكونوا هنا الجبال، والذين يعتبرونهم بشر متحولين إلى آلهة سوف يكونوا الآكام.
ولكن الذين يتعبدون لهذه الآلهة بالفعل لا يفترضون أنها آلهة كاذبة، فهم يعتقدون أن وحيهم هو وحي حقيقي وأن شفائهم هو شفاء حقيقي، دون أن يروا الفرق بين عمل الشيطان بكل قوة وبآيات وعجائب كاذبة وبكل خديعة الإثم في الهالكين (2تس 2: 9). وبين قوات وعجائب الحق. إن ما كان يفعله يسوع المسيح كان من عجائب الحق، وما كان موسي يفعله كان أيضًا من قوات الحق، ولكن ما كان يفعله المصريون كان آيات وعجائب كاذبة. كان سيمون الساحر يضع آيات حتى كان يدهش شعب السامرة الذين قالوا عنه "هذا هو وقوة الله العظيمة" (أع 8: 10)، علي الرغم من كونها قوات وآيات وعجائب كاذبة.
4. إذًا، ربما أننا نعرف، نحن الذين جئنا من نسل الأمم، أنه بسقوط إسرائيل صار لنا طريقًا إلي الخلاص، وأن اليهود قد طردوا خارجًا حتى ندخل نحن إلي الملء، ومن جهة أخرى، بما أننا نعلم أن: القساوة قد حصلت جزئيًا لإسرائيل إلي أن يدخل ملؤ الأمم. وهكذا سيخلص جميع إسرائيل (رو 11: 25)، فسوف نقول قبل كل شيء: "حقًا باطلة هي الآكام ثروة الجبال"، ثم بعد ذلك نقول بخصوص إسرائيل التي سوف تخلص بعد ملؤ الأمم: "حقًا بالرب إلهنا خلاص إسرائيل".
دعونا نشرح معني العبارة التي قالها القديس بولس الرسول، فما المقصود بأن جميع إسرائيل سيخلص عندما يدخل ملؤ الأمم؟
كان يوجد إسرائيل للخلاص: فإن كان الجزء الأكبر من إسرائيل قد سقط، لكن حصلت بقية حسب اختيار النعمة (رو 11: 5)، بقية قيل عنها في إيليا: "أبقيت لنفسي سبعة آلاف رجل لم يحنوا ركبة لبعل".
وفي شرح المقصود بهذه البقية، يقول بولس الرسول: "فكذلك في الزمان الحاضر أيضًا قد حصلت بقية حسب اختيار النعمة" (رو 11: 5).
إذًا فقد كان يوجد في إسرائيل بقية للخلاص حينما كانت إسرائيل مطرودة.
ولم يقل الرسول: "عندما يخلص جميع الأمم فحينئذ سيخلص جميع إسرائيل"، وإنما: "إلي أن يدخل ملء الأمم. وهكذا سيخلص جميع إسرائيل".
فإن إسرائيل سوف يخلص ولكن ليس بعد أن يخلص كل الأمم وإنما بعد أن يخلص ملء الأمم[10]. فمن هو قادر أن يحسب لنا بعقله الوقت المتبقي، في رأيه، والذي فيه تعبد جميع الشعوب الله، وكما هو مكتوب في صفنيا: "من عبر أنهار كوش[11] المتضرعون إلي متبددي يقدمون تقدمتي" (صف 3: 10). وكما يقول المزمور 68 أيضًا: حينما تسرع كوش بيدها إلي الله (مز 68: 31)، وبعد كم من الوقت والزمان سوف يعطي "كلمة الله" الأمر لجميع ممالك الأرض قائلاً: "يا ممالك الأرض غنوا لله رنموا لإله يعقوب" (مز68: 32).
5. ثم بعد ذلك، باعترافنا بالخطايا التي عشنا فيها، نحن وآباؤنا، بعبادتنا للأوثان سوف نقول: "وقد أكل الخزي تعب آبائنا منذ صبانا غنمهم وبقرهم بنيهم وبناتهم" يجب ان يكون هناك خزي حتى يأكل التعب الباطل والأعمال الكاذبة التي لآبائنا، فإنه بدون الخزي لن تنتهي هذه الأعمال الباطلة والكاذبة.
وفي هذا الصدد دعونا نستعرض بعض أوجه الاختلاف ما بين الخطاة:
يوجد خطاة ليس عندهم خزي ولا حياء من خطاياهم، فهم لا يخجلون منها.
هؤلاء هم الذين فقدوا كل حس والذين أسلموا لكل نجاسة.
وأنت تري بالفعل كيف أن الشعوب الأممية يستعرضون في بعض الأحيان ويتفاخرون يقائمة فسقهم وزناهم كما لو كانت بطولات، دون أن يخجلوا من قيامهم بهذه الأفعال ودون أن يطلقوا عليها خطايا. وطالما لا يوجد عندهم خزي فإن خطاياهم لن تؤكل (لن تمحي). إن بداية الصلاح هي أن نشعر بالخجل من الأشياء التي كنا لا نخجل منها قبل ذلك. لذلك فإنني لا أظن أن تكون الكلمات التالية التي كان يقولها الأنبياء يقصد بها لعنة: "فاليخز وليرتد إلي الوراء كل الذين يبغضون صهيون" (مز 128).
6. إن التصرفات الغير عاقلة التي كان يقوم بها الآباء هي التي يطلق عليها غنم وبقر، فإن الكائنات الغير عاقلة ليسوا دائمًا ممدوحين، ولكن توجد كائنات غير عاقلة ملومة مثل غنم الآباء الذين أخطأوا. أما الكائنات الغير عاقلة الممدوحة والمطوبة فهي التي يقال عنها: "خرافي تسمع صوتي". فهذه كانت أيضًا أغنام، ويمكننا أن نكون مثلها إذا قبلنا الرعي الصالح في قلوبنا. لأن المخلص حينما يقول: "أنا هو الراعي الصالح"، فإنني لا يجب أن أسمعه بطريقة عامة كما يفعل الجميع ويعتقدون أنه راعي المؤمنين فقط دون الخطاة، وإنما يجب علي كخاطئ أن أقبل السيد المسيح ففي داخل نفسي، أن أفيل الراعي الصالح في داخلي، الراعي الصالح الذي يستطيع بعصا رعايته أن يسيطر علي تصرفاتي الغير عاقلة فلا يجعلها تخرج كيفما تشاء وحيثما تشاء، ولكنها تحت قيادة الراعي تتحول إلي تصرفات سليمة "فلستم إذًا بعد غرباء بل رعية مع القديسين وأهل بيت الله" (أف 2: 19). فإنه لذلك، لو أن الراعي في داخلي فإنه سوف يقود حواسي، ولن تخضع أبدًا لأي فكر غريب، لن تخضع لفرعون ولا لنبوخدنصر، وإنما للراعي الصالح.
7. "بنيهم وبناتهم". علي من تعود "هم" إلا علي الآباء الذين أكل أولادهم بخزيهم (أولادهم وبناتهم)؟ لقد قلنا قبل ذلك في مواقف متعددة أن من ضمن أولاد النفس: الأفكار التي هي البنين، والأفعال والتصرفات المادية التي هي البنات. وبما أنه توجد عند الأمم أفكار شريرة وكذلك أفعال فاسدة فلذلك ُوجِدَ بنين وبنات قد أكلوا بسبب خزي آباؤهم من خطاياهم.
أما بالنسبة لنا، فهل يمكننا ألا ننجب بنات وبنين ليأكلهم الخزي!
8. ثم بعد هذا يقول هؤلاء الناس المعترفين بخطاياهم: "نضطجع في خزينا ويغطينا خجلنا(ببرقع)" (إر 3: 25). لقد اعتدنا أن نتحدث عن البرقع الموضوع علي وجه الذين لا يرجعون إلي الرب. وبسبب هذا البرقع فحين يقرا موسي (2كو 3: 15). فإن الخطاة لا يفهمون لأن البرقع موضوع علي قلبهم. وإذًا فنحن نقول بخصوص البرقع أن الخزي هو هذا البرقع، فطالما توجد عندنا أفعال الخزي فإن مما لاشك فيه ان البرقع يوجد أيضًا عندنا، بحسب ما قيل في المزمور44: "وخزي وجهي قد غطاني (ببرقع)" (مز 44: 15). إذًا فالذين لا يعملون أعمالاً مخزية لن يكون عندهم برقع. وهذا ما قاله بولس الرسول: "ونحن جميعًا ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف كما في مرآة" (2كو 3: 18). فإذا كنا نريد أن ننزع البرقع الناجم عن الخزي فلنعمل الأعمال المجيدة، ولنجعل كلمة المخلص هذه في أذهاننا: "حتى أن الجميع يمجدون الابن كما يمجدون الآب". وكذلك كلمة بولس الرسول: "فإننا بتعدينا للشريعة نهين الله". إن نزع البرقع هو في مقدرتنا نحن وليس في مقدرة أحد آخر: فعندما كان موسي يتوجه إلي الله كان بالفعل ينزع البرقع. فأنت تري كيف أن موسي كان أحيانًا يمثل الشعب: فطالما أنه لا يتجه إلي الرب -ممثلاً شعبه الذي لا يتجه إلي الرب- كان يضع حينئذ برقعًا علي وجهه؛ ولكنه عندما ينظر إلي الله، ممثلاً هؤلاء الذين ينظرون إلي الله من شعبه، فإنه كأن ينزع البرقع. وإن الله لم يأمر موسي قائلاً له: "غط نفسك ببرقع" ، وإنما عندما رأي موسي أن الشعب لا يقدر ان ينظر إلي مجده، وضع برقعًا علي وجهه؛ كما أنه لم ينتظر أيضًا أن يقول الله: "انزع البرقع" في كل مرة يكلمه فيها.
9. لقد كُتِبَ ذلك إذًا، حتى انك أنت أيضًا الذي وضعت البرقع علي وجهك بأعمالك المخزية، تعمل أنت بدورك علي نزع هذا البرقع؛ إذا اتجهت بنظرك إلي الرب وعندئذ تنزع البرقع ولا تعود تقول: "يغطينا خجلنا (ببرقع)".
فعلي سبيل المثال، الغضب حينما يستقر في نفوسنا، يكون مثل البرقع علي الوجه؛ ولهذا فعندما نريد أن نقوا في صلاتنا: "قد أضاء علينا نور وجهك يا رب" (مز 4)، فلنرفع البرقع ولننقذ ما قاله الرسول: "فأريد أن يصلي الرجال في كل مكان رافعين أيادي طاهرة بدون غضب ولا جدال" (1تي 2: 8). فإذا نزعنا الغضب نكون قد نزعنا البرقع، وهكذا أيضًا بالنسبة لجميع الخطايا. ولكن طالما الخطايا موجودة في فكرنا فإن البرقع سوف يظل موجودًا علي وجوهنا الداخلية بصورة تحجب عنا رؤية مجد الله المضيء. إن الله لا يخفي عنا مجده، ولكننا نحن بوضعنا برقع الخطية علي نفوسنا نعمل علي عدم رؤية مجد الله.
10. "لأننا إلي الرب إلهنا أخطأنا نحن وآباؤنا". هل نستطيع نحن أيضًا أن نقول مثل هؤلاء الناس: أننا أخطأنا. إنه ليس نفس الشيء أن نقول: لقد أخطأنا، و"إننا نخطئ". فإن الذي ما يزال في خطيته عليه أن لا يقول: لقد أخطأنا.
وإنما الذي يقول ذلك، هو الإنسان الذي أخطأ من قبل ثم تاب توبة حقيقية بعد ذلك. وهناك أمثلة في الكتاب المقدس لأشخاص لم يعودوا يخطئوا ومع ذلك يقولون: "لقد أخطأنا، لقد تعدينا الشريعة" كما سفر دانيال. كذلك أيضًا يقول داود النبي: "خطايا شبابي وجهلي لا تذكر". فلنعترف إذًا بخطايانا، ليس خطايا أمس ولا أول أمس، و،إنما هل نستطيع أن نعترف بخطايانا التي مر عليها 15سنة دون أن نكون قد ارتكبنا أية أخطاء خلال هذه الـ15سنة التي تلت هذا الاعتراف.
فإذا ذهبنا لنعترف بخطايا أمس، فإننا نكون غير صادقين في توبتنا.
"لأننا إلي الرب إلهنا أخطأنا نحن وآباؤنا منذ صبانا إلي هذا اليوم"
إن بداية الآية كما سبق أن شرحنا تعلمنا أفضل وسيلة للاعتراف بالخطايا[12]، ثم تعلن لنا تكملة الاية عن مرور وقت طويل علي ارتكاب الخطايا والاستمرار فيها: "منذ صبانا إلي هذا اليوم" "ولم نسمع لصوت الرب إلهنا"؛ إننا أخطأنا ولم نسمع حتى الآن؛ فبعد ذلك حينما رجعوا وكانت لهم بداية للتوبة، قالوا: إننا أخطانا ولم نسمع. فإن رغبتنا في السماع، والسماع حقيقة بطريقة فعلية، لا يتم بالنسبة لنا في آن واحد. وكما أن في حالة الجروح تستلزم وقتًا قبل أن تُشفي، كذلك الحال بالنسبة للرجوع، فإن الرجوع الكامل والنقي إلي الله يستلزم أيضًا بعض الوقت.
11. ثم يقول الرب بخصوص إسرائيل: "إن رجعت يا إسرائيل يقول الرب إن رجعت إلي وإن نزعت مكرهاتك من أمامي (من فمك) فلا تتيه. وإن حلفت حي هو الرب بالحق والعدل والبر (فإن الشعوب سوف تبارك الله فيك)". ما هي الأشياء التي يجب علي إسرائيل القيام بها حتى تبارك الشعوب الله فيه؟ "إن نزع مكرهاته من فمه"، ولكن ماذا يعني هذا؟ إن كل ما نقوله من شر هو ومكرهات في فمنا، فلننزعها إذًا بنزع الشتائم، الكلمات الفارغة، والكلمات العقيمة التي من شأنها إدانتنا، لأنه "بكلامك تتبرر وبكلامك تدان". فإذا أردنا أن تحقق بشأننا الآية "فإن الشعوب سوف تبارك الله فيك، وبه يفتخرون"، فلننفذ ما قيل في البداية.
12. فلننظر إلي أنفسنا، نحن الذين نحلف، ولنَر كيف أننا لا نحلف بالعدل وإنما نحلف بدون عدل، لدرجة أن أقسامنا أصبحت أكثر علي سبيل العادة وليس علي سبيل الحق. إن المشكلة هي أننا نترك أنفسنا لتساق من الخطية وبالتالي نعتاد علي تلك الخطية، وهذا ما ينتقده الرب بقوله: "إن حلفت حي هو الرب بالحق والعدل والبر". ونحن نعلم أن الرب قال لتلاميذه في الإنجيل: "وأما أنا فأقول لكم لا تحلفوا البتة". فلندرس أيضًا هذه الآية، وسوف تتضح الآيتين معًا عن شاء الرب. ربما يجب أن نبدأ بالقول: احلفوا بالحق وبالعدل والبر، حتى إذا ما تقدمنا ونمونا في النعمة بعد ذلك، نكون مستعدين ألا نحلف البتة، بل أن تكون لنا ال"نعم" التي لا تحتاج إلي شهادة لإثبات أن هذه الأمور هكذا هي؛ وأن تكون لنا ال "لا" التي لا تحتاج إلي شهادة لإثبات أن هذه الأشياء ليست هكذا.
"وإن حلفت حي هو الرب بالحق والعدل والبر":
فبالنسبة لمن يحلف، لابد أولاً ألا يكون كاذبًا بل صادقًا حتى يحلف بالحق -وأما نحن البائسين فإننا كثيرًا ما نقسم أقسامًا كاذبة وباطلة- ولكن علي افتراض أننا نحلف بالحق، فإن هذا القسم أيضًا ضد الشريعة، فإنه يجب أن يكون إلي جانب الحق "العدل"، لأنه فلنفترض أنني أحلف كعادة، ففي هذه الحالة لن يكون هناك عدل. وإذا كنا بالنسبة لقسم من هذا النوع، نأخذ رب هذا الكون ومسيحه كشاهد علي أمر معين؛ فما هي أهمية هذا الأمر حتى أنحني علي ركبتي وأقسم؟!. يمكنني أن أحلف كأمر طارئ لكي أتلافي في عدم تصديق البعض لكلامي، أما إذا كانت أقسامي بلا تبصر فإنها في هذه الحالة تكون خطية.
13. "فإن الشعوب سوف تبارك الله فيك".
لقد جمع بين النسلين: بني الشعوب (الأمم) وبني إسرائيل. ثم يضيف: "لأنه هكذا قال الرب لرجال يهوذا ولأورشليم". لقد تحدث إلي أبناء الأمم، وتحدث إلي أبناء إسرائيل، وإلي أبناء يهوذا. وأنني أتذكر ما قيل حديثًا حول المعني الرمزي ليهوذا وسكان أورشليم: فإننا نحن أيضًا، إذا لأعطانا الرب هذه النعمة، نكون سكان أورشليم. بما أنه "حيث يكون كنزك هناك يكون قلبك أيضًا"، فإن كان كنزنا في السماء يكون قلبنا أيضًا في أورشليم السمائية، التي يقول عنها الرسول: "وأما أورشليم العليا التي هي أمنا جميعًا فهي حرة" (غل 4: 26).
"احرثوا لأنفسكم حرثًا ولا تزرعوا في الأشواك" (إر 4: 3).
هذا الكلام قيل بالأخص للمعلمين والمبشرين حتى لا يقولوا كلمات الإنجيل للسامعين قبل ان يهيئوا حقول جديدة (حرثًا) في نفوسهم (السامعين). لنهم متي هَيَئوا حقولاً جديدة في النفوس، ومتي أصبح الناس مُعَدّيِن لاستقبال التعاليم كما في الأرض الجيدة والصالحة، فإنهم حينما يزرعون، عندئذ لن يزرعوا في الأشواك.
فإذا علي العكس، وقيل أن نعد حقولاً جديدة في عقول الناس، قمنا بزرع البذور المقدسة التي هي عقيدة الآب والابن والروح القدس، وعقيدة القيامة، والعقاب والراحة الأبدية والشريعة والأنبياء وغيرها من كل تعاليم الكتاب المقدس، فإننا بذلك نخالف الوصية التي تقول أولاً: "احرثوا لأنفسكم حرثًا (أعدوا لأنفسكم حقولاً جديدة)"، وثانيًا: "ولا تزرعوا في الأشواك".
ولكن قد يقول أحد السامعين: إنني لا أُعَلِم وبالتالي فإن هذه الوصية ليست لي. وليكن! كن أنت أيضًا زارعًا (معلمًا) لنفسك ولا تزرع في الأشواك وإنما أَعِد حقلاً جديدًا من قطعة الأرض التي سلمها لك الرب. اهتم بهذه الأرض، ابحث أين توجد الأشواك، أين توجد الهموم والاهتمامات المادية وإغراءات الغني وحب الشهوة، وبمجرد ان تنزع تلك الأشواك الموجودة في نفسك فأنحث عن المحراث الروحي الذي قال عنه يسوع: "ليس أحد يضع يده علي المحراث وينظر إلي الوراء يصلح لملكوت الله" (لو 9: 62). وبهذا تكون قد أعددت حقلاً جديدًا. ثم بعد إعداد هذا الحقل، اذهب وخذ بذارًا من المعلمين ومن الشريعة ومن الأنبياء ومن الكتابات الإنجيلية ومن كلمات الرسل، وازرعها في نفسك بتذكرها وبتنفيذها. وسوف يبدو لك أن هذه البذار تنمو من تلقاء نفسها، ولكن الحقيقة أنها لا تنمو من مجرد تذكرك لها، وإنما الرب هو الذي ينميها: "أنا غرست وأبلُّوس سقي لكن الله كان ينمي" (1كو 3: 6). وكما قال لنا الله من قبل، أن هذه البذار لا تصبح قمحًا في الحال وإنما تكون أولاً نباتًا ثم سنبلاً ثم قمحًا مُعَدًا للحصاد. (مز 4: 28).
14. ثم يقول: "اختتنوا للررب وانزعوا غرل قلوبكم" (إر 4: 4)
كان لابد أن يقول "اختتنوا للرب".
فإن الختان من الجانب الجسدي لم يقتصر علي أهل الختان بحسب شريعة موسي وحدهم، وإنما علي أناس آخرين كثيرين. فكهنة الأوثان المصريين كانوا يختتنون لها (للأوثان)، فكان هذا الختان من أجل الأوثان وليس للرب، بينما ختان اليهود ربما كان للرب. فإذا كنا قد فهمنا معني اختتنوا للرب بالمعني الحرفي، فلننتقل إلي معناها الرمزي حتى نعرف كيف يوجد بين المختونين بعضًا منهم مختتن للرب، والبعض الآخر مختتن، ولكن ليس للرب.
توجد عقائد أخرى بخلاف عقيدة الحق أي العقيدة الكنسية: فإن الذين يعتمدون علي الفلسفة، قد اختتنوا: أخلاقهم وقلوبهم ويمارسون ما يمكن أن نطلق عليه الاعتدال (بمفهومه الخاطيء)؛ فإن الهراطقة يمارسون الاعتدال وهم في الوقت نغسه مختتين جسديًا، ولكن في هذه الحالة فإن ختانهم ليس للرب، لأن الختان عندهم يُنَفَّذ بموجب عقيدة كاذبة. ولكن حينما تذهب إلي الكنيسة وتتبع تعاليمها الحقة، فإنك لن تكون فقط مختتن، وإنما مختتن للرب.
"اختتنوا للرب وانزعوا غرل قلوبكم".
إذًا فهناك غرلة في القلب يجب نزعها. إن الغرلة هي خليقة منذ الولادة، ثم يأتي الختان بعد ذلك؛ فإذًا، الذي جاء بالولادة هو الذي نُزِع بالختان.
فإذا كانت الوصية تقول غرل قلوبكم، فإنه لابد أن يكون هناك في القلب شيء منذ الولادة يسمى غرلة، يجب علينا نزعه حتى نكون مختتنين من غرلة قلوبنا.
وإذا دققنا النظر في الآيات الآتية: "لقد كنا بالطبيعة أولادًا في الغضب" وأيضًا "جسد هذا الموت" الذي ولدنا فيه، إذا تأملنا في أنه "ليس أحد طاهرًا من دنس ولو كانت حياته يومًا واحدًا علي الأرض"، فسوف نستخلص كيف أننا ولدنا بخطايا وبغرلة في قلوبنا.
لأنه إذا كان القلب الذي فينا هو الذي يحمل العقل، حيث توجد الأفكار، ومن حيث تخرج الأفكار الشريرة، فإن الإنسان الذي ينزع الأفكار الشريرة ينزع أيضًا غرلة القلب. أما الإنسان الذي لا ينزع غرلة قلبه، فلننظر ما يتوعده به الله: "لئلا يخرج كنار غيظي فيحرق وليس من يطفئ". إذًا فإن غضب الله يشتعل مثل النار للذين لم يختتنوا له، للذين لم ينزعوا عنهم غرل قلوبهم، "وليس من يطفئ بسبب شر أعمالكم". إن طعام هذه النار هو الأعمال الشريرة التي نفعلها، وحيث لا توجد أعمال شريرة فإن النار لن تجد مأكلاً لها.
"إخبروا في يهوذا وسمِّعوا في أورشليم وقولوا اضربوا بالبوق في الأرض. نادوا بصوت عالٍ".
إن كلمة الله التي توقظ السامع، والتي تعده للحرب ضد الشهوات، وللحرب ضد القوات الشريرة، والتي تهيئه أيضًا للاحتفالات السماوية، هي هنا بمثابة البوق. "نادوا بصوت عال وقولوا اجتمعوا فلندخل المدن الحصينة".
إن الله لا يريدنا أن ندخل إلي مدينة غير محصنة وإنما إلي مدينة حصينة. فإن كنيسة الله قد حصنت بالحق الذي في المسيح يسوع، فهو نفسه حصنها، كما يقول داود النبي في المزمور 18: 2: "الرب صخرتي وحصني ومنقذي".
وانتم جميعًا الذين كنتم خارج صهيون "ارفعوا الراية نحو صهيون (اهربوا إلي صهيون) احتموا. لا تقفوا": انتم الذين كنتم في تقدم ونموّ اختموا في صهيون "لأني آتي بشر من الشمال وكسر عظيم". وعند مجيء هذا الشر، فإن كا من لم يحتمِ ولم يدخل إلي المدن الحصينة أي إلي كنائس الله، وبقي خارجًا، فسوف يؤخذ من الأعداء ويقتل. ومن هو هذا العدو؟ لننظر إلي تكملة الآيات:
"قد صعد الأسد من غابته وزحف مهلك الأمم"، هذا هو العدو الذي يجب أن نهرب منه. فمن هو هذا الأسد الذي يتتبعنا؟ ينبهنا القديس بطرس ويقول لنا: "إبليس خصمكم كأسد زائر يجول ملتمسًا من يبتلعه هو. فقاوموه راسخين في الإيمان" (1بطرس 5: 8-9).
إذًا فإن هناك أسدًا قد صعد من غابته: فأين هي هذه الغابة؟
انه سقط إلي أسفل. لقد نزل إلي أسافل الأرض، إلي أعماقها.
أنت إنسان، أنت أعلي من الشيطان، لأنك أفضل منه علي آي حال من الأحوال. أما هو فبسبب فساده قد هبط إلي أسفل.
فإذا ما خرج هذا الأسد من غابيه أي من مكان عقابه فإنه سوف يقال:
"قد صعد الأسد من غابته وزحف مهلك الأمم. خرج من مكانه ليجعل أرضك خرابًا". إنه يريد أن يدخل إلي أرضك أنت، ويريد أن يفترس كل منا.
"تخرب مدنك فلا ساكن. من أجل ذلك تنطَّقوا بمسوح".
إذًا، بما أن الأسد قد صعد إليك ليهددك وليبيد أرضك، البس المسوح وابكِ وتنهد وتضرع إلي الله بالصلوات أن يفني ويهلك هذا الأسد حتى تتخلص منه ولا تقع بين أنيابه. لأن هذا الأسد يحاول أن يصطادك عن طريق آذانك حينما يلقي إليك بكلمات كاذبة محببة إلي نفسك، حتى يجعلك تحيد عن طريق الحق، وهو يريد أيضًا أن يفترس قدميك وينزعهما من فوق أرض الحق. وليكن! تمنطق بمسوح واقرع صدرك، ابك، واصرخ صرخات الحرب حينما تري العدو يهددك، حتى يرتد حمو غضب الرب عنك، لأنك سوف تكون قد دخلت إلي المدينة الحصينة. فلنشكر الله الذي ينقذنا في المسيح يسوع الذي له المجد والقدرة إلي أبد الآبدين آمين.
عظة (6)
تفسير للآيات من:
"يا رب أليست عيناك علي الحق (علي الإيمان)". (إر5: 3).
إلي:
"أنطلق إلي العظماء وأكلمهم". (إر5: 5).
1. يقول النبي: "يا رب أليست عيناك علي (الإيمان)".
فكما أن "عيني الرب علي الصديقين" (مز 33)، إذًا فهو يحول عينيه عن الأشرار. وكذلك فإن عيني الرب علي الإيمان لأنه يحوّلهم عن عدم الإيمان. ولهذا السبب قيل عن الإنسان الذي يصلي بإيمان: "يا رب أليست عيناكَ علي الإيمان". ولهذا نجد "العاقل إن سمع قولاً حكيمًا يمدحه ويضفيه إليه" (ابن سيراخ 21: 15). فيقول القديس بولس: "أما الآن فيثبت الإيمان والرجاء والمحبة هذه الثلاثة ولكن أعظمهن المحبة". وكما ان عيني الرب علي الإيمان، فهي أيضًا علي الرجاء وكذلك علي المحبة. وبما أن روح الله هو "روح القوة والمحبة والنصح" (2تي 1: 7). إذًا فعيني الله علي القوة وأيضًا علي النصح وكذلك علي الحق (العدل)، وباختصار فإن عينيْ الرب علي جميع الفضائل.
وبالتالي، فإذا كنت أنت بدورك تريد أن تضيء ؛ عليك، إذًا أن تلبس الفضائل؛ وكما يقال: يا رب عيناك علي الإيمان، سوف يقال عنك أيضًا: يا رب عيناك علي كل شخص فاضل اقتنيه لك.
وإذا وصلت إلي درجة ان عيني الرب تنير عليك، فسوف تقول: "قد ارتسم علينا نور وجهك يا رب"
2. لننظر بعد هذا ماذا قيل عن الخطاة: "جلدتهم (بالسياط) فلم يتوجعوا".
إن السياط الأرضية حينما نضرب بها الأجساد الحية فإنها تسبب الألم للمضروبين، سواء أرادوا أو لم يريدوا، أما السياط الله فهي ليست كذلك، لأن الأشخاص المضروبين بعضهم يتوجع والبعض الآخر لا يتوجع. هلم نري ماذا يعني التوجع تحت ضربات الله وعدم التوجع تحتها، حتى نوضح أن البائسين هم الذين لا يتوجعون من ضربات الله، وأن سعداء الحظ هم الذين يتوجعون من هذه الضربات. ويقول سفر الحكمة في هذا الشأن: "وإنما نُخِسوا ليتذكروا أقوالك ثم خلصوا سريعًا لئلا يسقطوا في نسيان عميق فيُحرموا إحسانك" (حك 16: 11) كما يقول في نفس السفر: "من يضع سوطًا لأفكاري، وكلام الحكماء في شفتي، لئلا يترفقوا بي في أخطائي، فأهلك بسبب خطاياي".
دقق النظر في هذه الكلمات: "من يضع سوطًا لأفكاري؟"، إذًا فهناك سياطًا لضرب الأفكار. ان سياط الله هي التي تضرب الأفكار، فإن الكلمة "Logos" حينما يأخذ النفس جانبًا ويدفعها ويضغط عليها حتى تستخدم ضميرها تجاه الأخطاء التي ارتكبتها، فإنه يضربها بالسياط. فهو يضرب الإنسان المطوَّب (الحكيم)، الذي يتوجع تحت الضرب لأن كلمات الله أثرت في نفسه، ولم يلقِ بهذه الكلمات باحتقار لأنها أخجلته. ولكن إن وُجد إنسان، يمكن أن يقال عنه، عديم الإحساس، فسوف يقال عنه: "ضربتهم فلم يتوجعوا"
كما أن كلمة "لم يتوجعوا" يمكن أن تفسر يطريقة أخرى.
توجد في الجسد بعض أعضاء قد تموت وتجف، وغالبًا ما يكون الفارق بين الأعضاء الحية، توجد في الجسد بعض أعضاء قد تموت وتجف، وغالبًا ما يكون الفارق بين الأعضاء الحية والأعضاء المائتة كبيرًا، فإذا قمنا بعلاج عضو حي بعلاج مؤلم، فإن الشخص الذي يتم علاجه يتألم، بينما إذا استخدمنا نفس هذا العلاج لنفس الشخص ولكن في العضو المائت فإنه لن يشعر بشيء، لأن هذا العضو بالنسبة له مائت.
ما قلناه على الجسد، طبِّقه على النفس أيضًا، وسوف ترى أن النفس يمكن أن تكون مائتة في أعضائها إلى الدرجة التي لا تشعر معها بضربات السياط مهما كانت شدتها. وحتى إذا استخدمت العذابات المخيفة فإن تلك النفس لن تتأثر بها، في حين أن نفسًا أخرى يمكن أن تشعر بها وتتوجع.
وربما يكون الإنسان الذي لا يشعر بالألم الواقع عليه، هو في حقيقته أكثر ألمًا مما لو كان شاعرًا به: سوف يتمنى بالأكثر أن يتوجع عندما تحل به الآلام لأن ذلك سوف يكون دليلاً على أنه ما يزال حيًا، وسوف يحزن لعدم شعوره بالضربات.
وأن الآية: "حتى يشتاقوا أن يصبحوا فريسة للنار!".
تشير إلى أن هؤلاء الناس الذين لا يتألمون حينما تحل بهم الضربات، لو أنهم أدركوا الفرق الموجود بين الذين يتوجعون والذين لا يتوجعون، لاشتاقوا أن يشعروا بحروق النار عن أن يهربوا منها.
"أفنيتهم وأبوا قبول التأديب" (إر 5: 3).
إن الله في عنايته ورحمته، حينما يقوم بعمله التطهيري من أجل خلاص النفس، فإنه يذهب في عمله حتى النهاية (حتى الفناء)، على الأقل من جانبه.
فإذا كان كل الذي يأتي علينا من قبل العناية الإلهية، يهدف إلى كمالنا وإلى تأديبنا، ومع ذلك لا نقبل التأديبات الإلهية التي تقودنا إلى الكمال، فإن الذي يفهم معنى هذه الفقرة يمكنه أن يقول للرب: يا رب، لقد أفنيتهم (أدبتهم) وأبوا قبول التأديب.
3. "صلَّبوا وجوههم أكثر من الصخر".
سوف تُفهم هذه الآية أيضًا من خلال الأشياء المادية. فيوجد من بين الخطاة من يخجلون ويختبئون عند سماعهم لكلمات التوبيخ، فيخضعون لهذه الكلمات التي تؤثر فيهم، ومنهم أيضًا من لا يخجلون من توبيخ تصرفاتهم وخطاياهم التي ارتكبوها. فيمكن أن يقال عن هؤلاء الأخرىن: "صلَّبوا وجوههم أكثر من الصخر".
فإذا كنت قد فهمت هذا بالمعنى المادي، فالتنقل إذًا لنطبقه على النفس، آخذين في اعتبارنا أنها هي الوجه الذي قيل عنه: "(سوف ننظر) وجهًا لوجه" (1كو 13: 12).
فإن النفس أحيانًا تكون صلبة وقاسية مثل نفس فرعون، إلى الدرجة التي فيها تقاوم الإنذارات والتوبيخات، وترفض ما يقال لها بدلاً من أن تترك نفسها لتتشكل من جديد من خلال هذه الإنذارات.
"أبوا الرجوع. أما أنا فقلت إنما هم مساكين. قد جهلوا لأنهم لم يعرفوا طريق الرب قضاء إلههم. أَنطلق إلى العظماء وأكلمهم".
أ. لأن إرميا قد عرف أن هذه الأشياء (التأديبات) تخص الذين لا يريدون أن يتعلموا والذين لا يفهمون شيئًا عن سياط الله، فإنه يقول بشأن موقفهم هذا: "إنما هم (نفوسهم) مساكين".
ب. "أَنطلق إلى العظماء (الأقوياء) وأكلمهم".
الذين هم عظماء وأقوياء في نفوسهم ذكرهم الكتاب بالتطويب. عندما ينشغل إنسان بأعمال عظيمة، ويكون لديه طموحات ذات قيمة، ويضع باستمرار أمام عينيه أهدافًا واضحة ليعيش دائمًا بحسب الحق الصحيح، ولا يريد حتى أن ينظر إلى أي شيء تافه أو صغير، فإن مثل هذا الإنسان تكون عنده القوة والعظمة في النفس. أما هؤلاء الأخرون الذين كانوا "مساكين" فإنهم لم يسمعوا لكلام الرب كما يقول النبي؛ ولكي نكون أكثر تدقيقًا فإنهم لم يسمعوا لأنهم كانوا مساكين.
لهذا، فإنه إذ قيل هذا الكلام لنا نحن أيضًا، فلنصلِ إلى الله حتى نأخذ من عنده قوة وعظمة تمكننا من الاستماع لتلك الكلمات المقدسة، عالمين أن الذين ينطقون بكلمات التوبيخ لا يخسرون شيئًا مثلما يخسر الذين يسمعون ولا يقبلون هذا التوبيخ، والذين يتهمهم إرميا بأنهم مساكين في عقولهم وأفكارهم.
ولإلهنا المجد والقدرة إلى أبد الآبدين آمين.
عظة (7)
تفسير الآيات من:
"وأيضًا في تلك الأيام يقول الرب أفنيكم" (إر 5: 18).
إلى:
"هكذا تعبدون الغرباء في أرض ليست لكم" (إر 5: 19).
1. يتمهل الله في إدانته للذين يستحقون العقاب، حتى يعطيهم فرصة للتوبة. فهو لا يعاقب على الخطية في الحال، ولا يوقع الفناء بالخاطئ، بل يتمهل في العقاب. نجد مثالاً على هذا في سفر اللاويين: في اللعنات التي قيلت للذين يخالفون الشريعة، فبعد الإعلان عن العقوبات الأولي، قيل: "وإن كنتم مع ذلك لا تسمعون لي أزيد على تأديبكم سبعة أضعاف" (لا 26: 18). ثم يذكر أيضًا عقابًا آخر: "وإن كنتم بذلك لا تسمعون لي بل سلكتم معي بالخلاف، فأنا أسلك معكم بالخلاف ساخطًا" (لا 26: 27). من هنا يتضح لنا أن الله يوقع العقوبات ببطءٍ شديدٍ، لأنه يريد أن يقود الخاطئ إلى التوبة بدلاً من أن يجعله يدفع الثمن في الحال.
هذا أيضًا ما حدث مع الشعب، فقد كان الرب يتوعد بالآلام التي سوف تحل به، ثم قال له بعد ذلك: "وأيضًا في تلك الأيام لا أفنيكم".
فإذا كان الفناء لم يحل بهم في نفس وقت خطيتهم، وإنما في وقت لاحق، ففي النهاية أيضًا يكون عقابًا بعد الموت للذين اخطأوا؛ بينما يتمثل عقاب أورشليم وعندما تم سبيها تحت حكم نبوخذنصر.
مع هذا يمكننا أن نعترض، فبالرغم من السبي لم يتم فناؤها، وإنما تم الفناء الحقيقي للشعب عندما جاء ربنا يسوع المسيح. في الواقع، طالما أن المخلص لم يقل لهذا الشعب: "هوذا بيتكم يترك لكم خرابًا"، فإن أورشليم لم تكن خربة؛ وإنما عندما بكي يسوع على أورشليم قائلاً: "يا أورشليم يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها كم مرة أردت أن أجمع اولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها ولم تريدوا. هوذا بيتكم يترك لكم خرابًا" (لو 13: 34)، عندئذ أصبحت أورشليم خربة. "ولقد أحيطت أورشليم بجيوش وكان خرابها قريب" (لو 21: 20). ثم بعد سقوط هذا الشعب كان الخلاص لنا نحن الأمم.
2. لقد تم تأديبهم ولم يأت عليهم الفناء إلا عندما مجيء السيد المسيح. لكني أتساءل إن كان هذا يحدث معنا نحن أيضًا، وإن كانت هناك أنواع عديدة من التأديبات يمكن أن تحل بنا ويوجد من الناس من يكتفي بالضربة الأولي ولا يجرب الثانية، ويوجد آخرون يصلون إلى الضربة الثانية والثالثة بل وحتى إلى الرابعة. فإن العبارة: "أزيد على تأديبكم سبعة أضعاف (ضربات)" تحمل شيئًا من الغموض: توجد ضربة أولى، ثم ثانية ثم ثالثة حتى السابعة لبعض الناس. فليس كل الناس يضربون سبع ضربات، لكنني أعتقد أن البعض يضربون بستة ضربات والبعض بخمس والبعض بأربع والبعض بثلاث أو اثنين أو واحدة. ويعلم الله وحده ما هو المقصود بهذه الضربات.
3. "ويكون حين تقولون لماذا صنع الرب إلهنا بنا كل هذه. تقول لهم كما أنكم تركتموني وعبدتم آلهة غريبة في أرضكم هكذا تعبدون الغرباء في أرض ليست لكم" [19].
يجب علينا أن نفهم المعني الحرفي، ويكفي الآن، كما تقول الآيات، تنشيط ذاكرة الذين يريدون أن يفهموا.
كان بنو إسرائيل يمتلكون الأرض المقدسة، والهيكل، وبيت الصلاة. وكان يجب عليهم أن يقدموا عبادتهم لله، لكنهم خالفوا الشريعة والوصية الإلهية، وعبدوا الأوثان، وكانوا يستقبلون عندهم الأوثان من دمشق كما هو مكتوب في سفر الملوك، وقبلوا أوثانًا أخرى في الأرض المقدسة. وبما أنهم كانوا يستقبلون الأوثان الأممية في أرضهم، استحقوا أن يُطرَحوا في بلاد الأوثان، وأن يهبطوا إلى حيث تُعبَد الأصنام.
لذلك قال الرب لهم: "كما أنكم تركتموني وعبدتم آلهة غريبة في أرضكم هكذا تعبدون الغرباء في أرض ليست لكم". أي أن كل إنسان يتخذ له إلهًا من أي شيء كان، فهو بذلك يعبد آلهة غريبة[13].
هل تُؤلّهِ المأكولات والمشروبات؟ فإن إلهك يكون بطنك.
هل تحسب فضة هذا العالم وغناه خيرًا عظيمًا؟ إذًا المال هو إلهك، حيث قال عنه السيد المسيح أنه سيد الذين يحبون الفضة، حينما قال: "لا تقدرون أن تعبدوا الله والمال، لا يقدر أحد أن يخدم سيدين".
الذي يُقّدِر المال ويُعظِم الغني حاسبًا أنه خير، والذي يُجلِس الأغنياء في صفوف الآلهة ويحتقر الفقراء، يؤله المال.
إذا كان يوجد في أرض الله، التي هي الكنيسة، أناس يعبدون آلهة غريبة بتأليههم لأشياء حقيرة، فسوف يطردون في أرض غريبة، وهناك في تلك الأرض الغريبة فليعبدوا آلهتهم التي كانوا يعبدوها وهم في داخل الكنيسة! فيُطرح الإنسان الجشع خارجًا، خارج الكنيسة! ويُطرح الإنسان النهم خارجًا، خارج الكنيسة!
سوف أقف هنا عند التفسير الرمزي، دون أن أتأمل كيف أن الله في عنايته، بعدما أقام شعبه عبادة في أرض غريبة (أرض الشيطان)، قام بطرده من أرضه الخاصة إلى الأرض التي كتب عنها: "اسمع يا إسرائيل. كيف صرت في أرض عدوّة؟ كيف حُسِبتَ ضمن الهابطين إلى الهاوية؟ أليس لأنك تركت الرب مصدر حياتك. لو كنت قد سلكت في طريق الرب لعشت في سلام إلى الأبد"
إذًا نحن الآن في أرض غريبة، ونتمنى أن نفعل عكس ما فعله بنو إسرائيل في الأرض المقدسة: فهم عبدوا الآلهة الغريبة في الأرض المقدسة، أما نحن ففي الأرض الغريبة نعبد الله الغريب عن الأرض وعن كل ما هو أرضي. لأن الذي يحكم هنا في الأرض هو رئيس هذا العالم (الشيطان)، لذلك فإن الله غريب عن أبناء رئيس هذا العالم. ولكن حينما أقول "غريب" فإنني لا أقصد المعني الخاطئ الذي إذا طبقناه لا يكون الله قد خلق العالم، ولكنني أعني إن الله غريب عن سلطان الظلمة وعن الخطايا الحاضرة. ففي تلك الحالة، إذا أردنا أن نعبد الإله الغريب عن أعمال الخطية، وأن نعبده في أرض الفساد هذه، فماذا نفعل؟ لن نقول:
"كيف نسبح تسبحة الرب في أرض غريبة؟"، وإنما نقول: "كيف نسبح تسبحة الرب دون أن نكون في أرض غريبة؟". نحن نبحث في هذه الأرض الغريبة عن "مكان" نسبح فيه تسبحة الرب، عن "مكان" نستطيع أن نعبد فيه الرب. فما هو هذا المكان؟ لقد وجدته. لقد جاء الرب إلى هذه الأرض حاملاً الجسد الذي به خلصنا. لقد لبس جسد هذا الموت واستطاع به أن يهلك رئيس هذا العالم وأن ينتصر على الخطية، حتى أستطيع أنا أيضًا بدوري، وبنعمة مجيء السيد المسيح في هذا الجسد، أن أعبد الله هنا في هذا "المكان" أي الجسد، ثم أعبده بعد ذلك في الأرض المقدسة. لأنه إذا كنا بعبادتنا للأوثان في الأرض المقدسة قد طردنا إلى أرض غريبة، فإنه بعدما عبدنا الله في الأرض الغريبة نذهب حينئذ إلى الأرض المقدسة في المسيح يسوع الذي له المجد والقدرة إلى أبد الآبدين آمين.
عظة (8)
تفسير الآيات من:
"صانع الأرض بقوته" (إر 10: 12).
إلى:
"بَلِدَ كل إنسان من معرفته" (إر 10: 14).
فلنأخذ هنا ما يمكننا أن نطلق عليه، ثلاث صفات من صفات الله، وهى: قوته وحكمته وفهمه. ينسب النبي إلى كل منهما عمل خاص: للقوة الأرض؛ للحكمة المسكونة؛ للفهم السموات.
يقول "صانع الأرض بقوته، مؤسس المسكونة بحكمته وبفهمه بسط السموات".
بما أننا أرض أي تراب، لأنه قد قيل لآدم: "أنت تراب" فإننا نحتاج إلى قوة الله. وبدون قدرة الله لا نستطيع أن نقوم بأي عمل يفوق قدرات الجسد، لكننا بمجرد أن نميت الأعضاء الأرضية، نقوم بالأعمال التي توافق إرادة الروح، يقول الرسول: "الروح يميت أعمال الجسد".
إذا طبقت هذا الكلام "صانع الأرض بقوته" على الأرض الحقيقية، تجد في سفر أيوب: "أين كنت حين أسست الأرض... من وضع قياسها... أو من مد عليها مطمارًا. على أي شيء قرت قواعدها أو من وضع حجر زاويتها" (أى 38: 4-6). أي أن قوة الله هي التي حافظت على الأرض في توازن كامل وعجيب.
أنتقل أيضُا إلى المسكونة. أنني أعرف ما هي النفس المسكونة وما هي النفس الخالية. إذا كانت النفس لا تحمل الله، إذا كانت لا تحمل السيد المسيح الذي قال: "إن أحبني أحد يحفظ كلامي ويحبه أبي وإليه نأتي وعنده نصنع منزلاً" (يو 14: 23)، وإذا كانت لا تحمل الروح القدس، فإنها تكون خالية. لكنها تكون مسكونة حينما تكون ممتلئة من الآب والابن والروح القدس، توجد أمثلة عديدة في الكتاب المقدس، لوجود الآب والابن والروح القدس في نفس الإنسان.
يطلب داود النبي في مزمور التوبة من الآب أن يمنحه هذه الأرواح: "وبروح مدبر عضدني"، "روحًا مستقيمًا في أحشائي" ، "روحك القدوس لا تنزعه منى". إذًا فمن هم هؤلاء الأرواح الثلاثة؟ الروح المدبر هو الآب، الروح المستقيم هو السيد المسيح الابن، والثالث هو الروح القدس.
قلنا هذا لكي نوضح أن المسكونة لم تخلق إلا بحكمة الله. وذلك بما أن: "الحكمة تجعل الحكيم أقوي من عشرة حكام في المدينة" وأيضًا: "لأن مزدري الحكمة والتأديب شقي. إنما رجاؤهم باطل وأتعابهم بلا ثمرة وأعمالهم لا فائدة فيها" (حك 3: 11)، كما يقول سفر الحكمة لسليمان.
وأيضًا، بما أن المسكونة قد أسست بحكمة الله، فليكن لنا نحن أيضًا الاشتياق أن يقيم الرب ويؤسس مسكونتنا التي ربما تكون قد سقطت.لأن هذه المسكونة التي لنا قد سقطت حينما جئنا في موضع الفساد[14]، وسقطت حينما أخطأنا وابتعدنا عن الرحمة والحق، وكانت محتاجة أن تؤسس.
إذًا الله هو الذي "أسس (أعاد تأسيس) المسكونة". فإذا كنت تأخذ كلمة المسكونة بمعناها الحرفي المادي، فابحث إذًا كيف يمكن أن نقول أن الله قد أعاد تأسيس المسكونة، هل سقطت المسكونة قبل ذلك حتى يعيد الله تأسيسها؟ بينما إذا أخذت كلمة المسكونة بالمعنى الذي أشرت إليه قبلاً، وهو النفس البشرية، فإن كل من يوجد في هذه المسكونة لابد أن يحتاج إلى إعادة تأسيس. وإلا لما احتاج أحد إلى إعادة تأسيس لو لم يكن سقط قبل ذلك.
من المؤكد أن كل الذين في هذه المسكونة قد سقطوا بسبب الخطية ثم أقامهم الرب وأعاد تأسيسهم. "إذ الجميع ماتوا في آدم" هكذا سقطت المسكونة، واحتاجت أن تُؤسس ثانية حتى أنه "في المسيح الجميع يحيون".
وبذلك نكون قد قدمنا تفسيرًا مزدوجًا لـ المسكونة. لقد اوضحنا من جهة كيف أن في كل إنسان تكون نفسه إما مسكونة أو خالية، ومن جهة أخرى أوضحنا معنى إعادة تأسيس المسكونة نفسها.
2. "وبفهمه بسط السموات". لم يختر إرميا كلمة فهم مع السموات اعتباطًا. تجد بالفعل في سفر الأمثال هذه العبارة: "الله في حكمته أسس الأرض وهيأ السموات بفهمه". إذًا يوجد عند الله فهمًا لن تستطيع أن تجده في أي موضع سوى في المسيح يسوع. فإن كل الصفات الإلهية تتمثل في السيد المسيح: فهو حكمة الله؛ وهو قدرة الله؛ وهو عدل الله؛ وهو القداسة؛ وهو الخلاص؛ وهو كذلك فهم الله. فمع كونه واحد مع الآب في الجوهر، إلا أنه يحمل أسماء متعددة تشير إلى أشياء مختلفة. فإنك لا تستوعب نفس المعنى بخصوص السيد المسيح حينما تنظر إليه بكونه الحكمة وحينما تنظر إليه بكونه العدل.
عندما تنظر إليه بكونه الحكمة تفهم من ذلك عِلْمِهِ بالأشياء الإلهية والإنسانية.
وعندما تنظر إليه بكونه العدل تفهم من ذلك قدرته على إعطاء كل ذي حق حقه.
إذا نظرت إليه بكونه القداسة فإنك تفهم من ذلك قدرته على تقديس كل المؤمنين بالرب والمكرسين له.
وبنفس الطريقة أيضًا سوف تدركه بكونه الفهم، فهو العالم بالخير والشر وبما هو ليس خيرًا ولا شرًا.
يوجد هناك انفصال بين الذين يسكنون السماء أو الذين يلبسون الإنسان السماوي وبين الشر، لأن الله في بسطه للسموات فصل الأشياء الفاسدة والأشياء الصالحة، حتى لا يتدنس الإنسان البار الذي يُعتَبَر هو نفسه سماء. فلذلك قيل: "وبفهمه بسط السموات".
كيف إذًا تم بسط السموات؟ الحكمة هي التي تبسطها. تشير هنا الآية إلى كيفية بسط السموات بواسطة الحكمة: "لقد بسطت كلامي وأنتم لم تنتبهوا إليه". فالأمر هنا يتعلق ببسط كلام[15]. بهذه الطريقة تم بسط السموات. وقد قيل أيضًا في المزمور: "الباسط السموات كشقة (كخيمة)" (مز 103 :2). وكذلك نحن أيضًا، فإن نفوسنا التي كانت قبلاً منكمشة، سوف تُبسَط حتى تستطيع أن تستقبل حكمة الله.
نرجع الآن إلى موضوعنا. فقد قلنا كيف أن السموات خلقت بالفهم. وأن الذين لبسوا الإنسان السماوي هم أيضًا سموات. في الواقع بما أنه قيل للخاطئ: "أنت تراب وإلى التراب تعود"، أفلا يمكننا بالأولي أن نقول للبار: "أنت سماء وإلى السماء تعود"؟ كما يقال أيضًا للانسان الترابي الذي يحمل صورة الإنسان الترابي: "أنت تراب وإلى التراب تعود"، أفلا يقال لك إذا كنت تحمل صورة الإنسان السماوي: "أنت سماء وإلى السماء تعود؟". وكل إنسان منا له أعمال سماوية وأخرى أرضية. الأعمال الأرضية هي التي تؤدي إلى الأرض لأنها تحمل الطبيعة الأرضية، مثل ذاك الذي يكنز في الأرض بدلاً من أن يكنز في السماء. وعلى العكس، فإن أعمال الفضيلة تؤدي إلى المواضع التي تحمل نفس طبيعتها أي إلى السموات، فالإنسان الذي يكنز في السماء هو الذي يحمل صورة السماوي.
3. "ويُصعِد السحاب من أقاصي الأرض" (إر 10: 13).
إننا نتساءل: كيف يصعد الله السحاب من أقاصي الأرض؟ قلنا قبل ذلك أن القديسين كانوا سحبًا. لأن العبارة: "لقد بلغت حقوقك إلى السحاب" لا يمكنها أن تنطبق على السحب التي بلا نفس، ولكن حقوق الله تبلغ إلى السحب التي تنصت إلى أوامر الرب وتعرف أين تُسقط مطرها وأين توُقف المطر.
توجد بالفعل سحب يأمرها الله أن تمطر أو أن لا تمطر، هي التي كُتب عنها في إشعياء: "سوف آمر السحاب ألا يسقط عليها مطرًا". أما بالنسبة للسحب المادية في هذا العالم، فإذا لم يكن هناك مطر فإن هذا لا يعني أن الله يأمر السحاب ألا يمطر على تلك البلد، وإنما سبب عدم نزول المطر هو عدم ظهور أية سحابة، كما هو مكتوب في سفر الملوك. ففي وقت الجفاف لم تظهر أية سحابة، ولكن حينما كان يجب أن ينزل المطر بحسب كلام إيليا ظهر السحاب في السماء وأعطي مطرًا.
يوجد سحاب آخر يأخذ الأمر بألا يمطر حينما تكون النفس غير مستحقة للمطر، وهو ما تقوله عنه الآية: "سوف آمر السحاب ألا يسقط عليها مطرًا". إذًا فكل واحد من القديسين يمثل سحابة. لقد كان موسى النبي سحابة، وبما أنه سحابة كان يقول: "أنصتي أيتها السموات فأتكلم ولتسمع الأرض أقوال فمي. يهطل كالمطر تعليمي ويقطر كالندي كلامي" (تث 32: 1-2). فلو لم يكن موسى سحابة لما استطاع أن يقول ذلك. وهو كسحابة يقول أيضًا: "كالطَّل على الكلأ. وكالوابل (الثلج) على العشب. إني باسم الرب أنادي". وبنفس الطريقة يقول إشعياء كسحابةٍ: "اسمعي أيتها السموات وأصغي أيتها الأرض لأن الرب يتكلم" (إش 1: 2). ولأن إشعياء كان سحابة وكان يدعو جميع الذين كانوا يتنبأون معه "سحابًا"، قال في نبوته: "سوف آمر السحاب ألا يسقط عليها مطرًا".
4. فإذا كنا قد فهمنا من هم السحاب، فلننتقل لنرى كيف أن الله "يصعد السحاب من أقاصي الأرض"؟ كيف "من أقاصي الأرض"؟ يقول المخلص: "إذا أراد أحد أن يكون أولاً فيكون آخر الكل وخادمًا للكل" (مر 9: 35). فهم بولس الرسول هذه الوصية وأصبح الأخير في هذا العالم، فيقول: "فإني أرى أن الله أبرزنا نحن الرسل أخرىن كأننا محكوم علينا بالموت، لأننا صرنا منظرًا للعالم للملائكة والناس" (1كو 4: 9). فإذا قام أحد بتنفيذ وصية المخلص السابقة ووضع نفسه الأخير في هذا العالم، يصبح سحابة. الله لا يُصعد السحاب من وسط عظماء هذه الأرض، ولا يُصعد السحاب من وسط الحكماء والرؤساء، ولا يُصعد السحاب من وسط الأغنياء، لأنه: "طوبي للمساكين بالروح فإن لهم ملكوت السموات". أرأيت الآن كيف أن الله يُصعد السحاب من أقاصي الأرض؟ وبالتالي إذا أردنا أن نصير سحابًا تبلغ إليه حقوق الرب، فلنصر آخر الكل، ولنقل بأفعالنا واستعدادنا: "فإني أري أن الله أبرزنا نحن الرسل أخرىن". وحتى إذا لم أكن رسولاً، فإنه يمكنني أن أجلس في الصف الأخير حتى أن الله الذي يُصعد السحاب من أقاصي الأرض، يُصعدني أنا أيضًا.
"صنع بروقا للمطر". يقول خبراء الطبيعة أن البروق تحدث نتيجة لاحتكاك السحب بعضها ببعض. وهو ما يحدث على الأرض بالنسبة للأحجار؛ فإذا ضربنا حجرين ببعضهما البعض تتولد نارًا، أيضًا حينما تصطدم السحب ببعضها أثناء العاصفة يحدث البرق. لذلك أيضًا غالبًا ما تكون البروق مصحوبة بالرعود التي تمثل صوت التصادم بين السحب: فالرعد يحمل صوتًا، والبرق يحمل ضوءً ونوراً.
5. إذا كنت قد فهمت هذا تأمل الآن السحاب الروحي.
كان موسى سحابًا، وكان يشوع بن نون سحابًا، فماذًا حدث؟ تحدثت هذه السحب فيما بينهما، ومن كلماتهم تولد البرق.
كان ارميا سحابًا، وكان باروخ سحابًا، ثم تحدثا مع بعضهما فجاءت البروق من كلماتهم معًا. يمكنك إذا استطعت أن تستخرج من الكتاب المقدس أمثلة مشابهة عن كيفية حدوث البروق. ففي العهد الجديد أيضًا: بولس وسلوانس كانا سحابتين، وعندما تقابلا ظهرت بروق الرسالة[16].
إذًا فإن الله "صنع بروقًا للمطر وأخرج الريح من خزائنه".
هل الرياح الأرضية موجودة في خزائن؟ كيف يمكننا أن نقول ذلك إذا كنا في واقع الأمر لا نعرف ما هي مكونات أو طبيعة هذه الرياح التي تهب على الأرض؟
ومع ذلك فتوجد خزائن للريح، أي خزائن للأرواح: "روح الحكمة والفهم، روح الإرشاد والقوة، روح العلم والرحمة، روح مخافة الرب"
"روح القوة والمحبة والنصح"، ويمكنك أنت أيضًا من خلال الكتاب المقدس أن تُكَوِّن وتُعِد قائمة لهذه الرياح. وهذه الأرواح موجودة في خزائن (كنوز)، فما هي هذه الكنوز؟ "فيه توجد الكنوز الخفية للحكمة والمعرفة"
إذًا هذه
الخزائن موجودة في السيد المسيح: ومنه أيضًا تخرج هذه الرياح، هذه الأرواح، لتصنع
من الواحد حكيمًا، ومن الآخر مؤمنًا، ولتعطى ثالث معرفة، ولرابع محبة الله:
"فإنه لواحد يعطى بالروح كلام حكمة، ولآخر كلام علم بحسب الروح الواحد، ولآخر إيمان
بالروح الواحد"
(1كو 12: 8).
6. نحن أيضًا بنعمة الله، لنا رجاء أن نبلغ إلى هذه الخزائن. حيث توجد خزائن عديدة، فربما يكون هناك أماكن راحة مختلفة في خزائن الله، تبعًا للصف الذي سوف نوجد فيه في القيامة من الأموات[17]. هذا ما أريد أن أقوله: أن القيامة من الأموات ستكون بحسب الصفوف، لأن الرسول يقول: "كل واحد إلى صفه (مكانه) الخاص". بما أن هذه الصفوف لا تكون مختلطة بلا نظام، فإن هذا الصف سيكون في خزينة من خزائن الله، والصف الآخر في خزينة أخرى لله، وهكذا الثالث والرابع. جميع هذه الخزائن توجد في خزينة واحدة، فلذلك يقول بولس الرسول: "فيه توجد الخزائن الخفية للحكمة والمعرفة". كما أنه بامتلاكي اللآلئ الكثيرة استطعت من خلالها (بيعها) أن أحصل على اللؤلؤة الواحدة الكثيرة الثمن، هكذا أيضًا يمكنني أن أبلغ إلى خزينة الخزائن، إلى رب الأرباب وملك الملوك، حينما أصير مستحقًا لنوال الأرواح الخارجة من خزائن الله، لأنه "أخرج الريح من خزائنه".
7. "بَلُدَ كل إنسان من معرفته" أو (صار كل إنسان غبيًا (جاهلا) من المعرفة) [14].
إذا كان إنسان قد صار جاهًلا من المعرفة، وبما أن بولس إنسان، فإنه قد صار جاهًلا من المعرفة لأنه لم يكن يعلم إلا بعض العلم ويتنبأ بعض التنبؤ. صار جاهًلا من المعرفة، لأنه لم يكن يرَى إلا في مرآة، في لغز (1كو 13: 9، 12). لم يدرك ولم يرَ من الأشياء إلا جزًء صغيرًا جدًا. إن التناقض سوف يوضح لنا معنى أن كل إنسان قد صار جاهًلا من المعرفة. توجد خطايا لأورشليم، وتوجد خطايا لسدوم، ولكن بالنسبة للخطايا البشعة التي في أورشليم فإن خطايا سدوم تعتبر برًا؛ وقد قيل بالفعل لأورشليم: "إن سدوم قد تبررت منك (من خلالِك)". وكما أن خطايا سدوم لم تكن برًا وإنما كانت ظلمًا وشرًا، وبما أن الشر بالمقارنة مع شر أكبر يصير برًا، فإنه بمثل هذا التناقض تفهم أيضًا المعرفة: [إن المعرفة التي كانت عند بولس لو قورنت بالمعرفة الأخرى التي في السموات، أي بالمعرفة الكاملة، تصبح جهًلا. لهذا السبب بَلُدَ كل إنسان من معرفته]. ويذكر سفر الجامعة شيئًا مشابهًا حينما يقول: "قلت أكون حكيمًا. أما هي فبعيدة عنى. بعيدُ ما كان بعيدًا والعميقُ العميقُ من يجده".
8. ويعلن الكتاب المقدس: أن الذي أتى إلى هذا العالم أخلى ذاته لكي يهب الامتلاء للعالم؛ وإذا كان الذي جاء إلى العالم قد أخلى ذاته فإنه كان أيضًا هو نفسه "الحكمة"، لأن "جهالة الله أحكم من الناس". لو كنت أنا الذي تكلمت عن جهالة الله، لكنت قد تلقيت سيًلا من عبارات التأنيب والتوبيخ ممن يحبون النزاع والشغب. وبالرغم من أنني قلت قبل ذلك آلاف الأشياء التي يعتبرونها هم أنفسهم صحيحة وصالحة، إلا أنهم كانوا سيوجهون لي العديد من الاتهامات إذا كنت تحدثت عن "جهالة الله" لأن هذا التعبير في رأيهم، موضوع في غير محله. ولكن هوذا بولس الرسول الرجل الحكيم الذي أخذ السلطان الرسولى، هو الذي تجرأ وقال أن كل حكمة الأرض، التي كانت أيضًا موجودة فيه، والتي كانت موجودة في بطرس وجميع الرسل، كل حكمة العالم هي "جهالة الله". وبالفعل، فإن بالمقارنة بهذه الحكمة الأخرى التي لايستطيع أي مكان على الأرض أن يجدها أو أن يستوعبها، بالمقارنة بهذه الحكمة الأخرى التي تفوق السماء والأرض، فإن الحكمة التي جاءت إلينا هي جهالة الله. وكن جهالة الله هذه هي أحكم من الناس. أي ناس؟ إنني لا أتحدث عن المجانيين، وإنما أقصد أن جهالة الله تفوق حكمة الحكماء أنفسهم.
9. والآن وقد عرفنا أن "حكمة هذا العالم هي جهالة أمام الله" وأن الله يُجِّهِل حكمة هذا العالم (1كو 1: 20). فهل إذًا، أن الله في حكمته يجعل حكمة هذا العالم جهالة؟ أو هل حكمة الله تقاس بحكمة العالم حتى توضع هذه الأخيرة في مقارنة معها؟ لا، ولكن يكفي القليل من الأشياء (من الحكمة)، هذا القليل جدًا بما أنه جهالة الله، فإن حكمة العالم سوف تصبح جهلاً أمام الله. فإن حكمة هذا العالم لم تستطع أن تستوعب حكمة الله. فالنأخذ مثالاً حتى نفهم كيف أن جهالة الله جعلت حكمة هذا العالم جهلاً.
فلنفترض أنني أقيس نفسي، أنا الذي أبدو أنني أعرف الكثير من العلم، مع شخص آخر غير ذكي، غير متدين، لا يفهم شيئًا ولا يتناقش في أي موضوع ولم ينل من التعليم إلا القليل. فهل أكون محتاجًا إلى لهجة معينة عند حديثي مع مثل هذا الإنسان، أو إلى أفكار عميقة في حين أن أفكاره غبية وجاهلة؟ ألن أكتفي بكلمة سهلة وبسيطة أقوى قليلاً من كلامه حتى أُسكت (أُفحم) جهله؟
فهكذا أيضًا، حتى تصير حكمة هذا العالم جهالة، ليست هناك حاجة إلى أن تقاس حكمة الله معها، وإنما تكفي فقط جهالة الله لأن "جهالة الله أحكم من الناس". وضعف الله أقوى من الناس".
لقد جعلنا الله أقوياء بضعفه (بضعف السيد المسيح)، جعلنا حكماء بجهالته، حتى إذا ما دخلنا إلى هذا "الضعف" وإلى هذه "الجهالة" نستطيع أن نصل إلى الحكمة وإلى قوة الله ويسوع المسيح الذي له المجد والقدرة إلى أبد الآبدين آمين.
ملحوظة لا يوجد صفحة 50،49
الألوهية السابقة لمجيء المخلص، وبين الألوهية المعلنة من السيد المسيح، أما نحن فإننا لا نعرف إلا رب واحد، قديمًا وحاليًا، ومسح واحد، قديمًا وحاليًا.
هذا بالنسبة للآية: "الكلام الذي صار إلى ارميا من قبل الرب قائًلا". فماذا سنسمع نحن أيضًا من هذا الكلمة؟ "اسمعوا كلام هذا العهد وكلموا رجال يهوذا وسكان أورشليم". رجال يهوذا هم نحن، لأننا مسيحيون، وجاء المسيح من سبط يهوذا. إذا كنت قد أوضحت من خلال الكتاب المقدس أن كلمة يهوذا يُقصَد بها السيد المسيح، فإن رجال يهوذا في هذه الحالة لن يكونوا اليهود الذين لا يؤمنون بالسيد المسيح، وإنما نحن كلناَ الذين نؤمن به.
يخاطب الكلمة "رجال يهوذا" وسكان أورشليم". يتعلق الأمر هنا بالكنيسة، لأن الكنيسة هي مدينة الله، ومدينة السلام، وفيها يتراءى ويعظم سلام الله المعطى لنا إذا كنا أيضًا أبناء سلام. "اسمعوا كلام هذا العهد وكلموا رجال يهوذا وسكان أورشليم. فتقول لهم هكذا قال الرب إله إسرائيل. ملعون الإنسان الذي لا يسمع كلام هذا العهد الذي أمرت به آباءكم". من الذي يسمع أفضل لكلام العهد الذي أمر الله به الآباء؟ أهُم الذين يؤمنون به، أم الذين- بحسب الأدلة الموجودة عندنا- لا يؤمنون حتى بموسى حيث إنهم لم يؤمنوا بالرب؟ ويقول لهم المخلص: "لو كنتم أمَنتم بموسى لآمنتم بي أنا أيضا، لأنه تكلم عنى في كتبه، ولكن إن كنتم لا تؤمنون بكتاباته، فكيف تؤمنون بكلامي؟. إذًا فهؤلاء الناس لم يؤمنوا بموسى، أما نحن، فبإيماننا بَالسيد المسيح، ن}من أيضًا بالعهد الذي أقيم بواسطة موسى، أي "العهد الذي أمرت به آباءكم". إذًا لا تقع هذه اللعنة علينا نحن، وإنما تقع أولئك على أولئك الذين لم يسمعوا كلام العهد الذي أمر به الآباء، "يوم أخرجتهم من أر مصر كور الحديد" نحن أيضًا، أخرجنا الله من أرض مصر[18]، ومن كور الحديد، خاصة إذا فهمنا ما هو مكتوب في سفر الرؤيا، أن الموضوع الذي صلب فيه الرب يُدعى روحيًا سدوم ومصر (رؤ8:11)، إذًا إن كان يدعى روحيًا مصر، فمن الواضح أنه لو فهمت ما هو المقصود بالبلد التي تدعى روحيًا مصر والتي كانت تعيش فيها قبًلا، تكون أنت الذي خرجت من أرض مصر، و يقال لك أيضًا بعد ذلك: "اسمعوا صوتي واعملوا به حسب كل ما آمرتكم به".
بعد ذلك، يوجد وعد من الرب للذين يسمعون كلامه، فإذا فعلوا كل ما أمرهم به: "تكونوا لي شعبًا وأنا أكون لكم إلهًا". ليس كل شعب يَدّعى شعب الله، يكون بالفعل شعبًا لله. أيضا فإن ذلك الشعب الذي كان يتظاهر بأنه شعب الله، ألم يقل له الله: "أنكم لستم شعبي" لأنهم "أغاظوني بإله آخر أغاظوني بأصنامهم، فأنا أيضًا أغيظهم بأمة أخرى، بأمة غبية"
إذًا أصبحنا نحن الآخرون شعبًا لله، قد أُعلن بر الله للشعب الذي سيأتي (سيولد)، أي للشعب القادم من الأمم. في الواقع أن هذا الشعب قد وُلدِ فجأة، وقد قيل في النِبيَ: "هل يولد شعب مرة واحدة" نعم فقد ولد شعب مرة واحدة حينما جاء المخلص، وحينما آمن خمسة آلاف رجل في يوم بالإضافة إلى ثلاثة آلاف نفس في يوم آخر، ويمكننا أن نري شعبًا بأكِمله مولودًا من كلمة الله يسوع المسيح، فقد وَلَدَت العاقر، هذه التي لم تكن قبًلا تنجب، والتي قيل عنها: "ترنمي أيتها العاقر التي لم تلد أشيدي بالترنم أيتها التي لم تمخض لأن بنى المستوحشة (المتوحدة أو الوحيدة) اكثر من بنى ذات البعل" (إش1:54) إنها وحيدة، لأنها كانت محرومة من الشريعة ومن الله، أما الأخرى ذات البعل، أي الأمة اليهودية، فكانت كما هو معروف تتخذ من الشريعة الإلهية زوجًا لها.
فبماذا إذًا يعدني الرب؟ "فتكونوا لي شعبًا وأنا أكون لكم إلهًا". إنه ليس إلهًا للجميع وإنما فقط للذين يهبهم نفسه مجانًا كإله لهم، كما قال لأحد الآباء "أنا هو إلهك"، وقال لآخر: "سأكون إلهك"، وقال أيضًا عن أخرىن: سأكون لهم إلهًا". فمتى نصل نحن أيضًا إلى أن يكون الله إلهنا (إلهًا لنا)؟ لو كنت تريد أن تعرف من هم الناس الذين يكون الرب إلهًا لهم، والذين يعطيهم الرب شرف إضافة أسمائهم إلى أسمه، انظر إلى قوله: "أنا إله إبراهيم وإله اسحق وإله يعقوب": وقد علق السيد المسيح على هذا بقوله: "ليس هو إله أموات بل إله أحياء". من هو الإنسان المائت؟ إنه الخاطئ، أو أي إنسان لا يحمل في داخله الله القائل "أنا هو الحياة" وكذلك كل من يعمل الأعمال المائتة ولم يتب عنها حتى الآن.
إذًا، "بما أن الله ليس إله أموات بل إله أحياء" وبما أننا نعرف أن الإنسان الحي هو الذي يحيا بحسب كلام السيد المسيح ووصاياه ويكون دائمًا ثابتًا فيه، فلو أردنا أن يصير الرب إلهًا لنا، فلنترك عنا أعمال الموت، حتى يتمم لنا وعده: "فتكونوا لي شعبًا وأنا أكون لكم إلهًا لأقيم الحلف الذي حلفت لآبائكم أن أعطيهم أرضًا تفيض لبنًا وعسًلا". تأمل هذه الكلمات، فإن الرب يتحدث هنا كما لو يكن قد أعطاهم بعد هذه الأرض التي تفيض لبنًا وعسًلا. في الواقع أن هذه الأرض التي أخذوها ليست هي التي كان الله يقصدها حينما قال أرضًا تفيض لبنًا وعسًلا، وإنما الأمر يتعلق بأرض أخرى قال عنها الرب في تعاليمه: "طوبى للودعاء لأنهم يرثون الأرض"
بعد هذا، وإجابة على قول الرب: "ملعون الإنسان الذي لا يسمع كلام هذا العهد"، يقول النبي: "فأجبت وقلت أمين يا رب "، ما معنى كلمة آمين يا رب؟ أي : آمين يا رب أن الذي لا يسمع كلام هذا العهد يصير ملعونًا. "فقال الرب لي: ناد بكل هذا الكلام في مدن يهوذا وفى شوارع أورشليم (خارج أورشليم)"- فنحن ننادى بكلام الرب حتى هم في الخارج لندعوهم إلى الخلاص. "قائًلا. اسمعوا كلام هذا العهد واعملوا به... فلم يسمعوا... ولم يصنعوه. وقال الرب لي: توجد فتنة بين رجال يهوذا وسكان أورشليم". ألا يجب علينا نحن بالأولى أن نتوب عن خطايانا، بكوننا رجال يهوذا، أي رجال السيد المسيح، كما سبق لنا القول. وحيث أنه يوجد بيننا أناس خاطئون وأناس يسلكون بحسب الباطل، قال النبي: "توجد فتنة بين رجال يهوذا وسكان أورشليم" "قد رجعوا إلى آثام آبائهم الأولين" رجعوا إلى آثام من؟ إنه لم يقل مجرد "آثام آبائهم" وإنما أضاف كلمة الأولين. لقد قلنا أن هذا الكلام موجه لنا وللخطاة الموجودين بيننا. فكيف رجع هؤلاء الخطاة – ليس إلى آثام أبائهم فقط بل- إلى آثام آبائهم الأولين؟ أليس لأن لنا نوعين من الآباء، منهم نوع فاسد. لأننا قبل أن نقبل الإيمان كنا أولادًا للشيطان، كما يوضحه الإنجيل "أنتم من أب هو إبليس"، ثم عندما آمنًّا صرنا أولاد الله. إذًا ففي كل مرة تخطئ، فإننا نرجع إلى آثام آبائنا الأولين. وحتى نوضح أن آبائنا نوعان استعين بالمزمور45، حينما يقول: "اسمعي يا ابنتي وانظري وأميلي أذنيك وانسي شعبك وبيت أبيك"، بما أنه يقول لها "اسمعي يا ابنتي" إذًا فهو أبوها، فكيف إذًا يقول أب لابنته "إنسي بيت أبيك"؟ إذًا الآباء نوعان، وانسي بيت أبيك، أي أبيك الأول؛ إذا عدت للخطايا بعد أن تكوني قد نسيتي بيت أبيك الأول، فإنك بذلك تكوني بهذه الآية: "قد رجعوا إلى آثام آبائهم الأولين".
قلت إن الشيطان كان أبانا، قبل أن يصير الله أبانا- إذا لم يكن الشيطان أبانا حتى الآن!- هذا نوضحه أيضًا من خلال رسالة القديس يوحنا: " من يفعل الخطية فهو من إبليس (فهو مولود من إبليس)" (1يو8:3). وبما أن كل من يفعل الخطية هو مولود من إبليس، كأننا مولودين من الشيطان عدة مرات حسب كل مرة نخطئ فيها. إذًا، فمسكين الإنسان الذي يولد من الشيطان بلا توقف، وطوبى لإنسان الذي يولد من الله باستمرار. أنني في الواقع، لا أقول أن البار يولد من الله مرة واحدة فقط طوال حياته، ولكنه يولد من الله باستمرار في كل عمل صالح يقوم به.
وعندما أوضح ذلك بخصوص المخلص، كيف أن الأب لم يلد الابن بطريقة تجعله (أي الابن) يحتاج أن يولد منه مرة أخرى بعد ذلك، وإنما هو يلده باستمرار، فكهذا أيضًا بالنسبة الإنسان البار. لنرى ما هو مخلصنا: إنه يشع مجدًا، إن إشعاع المجد لم يحدث (لم يولد) مرة واحدة للأبد، وإنما طالما يتولد منه النور، فإن مجد الرب يشع باستمرار. أن مخلصنا هو حكمة الله؛ والحكمة هي "إشعاع النور الأبدي". فإذا كان المخلص مولودًا باستمرار من الأب، فهكذا أنت أيضًا إذا كان عندك روح التبني. فإن الله يلدك باستمرار في المسيح عند كل عمل من أعمالك وعند كل فكر من أفكارك. وهكذا بميلادك تصير أبنًا لله بلا توقف، مولودًا في المسيح الذي له المجد والقدرة إلى أبد الآبدين آمين.
عظة (9)
تفسير الآيات من:
"الكلام الذي صار إلى إرميا من قِبل الرب قائلاً. اسمعوا كلام هذا العهد" (إر 11: 1).
إلى:
"قد رجعوا إلى آثام آبائهم الأولين" (إر 11: 10).
1. إذا تأملنا في قصة مجيء ربنا يسوع المسيح كما وصفتها الكتب التاريخية، فإن مجيئه كان في جسد، كان مجيئًا لمرة واحدة فقط خلالها أنار العالم كله: "والكلمة صار جسدًا وحل بيننا". لقد كان بالفعل "النور الحقيقي الذي ينير لكل إنسان آتيًا إلى العالم، كأن في العالم، وكوّن العالم به، ولم يعرفه العالم. إلى خاصته جاء وخاصته لم تقبله". ومع ذلك يجب أن نعرف أنه جاء أيضًا قبل ذلك، وإن لم يكن بالجسد، في كل من القديسين، كما أنه بعد مجيئه المنظور بالجسد يأتي إلينا أيضًا الآن.
إذا كنت تريد دليلاً على هذا، فانصت إلى هذه الكلمات: "الكلام (الكلمة) الذي صار إلى إرميا من قِبل الرب قائلاً. اسمعوا".
ماهي إذًا تلك الكلمة التي صارت إلى إرميا أو إلى إشعياء أو حزقيال أو إلى غيرهم من الأنبياء، من قبل الرب، إلا الكلمة الذي كان عند الله منذ البدء؟ فبالنسبة لي، فإنني لا أعرف كلمة أخرى للرب، إلا التي قال عنها يوحنا الانجيلي: "في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله".
يجب علينا أيضًا أن نعرف هذا: أن مجيء الكلمة كان أيضًا على مستوى شخصي. لأنه ماذا يفيدني إن كان الكلمة قد جاء إلى العالم، بينما أنا لا أحمله؟ ولكن على العكس، فحتى لو لم يكن قد جاء بعد إلى العالم كله، وكنت أنا مثل الأنبياء، فسوف يجيء إليّ الكلمة. وسأقول مؤكِدًا أن السيد المسيح قد جاء إلى موسى وإلى إرميا وإلى إشعياء وإلى كل واحد من الأبرار، وأن الكلمة التي قالها لتلاميذه: "ها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر" قد تحققت بالفعل قبل مجيئه. أو كيف كان لهؤلاء الأنبياء أن ينطقوا بكلام الله إن لم تكن كلمة الله قد جاءت إليهم؟
من الضروري أن نعرف هذه الأشياء، خاصة بالنسبة لنا، نحن شعب الكنيسة، بما أننا نريد أن يكون رب الشريعة ورب الانجيل هو رب واحد، وأن يكون مسيحنا هو هو أمس واليوم وإلى الأبد. حيث يوجد أناس يقومون بعملية فصل –ليس لها أساس إلا في عقولهم- بين الألوهية السابقة لمجيء المخلص، وبين الألوهية المعلنة من السيد المسيح، أما نحن فإننا لا نعرف إلا رب واحد، قديمًا وحاليًا، ومسيح واحد، قديمًا وحاليًا.
هذا بالنسبة للآية: "الكلام الذي صار إلى ارميا من قبل الرب قائًلا". فماذا سنسمع نحن أيضًا من هذا الكلام؟ "اسمعوا كلام هذا العهد وكلموا رجال يهوذا وسكان أورشليم". رجال يهوذا هم نحن، لأننا مسيحيون، وجاء المسيح من سبط يهوذا. إذا كنت قد أوضحت من خلال الكتاب المقدس أن كلمة يهوذا يُقصَد بها السيد المسيح، فإن رجال يهوذا في هذه الحالة لن يكونوا اليهود الذين لا يؤمنون بالسيد المسيح، وإنما نحن كلناَ الذين نؤمن به.
2. يخاطب الكلمة "رجال يهوذا" و"سكان أورشليم".
يتعلق الأمر هنا بالكنيسة، لأن الكنيسة هي مدينة الله، ومدينة السلام، وفيها يتراءى ويعظم سلام الله المعطى لنا إذا كنا نحن أيضًا أبناء سلام.
"اسمعوا كلام هذا العهد وكلموا رجال يهوذا وسكان أورشليم. فتقول لهم هكذا قال الرب إله إسرائيل. ملعون الإنسان الذي لا يسمع كلام هذا العهد الذي أمرت به آباءكم".
مَن الذي يسمع أفضل لكلام العهد الذي أمر الله به الآباء؟ أهُم الذين يؤمنون به، أم الذين -بحسب الأدلة الموجودة عندنا- لا يؤمنون حتى بموسى حيث إنهم لم يؤمنوا بالرب؟ ويقول لهم المخلص: "لو كنتم أمَنتم بموسى لآمنتم بي أنا أيضا، لأنه تكلم عنى في كتبه، ولكن إن كنتم لا تؤمنون بكتاباته، فكيف تؤمنون بكلامي؟". إذًا فهؤلاء الناس لم يؤمنوا بموسى، أما نحن، فبإيماننا بَالسيد المسيح، نؤمن أيضًا بالعهد الذي أقيم بواسطة موسى، أي "العهد الذي أمرت به آباءكم".
إذًا لا تقع هذه اللعنة علينا نحن، وإنما تقع أولئك على أولئك الذين لم يسمعوا كلام العهد الذي أمر به الآباء، "يوم أخرجتهم من أرض مصر كور الحديد". نحن أيضًا، أخرجنا الله من أرض مصر[19]، ومن كور الحديد، خاصة إذا فهمنا ما هو مكتوب في سفر الرؤيا، أن الموضع الذي صلب فيه الرب يُدعى روحيًا سدوم ومصر (رؤ 11: 8)، إذًا إن كان يدعى روحيًا مصر، فمن الواضح أنه لو فهمت ما هو المقصود بالبلد التي تدعى روحيًا مصر والتي كنت تعيش فيها قبًلا تكون أنت الذي خرجت من أرض مصر، و يقال لك أيضًا بعد ذلك: "اسمعوا صوتي واعملوا به حسب كل ما آمركم به".
بعد ذلك، يوجد وعد من الرب للذين يسمعون كلامه؛ فإذا فعلوا كل ما أمرهم به: "تكونوا لي شعبًا وأنا أكون لكم إلهًا". ليس كل شعب يَدّعى شعب الله، يكون بالفعل شعبًا لله. فإن ذلك الشعب الذي كان يتظاهر بأنه شعب الله، ألم يقل له الله: "أنكم لستم شعبي" لأنهم: "أغاظوني بإله آخر، أغاظوني بأصنامهم، فأنا أيضًا أغيظهم بأمة أخرى، بأمة غبية"
3. إذًا أصبحنا نحن الآخرون شعبًا لله، قد أُعلن بر الله للشعب الذي سيأتي (سيولد)، أي للشعب القادم من الأمم.
في الواقع أن هذا الشعب قد وُلدِ فجأة، وقد قيل في النِبيَ: "هل يولد شعب مرة واحدة"، نعم فقد ولد شعب مرة واحدة حينما جاء المخلص، وحينما آمن خمسة آلاف رجل في يوم بالإضافة إلى ثلاثة آلاف نفس في يوم آخر، ويمكننا أن نري شعبًا بأكِمله مولودًا من كلمة الله يسوع المسيح؛ فقد وَلَدَت العاقر، هذه التي لم تكن قبًلا تنجب، والتي قيل عنها: "ترنمي أيتها العاقر التي لم تلد. أشيدي بالترنم أيتها التي لم تمخض لأن بنى المستوحشة (المتوحدة أو الوحيدة) أكثر من بنى ذات البعل" (إش 54: 1). إنها وحيدة، لأنها كانت محرومة من الشريعة ومن الله، أما الأخرى ذات البعل، أي الأمة اليهودية، فكانت كما هو معروف تتخذ من الشريعة الإلهية زوجًا لها.
فبماذا إذًا يعدني الرب؟ "فتكونوا لي شعبًا وأنا أكون لكم إلهًا". إنه ليس إلهًا للجميع، وإنما فقط للذين يهبهم نفسه مجانًا كإله لهم، كما قال لأحد الآباء: "أنا هو إلهك"، وقال لآخر: "سأكون إلهك"، وقال أيضًا عن أخرىن: "سأكون لهم إلهًا". فمتى نصل نحن أيضًا إلى أن يكون الله إلهنا (إلهًا لنا)؟ لو كنت تريد أن تعرف من هم الناس الذين يكون الرب إلهًا لهم، والذين يعطيهم الرب شرف إضافة أسمائهم إلى اسمه، انظر إلى قوله: "أنا إله إبراهيم وإله اسحق وإله يعقوب"، وقد علق السيد المسيح على هذا بقوله: "ليس هو إله أموات بل إله أحياء". من هو الإنسان المائت؟ إنه الخاطئ، أو أي إنسان لا يحمل في داخله الله القائل: "أنا هو الحياة"، وكذلك كل من يعمل الأعمال المائتة ولم يتب عنها حتى الآن.
إذًا، بما أن الله "ليس إله أموات بل إله أحياء"، وبما أننا نعرف أن الإنسان الحي هو الذي يحيا بحسب كلام السيد المسيح ووصاياه ويكون دائمًا ثابتًا فيه، فلو أردنا أن يصير الرب إلهًا لنا، فلنترك عنا أعمال الموت، حتى يتمم لنا وعده: "فتكونوا لي شعبًا وأنا أكون لكم إلهًا لأقيم الحلف الذي حلفت لآبائكم أن أعطيهم أرضًا تفيض لبنًا وعسًلا"؛ تأمل هذه الكلمات، فإن الرب يتحدث هنا كما لو يكن قد أعطاهم بعد هذه الأرض التي تفيض لبنًا وعسًلا. في الواقع أن هذه الأرض التي أخذوها ليست هي التي كان الله يقصدها حينما قال أرض تفيض لبنًا وعسًلا، وإنما الأمر يتعلق بأرض أخرى قال عنها الرب في تعاليمه: "طوبى للودعاء لأنهم يرثون الأرض".
4. بعد هذا، وإجابة على قول الرب: "ملعون الإنسان الذي لا يسمع كلام هذا العهد"، يقول النبي: "فأجبت وقلت أمين يا رب"، ما معنى كلمة آمين يا رب؟ أي : آمين يا رب أن الذي لا يسمع كلام هذا العهد يصير ملعونًا. "فقال الرب لي: ناد بكل هذا الكلام في مدن يهوذا وفى شوارع أورشليم (وخارج أورشليم)" -فنحن ننادى بكلام الرب حتى للذين هم في الخارج لندعوهم إلى الخلاص- "قائًلا. اسمعوا كلام هذا العهد واعملوا به... فلم يسمعوا... ولم يصنعوه. وقال الرب لي: توجد فتنة بين رجال يهوذا وسكان أورشليم". ألا يجب علينا نحن بالأولى أن نتوب عن خطايانا، بكوننا رجال يهوذا، أي رجال السيد المسيح، كما سبق لنا القول. وحيث أنه يوجد بيننا أناس خاطئون وأناس يسلكون بحسب الباطل، قال النبي: "توجد فتنة بين رجال يهوذا وسكان أورشليم" "قد رجعوا إلى آثام آبائهم الأولين". رجعوا إلى آثام من؟ إنه لم يقل مجرد "آثام آبائهم" وإنما أضاف كلمة الأولين.
لقد قلنا أن هذا الكلام موجه لنا وللخطاة الموجودين بيننا. فكيف رجع هؤلاء الخطاة –ليس إلى آثام أبائهم فقط بل- إلى آثام آبائهم الأولين؟ أليس لأن لنا نوعين من الآباء، منهم نوع فاسد. لأننا قبل أن نقبل الإيمان كنا أولادًا للشيطان، كما يوضحه الانجيل "أنتم من أب هو إبليس"، ثم عندما آمنًّا صرنا أولاد الله. إذًا ففي كل مرة نخطئ، فإننا نرجع إلى آثام آبائنا الأولين. وحتى نوضح أن آبائنا نوعان استعين بالمزمور45، حينما يقول: "اسمعي يا ابنتي وانظري وأميلي أذنيك وانسي شعبك وبيت أبيك"، بما أنه يقول لها "اسمعي يا ابنتي" إذًا فهو أبوها، فكيف إذًا يقول أب لابنته "إنسي بيت أبيك"؟ إذًا الآباء نوعان، وانسي بيت أبيك، أي أبيك الأول؛ إذا عدت للخطايا بعد أن تكوني قد نسيتي بيت أبيك الأول، فإنك بذلك تكوني أنتِ المقصودة بهذه الآية: "قد رجعوا إلى آثام آبائهم الأولين".
قلت إن الشيطان كان أبانا، قبل أن يصير الله أبانا -إذا لم يكن الشيطان أبانا حتى الآن!- هذا نوضحه أيضًا من خلال رسالة القديس يوحنا: " من يفعل الخطية فهو من إبليس (فهو مولود من إبليس)" (1يو 3: 8). وبما أن كل من يفعل الخطية هو مولود من إبليس، كأننا مولودين من الشيطان عدة مرات حسب كل مرة نخطئ فيها. إذًا، فمسكين الإنسان الذي يولد من الشيطان بلا توقف، وطوبى للانسان الذي يولد من الله باستمرار. أنني في الواقع، لا أقول أن البار يولد من الله مرة واحدة فقط طوال حياته، ولكنه يولد من الله باستمرار في كل عمل صالح يقوم به.
وعندما أوضح ذلك بخصوص المخلص، كيف أن الآب لم يلد الابن بطريقة تجعله (أي الابن) يحتاج أن يولد منه مرة أخرى بعد ذلك، وإنما هو يلده باستمرار، فكهذا أيضًا بالنسبة للانسان البار. لنرى ما هو مخلصنا: إنه يشع مجدًا، إن إشعاع المجد لم يحدث (لم يولد) مرة واحدة للأبد، وإنما طالما يتولد منه النور، فإن مجد الرب يشع باستمرار. أن مخلصنا هو حكمة الله؛ والحكمة هي "إشعاع النور الأبدي". فإذا كان المخلص مولودًا باستمرار من الآب، فهكذا أنت أيضًا إذا كان عندك روح التبني، فإن الله يلدك باستمرار في المسيح يسوع عند كل عمل من أعمالك وعند كل فكر من أفكارك. وهكذا بميلادك تصير أبنًا لله بلا توقف، مولودًا في المسيح يسوع الذي له المجد والقدرة إلى أبد الآبدين آمين.
عظة (10)
تفسير الآيات من:
"والرب عرًّفني فعرفتُ" (إر 11: 18)
إلى:
"اجمعوا كل حيوانِ الحقل. ايتوا بها للأكل" (أر 12: 9).
1. إذا كان الكلام الموجود في الناموس والأنبياء والإناجيل والرسل، هو كلام الله، إذًا فإن الإنسان الذي يتعلم من هذا الكلام، يجب أن يخص الله بلقب "معلم". لأن الذي يُعَلّم الإنسان المعرفة هو الرب، كما جاء في المزمور(93: 10).
ويؤكد المخلص أننا لا يجب أن نعطى لقب "معلم" لأي إنسان على الأرض: "فلا تدعوا سيدي لأن معلمكم واحد هو المسيح" (مت 23: 8-9). وفى الواقع، فإن الآب الذي في السموات هو الذي يُعَلّم: إما نفسه، أو بواسطة الابن السيد المسيح أو بالروح القدس، أو أيضًا بواسطة بولس أو بطرس أو أي من القديسين الأخرىن، بشرط أن يأتي روح الرب وكلمته لُيعَلّموا. لماذا قلت هذا؟ لأن النبي يقول بالتحديد: "والرب عرَّفني فعرفتُ" أو "عرّفني يا رب فأعرف".
لأنني لن أعرف شيئًا إذا لم تُعَرِفني أنت، ولكن إذا كنتَ قد عُرَفت لأنك عَرَّفتني "فحينئذٍ" سوف أرى "أفعالهم"، وسوف أفهمهم سلوكهم ونياتهم.
هذا ما يقوله النبي. فلننظر بعد ذلك ما يقوله المخلص على لسان النبي: "وأنا كخروف داجن يساق إلى الذبح ولم أعلم. أنهم فكروا علىّ أفكارًا قائلين لنهلك الشجرة بثمرها، ونقطعه من أرض الأحياء فلا يُذكر بعد أسمه" (إر 11: 19). وأيضًا يقول إشعياء النبي عن المسيح: "كشاةِ تساق إلى الذبح وكنعجة صامتة أمام جازيها فلم يفتح فاه" (إش 53: 7). في هذه الآية الأخيرة، فإن إشعياء هو الذي يتحدث عن السيد المسيح، أما في الآية الأولى التي سبقتها، فإن السيد المسيح هو الذي يتكلم عن نفسه: "وأنا كخروف داجن يساق إلى الذبح ولم أعلم"، فهو لم يذكر ما هو الشيء الذي لا يعلمه. فهو لم يقل: "ولم أعلم الخير" أو "ولم أعلم الشر" أو "لم أعلم الخطية"، وإنما قال فقط "ولم أعلم". وهو بذلك ترك لك مهمة البحث عن الشيء الذي لم يعلمه. ولكي تعرف ذلك الشيء، تأمل هذه العبارة: "لأنه جعل الذي لم يعرف خطية، خطية لأجلنا" (2كو 5: 21).
لأن معرفة الخطية معناها السقوط فيها، تمامًا مثل معرفة الحق أي ممارسته. فإن الإنسان الذي يتحدث عن الحق ولا يمارسه فإنه لم يعرف الحق.
2. "أنهم فكروا علىّ أفكارّا قائلين لتهلك الشجرة بثمرها"
إن كان اليهود قد صلبوه، فإن هذا أمر مفروغ منه، ونحن نعلنه بكل تأكيد؛ ولكن كيف نعلمه؟ أو نربط بين هذا الأمر وبين العبارة: "أنهم فكروا علىّ أفكارًا قائلين لنهلك الشجرة بثمرها" أو "انهم فكروا علىّ أفكارًا قائلين هلموا نلقى خشبًا في خبزه" (بحسب الترجمة الفرنسية). إنه موضوع يصعب فهمه! إن خبز السيد المسيح هو الكلمة والتعاليم التي نتغذى بها، واليهود حينما رأوه يُعَلِم بين الشعب أرادوا أن يفسدوا تعاليمه بصلبهم إياه، فقالوا: "لنلقى خشبًا في خبزه". فإن إضافة صلب السيد المسيح إلى تعاليمه هي بمثابة إلقاء خشبًا في خبزه. فإن هؤلاء الناس حينما اجتمعوا فيما بينهم ليتآمروا عليه قالوا: "هلموا نلقى خشبًا في خبزه". أما أنا فإن لي أيضًا -إلى جانب ذلك- رأى مختلف وهو: أن الخشب الملقى في خبزه جعل هذا الخبز أكثر قوة وفاعلية. وسأذكر مثال عل ذلك من شريعة موسى: فإن العصا "الخشب" المطروحة في المياه المرة جعلتها عذبة (خر 15: 25). كذلك فإن "خشبه" حب السيد المسيح حينما أضيفت إلى تعاليمه جعلت خبزه أكثر عذوبة ورقة. وبالفعل فإنه قبل أن يضاف "الخشب" إلى خبزه"، أي في فترة تعاليمه التي سبقت الصليب، فإن أقواله لم تبلغ إلى أقصى المسكونة (مز 19: 5). ولكن بعدما أخذ "الخبز" قوة من خلال "الخشب" المطروح فيه، فإن أقوال تعاليمه بلغت إلى كل المسكونة. إن الخشب قديمًا كان رمزًا لمحبة السيد المسيح التي بها صار الماء المر عذبًا، لأنني اعتقد أن الناموس إذا لم يفهم بالمعنى الروحي فإنه يكون "ماء مر"، ولكن بمجيء خشب صلب السيد المسيح وبمجيء تعاليمه، فإن ناموس موسى أصبح عذبًا وحلوا.
3. ثم بعد هذا القول، يضيفون: "ونقطعه من أرض الأحياء فلا يذكر بعد اسمه". وهكذا فانهم قتلوه بهدف محو اسمه. ولكن السيد المسيح كان يَعْلَم كيف ولماذا يموت. فقد قال عن ذلك : "إن لم تقع حبة الحنطة في الأرض وتمت فهي تبقى وحدها. ولكن إن ماتت تأتى بثمر كثير" (يو 12: 24). لذلك فإن موت السيد المسيح أصبح مثل حبة الحنطة التي أتت بأثمار كثيرة مضاعفة. وكذلك فإن السيد المسيح لو لم يكن قد صلب ومات فإن حبة الحنطة كانت ستبقى وحدها ولا كانت الجموع أثمرت منه وتبعته. أما موته فقد أعطى ثمارًا تتمثل في جميع المسيحيين. فإذا كان الموت قد جاء بكل تلك الثمار، فكم تكون بالأكثر القيامة!
4. "فيا رب الجنود القاضي العدل فاحص الكلى والقلب دعني أرى انتقامك منهم". فهو في نبوته يتمنى: أن يرى انتقام الله منهم، فإن أورشليم كانت محاطة بجيوش وكان خرابها قريب (لو 21: 20). وقد قيل لأورشليم أيضًا "هوذا بيتكم يترك لكم خرابًا" (مت 23: 38).
" فيا رب الجنود القاضي العدل فاحص الكلى والقلب دعني أرى انتقامك منهم لأني لك كشفت دعواي. لذلك هكذا قال الرب عن أهل عناثوث الذين يطلبون نفسك قائلين لا تتنبأ باسم الرب فلا تموت بأيدينا. لذلك هكذا قال رب الجنود: ها أنذا أعاقبهم. يموت الشبان بالسيف ويموت بنوهم وبناتهم بالجوع ولا تكن لهم بقية لأني أجلب شرًا على أهل عناثوث سنة عقابهم".
إن اسم عناثوث يؤخذ بالمعنى الرمزي وهو يشير إلى اليهود. و"عناثوث" بحسب ترجمة الأسماء العبرية تترجم "مختار". فإن الشعب اليهودي كان هو شعب الله المختار، وكان ملكوت الله أيضًا عندهم. وبخصوص هذا الملكوت فقد تحققت الكلمات: "إن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لأمة تعمل أثماره" (مت 21: 43). وفى هذا أيضًا تحققت الكلمات أن "أهل عناثوث" الشعب المختار، "يطلبون نفسه"، ليس نفس إرميا -لأن التاريخ لا يذكر أن أهل عناثوث كانوا يطلبون نفس إرميا. وفى كتاب سفر الملوك فقد تم الحديث عن إرميا بينما لم يُذكَر عنه مثل هذا الكلام؛ بل وحتى في سفر إرميا نفسه الذي بين أيدينا، لا نجد تهديد قاله أهل عناثوث لإرميا- وإنما قيل هذا الكلام عن السيد المسيح.
"الذين يطلبون نفسك قائلين: لا تتنبأ باسم الرب"، فلقد منع اليهود السيد المسيح من أن يعلم، "فلا تموت بأيدينا. لذلك هكذا قال رب الجنود ها أنذ أعاقبهم. يموت الشبان بالسيف ويموت بنوهم وبناتهم بالجوع". إنهم لم يهلكوا بالسيف في عهد إرميا وإنما الآن، بعد الخراب، فقد حل أيضًا الجوع عليهم، ليس جوعًا إلى الخبز ولا عطشًا إلى الماء، بل لسماع كلمة الرب (عاموس 8: 11). فإن العبارة التي كثيرًا ما تكررت، وهى "هكذا قال رب الجنود" لم تعد تقال بعد لهم. فالجوع يتمثل في أنه لم تعد توجد عندهم نبوات ولا حتى تعاليم. فإن كلمة الرب قد نزعت من عندهم، حيث تحققت الكلمات: "فإنه هوذا السيد رب الجنود ينزع من أورشليم ويهوذا السند والركن، كل سند خبز وكل سند ماء. الجبار ورجل الحرب. القاضي والنبي والعرَّاف والشيخ. رئيس الخمسين والمعتبر والمشير والماهر بين الصناع والحاذِق بالرقية" (إش 3: 1-3).
لم يعد أحد من بينهم يستطيع أن يقول: "كبَنَّاء حكيم قد وَصَنعْتُ أساسًا" (1كو 3: 10). لقد مضى البناءون وعبروا على الكنيسة، ووضعوا السيد المسيح "كأساس" لها، وأولادهم أيضًا بنوا عليه[20].
5. إذًا، فلقد ترك هذا الشعب وهو في حالة "جوع"، لأنه مكتوب:
"لأني أجلب الشر على أهل عناثوث سنة عقابهم. أبرّ أنت يا رب من أن أخاصمك. لكن أكلمك من جهة أحكامك. لماذا تنجح طريق الأشرار؟ اطمأن كل الغادرين غدرًا". ونحن إذ نرى أن طرق الأشرار ناجحة وأن الله لا يعاقبهم، وأن كل الغادرين مطمئنين، نتساءل في حيرة: هل الله الذي أعطى الناموس والأنبياء هو كل ذلك إله صالح؟ فإنه حتى الذين يجدفون على الإله خالق الكون[21] يعيشون "مطمئنين". "غرستهم فأصَّلوا نموا وأثمروا ثمرًا" (إر 12: 1-2). فكم من ثمار جاءت من Marcion ! وكم من ثمار جاءت من Basilide ! وأيضًا من Valentin !
"أنت قريب من فمهم وبعيد من كلاهم"، فهم يعرفون جيدًا أن ينطقوا اسم يسوع، ولكنه ليس في داخلهم لأنهم لا يعترفون به بحسب الإيمان الصحيح.
"وأنت يا رب عرفتني رأيتني واختبرت قلبي من جهتك. أفرزهم كغنم للذبح. خصصهم (طهرهم) ليوم القتل". يقصد بالتطهير عقاب هؤلاء الناس، أي : "طهرهم بقتلك إياهم"، لأن "الذي يحبه يؤدبه ويجلد كل ابن يقبله" (عب 12: 6؛ أم 3: 11).
6. "حتى متى تنوح الأرض وييبس عشب كل الحقل من شر الساكنين فيها؟" يتحدث النبي هنا كما لو كانت الأرض كائنًا حيًا، حيث يقول إنها تنوع من شر الذين يمشون فوقها.
الأرض بالنسبة لكل واحد منا تكون إما نائحة بسبب شرنا، وإما متهللة بسبب فضائلنا. وما يقال بالنسبة للأرض يقال بلا شك بالنسبة لكل الأشياء. فبالمثل يمكنني أن أقول: أن الماء والملاك المسئول عنه يتهللون أو ينوحون؛ فيجب علينا أن نعرف أنه حتى يتم تنظيم وإدارة الكون كله، يوجد ملاك مسئول عن الأرض، وآخر مسئول عن الماء، وآخر عن الهواء وآخر عن النار[22]. ارتفع بعقلك[23] لتتأمل النظام السائد عند الحيوانات والنباتات والكواكب السمائية؛ فإنه يوجد ملاك مسئول حتى عن الشمس وآخر مسئول عن القمر وأخرىن عن النجوم[24].
كل هؤلاء الملائكة الذين يرافقوننا طوال حياتنا على الأرض، إما أنهم يفرحون لنا أو ينوحون عندما نخطئ.
يقول إرميا أن الأرض تنوح بسبب الساكنين فيها: ويقصد بكلمة "أرض" أي الملاك الساكن فيها، فإنه أيضًا قيل: "أما الخشب المصنوع صنمًا فملعون هو وصانعه" (حك 14: 8)، ليس أن اللعنة تقع على الشيء الجامد نفسه، وإنما يقصد بكلمة "صنمًا" أي الشيطان الساكن فيه، والذي يتخذ من "الصنم" اسمًا له. وبنفس الطريقة أستطيع أن أقول أن "الأرض" يقصد بها الملاك المسئول عن الأرض، و"الماء" الملاك المسئول عن الماء، والذي كتب عنه: "أبصَرَتَك المياه يا الله أبصرتك المياه ففزعت. ارتعدت أيضًا اللجج. سكبت الغيوم مياهًا أعطت السحب صوتًا. أيضًا سهامك طارت" (مز 77: 17-18).
7. "قد تركت بيتي. رفضت ميراثي. دفعت حبيبة نفسي ليد أعدائها" (ار 12: 7). لاحظ إذًا أن ذلك هو في "صورة الله" (فيلبى 2: 6) جالس في السموات، وانظر إلى بيته الذي يفوق السموات، ولو أردت أن ترى أيضًا ما هو أعظم وأعلى وأعلى من ذلك، فإن بيته هو الله "لأني في الآب" (يو 14: 11). "لقد ترك أباه وأمه" (مت 19: 5). ترك أورشليم السمائية وجاء إلى الأرض، قائلا: "قد تركت بيتي. رفضت ميراثي".
كان ميراثه في الواقع في الأماكن التي توجد فيها الملائكة والصفوف التي توجد فيها القوات المقدسة.
"دفعت حبيبة نفسي (نفسي الحبيبة) ليد أعدائها". دفع نفسه لأيدي أعداء النفس، لأيدي اليهود الذين قتلوه، لأيدي الملوك والرؤساء المجتمعين ضده، فإنه: "قام ملوك الأرض وتآمر الرؤساء معًا على الرب وعلى مسيحه" (مز 2: 2).
8. "صار لي ميراثي كأسد في الوعر". انقلب هذا "الميراث" الذي أخذه على الأرض ضده مثل وحش مفترس، وتحول "ميراثه" إلى مجموعة من اليهود الشرسين الهائجين ضده مثل "أسد في الوعر". لا عجب إذًا أن يصير ميراثه حينذاك "كأسد في الوعر".
الآن أيضًا توجد أسود في الوعر يريدون أن يجدفوا على السيد المسيح، كما يتآمرون على الذين يؤمنون به.
"صار لي ميراثي كأسد في الوعر. نطق علىّ بصوته. من أجل ذلك أبغضته. جارحة ضبع ميراثى لي"، ما زال يتنبأ على هذا الميراث: "جارحة ضبع ميراثي لي".
جارحة الضبع من أشرس الحيوانات، تحوم حول المقابر لتفترس الجثث. "الجوارح حواليه عليه. هلم اجمعوا كل حيوان الحقل إيتوا بها للأكل". بما أنهم قد وصلوا إلى هذه الدرجة، فأنني آمركم أيها الملائكة أن تذهبوا وتجمعوا كل الحيوانات المفترسة وأن تطرحوا أمامهم هؤلاء الناس.
إذا كان الله لم يشفق على شعبه المختار، فكم بالأكثر لا يشفق علينا نحن أيضًا.
إننا إذا لم ننفذ وصية الله وكلام الإنجيل سوف يقول من جديد: هلم اجمعوا كل حيوان الحقل إيتوا بها للأكل"، ولكننا نتجرأ لنقول في صلواتنا: "لا تُسَلِم للوحش نفس يمامتك" (مز 74: 19)، أو "لا تسلم للوحوش المفترسة النفس التي تعترف لك بخطاياها". فالنعترف إذًا بخطايانا تائبين عنها، فلا نُسلَّم للوحوش، وإنما للملائكة القديسين الذين سيكونون بمثابة مرضعين لنا، يحملون على صدورهم ويساعدوننا على العبور من هذا العالم إلى العالم الآتي في يسوع المسيح الذي له القوة والمجد إلى الأبد آمين.
عظة (11)
تفسير الآيات من:
"جعلوه خرابًا ينوح علىّ وهو خرب. خربت كل الأرض" (إر 12: 11).
أو "خربت كل الأرض بسببي".
إلى:
"لأنه كما تلتصق المِنطقة بحقوىْ الإنسان هكذا أَلْصَقْتُ بنفسي كل بيت إسرائيل وكل بيت يهوذا يقول الرب ليكونوا لي شعبًا" (إر 13: 11).
1. من هو الذي يقول: "خربت كل الأرض بسببي"؟ إنه السيد المسيح.
من المؤكد قبل مجيء السيد المسيح كان هناك العديد من الخطايا بين الشعب، ولكنها لم تكن كثيرة إلى درجة أن يُسَّلَم الشعب للهلاك الأبدي، ولكنهم حينما ملأوا كيل آبائهم، فلم يكتفوا بقتل الأنبياء واضطهاد الأبرار، ولكنهم قتلوا أيضًا مسيح الرب، تمت بشأنهم الكلمات: "هوذا بيتكم يترك لكم خرابًا" (مت 23: 37)، وهكذا فإنه "بسبب" السيد المسيح تحملوا هذا المصير وخربت كل أرضهم.
2. إذا أردت أن تفهم الكلمات: "خربت كل الأرض بسببي"، بطريقة أكثر سموًّا، فانظر كيف أن الأرض التي في داخلك خربت حينما جاء السيد المسيح: فهي في الواقع قد خربت حينما قمنا بإماتة الأعضاء الأرضية، فلم تعد الأرض التي في داخلنا تنتج الأعمال الأرضية، ولم تعد توجد عن البار أعمال الجسد التي هي فسق، نجاسة، شهوة، زنا، سحر... الخ. يقول المخلص أيضًا من جهته: "أتظنون إني جئت لأعطى سلامًا على الأرض . كلا أقول لكم انقساما" (لو 12: 51)؛ فإنه بالفعل قبل مجيء السيد المسيح لم يكن هناك انقسام موجود على الأرض، لأن لم تكن للجسد شهوات ضد الروح ولم يكن الروح يشتهى ضد الجسد، لكن عندما جاء إلينا المخلص وعرفنا ما هي أعمال الجسد وما هي أعمال الروح، بهذه المعرفة حدث الإنقسام الذي فصل بين الجسد "الأرض" والروح.
سوف تتحقق الكلمات "خربت كل الأرض" حينما نحمل في جسدنا إماتة الرب يسوع، وحينما لا نحيا بحسب الجسد بل بحسب الروح، وحينما لا نزرع شيئًا في الجسد وإنما نزرع كل شيء في الروح حتى لا نحصد فسادًا من الجسد، وإنما نحصد بالروح حياة أبدية.
3. قيل للخطاة: "تزرعون حنطة وتحصدون شوكًا" (إر 12: 13).
لأنه حتى إن كانوا يعرفون كلمات الله ويرددونها، إلا أنهم لا يعرفونها المعرفة الصحيحة ولا يعيشون بها ولا يؤمنون بها، بل ينطبق عليهم القول "تزرعون حنطة وتحصدون شوكًا". وينطبق هذا الكلام بصفة خاصة على الهراطقة الذين يقرأون الكتاب المقدس ويحصدون شوكًا، ليس شوكًا من الكتاب المقدس نفسه، إنما يحصدون هذا الشوك من طريقتهم في الفهم والتفسير.
"أعيوا ولم ينتفعوا" (إر 12: 13) أو "إن وظائفهم لن تنفعهم شيئًا". هذه الكلمات مفيدة لكم كما هي مفيدة أيضًا لنا، فنحن الذين نبدو بحسب الوظيفة أناس أعلى منكم في الدرجة والمركز حتى أن بعضًا منكم يشتاقون أن يبلغوا إلى هذه "الوظيفة". ولكن إعلموا هذا، أن الوظيفة لا تُنقذ صاحبها بالضرورة، فإنه حتى من بين الكهنة كثيرون يهلكون، وكذلك أيضًا فإنه من بين العلمانيين كثيرون سوف يُطَوَّبون.
ويوجد في وسط الكهنة من لا يعيشون بحيث ينتفعون من وظائفهم وبحيث يُشَرِفون ويمجدّون العمل الكهنوتي[25]، فعن هؤلاء يقول الكتاب: "إن وظائفهم لن تنفعهم شيئًا".
لأن الشيء النافع، ليس هو الجلوس والتعليم في الكنيسة، وإنما أن نعيش كما يليق بهذا المكان كما يوصينا الله. فإن الرب يطلب من الجميع، منكم ومنا أن نعيش بالحق، وبما أنه مكتوب أن "الأقوياء منكم سُيمتحَنون بأكثر حزمًا"، إذًا فإنني مطالب بأكثر من الشماس، والشماس مطالب بأكثر من العلماني؛ أما بالنسبة لمن هو مكلف بتنفيذ الوصايا الإلهية وتطبيقها علينا جميعًا (أي البطريرك) فهو مطالب بأكثر من ذلك بكثير.
لذلك فإن الرسول يقول بالنسبة للانسان الذي يؤتمن على مسئوليات كبيرة: "فلنحسب أنفسنا خدام المسيح ووكلاء أسرار الله. ابحثوا إذًا بين الوكلاء حتى نجد بينهم واحدًا أمينًا". وأنه من النادر جدًا أن نجد وكيًلا أمينًا ومخلصا، حتى أن السيد المسيح "الذي يعرف جميع الأشياء قبل أن تكون"، يقول: "فمن هو الوكيل الأمين الحكيم الذي يقيمه سيده على خدمه ليعطيهم العلوفة في حينها" (لو 12: 42).
ثم يوبخ بعض الوكلاء قائًلا: "ولكن إن قال ذلك العبد الرديء في قلبه سيدي يبطئ قدومه. فيبتدئ يضرب العبيد رفقاءه ويأكل ويشرب مع السكارى. يأتى سيد ذلك العبد في يوم لا ينتظره وفى ساعة لا يعرفها فيقطعة ويجعل نصيبه مع المرائين" (مت 24: 48-51). هذا كان بالنسبة للآية: "إن وظائفهم لن تنفعهم شيئًا".
4. ولكن لننظر أيضًا التوبيخ الذي يتبع القول السابق ويلازمه دون انفصال:
"بل خزوا من غلاتكم من حمو غضب الرب" أو "اخجلوا من افتخاركم ومن رذائلكم من أمام وجه الرب". فتوجد أشياء نفتخر بها عن جهل، لأنها لا تستحق الفخر في حقيقتها: مثلما يفتخر إنسان بأنه غنى وعنده ممتلكات كثيرة، فيمكننا أن نقول له عندئذ: اخجلوا من افتخاركم"، وأيضًا إذا افتخر أحد بهذا المجد الأرضي الخارجي، نقول له نفس الكلام.
كذلك إن افتخر أحد بأنه يلبس أفخر أنواع الثياب، وبأنه بنى له بيتًا عظيمًا، فانه هذا الافتخار هو غريب عن افتخار القديسين، لهذا وجب عليهم أن يخجلوا منه.
فلنسمع كلمات إرميا النبي حينما يوصينا بعد الافتخار، حتى بالحكمة، فيقول: "لا يفتخرن الحكيم بحكمته ولا يفتخر الجبار بجبروته ولا يفتخر الغنى بغناه. بل بهذا ليفتخرن المفتخر بأنه يفهم ويعرفنى إنى أنا الرب" (إر 9: 22-23).
أتريد أن تفتخر دون أن تسمع كلمة "اخجلوا من افتخاركم"، افتخر إذًا بطريقة الرسول وقل: "وأما من جهتي فحاشا لي أن افتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح الذي به قد صلب العالم لي وأنا للعالم"(غلا 6: 14). استمع أيضًا إلى بولس الرسول وهو يفتخر وتعلم منه حينما يقول: "فبكل سرور افتخر بالحري في ضعفاتي لكي تحل علىّ قوة المسيح" (2كو 12: 9). استمع إلى مواضيع افتخاره: "في الأتعاب أكثر. في الضربات أوفر. في السجون أكثر. في الميتات مرارًا كثيرة. من اليهود خمس مرات قبلت أربعين جلدة إلا واحدة. ثلث مرات ضُربت بالعصى. مرة رجمت. ثلث مرات انكسرت بى السفينة" (2كو 11: 23-25).
من منا يستطيع أن يقول كل ذلك؟
إذًا فلقد عَلمِنا أنه حتى بين الافتخارات توجد أنواع مختلفة، حتى أن بعضًا منها تستحق أن نخجل منها وينطبق عليها كلمات الرسول: "ومجدهم في خزيهم" (فى 3: 19)، فبدًلا من أن يخجلوا منها يظنون أن فيها مجدهم وفخرهم.
5. بعد ذلك هلموا لنرى ما هي قصة المِنطقة:
"هكذا قال الرب لي اذهب واشتر لنفسك منطقة من كتان وضعها على حقويك ولا تدخلها في الماء. فاشتريت المنطقة كقول الرب ووضعتها على حقوىَّ. فصار كلام الرب إلىّ ثانية قائًلا خذ المنطقة التي اشتريتها التي هي على حقويك وقم انطلق إلى الفرات واطمرها هناك في شق الصخر" (إر 13: 1-4). وبعد ذلك بأيام كثيرة، رجع النبي إلى طمر المنطقة، فوجدها قد فسدت تمامًا، وقد أضاف الرب الكلمات الآتية ليوضح لنا معنى هذه "المنطقة": "لأنه كما تلتصق المنطقة بحقوى الإنسان هكذا ألصقت بنفسي كل بيت إسرائيل وكل بيت يهوذا يقول الرب ليكونوا لي شعبًا واسمًا وفخرًا ومجدًا ولكنهم لم يسمعوا" (إر 13: 11). حينما يضع النبي المنطقة على حقويه يمثل الله الذي يحمل شعبه: "ألصقت بنفسي هذا الشعب يقول الرب". لقد صار الشعب مثل المنطقة بالنسبة لله، ولكن لماذا صار مثل منطقة لله على حقويه؟ لنقرأ في سفر حزقيال ولنعرف كيف أن الله يتنازل بطريقة أو بأخرى إلى المستوى المادي ليناسب فكر الإنسان، وكيف أن من حقويه إلى تحت منظر نار، ومن حقويه إلى فوق منظر نحاس لامع. لنحاول بعقلنا أن نفهم ما هو السبب في أن الجزء الذي من حقوي الرب إلى تحت منظر نار. (حز 1: 27).
ذلك لأن كل ما هو في العالم الحاضر يحتاج إلى التطهير بالنار ويحتاج إلى العقاب. أما ما هو فوق الحقوين والذي يفوق ويسمو على العالم الحاضر فهو مثل العقيق نقى جدًا وثمين جدًا. يقال أن العقيق أغلى قيمة من الذهب. إذًا هذا مثال يوضح أن للرب جسد أكثر قيمة، وجسدًا أقل شأنًا حتى أن الكتاب المقدس يقدم لنا الرب مكونًا من نار وعقيق: إن كل واحد منا في هذا العالم الحاضر هو "نار" وهو في نفس الوقت جسد الرب؛ نحن لسنا "عقيقًا"، ولكن إن ارتفعنا وتقدمنا -لأنه من الممكن أن نتغير، وأنه من المستوى المنخفض الذي نوجد فيه يمكننا أن نصير جسدًا ساميًا للرب- نعبر من خلال النار، نكون العقيق الموجود في الجزء الأعلى من جسد الرب.
6. إذًا، فإن الرب يضع على حقويه المنطقة المصنوعة من الكتان. لماذا؟
ليوضح أن الشعب هو بصورة أو بأخرى يدافعون عن الرب. يقف الشعب في وجه الذين يلومون الله ويتهمونه، كما يصنع الشعب أيضًا من نفسه درعًا فلا يسمح بآي كلام يوجه ضد الله. أما إذا أخطأنا، فكما نزع إرميا المنطقة وعاقبها بإلقائها في الفرات حتى تفسد، هكذا أيضًا يُنزَع الخاطئ من على حقويْ الله ويطرح في الفرات ليهلك ويفسد. لقد أرسل الله النبي من اليهودية حتى الفرات ليأخذ المنطقة المصنوعة من الكتان من هناك. لكن لماذا صُنِعت المنطقة من الكتان؟ لأن الكتان يستمد حياته من الأرض. فهو في الواقع نبات ينمو من الأرض، ثم بعد أن يُزرَع يتم حلجه، ثم يُغسَل، ويصفى من الماء، ويمر بمراحل كثيرة حتى يصبح صالحًا ليكون منطقة أو ليكون أي شكل من أشكال الملابس. وهكذا، فإننا نحن أيضًا جميعًا من أرض هذا العالم، لذلك نكون محتاجين إلى الكثير من العناية حتى نُحلج ونُغسل ويُزَال عنا اللون الأرضي، فإن لون الكتان يختلف عند بداية زراعته، عنه بعد علاجه وتنظيفة: لأن اللون الطبيعي للكتان هو الأسود، ثم بعد العناية به يصير فاتحًا جدًا. هكذا بالنسبة لنا نحن الأرضيون، يحدث لنا شيئًا مشابهًا لما يحدث للكتان. ففي بداية إيماننا يكون لوننا عاتما -ولهذا قيل في بداية سفر نشيد الأناشيد: "أنا سوداء وجميلة"، ثم نُغسَل حتى يصير لوننا الأبيض الفاتح، كما هو مكتوب: "من هذه الطالعة المشرقة مثل الصباح"، ونصير مثل الكتان الأبيض النقي. ثم ننسج أيضا بعد ذلك لنكون "منطقة" الله، حينما نكون مستحقين أن نلتصق بالرب.
الله لا يرفضنا. لقد رفض شعبه الأول، كل بيت يهوذا وكل بيت إسرائيل، لأن هذا الشعب لم يعد ينفعه شيئًا فلذلك لم يعد الله يضعه على حقويه كمنطقة. ولكن الله تمنطق بنا نحن بدًلا منهم، ومنطقته الجديدة هذه، هي كنيسة الأمم، وعليها أن تعرف أنه إذا كان الله لم يشفق على الأولين فكم بالحرى لا يشفق عليها هي أيضًا إذا أخطأت، وإذا أصبحت غير مستحقة لحقويْ الله. ولكن "الذي يلتصق بالرب يصير روحًا واحدًا معه" في المسيح يسوع الذي له القوة والمجد إلى الأبد آمين.
عظة (12)
تفسير الآيات من:
"فتقول لهم هذه الكلمة. هكذا قال الرب إله إسرائيل. كل زقٍ يمتلئ خمرًا" (إر 13: 12)
إلى:
"وتبكى عيني بكاًء وتذرف الدموع لأنه قد سبى قطيع الرب" (إر 13: 17).
1. إن الكلام الذي يقوله النبي بأمر من الله، يجب أن يكون جديرًا بأن يقال من الله. ولكنه في بعض الأحيان يبدو غير جدير بالله إذا توقفنا في فهمنا لهذا الكلام عند مجرد الحرف فقط، حتى أن بعض هؤلاء الناس الذين يتمسكون بالحرف يقولون عند سماعهم لكلام الكتاب المقدس: إن هذا الكلام ما هو إلا جهالة"! هذا ما سوف يقوله الإنسان الحيواني لأن " الإنسان الحيواني لا يأخذ ما يوافق روح الرب، فهو بالنسبة له جهالة". أنظر إذًا ما يقول الكتاب: فتقول لهم هذه الكلمة. هكذا قال الرب إله إسرائيل" –وما يقوله الرب إله إسرائيل يجب أن يكون جديرًا بإله إسرائيل- "كل زق يمتلئ خمرًا. فيقولون لك: أما نعرف معرفة أن كل زق يمتلئ خمرًا؟" أو فيقولون لك: هل نحن جاهلون حتى لا نعرف أن كل زق يمتلئ خمرًا؟".
فإذا كان هؤلاء الناس الذين أجابوا بتلك الإجابة قد قالوا ذلك متمسكين بالحرف ومتظاهرين أنهم يعرفون أن كل زق يمتلئ خمرًا، فهم في ذلك مخطئين، لأنه ليس صحيحًا أن "كل زق يمتلئ خمرًا". فإنه في الواقع توجد زقاق تكون مملؤة زيتًا أو أي سائل آخر، ويوجد منها أيضًا ما يظل فارغًا؛ إذًا فإنهم مخطئين، ومع ذلك يجيبون: "هل نحن جاهلون حتى لا نعرف أن كل زق يمتلئ خمرًا؟". سوف نشرح هذه الإجابة كالآتي: إذا كان يوجد بين الزقاق واحدًا يمكن أن يقال عنه زق جيد، إذًا فسوف يُملأ بخمر تناسب جودته، وإذا كان الزق فاسدًا فسيملأ بخمر تناسب فساده. ونجد الكتاب المقدس أمثلة عن أنواعَ الخمر المختلفة، فعن الخمور الرديئة الفاسدة يقول: "لأن كرمهم يأتى من كرمة سدوم وزرعهم من عمورة، عناقيدهم عناقيد مرارة وعنبهم مر، خبزهم سم مميت".
وعن الخمور الجيدة يقول: "لأن حبك أطيب من الخمر". وتدعونا "الحكمة" لنشرب كأسها فتقول: تعالوا كلوا خبزي واشربوا خمري الذي أعددته لكم". فيوجد إذًا خمر سدوم ويوجد أيضًا خمر الحكمة. ويقال كذلك: "كان لحبيبي كرم على أكمة خصبة" (إش 5: 1)، والكرم الذي يزرعه الله يسمى كرمة سورق(إر 2: 21) لأنها كرمة مختارة وجميلة المنظر. ويوجد أيضًا كرمة عند المصريين ضربها الله، كما في الآية: "وضرب الرب كرومهم بالبرد".
2. إذًا فإنني أرجوك أن تتخيل معي، أن جميع الناس في استطاعتهم الآن أن يمتلئوا بالخمر؛ ومن أجل ذلك فسوف اسميهم زقاق، وسأقول أن الشرير منهم سوف يمتلئ بخمر كرمة سدوم، وخمر المصريين، وخمر أعداء إسرائيل؛ بينما البار منهم فسوف يمتلئ بخمر من كرمة سورق، وبالخمر التي كتب عنها "لأن حبك أطيب من الخمر".
ويمكننا أيضًا أن نطبق هذه الكلمات على موضوع الرذيلة والفضيلة حتى نفهم أن كل زق يمتلئ خمرًا، ولكن ينبغي أيضًا أن نعرف ما هي عواقب الرذيلة وعواقب الفضيلة: عقوبات للرذيلة، وبركات ووعود للفضيلة؛ ولنوضح الآن من خلال كلمات الكتاب المقدس كيف أن العقوبات وأيضًا الوعود يشار إليها بالخمر: يقول الرب لإرميا: "خذ كأس خمر هذا السخط من يدي واسقِ جميع الشعوب الذين أرسلك أنا إليهم إياها. فيشربوا ويترنجوا ويتجننوا ويسقطوا" (إر 25: 15-16). إذًا فلقد أشار هنا إلى العقاب بخمر السخط. وإذا أردت أن ترى أيضًا كأس البركة التي يشربها الأبرار، كان يمكننا أن نكتفي بكلام سفر الحكمة: "اشربوا الخمر التي أعددتها لكم" ولكن مع هذا تأمل أيضًا السيد المسيح حينما صعد في عيد الفصح إلى العلية الكبيرة المعدة ليحتفل بالعيد مع تلاميذه، وأعطاهم كأس الخمر قائًلا لهم: "اشربوا منها كلكم. لأن هذا هو دمى الذي للعهد الجديد الذي يسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا. اصنعوا هذا لذكرى" ثم قال أيضًا: "وأقول لكم أنى من الآن أشرب من نتاج الكرمة هذا إلى ذلك اليوم حينما أشربه معكم جديدًا في ملكوت أبى" (مت 26: 37).
لاحظ إذًا أن الوعد هو "كأس العهد الجديد"، والعقاب هو "كأس خمر السخط"، حيث يشرب كل واحد بما يتناسب مع أعماله سواء الصالحة أو الشريرة.
لذلك فإن "كل زق" سواء كان جيدًا أو فاسدًا سوف يمتلئ بالخمر التي تناسب طبيعته.
3. وبسبب الخطاة الموجودين في أورشليم في ذلك الوقت وفى اليهودية، فإن إرميا يوضح ما هو نوع الخمر الذي سيملأ الله به الزقاق أي الخطاة. فيقول بعد ذلك: "فيقولون لك أما نعرف معرفة أن كل زق يمتلئ خمرًا. فتقول لهم. هكذا قال الرب. هاأنذا أملأ كل سكان هذه الأرض والملوك الجالسين لداود على كرسيه والكهنة". فإن الله الذي يعاقب لم يشفق على أحد. فإنه حتى النبي إذا أخطأ فسوف يُملأَ بجميع تلك التهديدات التي ذكرت، ولن ينقذه حينئذ اسم "نبي" من العقاب. كذلك أيضا فإنه ليس يدعى كاهن ويبدو أن له درجة أعظم وأعلى من العلماني، يمكنه أن ينال إشفاقًا من الله إلى الدرجة التي لا يعاقبه فيها على خطاياه.
فإنه حتى إذا أخطأ أحد من بين الكهنة -أقصد بذلك نحن الكهنة المسيحيين- أو من بين اللاويين الذين يقودون الشعب -أقصد بهم الشمامسة- فسوف يُعَاقَب بذلك العقاب.
ولكن توجد أيضًا بركات خاصة بالكهنة يمكننا أن نراها بنعمة الرب عندما نقرأ سفر العدد، حيث تُذكَر هذه البركات فيه.
إذًا فإن "كل سكان هذه الأرض والملوك الجالسين لداود على كرسيه والكهنة والأنبياء وكل سكان أورشليم" يقول الرب أنه سوف يملأهم سكرًا، وسوف "أحطمهم الواحد على أخيه الآباء والأبناء معًا يقول الرب". فلنفهم هذا أيضًا هكذا: أن الله يُجَمّع الأبرار ويُفَرّق (يحطم) الخطاة. وكذلك فإن الله لم يفرق الناس حينما كانوا يعيشون في المشرق (تك 10: 30)، أما عندما ارتحلوا عن المشرق وتحولوا عنه، وقال بعضهم لبعض: هلم نبنِ لأنفسنا مدينة وبرجًا رأسه بالسماء" (تك 11: 4) فقال الله بشأنهم: "هلم ننزل ونبلبل هناك لسانهم" فتبلبلت ألسنتهم وتبددوا على وجه كل الأرض (تك 11: 9). وهكذا أيضًا بالنسبة لشعب إسرائيل، فطالما كانوا لا يخطئون كانوا متجمعين في اليهودية، ولكن منذ أن بدأوا يخطئون تفرقوا وتبددوا كل واحد منه في مكان من الأرض.
ويجب أن نعلم أنه يحدث بالنسبة لنا جميعًا شيئًا مماثًلا. فإنه توجد كنيسة في السماء حيث جبل صهيون ومدينة الله الحي، أورشليم المسائية، وهناك سيجتمع كل المختارين والمطلوبين ليكونوا في شركة بعضهم مع بعض، بينما سيحصل الخطاة على عقاب إضافي يتمثل في عدم وجودهم مع بعضهم البعض. إني أعرف ملوكًا في هذا العالم يحبون استخدام "النفي إلى الجزر" كعقاب، وأنه حينما يخطئ إنسان في مملكتهم، فإنهم يقومون أيضًا بنفي عائلته إمعانًا في عذابه وعذابها، إلى درجة أنهم في هذا النفي يقومون بتفريق وتشتيت أفراد العائلة: الزوجة في مكان، والابن في مكان، والابن الأخر في مكان، حتى أنه في وسط الكارثة، لا تستطيع الأم أن تطمئن على ابنها، ولا يستطيع الأخ أن ينعم بصحبة أخاه. ولك أن تتخيل شيئًا كهذا بالنسبة للأشرار. فيجب عليك أيها الخاطئ أن تذوق هذه المرارة الشديدة الآن التي يوقعها الله بك، حتى ترتد عن طريقك فتخلص.
ونفسي الشيء بالنسبة لك أيضًا، فإنك لا تعاقب خادمك أ ابنك لمجرد رغبتك في إيذائهم، وإنما لتصلحهم من خلال الآلامات، وهكذا فإن الله يقوم بإصلاح الخطاة الذين لا يرجعون من أنفسهم، وذلك من خلال توقيع الآلامات عليهم، وإلا لما تابوا ولا رجعوا، وبالتالي أيضا لما شُفِيوا. إذًا فإن هذه الضربات التي تحل بنا هي نافعة لتعليمنا، كما يقول الكتاب: "بلا توقف بالألم والسوط سوف تتعلمين يا أورشليم".
وكذلك فإن التفريق (التبديد) يزيد من القيمة التعليمية للألم، عندما نفرق الذين نعاقبهم كل واحد بعيدًا عن الآخر بحيث لا يوجدون مجتمعين؛ وذلك لأنه إذا اجتمعوا مع بعضهم فإن قوة الألم سوف تضعف من خلال كلمات التعزية التي سيتبادلونها ليخففوا آلام بعضهم البعض.
4. وإذا كان يجب إضافة مبرر آخر لـ التفريق إلى جانب ما تم شرحه، فإليك أيضًا هذا السبب: فإن الأشرار حينما يجتمعون معًا، فهم لا يفكرون ألا في الشر ويعملون دائمًا على زيادته وكذلك أيضًا الأبرار حينما يجتمعون فلا يفكرون ألا في الخير. إذًا فإن نيّات الأشرار وأهدافهم التي تتشدد وتقوى بوجودهم معًا، سوف تذوب وتتحطم حينما يتفرقون ويتشتتوا. ولذلك فإن الله في عطفة ورفقه بالخطاة يعمل على تفريقهم عن بعضهم حتى يقل شرهم ويتلاشى بدًلا من أن ينمو ويكثر.
5. "لا أشفق ولا أترأف ولا أرحم من إهلاكهم". (إر 13: 14).
يعتمد الهراطقة على تلك الكلمات ويستندون عليها ليقولوا: انظروا ما يقوله خالق العالم ورب الأنبياء عن نفسه، فكيف يمكن إذًا أن يكون إلهًا صالحًا؟
فأنني آخذ هنا مثًلا للقاضى الذي لا يشغل فكرة ألا الصالح العام، وبالتالي فهو يطبق القانون دون إشفاق على المخطئ، فهو يعاقبه حتى يحمى باقي المجتمع. فيمكنني بهذا المثال أن أوضح بطريقة مقنعة، أن الله في إشفاقة على البشرية كلها يرفض أن يشفق على إنسان واحد؛ ثم آتى أيضًا بمثال آخر لطبيب يرفض أن يشفق على عضو واحد من أعضاء الجسد في سبيل أشفاقة على الجسد كله.
فلنفترض مثًلا أن قاضيًا حدد لنفسه مهمة إقرار السلام للشعب الخاضع لقضائه وأن يحافظ على مصالحهم؛ ولنفترض أنه حضر أمامه في المحكمة قاتًلا حسن المظهر وملامحه جذابه، وأن والدة هذا القاتل جاءت إلى القاضي لتستعطفه وتسأله أن يشفق على ابنها ويرحم شيخوختها، وأن زوجة القاتل طلبت له أيضًا الرحمة، وكذلك أيضًا أبنائه التفوا كلهم حول القاضي ليترجوه من أجل أبيهم: أمام كل ذلك، ما هو النافع للصالح العام؟ أن يرحم القاضي أو أن لا يرحم؟ أنى أجيب بأنه، إذا رحمة القاضي فأنه سوف يعود إلى خطأه؛ أما إذا لم يرحمة فأن القاتل سوف يموت وإنما سيصبح المجتمع في حالة أفضل.
نفس الشيء يقال بالنسبة لله: فإنه إذا أشفق على القاتل ورحمة وذهب في أشفاقة هذا إلى درجة عدم معاقبته على خطأه، فمن من الناس لن يندفع في طريق الشر؟ ومَن مِن الخطاة لن يزيد في شره ويتحول إلى الأسوأ؟ ويمكننا أن نرى أشياءً مماثلة تحدث في الكنائس: فمثًلا إنسان يخطئ ثم يطلب أن يتناول من الأسرار المقدسة بعد خطأه، فإذا أشفقنا عليه سريعًا، فإن الشعب كله سوف يُحَرَّض على فعل الشر وسوف تزيد أخطاء الأخرىن؛ ولكن إذا عرف القاضي (الكاهن) مبلغ الخسارة التي سوف تلحق بالشعب في حالة السماح لهذا الشخص بالتناول والتساهل معه في خطأه، فإنه يجب عليه في هذه الحالة طرد هذا الخاطى، ليس على سبيل الوحشية أو عدم الإحساس، وإنما لأنه يهتم به ويهتم أيضًا بكل الشعب قبل أن يهتم به كفرد واحد، إذًا فهو يطرد الفرد ليخلص الجماعة.
أنظر أيضًا إلى الطبيب ولاحظ كيف لو أشفق على المريض ولم يستخدم معه المشرط في الوقت المناسب، ولو أشفق عليه ولم يعالجه بأنواع الأدوية الكاوية حتى يُجّنِبَه الآلام المصاحبة لهذا الأنواع من العلاج، انظر كيف سيتفاقم المرض وتزيد خطورته عن ذي قبل. أما إذا تقدم الطبيب في جرأة ولجأ إلى الاستئصال أو إلى الكي، فإنه في هذه الحالة يمنح المريض الشفاء، رغم أن المظهر الخارجي يوحي بأنه يرفض أن يشفق وأن يرحم المريض بتعريضه لكل الألم.
كذلك أيضا الله، فإنه لا يمارس سلطة لمصلحة إنسان واحد وإنما لمصلحة العالم أجمع. يدير ما في السموات وما على الأرض وما في كل مكان. وهو يعمل إذًا لمصلحة كل العالم وجميع الكائنات؛ وهو يعتني أيضًا، بقدر المستطاع، بمصلحة الفرد بشرط آلا تتعارض وألا تكون على حساب مصلحة الجماعة. ومن أجل ذلك أعدت النار الأبدية وأعدت أيضا جهنم وكذلك الظلمات الخارجية، ليس لأجل الإنسان المُعَاقَب وحده، بل أيضًا لأن فيها مصلحة الجميع.
6. وإذا أردت أن أذكر لك مثاًلا من الكتاب المقدس يشهد أن معاقبة الخطاة تكون أيضًا من أجل نفع الأخرىن وتعليمهم، حتى ولو كنا يائسين من شفاء هؤلاء الخطاة أنفسهم، فإليك ما يقوله سليمان الحكيم في سفر الأمثال: "اضرب المستهزيء فيتذكى الأحمق" (أم 19: 25)، فهو لم يقل أن الذي يُضرَب هو الذي يتذكى ويعود إلى عقله بسبب الضربات، وإنما يقول أن الأحمق بسبب الضربات الواقعة على المستهزيء يكف عن التمادي في حماقته ويصير عاقًلا. فهو يتغير حينما يرى عقاب الأخرىن.
وكما أن سقوط إسرائيل كان فيه خلاص الأمم، كذلك أيضًا فإن عقاب البعض يكون فيه خلاص الأخرىن.
فمن أجل ذلك يقول الله في صلاحه: "لا أشفق ولا أترأف ولا أرحم من إهلاكهم".
7. "اسمعوا واصغوا. لاتتعظموا لأن الرب تكلم. أعطوا الرب إلهكم مجدًا قبل أن يجعل ظلامًا وقبلما تعثر أرجلكم على جبال العتمة فتنتظرون نورًا، فيجعله ظل موت ويجعله ظلامًا دامسًا. وإن لم تسمعوا ذلك فإن نفسي تبكى في أماكن مستترة من أجل الكبرياء وتبكي عينيَّ بكاءً وتذرف الدموع لأنه قد سبى قطيع الرب". (إر 13: 15-17). فهو يريدهم ان يسمعوا وأن يصغوا (يميلوا بآذانهم)، ولا يكفيه أن يسمعوا فقط أو أن يصغوا فقط؛ ثم يأمرهم بالا يتعظموا ويعلمهم ما يجب أن يفعلوه.
ما هو إذًا السماع وما هو الإصغاء؟ فلنفهم ذلك من خلال الكلمات نفسها:
"اصغوا": أي تَقّبلوا الكلام في أذانكم؛ و"اسمعوا": أي تقبلوا الكلام في أذهانكم. وبما أنه توجد في الكتاب المقدس بعض الكلمات الغامضة والأسرار الخفية كما توجد أيضًا بعضها ظاهر وبسيط في فهمه، فإننى أظن أنه بالنسبة للكلمات الغامضة قيل: "اسمعوا"، وللبسيطة قيل "أصغوا". ثم بعد أن نكون قد سمعنا وأصغينا، يوصينا قائًلا: "لا تتعظموا" لأن "كل من يرفع نفسه يضعفها".
كما أن المخلص يقول لنا: "تعلموا منى لآني وديع ومتواضع القلب فتجدوا راحة لنفوسكم"، فهو يعلمنا ألا نتعظم. لأنه إلى جانب شرور الناس الكثيرة، فإن هذه الخطية (التعاظم) منتشرة بيننا: فتارة نتعظم ونتفاخر بلا أي سبب، وتارة نتعظم من أجل شيء لا يستحق أي تعظم بالمرة، وتارة نتعظم من اجل أن الشيء الذي فعلناه يستحق بعض التعظيم، وحتى في ذلك فإن تعظمنا يصيرمؤذى لنا.
8. وسوف أوضح الآن ما أريد أن أقوله.
يوجد أناس يفتخرون بكونهم أبناء حكام وبقدرتهم على إنزال بعض الكهنة من درجاتهم الكهنوتية، ومثل هؤلاء يتعظمون ويتفخرون من أجل أمور تافهة لا طائل من ورائها، وبالتالي فإنه لا يوجد أدنى سبب لتعظمهم هذا. ويوجد من يفتخرون بأنهم يملكون سلطان إعدام الناس، ويفتخرون بأنهم قد حصلوا على ما يسمونه ترقية Promotion تلك الترقية التي تمكنهم من الإطاحة برؤوس الناس: إن مجد هؤلاء الناس يكون في خزيهم. وأخرىن يفتخرون بغناهم، ليس الغنى الحقيقي، بل الغنى الأرضي.
وغيرهم يفتخرون بامتلاكهم منزًلا جميًلا مثًلا، أو أراضى كثيرة. إن كل تلك الأشياء لا تستحق حتى أن توضع في الاعتبار، ولا يليق بنا أن نتفاخر بآي منها.
إن الأشياء التي تعطينا الحق في التعظم والتفاخر، هي أن نفتخر بأننا حكماء، أو أن نفتخر (بتعقّل) بأننا منذ عشر سنوات مثًلا لم نقترب من الملذات الجسدية والشهوات، أو لم نقترب منها منذ الطفولة؛ أو أيضًا حينما نفتخر بحمل القيود في أيدينا من أجل السيد المسيح، هذه أشياء تدعو للتفاخر عن حق، ولكن حتى هذه الأشياء أيضًا، فإذا حكَّمنا عقلنا بالحق، نجد أنه ليس لنا أن نتعظم أو نتفاخر بها.
إن بولس الرسول كان لديه ما يدعوه للتعظم بسبب الرؤى والإعلانات والمعجزات والعلامات وبسبب الآلامات التي تحملها من أجل السيد المسيح، وبسبب الكنائس التي أقامها في أماكن كثيرة من العالم، في كل ذلك كان لديه ما يدعوه للتفاخر، وبحسب الأشياء الخارجية الظاهرة التي تدعو للفخر، كان سيبدو افتخار بولس الرسول شيئًا طبيعيًا بالنسبة للناس؛ ومع ذلك، وبما أنه من الخطر عليه أن يتفاخر، حتى بالنسبة لتلك الأشياء، فإن الآب في رحمته، كما أعطاه تلك الرؤى، أعطاه أيضًا على سبيل الرأفة به، ملاك الشيطان ليلطمه لئلا يرتفع؛ ومن أجل هذا الموضوع تضرع بولس إلى الرب ثلاث مرات أن يفارقه، فأجابه الله: "تكفيك نعمتي لأن قوتي في الضعف تكمل" (2كو 12: 7-9).
إذًا فيجب علينا ألا نتعظم ولا نتفاخر بأي شيء ، لأن الكبرياء يصاحبه السقوط، كما يقول الكتاب: "قبل الكسر الكبرياء وقبل السقوط تشامخ الروح" (أم 16: 18).
9. لنرى بعد ذلك ماذا يوصينا الله أن نفعل، فهو يقول: "أعطوا الرب إلهكم مجدًا قبل أن يجعل ظلامًا، وقبلما تعثر أرجلكم علي الجبال العتمة، فتنظرون نورًا" (إر 13: 15). فهو يريد أن من يعطي الرب مجدًا، يعطيه مجدًا في وجود النور، لأن مجد الرب لا يمكن أن يُعلن حينما يأتي الظلام. فمتي إذًا يأتي الظلام، ومتي لا يأتي؟ "اعملوا مادام النور فيكم". فإن النور في الواقع هو موجود فيك، طالما تحمل في داخلك السيد المسيح الذي قال عن نفسه: "أنا هو نور العالم". وطالما هذا النور موجود فيك أعطِ إذًا مجدًا للرب؛ ولكن اعلم إن الظلام يمكن أن يأتي، فلا يجب أن تنتظر وقوع هذا الظلام، بل أعطِ مجدًا للرب قبل مجيئه.
10. ربما يمكننا أن نفهم بوضوح هذا الموضوع إذا استعنا بكلام السيد المسيح: "اعملوا مادام نهار. يأتي ليل حين لا يستطيع أحد أن يعمل"؛ فهو يقصد بالنهار وقتنا الحاضر، وبالظلام والليل، انتهاء العالم وفنائه بسبب عقاب الأشرار. ويقول عاموس النبي: "ويل للذين يشتهون يوم الرب. لماذا لكم يوم الرب. هو ظلام لا نور" (عا 5: 18). فإذا عرفت كم سيكون الحزن والشقاء عند هلاك العالم، سيصيب الحزن تقريبًا معظم الجنس البشري الذين يُعَاقَبون علي خطاياهم، وعندئذ ستعرف أن الجو سيصبح معتمًا ومظلمًا بحيث لا يستطيع أحد أن يمجد الله، لأنه حتى الأبرار أوصاهم الله قائلاً: "اذهب يا شعبي. ادخل إلي بيتك، واغلق عليك بابك، اختبئ قليلاً أو كثيرًا حتى ينتهي حمو غضبي".
فلنلاحظ أيضًا في تلك الكلمات أن الرب قال: "قليلاً أو كثيرًا"،
إن هذا الوقت القليل هو قليل بالنسبة لله، ولكنه ليس كذلك بالنسبة للإنسان.
كم يجب أن نعلم أيضًا أن الأشياء تكون قليلة وكثيرة بالنسبة للمخلوقات. وسوف آخذ مثالاً علي هذا: فإنه بالنسبة للحيوانات فإن كمية الطعام قد تكون قليلة إذا ما قيست بحجم أجسادهم أو أن تكون أيضًا كبيرة بالنسبة لقدرتهم علي الأكل.
وكذلك فإن مايبدو قليلاً بالنسبة للإنسان البالغ يكون كثيرًا بالنسبة للطفل. وهكذا كل زمان الحياة الإنسانية، حتى بالنسبة لشيخ مُسِن، ما هي إلا فترة قصيرة بالنسبة للعصر الحالي. ونفس الشيء في علاقتنا بالله، فإن الذي هو قليل بالنسبة لله يكون في نظرنا وبالنسبة لنا كثيرًا، والقليل عنده يماثل عصرًا بأكمله عندنا.
11. "اعطوا الرب إلهكم مجدًا". كيف يمكننا أن نعطي الرب إلهنا مجدًا؟
لا نعطي الرب إلهنا مجدًا بمجرد ترديدنا لبعض الكلمات والأصوات، وإنما إذا أردنا تمجيده، فنلمجده بأعمالنا. مجده بضبط النفس، مجده بعمل الخير، بالحق، بالشجاعة، والصبر والاحتمال، مجد الله بالقداسة وكافة الفضائل الأخرى. وإذا كانت تلك هي طريقة "تمجيد الله"، فلا تعتبرون أنني أجدف حينما استخدم التعبير المضاد "إهانة الله"، لأنني في هذا أيضًا استعين بالكتاب المقدس ليشهد علي كلامي. إن الإنسان البار يمجد الله، والإنسان الشرير يهين الله؛ وذلك كما في حالة نبوخذنصر، فلقد هدم هيكل الرب ودنسه، وبتعديه للناموس أهان الله، كما يقول الرسول. إذًا فإن الإنسان الخاطيء يهين الله، وإذا أثير موضوع العناية الإلهية حتى ان البعض يشكّون في وجود هذه العناية، فإن ذلك يرجع إلي سبب واحد وهو وجود الرذيلة. فإذا نزعت الرذيلة فإنك لن تتعثر أبدًا بعد ذلك في موضوع العناية الإلهية. فإن الذين يتعثرون فيها يقبلون الأوضاع ويبدلونها حينما يقولون: لماذا يوجد كل هؤلاء الزناة، وكل هؤلاء الشواذ، وكل هؤلاء الأشرار والملحدين؟ وهم بذلك يتهمون العناية الإلهية ويهينون الله ويجدفون علي خالق الكون لأنهم خطاة. وبذلك فإن بعض الناس يمجدون الله بأعمالهم الحسنة، وبعضهم يهينون الله بخطاياهم.
12. "اعطوا الرب إلهكم مجدًا قبل أن يجعل ظلامًا وقبلما تعثر أرجلكم علي جبال العتمة".
إذًا فإنه توجد جبال معتمة وجبال مضيئة، ولكن بما ان النوعين هم جبال، إذًا فالاثنان أيضًا مرتفعان. وتتمثل الجبال المضيئة في ملائكة الله القديسين، والأنبياء، وموسي "الخادم" ورسل السيد المسيح، كل هؤلاء الجبال، جبال مضيئة، وأعتقد أن هذه هي التي كتب عنها في المزامير: "أساساته في الجبال المقدسة".
وما هي الجبال المعتمة؟ إنهم الذين يقيمون مرتفعات ضد معرفة الرب. فإن الشيطان هو جبل معتم، ورؤساء هذا العالم المُجَنَّدين للتدمير والإهلاك هم أيضًا جبال معتمة؛ وحينما قال الرب لتلاميذه: "لكنم تقولون لهذا الجبل انتقل" كان يقصد به جبل معتم وهو الشيطان. لأنه حينما أثيرت المناقشة بين السيد المسيح وبين تلاميذه بخصوص الشيطان المجنون الذي كان في الصبي، وحينما سأل التلاميذ المخلص قائلين: "لماذا لم نقدر نحن أن نخرجه"؟ فإنه اجابهم: "لو كان لكم إيمان مثل حبة خردل لكنتم تقولون لهذا الجبل -أي لهذا الشيطان الذي تتناقشون بخصوصه- انتقل من هنا إلي هناك فينتقل": انتقل من "هنا" أي من هذا الصبي، "إلي هناك" أي إلي مكانه الطبيعي في الهاوية. إذًا فإن الذين يتعثرون لايتعثرون علي الجبال المضيئة وإنما علي جبال العتمة حينما يذهبون مع الشيطان وملائكته. "فتنتظرون نورًا"؛ فإنه إذا ما أعطيتم الرب إلهكم مجدًا قبل ان يجعل ظلامًا وقبلما تعثر أرجلكم علي جبال العتمة، فإنه مما لا شك فيه، حتى ولو حَلَّ الظلام، فإنكم سوف تنظرون نورًا، وأن هذا النور سيصحبكم.
ولكن قد يقول أحد الحاضرين: أنه حتى هؤلاء الذين تعثر أرجلهم علي جبال العتمة سوف ينتظرون هم أيضًا نور رحمة الرب بجانب تلك الجبال المعتمة. إن هذا أيضًا هو بالفعل تفسير الكلمات: "فتنتظرون نورًا".
13. "وإن لم تسمعوا ذلك فإن نفسي تبكي في أماكن مستترة من أجل الكبرياء". أو "وإن لم تسمعوا بطريقة مستترة، فإن نفسكم سوف تبكي أمام الشدة". إن من بين الذين يسمعون، يوجد من يسمعون بطريقة مستترة ويوجد من لا يسمعون بطريقة مستترة.فما هو إذًا السمع بطريقة مستترة إلا ما تقوله الآية: "بل نتكلم بحكمة اللة في سر. الحكمة المكتومة التي سبق الله فعينها قبل الدهور لمجدنا" (1كو 2: 7). فعندما أسمع الناموس، فإما أن أسمعه بطريقة مستترة أو لا أسمعه بطريقة مستترة؛ فاليهودي مثلاً لا يسمعه بطريقة مستترة؛ ولهذا فهو يختتن بطريقة ظاهرية، غير عالم أن "اليهودي في الظاهر ليس هو يهوديًا ولا الختان الذي في الظاهر في اللحم ختانًا" (رو 2: 28)، أما الذي يسمع ويفهم الختان بطريقة مستترة فسوف يكون مختتنًا في الخفاء. وإذا كان اليهود قد قتلوا السيد المسيح قديمًا، وهم مسئولون حتى يومنا هذا عن موته، فإن هذا حدث لأنهم لم يسمعوا الناموس ولا الأنبياء بطريقة مستترة.
وكذلك أيضًا بالنسبة لموضوع حفظ السبت، فإنه توجد بعض النساء حتى يومنا هذا لم تسمع كلام الله بطريقة مستترة وبالتالي فهم لا يفعلون أي شيء في يوم السبت، كما لو كان السيد المسيح لم يأتِ إلينا ليحملنا من حرفية الناموس إلي كمال الانجيل.
لذلك فحينما نقرأ الناموس والأنبياء، فلنحذر لئلا نقع تحت عاقبة البنوة التي تقول: "وإن لم تسمعوا بطريقة مستترة فإن نفسكم سوف تبكي أمام الشدة".
فإذا قرأنا أمثال السيد المسيح الموجودة في الانجيل أمام إنسان من خارج الكنيسة فإنه لن يسمع بطريقة مستترة, ولكن حينما يكون السامع هو أحد الرسل أو أحد أبناء الكنيسة، فإنه سوف يقترب من السيد المسيح ويسأله ويتنافش معه حول غموض المثل، فيقوم السيد المسيح بتفسير المثل له: وبالتالي فإن هذا المستمع سوف يصبح من السامعين بطريقة مستترة وبالتالي فإن نفسه لن تبكِ.
لماذا لم يقل الرب: "سوف تبكون إن لم تسمعوا بطريقة مستترة" وإنما قال: "نفسكم سوف تبكي"؟ فيوجد بكاء خاص فقط بالنفوس التي تبكي، ولعل السيد المسيح قد أوضح لنا هذا النوع من البكاء حينما قال: "هناك يكون البكاء" وأيضًا حينما قال: "ويل لكم أيها الضاحكون الآن لأنكم ستحزنون وتبكون" (لو 6: 25). فهو يتحدث هنا عن البكاء الذي يهددنا به النبي هنا حينما يقول: "إن لم تسمعوا بطريقة مستترة فإن نفسكم سوف تبكي أمام الشدة"، لأنه حينما تأتي عليكم الشدة سوف تبكون و"سوف تذرف عيونكم الدموع لأنه قد سبي قطيع الرب". فإذا نظرنا اليوم إلي حالة اليهود، وإذا قارناها بحالتهم في الماضي، فسوف ندرك إلي أي مدي قد سبي قطيع الرب.
لأنهم كانوا قبلاً قطيع الرب، ثم لأنهم حكموا على أنفسهم أنهم غير مستحقين فإن كلمة الكرازة وُجِّهَت نحو الأمم. فإذا كان قطيع الله هذا، قد سُبي، فإننا نحن الزيتونة البرية المطَعمة بخلاف الطبيعة في الزيتونة الجيدة (رو 11: 24)، أفلا يجب علينا نحن أيضًا أن نخشى بالأكثر أن يكون مصيرنا –نحن قطيع الله الجديد- مثل القطيع السابق؟
لأنه بحسب كلمات السيد المسيح فإن هذا القطيع أيضًا سوف يسبى في يوم من الأيام، عندما: "لكثرة الاثم تبرد محبة الكثيرين"، فمن هم هؤلاء الكثيرين إلا الذين يَدَّعون أنهم مسيحين (بالاسم فقط)؟ ولمن قيلت الكلمات الآتية: "ولكن متى جاء ابن الإنسان ألعله يجد الإيمان على الأرض"؟ ألسنا نحن المقصودين بتلك الكلمات؟ فلنعمل إذًا بكل طاقتنا حتى يتقدم قطيع الرب وينمو يومًا بعد يوم، ويصبح صحيحًا ويُشفى من أمراضه، وأن يبعد السبي عن نفوسنا حتى نصير كاملين في المسيح يسوع الذي له القوة والمجد إلى أبد الآبدين آمين.
عظة (13)
تفسير الآيات من:
"فمن يشفق عليكِ يا أورشليم" (إر 15: 5).
إلى:
"أثكل وأبيد شعبي" (إر 15: 7).
وعيد الله لأورشليم
1. نريد أن نفهم جميع تلك الكلمات المملؤة وعيدًا لأورشليم: "فمن يشفق عليكِ يا أورشليم؟! ومن يعزيك؟! ومن يميل ليسأل عن سلامتك؟! أنتِ تركتِني يقول الرب. إلى الوراء سرتِ، فأمد يدي عليكِ، وأهلكك. مللتُ من الندامةِ. وأذريهم بمذراة في أبواب الأرض. أثكل وأبيد شعبي". لقد وَضَعَتْني هذه الكلمات في مأزق، وهو محاولة التوفيق بين صلاح الله وبين رفضه الرحمة لشعبه. أقدم مثالاً لو أن ملكًا حكم على إنسانِ في مملكته بأنه عدو له، فإنه لا يليق بأي شخص أن يُظهر تعاطفًا مع ذلك العدو أو أن يبدي أية شفقة عليه، لأنه إذا فعل ذلك يحسب هذا إساءة إلى الملك وإلى أحكامه. إذا فهمت هذا المثل، أنظر إذًا إلى الإنسان المحكوم عليه من قِبل الله من أجل خطاياة الكثيرة، ولاحظ أنه لا يحصل على أية شفقة من الملائكة، رغم أن وظيفة هؤلاء الملائكة هي خدمة الطبيعة البشرية ونجدتها وإنقاذها. لأنه ليس أحد من الملائكة حينما يرى أن الله هو القاضي، وأن الذي حمى غضبه هو الخالق، وأن الخطايا وصلت إلى درجة أجبرت الله –إن صح هذا التعبير- الصالح على توقيع الحكم ضد الخاطيء، فلا يستطيع أحد من الملائكة بعد رؤيته لكل ذلك أن يشفق ولا أن يحزن ولا أن يطلب الرحمة أو السلام من أجل إنسان مثل هذا.
فلنفترض فعلاً أن أورشليم هذه –لأنها هي المقصودة بالمعنى الحرفي- هي التي أخطأت تجاه السيد المسيح وعظمت خطاياها أمامه حتى قال لها: "يا أورشليم يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها ولم تريدوِا. هوذا بيتكم يترك لكم خرابًا" (مت 23: 37). وأن أورشليم هذه، هي التي أُهمِلَت وتُرِكَت من الله. وأن الملائكة الذين لم يتوقفوا عن مساعدة أورشليم، والذين من خلالهم سُلمت الشريعة لموسى، تركوا أورشليم وقالوا: إن خطاياها أصبحت عظيمة؛ لأن شعبها قتلوا السيد المسيح ووضعوا عليه الأيادي. حينما كانت خطاياهم قليلة كان في امكاننا أن نتشفع وأن نطلب من أجلهم، وكان في استطاعتنا أن نشفق على أورشليم، ولكن الآن وبعد هذه الجريمة فمن يشفق عليكِ يا أورشليم؟ "قد أخطأت أورشليم خطية، من أجل ذلك صارت رجسة" (مراثي إرميا 1: 8).
نعم لنفترض أن أورشليم هذه هي التي قيل لها: "فمن يشفق عليك يا أورشليم ومن يعزيك؟". يجب علينا نحن أيضًا ألا نشفق على أورشليم ومصائبها ولا نحزن على ما أصاب شعبها، لأنه: "بزلتهم صار الخلاص للأمم (لنا) لإغارتهم" (رو 11: 11).
وعيد الله للنفس البشرية
2. أنتقل من التفسير الحرفي إلى التفسير الروحي، مُطَبِّقًا ما قيل لأورشليم على النفس البشرية. فإنك بعدما أخذت التعاليم الإلهية أصبحت أورشليم، التي كانت قبلاً "يبوس". فإن هذه القصة ترجع في الواقع إلى أن ذلك المكان كان يسمى "يبوس" ثم تغير إسمها فيما بعد إلى أورشليم. يقال أن يبوس ترجمتها "مَدُوسَة بالأقدام".
إذًا، فإن يبوس، النفس "المدوسة بالأقدام" من قوات العدو، قد تغيرت وأصبحت أورشليم "رؤية السلام". بعدما صارت يبوس أورشليم[26]، أخطأت. إذا "دست بأقدامك" دم السيد المسيح الذي للعهد الجديد، وإذا سقطت في خطايا عظيمة، يُقال عنك: "فمن يشفق عليك يا أورشليم ومن يعزيك"، طالما وَصَلْتَ إلى حد خيانة مسيحك؟ كل واحد فينا حينما يُخطيء، خاصة الخطايا الجسمية، إنما يخطيء ضد السيد المسيح نفسه. "فكم عقابًا أشرّ تظنون أنه يحسب مستحقًا من داس ابن الله وحسب دم العهد الذي قُدِسَ به دنسًا وازدرى بروح النعمة؟" (عب 10: 29).
فإذا دست ابن الله واستهنت بروح النعمة، فمن يشفق عليكِ ومن يعزيكِ؟ "ومن يميل ليسأل عن سلامتك"؟ إنه ابن الله، الذي خانه الخطاة، هو نفسه الذي سأل السلام لنا؛ فمَن مِن بعده يستطيع أن يتشفع من أجل سلامنا؟ ولندرك جيدًا أن: "الذين استنيروا مرة، وذاقوا الموهبة السموية، وصاروا شركاء الروح القدس، وذاقوا كلمة الله الصالحة، وقوات الدهر الآتي، وسقطوا لا يمكن تجديدهم أيضًا للتوبة، إذ هم يصلبون لأنفسهم ابن الله ثانية ويشهرونه" (عب 6: 4-6). متى أدركنا تلك الكلمات يلزمنا أن نعمل كل ما في وسعنا لئلا يقال علينا نحن أيضًا: "فمن يشفق عليك يا أورشليم ومن يعزيك ومن يميل ليسأل عن سلامتك؟".
السير إلى الوراء والامتداد إلى قدام
3. "أنتِ تركتِني يقل الرب، إلى الوراء سِرت".
لأن مدينة أورشليم –التي تجعلنا نتذكر كل اليهود- تركت الرب، فقد قيل لها: "إلى الوراء سرت". كان هناك وقت صارت فيه أورشليم إلى الأمام وليس إلي الخلف، أما حاليًا فهي تسير إلى الوراء: "ورجعوا بقلوبهم إلى مصر" أما بالنسبة لمعنى السير إلى الوراء أو الامتداد إلى ما هو قدام، نشرحه كالآتي:
الإنسان البار ينسى ما هو وراء ويمتد إلى ما هو قدام؛ أما الإنسان الذي يوجد في وضع مضاد للإنسان البار، فإنه سوف يتذكر ما هو وراء ولن يمتد إلى ما هو قدام. بتذكره لما هو وراء يرفض سماع السيد المسيح القائل: "فلا يرجع إلى الوراء ليأخذ ثوبه"؛ يرفض سماع السيد المسيح القائل: "تذكروا امرأة لوط"؛ يرفض سماع السيد المسيح القائل: "إن الذي يضع يده على المحراث وينظر إلى الوراء لا يصلح لملكوت الله". وفي العهد القديم مكتوب أيضًا أن الملائكة قالوا للوط بعد خروجه من سدوم: "لا تنظر إلى ورائك ولا تقف في كل الدائرة. اهرب إلى الجبل لئلا تهلك" (تك 19: 17): "لا تنظر إلى ورائك" امتد دائمًا إلى ما هو قدام؛ لقد تركت سدوم، فلا تنظر إذًا إليها، لقد تركت الشر والخطية فلا تعود بنظرك إليهما؛ "ولا تقف في كل الدائرة". فإنه حتى إذا أطعت الأمر الأول "لا تنظر إلى ورائك"، هذا غير كافِ لإنقاذك إن لم تطَع الأمر الثاني أيضًا: "ولا تقف في كل الدائرة".
إن بدأنا التقدم والنمو الروحي، يجب علينا ألا نتوقف في حدود دائرة سدوم، بل نتخطى تلك الحدود ونهرب إلى الجبل. إذا أردت ألا تهلك مع أهل سدوم فلا تنظر أبدًا إلى ما هو وراء، ولا تقف في دائرة سدوم، ولا تذهب إلى أي مكان آخر سوى الجبل، لأنه هناك فقط يمكننا أن نخلص؛ الجبل هو ربنا يسوع الذي له المجد والقدرة إلى أبد الآبدين آمين.
عظة (14)
تفسير الآيات من:
"ويل لي يا أمي" (إر 15: 10).
إلى:
"إن رجَعتَ أُرجِعكَ فتقف أمامي" (إر 15: 119).
مرارة أطباء الروح
1. يذهب أطباء الأجساد إلى المرضى حتى إلى فراشهم ولا يَكُفُّون عن بذل كل جهدهم، كما تتطلب منهم مهنة الطب، ليشفوا المرضى. وهم في ذلك، يرون مناظر فظيعة، ويلمسون أشياء تثير الاشمئزاز؛ وأمام أوجاع الأخرىن لا يحصدون لأنفسهم سوي الأحزان: حياتهم غير مستقرة أبدًا، إنهم لا يوجَدون أبدًا مع أناس أصحاء، وإنما دائمًا مع المجروحين والمفلوجين والمصابين بالقروح والصديد والحميات وكل أنواع الأمراض. إذا أردنا أن نمارس الطب، فعلينا أن نقوم بكل ما تتطلبه منا هذه المهنة التي اخترناها، نقوم بها دون اشمئزاز ولا إهمال عندما نواجه أي نوع من أنواع المرضى الذين ذكرناهم.
تحدثت عن ذلك الموضوع في البداية لأن الأنبياء هم أيضًا مثل أطباء الأرواح، يقضون كل وقتهم حيث يوجد المحتاجون إلى الشفاء، لأنه "لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى" (لو 5: 31). ما يقاسيه الأطباء من جانب المرضى المعاندين، يقاسيه أيضًا الأنبياء المعلمون من جانب الذين لا يريدون أن يشفوا. فإن سبب كراهية الناس لهم يرجع إلى أنهم يفرضون علاجًا يخالف ما يتمناه المرضى، فهم يمنعون عنهم اللذات والشهوات التي يريدونها، وبالتالي فإن هؤلاء المرضى في عنادهم يُصرّون على عدم أخذ الأدوية المناسبة لمرضهم. إذًا يهرب المرضى المعاندين من الأطباء، بل وكثيرًا ما يسيئون إليهم ويهينوهم ويشتمونهم ويفعلون بهم كل ما يمكن أن يفعله الأعداء ويغيب عن ذهنهم أن الطبيب يأتي كصديق وليس كعدو، وهم لا يرون سوى الجانب المؤلم من نظام العلاج، الجانب المؤلم من استخدام المشرط، دون أن يروا النتيجة التي تعقب الألم. إنهم يكرهون الأطباء كما لو كانوا لا يحملون إليهم سوى الآلام، ولا ينظرون إلى هذه الآلام كمرحلة من مراحل الشفاء.
2. كان ذلك الشعب مريضًا؛ مصابًا بكل أنواع الأمراض ذاك الذي كان يسمي نفسه شعب الله. وأرسل الله لهم الأنبياء مثل الأطباء، احد هؤلاء الأطباء إرميا. كان إرميا يوجه عتابه للخطاة راغبًا في إرجاعهم عن طرقهم، كان ينبغي أن ينصتوا إلي هذه الكلمات، لكنهم كانوا يتهمون أمام القضاة والحكام، لذلك كان متورطًا في قضايا مستمرة، اتهمه فيها هؤلاء الذين كان يقوم برعايتهم، أي الذين كان يوجه لهم كلمات نبوته، ولكنهم لم يشغلوا بسبب عنادهم. أمام كل هذا كان إرميا يقول: "فقلت لا أذكره ولا أنطق بعد بإسم. فكان في قلبي كنار محرقة محصورة في عظامي" (إر20: 9). ومرة أخرى يقول حينما يري نفسه دائم التعرض للقضايا وللإهانات والشكاوي والشهادات الزور: "ويل لي يا أمي لأنكِ ولدتني إنسان خصام". يريد أن يقول عن نفسه، أنه بدلاً من أن يدين الناس علي خطاياهم، إذا به يُدان ويُحكم عليه، وبدلاً من أن يقاوم وينازع صار هو ونفسه "انسان نزاع لكل الأرض". بما أن المرضي لم ينصتوا إليه حينما نصجهم كطبيب، قال: "لم أفعل صلاحًا"، وبما أنه كان يقرض أمواله الروحية، وأن الناس الذين كان يتوجه إليهم ليعمل معهم الخير وليجعلهم مدينين له بما يسمعونه منه، بما أن هؤلاء الناس لم يريدوا الإضغاء له، قال: "لم أقرض ولا أقرضوني".
لم اصنع صلاحًا ولم يفعل لي أحد صلاحًا
3. قلت هذا الكلام في البداية قبل أن أشرح عبارة: "لم أقرض ولا أقرضوني". يوجد في الواقع نصان مختلفان لتلك الآية: ففي النسخ الشائعة والمنتشرة: "لم أفعل صلاحًا ولم يفعل لي أحد صلاحًا"، وفي النسخ الأكثر دقة والتي تتطابق مع النص العبري: "لم أقرض ولا أقرضوني". لذا يجب شرح الآيتين.
كان إرميا يكرز بالكلمة لكن لم ينصت أحد إلي كلامه. فكان بذلك مثل الطبيب الذي يبدد أدويته بسبب عناد مرضاه الذين لا يريدون اتباع علاجه ولا أخذ أدويته. كأنه طبيب يقول: "لم أفعل صلاحًا ولم يفعل لئ أحد صلاحًا". ربما يرجع سبب التناقض في هذه الآية إلي شعور الحب والود الذي يحمله الإنسان الذي عُمل مهع الصلاح، تجاه الإنسان الذي عَمَل له هذا الصلاح. وينتج عن هذا: أن الذي يَكرِز بالكلمة يأخذ هو ايضًا صلاحًا من كلمته (أي يحصل علي حب السامعين له). وكما هو مكتوب: "طوبي لمن يتكلم مع أذن تسمع". وأن أعظم صلاح يمكن أن يجنيه المعلم من السامعين له، هو أن ينموا ويتقدموا حتى يكون له ثمر فيهم (رو 1: 13). إذ لم يحصل إرميا علي ذلك الثمر (الصلاح) من اليهود، قال: "لم يفعل لي أحد صلاحًا". ويوجد أيضًا صلاح آخر يمكن ان يحصل عليه كل معلم في حالة إذا ما كان تلاميذه أذكياء. إذ يمكن لمعلمين أن يصبحوا أكثر قوة وتتناقل التعاليم التي بين الناس إذا كان السامعون أذكياء ولا يكتفون بمجرد سماع التعاليم فقط وإنما يتفاعلون معها ويسألون أسئلة ويستفسرون عن كل الجوانب التعاليم التي يسمعونها.
لم أقرض ولا أقرضوني
4. لنفسر نفس الآية من النسخ الأكثر صحة والمكتوب فيها: "لم أُقرض ولا أقرضوني"، أو "لم أصر مدينًا لأحد ولا صار مدينًا لي" فإن الإنسان الذي يعطي الجميع حقوقهم. الجزية لمن له الجزية. الجباية لمن له الجباية. الخوف لمن له الخوف، والإكرام لمن له الاكرام (رو 13: 7)، والذي يؤدي جميع واجباته بصورة لا تجعله مدينً لأحد، والذي يكرم والديه كما يليق بإكرام الوالدين، ويكرم إخوته كما يليق بهم، ويكرم أولاده، والأساقفة والكهنة والشمامسة والأصدقاء ويعطي لكل إنسان كرامته، فإن مثل ذلك الإنسان يمكنه ان يقول "لم أصر مدينًا لأحد".
وأما عبارة "ولا أحد صار لي مدينًا" فسوف أفسرها كالآتي: يقول إرميا: إنني كنت أبحث عن مصلحتهم، كنت أحاول أن أعطيهم الغني الروحي، أما هم فلم يقبلوا كلامي، بل رفضوه حتى لا يصيروا مدينين لي، وبذلك فإنه "لاأحد صار مدينًا لي".
وبذلك يكون من الأفضل للسامع أن يقبل المال الروحي المُقَدِّم من المعلم وأن يكون مدينًا، عن ألا يكون مدينًا ولا يستفيد من التعاليم.
إرميا ابن الحكمة يتنبأ عن المسيح:
5. أما بالنسبة للكلمات: "ويل لي يا أمي لأنك ولدتني إنسان خصام وإنسان نزاع لكل الأرض"، فإنني أعتقد أن تلك الكلمات لا تتناسب مع أي نبي آخر ولا توافقه مثلما تتناسب مع إرميا؛ فإنه بالنسبة لمعظم الأنبياء لم تبدأ نبوتهم إلا بعد زمن معين، فبعدما تابوا ورجعوا عن خطيتهم أقامهم الله ليتنبأوا، أما إرميا فكان يتنبأ منذ طفولته. ويمكننا أن نستعين بمثال من الكتاب المقدس؛ إن إشعياء لم يسمع من الله تلك الكلمات: "قبلما صورتك في البطن عرفتك وقبلما خرجت من الرحم قدستك. جعلتك نبيًا للشعوب" (إر 1: 5)، كما لم يقل إشعياء للرب: "إني لا أعرف أن أتكلم لأني ولد" (إر 1: 6). بل حينما رأي الرؤية التي يقول عنها في نبوته، نظر وقال: "ويل لي إني هلكت لأني إنسان نجس الشفتين، وانا ساكن بين شعب نجس الشفتين، لأن عينيَّ قد رأتا الملك رب الجنود" (إش 6: 5)، ثم يقول بعد ذلك:
"فطار إليَّ واحد من السَّرافيم وبيده جمرة...ومس بها فمي وقال إن هذه قد مست شفتيك فانتُزِع إثمك وكُفِّر عن خطيتك". إذًا فإن إشعياء بعدما ارتكب الخطايا ثم تاب عنها، أصبح مستحقًا بعد ذلك أن يأخذ الروح القدس وأن يتنبأ. وسوف تجد أشياء مشابهة بالنسبة لأنبياء أخرىن. أما إرميا فلم يكن مثلهم: فقد كان لا يزال في المهد حينما أخذ روح النبوة ولقد تنبأ منذ لطفولة. ولذلك فإنه قال: "ويل لي يا أمي لأنك ولدتني إنسان خصام وإنسان نزاع لكل الأرض". ولكن أحد المفسرين الذين سبقوني في تفسير هذا النص يقول أن إرميا كنا يوجه هذه الكلمات، ليس لأمه حسب الجسد، وإنما للأم التي ولدت الأنبياء، ومن هي التي ولدت الأنبياء إلا حكمة الرب؟ ولقد ذكر الانجيل كذلك موضوع أبناء الحكمة: "والحكمة تبررت من جميع بنيها" (لو 7: 35).
إذًا فإنه مكتوب: "ويل لي يا أمي "الحكمة" لأنك ولدتني إنسان خصام (إنسان محكوم عليه)". فمن أنا حتى لا أولد ليكون محكومًا عليّ، وأكون مخاصمًا من الناس بسبب عتابي ولومي لهم، وبسبب تعاليمي التي أعلمها لكل سكان الأرض؟
إذا كان إرميا هو الذي قال هذه العبارة "ويل لي يا أمي... إنسان نزاع لكل الأرض"، فإنني لا أستطيع أن أجد تفسيراً لكلمات: "لكل الأرض"، فإن إرميا لم يصر إنسان نزاع بالنسبة لكل الأرض، إلا إذا قلنا أن "كل الأرض" يقصد بها كل أرض اليهودية، لأن نبوة إرميا لم تصل إلى كل الأرض حينما كان يتنبأ. ولكن أليس من الأفضل أن نفعل كما فعلنا في أجزاء سابقة، وأن نطبق هذا الكلام على السيد المسيح بدلاً من إرميا؟ فلقد توقفت في البداية[27] عند الكلمات التي تقول: "أنظر. قد وكلتك هذا اليوم على الشعوب وعلى الممالك لتقلع وتهدم، وتهلك وتنقض، وتبني وتغرس" فإن إرميا لم يفعل شيئاً من هذا كله، وإنما السيد المسيح هو الذي قلع ممالك الخطية وهدم أعمال الشر، وأقام بدلاً منها مملكة الحق والعدل في نفوسنا. هكذا أيضاً تلك العبارة تصلح لتطبيقها على السيد المسيح أكثر منها على إرميا، فإنه يوجد في نظري العديد من العبارات التي يمكن تطبيقها على المخلص، لاسيما تلك العبارة التي نحن بصددها "إنسان نزاع لكل الأرض".
6. يجب أن نتحدث أولاً بشأن القول "ويل لي" لأنها تبدو في نظر البعض غير ملائمة للسيد المسيح: أيمكن للمخلص الذي يشفق غلى الأخرىن أن يقول "ويل لي"؟
لكننا نوضح ذلك بشواهد من الإنجيل لا يمكن أن تنطبق على أي إنسان سوى السيد المسيح. إن كانت كلمات الرثاء "ويل لي" ما هي إلا لإنسان يبكي فقد بلغ المخلص درجة البكاء على أورشليم، مكتوب في الإنجيل أن السيد المسيح حينما رأى أورشليم "بكى عليها" قائلاً، "يا أورشليم يا أورشليم... الخ".
ومن الواضح أن نفس الشيء قاله المخلص في هذه الفقرة: "ويل لي لأني صرت كجنَي الصيف، كخصاصة القطاف، لا عنقود للأكل، ولا باكورة تينة اشتهتها نفسي. قد باد التقي من الأرض وليس مستقيم بين الناس. جميعهم يكمنون للدماء" (ميخا 7: 1-2)، قد جاء في وقت الحصاد ليحصد قمحاً، فلم يجد سوى مجموعة من الخطاة الذين نموا وكثروا.
قال السيد المسيح كذلك أشياءً مشابهة حينما تكلم مع الآب قائلاً: "ما الفائدة من دمي إذا نزلت إلى الحفرة (إلى الفساد) (إلى الجحيم)؟" (مز 30: 9)، لماذا فعلت كل هذا الصلاح مع بني البشر؟ ما الذي فعلوه ليستحقوا دمي الذي سفك من أجلهم؟ " ما الفائدة من دمي ومن نزولي؟!"، لقد نزلت من السماء وجئت إلى الأرض وسلمت نفسي للفساد فلبست جسداً بشرياً[28]، فما هي الأعمال الصالحة التي عملها الإنسان حتى يستحق كل ذلك؟ "ما الفائدة من دمي إذا نزلت إلى الحفرة؟! هل يحمدك التراب؟! هل يخبر بحقك؟".
في جميع هذه الأقوال نجد أن هناك تشابهاً بينها وبين ما قاله المخلص: "ويل لي يا أمي لأنك قد ولدتني"، فهو لا يقول ذلك بوصفه الإله أو المخلص، بل يقوله كإنسانِ.
نفس الشيء حينما يقول: "ويل لي يا نفسي. قد باد التقي من الأرض". كانت نفسه نفساً بشرية، لهذا اضطربت (يو 12: 27)، وحزنت (متى 26: 38)، ولكن الكلمة الذي كان في البدء عند الله لم يضطرب، ولا يمكن أن يقول عن نفسه: "ويل لي" لأن كلمة الله لا يموت أبداً، الذي يموت هو الجسد الذي أخذه.
مسيحنا يحكم علينا فينا
7. "لأنك ولدتني إنسان خصام (إنسان محكوم عليه) وإنسان نزاع لكل الأرض".
أنظر إذاً إلى الشهداء في كل مكان كيف حُكِم عليهم ووقفوا أمام القضاة، وسوف ترى كيف أن السيد المسيح هو الذي كان يُحكَم عليه في كل واحدِ من هؤلاء الشهداء. لأنه هو الذي يُحكم عليه في هؤلاء الذين يشهدون للحق (يو 18: 37). ومن أجل ذلك فسوف ترضى أن تكون متَّهماً ومحكوم عليك حينما تراه يقول إنك لست أنت المسجون بل أنا، لست أنت الجائع بل أنا: "لأني جعت فأطعمتموني، عطشت فسقيتموني، كنت غريباً فأويتموني،عرياناً فكسوتموني، مريضاً فزرتموني، محبوساً فأتيتم إليّ" (مت 25: 36).
يكفي أن يُوضع إنسان مسيحي تحت الحكم، ليس بسبب أخطاء شخصية، وإنما لأنه مسيحي، عندئذ سيُحكَم على السيد المسيح لا عليه: وبذلك فقد أصبح السيد المسيح بالفعل "إنسانًا محكومًا عليه وإنسان نزاع لكل الأرض".
في كل مرة يٌحكم على إنسان مسيحي بذلك يُحكم على السيد المسيح نفسه، ليس فقط في قضايا من هذا النوع (أي الشهادة للحق). نفترض أن مسيحياً أتهم ظلماً بأي شيء[29] وحُكِم عليه باطلاً، فإنه حتى في ذلك يكون السيد المسيح هو الذي حُكِم عليه باطلاً.
عدم الإيمان هو حُكم على المسيح
8. "لأنك ولدتني إنساناً محكوماً عليه وإنسان نزاع لكل الأرض".
إليك أيضاً طريقة أخرى لفهم هذه الآية. فمَن من الناس لا يحكم على عقيدة المسيحيين؟ ومن من الشعوب لا يتفحصها بأساليب معقدة؟ ومن من اليهود واليونانيين لا يتحدث عن المسيحيين؟ ومن من الفلاسفة ومن من الناس البسطاء لا يتناقش في أمر المسيحية؟
إن السيد المسيح محكوم عليه ومقضي عليه في كل مكان، بعض الناس يدينوه في حكمهم وبعضهم لا يدينه. بالنسبة للذين لا يدينوه من السهل عليهم قبوله: يفتحون له الباب فيدخل (رؤ 3: 20) وبالتالي يؤمنون به. إن لم يقبله الناس عند سماعهم عن التعاليم المسيحية، فإن عدم قبولهم له، ما هو إلا إدانة للسيد المسيح واتهام ضده بأنه إنسان يضل الناس ولا يقول الحق، طالما لا يؤمنون بتعاليمه.
جميع الذين يرفضون تماماً أن يؤمنوا به يحكمون عليه ويدينوه، وجميع الذين –دون أن يرفضوا الإيمان– تساورهم الشكوك من جهته يتنازعون بشأنه.
إذا حملت صورة السماوي وخلعت عنك صورة الترابي، لن تكون بعد ترابًا (أرضًا) تدينه، ولن تكون أرضاً يُدان فوقها، ولن تكون أرضاً ينازعونه عليها.
9. "وكل واحد يلعنني" أو "ضَعفت قوتي أمام الذين يلعنونني".
يقول بولس الرسول عن المخلص إنه قد صُلب من ضعف (2كو 13: 4). كما يقول أيضاً إشعياء النبي عنه: "يا رب من صدق خبرنا ولمن استعلنت ذراع الرب. نبت قدامه كفرخ وكعرق من أرض يابسة. لا صورة له ولاجمالِ فننظر إليه ولا منظر فنشتهيه. محتقر ومخذول من الناس. رجل أوجاع ومختبر الحزن وكمُسَتَّر عنه وجوهنا محتقر فلم نعتد به: لكن أحزاننا حملها وأوجاعنا تحملها. ونحن حسبناه مصاباً مضروباً من الله ومذلولاً. وهو مجروح لأجل معاصينا. مسحوق لأجل آثامنا. تأديب سلامنا عليه وبجراحاته شفينا" (إش 53: 1- 5). هو حمل ضعف خطايانا وحملنا نحن أيضاً، جاء إلى الذين يلعنوه، وحينما نزل من السموات ضعفت قوته أمام الذين يلعنوه، لأنه كما يقول الرسول: "أخلى نفسه آخذاً صورة عبد" (فيلبي 2: 7).
قوة الله تزداد وتضعف فينا
10. "ضعفت قوتي أمام الذين يلعنونني".
أحاول بنعمة الرب أن أقدم تفسيراً أوضح لتلك الآية وأفضا مما سبق.
"كان النور الحقيقي الذي ينير لكل إنسان آتياً إلى العالم" (يو 1: 9). ابن الله هو النور الحقيقي الذي ينير لكل إنسان آتياً إلى العالم، وكل إنسان عاقل ينتمي إلى هذا النور الحقيقي؛ غير أن كل البشر عاقلون. وكل البشر ينتمون إلى الله الكلمة، لكن ببعضهم يرى أن قوة المخلص زادت، والبعض الآخر يراها ضعفت.
لو نظرت إلى نفسٍ وقعت فريسة للشهوات والخطايا، ترى قوة المخلص تضغف، بينما لو نظرت نفساً بارة وتقية، ترى قوة المخلص تثمر من يوم إلى يوم فيها؛ وحينئذ يمكن تطبيق ما قيل عن السيد المسيح على النفوس البارة: "وكان يسوع ينمو في الحكمة والعمر والنعمة أمام الله وأمام الناس".
إذاً، فإن الكلمة ابن الله يقول: " ضعفت قوتي أمام الذين يلعنونني". فإذا لعن أحد الابن الكلمة، ينال عقابه على هذه اللعنة وعلى انتقاده تعاليم السيد المسيح، ويتمثل هذا العقاب في: أن قوة السيد المسيح تضعف عند هذا الإنسان، بل وتُنتزع منه تمامًا. والعكس صحيح، فإذا بَارَكْتَ السيد المسيح وقَبِلته فإن قوته تنمو وتزيد فيك.
مسيحنا الشفيع في مضايقيه
11. "قال الرب إني أَحُّلك للخير. إني أجعل العدو يتضرع إليك في وقت الشر وفي وقت الضيق" (إر 15: 11). أو "فلتأتِ يا رب، إذا سلكوا بالاستقامة. ألم أقف أمامك في وقت شدتهم؟" (بحسب الترجمة من النص الفرنسي).
"فلتأتِ يا رب": ما هي هذه التي تأتي؟ نضيف بقدر استطاعتنا بعض كلمات بعد "فلتأتِ" لنوضح معنى الآية. سنقول الآتي: "يا رب، إذا سلكوا بالاستقامة فلتأتِ فيهم القوة التي ضعفت عندهم حينما لعنوني"، حتى بعدما نطقوا بالشر عليّ، ثم تابوا، يسلكون في الطريق المستقيم ويتبعونه.
ثم يبرر موقفه حينما يتحدث عن الذين ينطقون عليه شرًا: " ألم أقف أمامك في وقت شدتهم؟"، لقد وقف السيد المسيح أمام الآب وقدم نفسه كفارة لخطايانا (1يو 2: 2)، وتشفع من أجلهم في وقت شدتهم، فإنه لم يقف أمام الآب بعد إنتهاء شدتنا، بل أن "المسيح إذ كنا بعد ضعفاء مات في الوقت المعين لأجل الفجار" (رو 5: 6). " ألم أقف أمامك في وقت شدتهم وفي وقت ضيقتهم لأنقذهم من أمام وجه العدو": وحتى في وقت ضيقتهم، وقت تعرضهم لمواجهة العدو، وقفت أمامك لكي أدافع عنهم.
من هو هذا العدو إلا "إبليس خصمنا" (1بط 5: 8)، الذي يضايقنا؟
إنه من الواضح أن في وقت عداوة الشيطان للإنسان وقف مخلصنا أمام الآب وصلى وطلب من أجلنا نحن المأسورين حتى يفتدينا وينقذنا من عبودية العدو.
نزع النبوات (الكنوز) عنهم
12. سواء كانت هذه الكلمات خاصة بالمخلص أو بإرميا، لأن إرميا يمكن أن ينطق أيضًا بهذا الكلام ويصلي من أجل الشعب في وقت شدتهم، فإن الرب يجيب بعدها على الشعب المُتَهَم من قِبَل النبي أو من قِبَل السيد المسيح، قائلاً: "هل يكسر الحديدُ الحديدَ الذي من الشمال والنحاس" أو "إن قوتك هي مثل الحديد والنحاس"، صلبة، عنيدة، جامدة؛ ومثل هذه القوة تقطع وتقسم، لأنها ليست قوة لفعل الخير.
"ثروتك وخزائنك أدفعنها للنهب لا بثمن بل بكل خطاياك" (إر 15: 13). ما هي ثروات الخطاة التي يدفعها الله للنهب في مقابل كل خطاياهم؟ هل هي الثروات التي يجمعونها على الأرض؟ كل إنسان في الواقع يكنز لنفسه، إما على الأرض إذا كان إنسانًا شريرًا، أو في السماء إذا كان إنسانًا صالحًا، كما يخبرنا الإنجيل (مت 6: 19- 20). أو هل يقصد أن يقول لهذا الشعب: إنه بسبب خطاياكِ سوف أدفع خزائنك وثرواتك للنهب، قاصداً بتلك الثروات: الأنبياء مثل إرميا وإشعياء وموسى، فقد نزع الله هذه الكنوز عن هذا الشعب، وقال السيد المسيح: "إن ملكوت الله يُنزع منكم ويُعطى لأمة تعمل أثماره" (مت 21: 43). هذه الأمة هي نحن، فقد دفع الله ثروات هذا الشعب (الأنبياء) إلينا.
هم استؤمنوا على أقوال الله (رو 3: 2) أولاً، ثم استؤمنا نحن من بعدهم على هذه الأقوال؛ فقد نُزعت منهم أقوال الله وأُعطيت لنا. كذلك يمكننا أن نقول أن عبارة: "ملكوت الله ينزع منكم ويُعطى لأمة تعمل أثماره" التي قالها المخلص، قد تحققت فيه. ليس أن الكتاب المقدس نُزِع منهم، بل أنهم حاليًا لا يملكون الناموس ولا الأنبياء لأنهم لا يفهمون ولا يُدركون المكتوب فيه. توجد عندهم الكتب، لذلك فإن ملكوت الله الذي يُنزع عنهم هو "معنى الكتب المقدسة". إنهم لا يهتمون بمعرفة أي شرح للناموس والأنبياء، لكنهم يقرأونه دون فهم. وبمجئ السيد المسيح تحققت بالفعل النبوة التالية: "فقال اذهب وقل لهذا الشعب اسمعوا سمعًا ولا تفهموا وابصروا إبصارًا ولا تعرفوا. غلظ قلب هذا الشعب" (إش 6: 9-10، مت 13: 14-15)
كما تحققت أيضاً نبوة إشعياء: "فإنه هو السيد رب الجنود ينزع من أورشليم ومن يهوذا السند والركن. كل سند خبز وكل سند ماء. الجبار ورجل الحرب. القاضي والنبي. والعراف والشيخ. رئيس الخمسين والمعتبر والمشير والماهر بين الصناع والحاذق بالرقية" (إش 3: 1-3). كل هذا قد نزعه الله منهم ودفعه لنا نحن الذين جئنا من الأمم.
كان هذا التفسير بالنسبة لـ: "ثروتك وخزائنك أدفعنها للنهب". ثم يقول: "لا بثمن بل بكل خطاياكِ وفي كل تخومكِ": وكأنه يقول لهذا الشعب: أن خزائنك وثروتك أدفعنها للنهب بسبب خطاياكِ التي ملأت كل تخومك، لأنه لم يوجد مكان عند هذا الشعب لم يمتليء بالخطية. كيف لا تُمَلأ كل تخومهم بالخطايا وهم الذين قتلوا الحق، بما أن السيد المسيح هو الحق، وقتلوا الحكمة، بما أن السيد المسيح هو الحكمة، وقتلوا العدل، بما أن السيد المسيح هو العدل؟ فبحكمهم على ابن الله بالموت، فقدوا كل ذلك (الحق والحكمة والعدل). وحينما قام رب المجد يسوع من بين الأموات لم يظهر أبدًا للذين قتلوه. فإننا لا نجد الكتاب يذكر أنه ظهر لمن قتلوه، لكنه ظهر فقط للذين آمنوا به، ظهر لهم وحدهم حين قام من الأموات.
13. "وأُعبِّرُك مع أعدائك (وأخضعك للعبودية في وسط أعدائك) في أرض لم تعرفها لأن نارًا قد اشتعلت بغضبي تُوقد عليكم" (إر 15: 14). لقد أُخضع هذا الشعب بالفعل للعبودية في وسط أعدائه وفي أرض لم يعرفها. وبعد كلام التهديد هذا الموجه للشعب، يواصل إرميا أو السيد المسيح صلاته ويضيف إلى أقواله السابقة هذه الكلمات: "أنت يا رب قد عرفت. أذكرني وتعهدني وانتقم لي من مضطهديَّ. بطول أناتك لا تأخذني" أو "ولا تكن طويل الأناة عليهم" بحسب النص الفرنسي.
يمكن أن يكون إرميا هو الذي نطق بهذا الكلام، بما أنه اضطُهِد من الذين كان يعاتبهم، وكان مكروهًا من الذين لم يقبلوا الحق. يمكن أيضًا أن يكون مخلصنا هو المتكلم حيث أنه اُضطهد هو أيضًا من هذا الشعب. يضيف: "ولا تكن طويل الأناة عليهم"، ماذا تعني هذه الكلمات؟: لقد كنت دائمًا طويل الأناة أمام خطايا هذا الشعب، ولكن أمام كل هذه الجرائم التي تجرأوا وارتكبوها ضدي، فلا تكن طويل الأناة عليهم. بالفعل، فإن الله لم يكن طويل الأناة. لو نظرت إلى تاريخ عذاب هذا الشعب، أي تاريخ سقوط أورشليم وخرابها، وإلى الطريقة التي ترك بها الله هذا الشعب لأنهم قتلوا السيد المسيح، تدرك أن الله لم يستخدم طول آناته مع هذا الشعب! أو إذا شئت فاستمع إلى هذا: أنه منذ السنة الخامسة عشرة لملك طيباريوس قيصر (أي منذ بداية عمل السيد المسيح وكرازته) (لو 3: 1)، وحتى وقت خراب الهيكل، لم يمض سوى 42 سنة فقط!
وكانت تلك الفترة بمثابة "وقت" منحه الله للتوبة، خاصة توبة بعض الناس من ذلك الشعب، وهم اليهود الذين دخلوا إلى الإيمان بعد رؤيتهم للآيات والعجائب التي صنعها الرسل.
لنطلب شركة العار والآلام!
14. "اعرف احتمالي العار لأجلك" أو "اعرف إنني شُتِمتُ من أجلك من الذين يرفضون كلامك". لنفترض هنا أن النبي هو الذي يتكلم، بالفعل كان مُحتقراً من الناس بسبب ما كان يتكلم به، فكان الخطاة يرفضون سماعه؛ لذلك قال: "صرت للضحك كل النهار" (إر 20: 7). كان يُشتَّم من أجل الكلام الذي كان يقوله الرب على لسانه، وكان يصلي بسبب هذه الشتائم الواقعة عليه، حتى ينقذه الله ويساعده، قائلاً: "اعرف إنني شتمت من أجلك من الذين يرفضون كلامك" يضيف أيضًا طالبًا من الله: "إفنيهم" (إر 15: 15) (غير موجودة في النص العربي)
لنفترض أيضًا أن إرميا هو الذي يقول "إفنيهم"، ولكنني أعتقد أن هذه الكلمة توافق أكثر السيد المسيح، حيث تحققت طلبته، فكان فناء عظيم لمنطقة أورشليم وللشعب، بعدما تآمروا على المخلص وقتلوه.
بعد ذلك، بما أن الأنبياء تألموا كثيرًا بسبب توبيخاتهم للشعب، وبكونهم سفراء الكلمة حينما يقولون ما يأمرهم الله بقوله، فمن الضروري أن نُذَكّر السامعين، ما هي حياة الأنبياء، وما هي الوعود التي أخذوها، وأيضًا نُذَكّرَكُم أن الاختيار متروك لنا، فإذا أردنا أن تكون لنا راحة في أحضان هؤلاء الأنبياء، يجب علينا –على قدر استطاعتنا- أن نعمل الأعمال التي عملوها.
ما أريد أن أقوله لكم يتلخص في الآتي: كثيرًا ما نقول في صلواتنا: يا الله القوي، إعطنا أن تكون لنا شركة (نصيب) مع الأنبياء، اعطنا أن تكون لنا شركة مع رسلك، لكي نوجد مع ابنك الحبيب يسوع المسيح. لكننا لسنا ندرك ما نطلب، لأن هذا الكلام معناه: يا رب اعطنا أن نتألم كما تألم الأنبياء، اعطنا أن نكون مكروهين مثلهم، اعطنا أن نبشر بكلمات يضطهدنا الناس بسببها، اعطنا أن نسقط في مؤمرات كثيرة كما حدث للرسل.
فإنه في الواقع لا يليق بنا أن نقول: "اعطنا يا رب شركة مع الأنبياء، ونحن لا نتألم مثلهم ولا نريد أن نتألم. لا يليق بنا أن نقول: "اعطنا يا رب شركة مع رسلك"، ونحن غير مستعدين أن نقول بكل صراحة مع بولس الرسول: "في الأتعاب أكثر. في الضربات أوفر. في السجون أكثر. في الميتات مرارًا كثيرة" (2كو 11: 23).
بما أننا نريد أن يكون لنا نصيب مع الأنبياء، فلننظر إذًا إلى حياتهم، وإلى ما قاسوه من أتعاب وآلام بسبب توبيخاتهم وتأنيبهم للشعب؛ "رُجموا، نشروا، جربوا، ماتوا قتلاً بالسيف، طافوا في جلود غنم وجلود معزى، معتازين، مكروبين، مذلّين، تائهين في براري وجبال ومغاير وشقوق الأرض" (عب 11: 37-38).
إذًا فلا عجب إن تعرضنا إلى الإفتراء والبغضة والإتهامات الباطلة، إذا أردنا أن نحيا حياة الأنبياء. لابد أن نحتمل كل ذلك بفرح، فلا نتذمر ولا نتكلم بالشر على الذين طردونا أو على الذين أصدروا الأوامر باضطهادنا. فإن الرسل، هؤلاء الأبطال المدهشين، الذين قاسوا آلاف الأتعاب من أجل الحق، كانوا يقولون: "لذلك أسر بالضعفات والشتائم والضرورات والاضطهادات والضيقات لأجل المسيح" (2كو 12: 10).
ويمككنا أن نذوق هذا السرور، لو أدركنا فقط أن كل هذه الاضطهادات التي نتحملها هي من أجل المسيح وحده، ولو عرفنا أن سبب هذه الضيقات التي نتعرض لها هو السيد المسيح، وأننا نقدم أنفسنا أبطالاً للحق، وأنهم يحكمون علينا لأننا سفراء كلمة الله (أف 6: 20). إذًا فلنحاول نحن جميعًا، على قدر استطاعتنا، أن نحيا حياة الأنبياء وحياة الرسل، دون أن نهرب من الأتعاب، لأنه لو هرب المصارع من أتعاب المنافسة لن يتمتع بإكليل النصرة[30].
آلام مفرحة
15. "فكان كلامك لي للفرح" (إر 15: 16)، أو "سوف يكون كلامك لي مصدرًا للفرح". إنه ليس مصدرًا لفرحي الآن، ولكنه "سوف يكون". لأنه إذا كانت كلمتك الآن في الوقت الحاضر مصدرًا لسجني، وآلامي، واضطهادي، فإنها في نهاية كل ذلك سوف تكون مصدرًا لفرحي.
"وسوف يكون كلامك لي مصدرًا للفرح ولبهجة قلبي لأني دُعِيت باسمك يا رب إله الجنود". فإنه حتى إذا كان السيد المسيح هو المتكلم هنا، فإن اسم الآب قد دُعِي عليه.
"لم أجلس في محفل المازحين مبتهجًا"؛ فإذا حدث أن رأى النبي أن المحفل لا يضم أناسًا جادّين بل مازحين، كان يتجنب أن يشترك فيه. يجب إذًا أن تفهم الفرق بين محفل المازحين وبين محفل الجادّين. فإن جماعة الجادين تفعل كل شيء بجدية وتحتكم إلى المنطق في كل تصرفاتها، لها عقيدة جادة، وحياة جادة. لكن حينما تقوم الجماعة (المحفل) بترك الجدية اللازمة في الأمور الهامة، وتنصرف إلى حياة اللهو وإلى الأعمال الصبيانية التي لهذا العالم، وإلى الأعمال المتولدة من الرذيلة، إنها تتحول إلى محفلٍ للمازحين. فيقول النبي: "لم أجلس في محفل المازحين مبتهجًا. من أجل يدك جلست وحدي لأنك قد ملأتني غضبًا (خوفًا)".
أمام الاختيارين: إما أن نجلس في محفل المازحين فنغضب الله، أو نترك محفل المازحين برضانا فنفرح الله. يقول إرميا: لقد اخترت أن أترك محفل المازحين وأن أكون صديقًا لك، بدلاً من أن أفعل العكس فأصير عدوًا لسعادتك (أي أكون سبب غضبك).
مخلصنا أيضًا لم يجلس في محفلهم "محفل المازحين" لكنه قام وتركه، والدليل على هذا أنه قال: "هوذا بيتكم يترك لكم خرابًا"، لقد ترك السيد المسيح محفل اليهود وأقام لنفسه محفلاً آخر هو كنيسة الأمم.
لتكن لنا الحياة المميزة الفريدة!
11. "جلست وحدي": ينبغي أن نتعلم من هذه العبارة: عندما تكون هناك جماعة من الخطاة لا تحتمل أن ترى إنسانًا تقيًا يعيش في حياة التقوى، لهذا يليق بالإنسان أن يهرب من محفل الرذيلة، ويفعل مثل إرميا الذي قال: "جلست وحدي"، ومثل إيليا الذي قال: "يا رب قتلوا أنبيائك وهدموا مذابحك وبقيت أنا وحدي وهم يطلبون نفسي" (رو 11: 3).
لكن إذا نظرت بطريقة أعمق إلى الكلمات "جلست وحدي"، فربما وجدت لها تفسيراً أكثر عمقاً يليق بها.
عندما نحيا مثلما يحيا جميع الناس، ولا تكون لنا حياتنا المستقلة الخاصة والمميزة بالنسبة لباقي الناس، فلن نستطيع أن نقول: "جلست وحدي"، وإنما نقول: "جلست مع أناس كثيرين". لكن على العكس إذا أصبحت حياتي مميزة بحيث يصعب على الناس تقليدها، بحيث لا يستطيع فيها أحد أن يشابهني لا في أعمالي ولا في عقيدتي ولا في حكمتي، عندئذ يمكنني أن أقول: "جلست وحدي".
إذاً يمكنك أن تقول هذه الكلمات، حتى ولو لم تكن كاهنًا أو أسقفًا وليست لك أية رتبة كنسية، ذلك حينما تحيا الحياة التي تمكّنك من أن تقول: "جلست وحدي".
"لأنك ملأتني غضبًا" أو "لأنني قد امتلأت مرارة". إذا كان الطريق المؤدي إلى الحياة ضيق وكرب (مت 7: 14)، فإنه لن يمكنك أن تتمتع ببأي عذوبة الآن، بل عليك أن تمتلئ مرارة في هذه الحياة. ألا تعلم أن عيدك يُحتفل به على أعشاب مُرّة؟ إذ يقول الكتاب المقدس: حينما تحتفل بالعيد لابد أن تأكل فطيرًا على أعشاب مُرّة (خر 12: 8). ماذا يعني الكتاب حينما يؤكد انه للاحتفال بأي عيد خاص بالرب لابد من أكل الفطير على أعشاب مرة؟ هلموا نبحث هذا الموضوع.
موضوع "الفطير" سبق أن شرحه لنا بولس الرسول عندما قال: "إذًا لنُعيد ليس بخميرة عتيقة ولا بخميرة الشر والخبث بل بفطير الإخلاص والحق" (1كو 5: 8).
ينبغي أن يكون التفسير الذي أضيفه موافقًا ومناسبًا لتفسير الرسول ومكملاً له. يجب عليك أن تفهم ما هي الأعشاب المُرة، وذلك حينما تربط بينها وبين كون الفطير "فطير الإخلاص والحق". فمجرد أن يكون عندك إخلاص وحق تجد أمامك أعشابًا مُرّة، وتأكل مع الأعشاب المُرّة فطير الإخلاص والحق.
ينطبق هذا على بولس الرسول: فلأنه كان يأكل فعلاً فطير الإخلاص والحق، كان يأكل أيضًا بسبب ذلك "الأعشاب المُرّة".
كيف كان ذلك؟
لقد قال: "أفقد صرت إذًا عدوًا لكم لأني أَصْدُقُ لكم" (غلا 4: 16). كيف كان يأكل أيضًا الأعشاب المُرّة؟ كان يأكلها كالآتي: "في كد وتعب. في أسهار مرارًا كثيرة. في جوع وعطش... الخ" (2كو 11: 27- 28). ألا يعتبر كل ذلك "حق مع أعشاب مُرّة"؟ أو فطير على أعشاب مرة؟
إذًا تقول الشريعة: "كلوا فطيرًا مع أعشاب مُرّة" ولم تقل: "كلوا فطيرًا مع أعشاب مُرّة حتى تمتلئوا وتشبعوا"؛ لذا فإن النبي قد فعل أكثر مما تطلبه الشريعة، فهو يقول: "قد امتلأت مرارة" ولم يقل: "قد أكلت مرارة"، أي: قد أخذت نصيبي من المرارة بما فيه الكفاية.
الامتلاء بالمرارة
17. "كان وجعي دائمًا" أو"لماذا يكرهوني ويغضبون علي دائمًا؟".
لقد مر إرميا بمضايقات كثيرة، وتألم بسبب الذين لم يريدوا أن ينصتوا للحق والذين كانوا أقوى منه هنا على الأرض فقط، لأن ملكوت الله ليس من هذا العالم بل من فوق. كما يقول المخلص: "لو كانت مملكتي من هذا العالم لكان خدامي يجاهدون لكي لا أسلم إلى اليهود" (يو 18: 36). إذًا فإن الذين كانوا يضايقون النبي كانوا يضايقونه في هذا العالم فقط. انظروا أيضًا الشهداء: يجلس القاضي على مقعده على منصة الحكم ليقضي ويحكم وهو في غاية الراحة، بينما يقف الإنسان المسيحي الذي "يُحَاكم السيد المسيح فيه"، وقد " امتلأ مرارة" وهو موضوع تحت رحمة إنسانٍ غير عادل ليحكم عليه.
جرح عديم الشفاء
18. "جرحي عديم الشفاء يأبى أن يشفى" أو "جرحي عديم الشفاء. من أين يأتيني الشفاء؟".
الذين يضايقونني يضربوني وجرحي عديم الشفاء.
يمكن أن تكون هذه العبارة نبوة عن صلب السيد المسيح، كما يمكن أن يكون المقصود بها كل الآبرار الذين يتحمل السيد المسيح فيهم جرح عديم الشفاء. أو يمكن أن يكون المقصود هو إرميا النبي نفسه لأنه قاسى أتعابًا وآلامًا كثيرة: يمكن أن يطبق النص على جميع هذه الحالات.
"من أين يأتيني الشفاء"؟ إذا كان السيد المسيح هو الذي يقول ذلك، فهو يتنبأ بذلك عن قيامته من الأموات بعد الجرح العديم الشفاء.
"أتكون لي مثل كاذب مثل مياه غير دائمة" أو "لقد صارت لي مثل مياه مضللة وغير مخلصة". ذلك لأن الجراحات لا تبقى على الدوام وإنما تعبر وتنتهي.
"لذلك هكذا قال الرب: إن رجعتَ أُرجعك فتقف أمامي". هذه العبارة موجهة إلى الذين يدعوهم الرب إلى التوبة والرجوع إليه. لكن يبدو لي أن هناك شيئًا من الغموض في كلمة "أُرجعك". فإنه ما من أحد "يرجع" إلى موضع لم يكن موجودًا فيه من قبل، ولكن إرجاع الشخص أو الشيء يكون إلى مكانه الطبيعي.
فعلى سبيل المثال، حينما يُبتر أحد أعضاء جسمي فإن الطبيب يحاول أن يعمل له عملية إرجاع وإعادة إلى مكانه الأصلي. كذلك حينما يوجد مثلاً إنسان خارج وطنه، لأسباب عادلة أو ظلمًا ثم يصدر الأمر برجوعه، فإنه يرجع إلى وطنه.
إذاً فإن الله يقول لنا هنا، نحن الذين بعدنا عنه: أنه إذا رجعنا إليه فسوف يرجعنا إلى مكاننا الطبيعي معه. هذه إذًا هي كلمات الوعد الإلهي لنا. وكما هو مكتوب في سفر أعمال الرسل: "إلى أزمنة رد كل شيء، التي تكلم عنها الله بفم جميع أنبيائه القديسين منذ الدهر" (أع 3: 21).
ولإلهنا المجد الدائم إلى أبد الآبدين آمين.
عظة (15)
مرة أخرى تفسير الآية10 من الأصحاح الـ 15:
"ويل لي يا أمي... كل واحد يلعنني".
ثم الآية5 من الأصحاح الـ 17:
"ملعون الرجل الذي يتكل علي الإنسان ويجعل البشر ذراعه".
لنتألم مع الانبياء فنطوب معهم!
1. الذين يطوبون الأنبياء ويتمنون أن يكون لهم نصيب معهم، عليهم أن يتأملوا في الإعلانات النبوية ليكتشفوا فيها سمو النبوَّات والأنبياء. وعندما يتأملون في ذلك يقتنعون أنهم لو عاشوا حياتهم بنفس المقاييس التي اتبعها الأنبياء -رغم قسوتها بالنسبة لهم في هذه الحياة- ينعمون بالراحة والتطويب مع أولئك الأنبياء. في الواقع توجد في الكتاب المقدس مواضع كثيرة يمكننا أن نجد فيها ما يدل ويشهد علي سمو مكانة الأنبياء، وقوتهم، وحريتهم، ويقظتهم، وروحهم النشطة، ونري أنهم لا يضطربون حينما يقعون في تجارب أو متاعب وذلك بسبب حريتهم واستقلالهم الداخلي، فهم بوصفهم أنبياء، يقولون كلمة الله، ويوبخون الناس ويلومون الخطاة بكل صراحة وبكل حزم، حتى إذا كان هؤلاء الخطاة يبدون أقوياء وعنفاء جدًا.
بما أنه يمكننا أن نجد هذه الدلائل والشهادات في مواضع عديدة، فإننا سوف نجد في آيات هذا اليوم أيضًا، بعضًا من تلك الدلائل.
لقد عاش إرميا النبي في وسط خطاة كثيرين جدًا، والدليل علي ذلك أن السبي حدث في عهده. ولقد أنذر النبي كثيرين ووبخ كثيرين ووجه كلامه إلي كثيرين وبسبب كل هذا حُِكمَ عليه من كثيرين، مما جعل كلماته تأخذ هذه النغمة.
ويل لي يا أمي!
2. لنبدأ إذًا من خلال كلمات النبي نفسه لنَري هل يوجد عنده القوة والنشاط والحرية واليقظة والجرأة وغيرها من الصفات التي ينبغي أن تتوفر في النبي؟
"ويل لي يا أمي لأنك ولدتني إنسان محكومًا عليه وانسان نزاع لكل الأرض": يقول النبي: آه يا أمي، لماذا جئتِ بي إلي العالم كرجلٍ محكوم عليه أمام كل الناس الذين علي الأرض؟ وكرجلٍ نزاع أمام كل الناس الذين علي الأرض؟
إن هذا النبي مثله مثل إشعياء والأنبياء الأخرىن، كان عليه أن يتمم وظيفتة كنبي: يعلم وينذر ويوبخ. وفي قيامه بهذه الوظيفة وفي إدانته للخطاه وحكمه عليهم كان يترتب علي ذلك أنه هو نفسه يحكم عليه ويحاكم مع الخطاة.
إذا كان يجب علينا أن نذكر كل ما فعله هذا الشعب بالأنبياء. فإليكم هذه الأمثلة:
لقد رجموا واحدًا، وقتلوا آخر بين الهيكل والمذبح، ونشروا ثالثًا، أما إرميا فقد ألقوه في جب لأنه كان ينذرهم. مخلصنا هو الذي سلك بالأخص مثل الأنبياء، بل وأفضل منهم، إذ هو رب الأنبياء. إذا كان السيد المسيح قد جُلِد وصُلِب وأُسلِم من اليهود ومن رؤسائهم ومن رئيس هذا العالم، فلأنه قد قال لهم: "ويل لكم ايها الكتبة والفريسيين المرائين" وظل يردد هذه الكلمة "ويل لكم" في كل مرة يوبخهم علي شيء. فنحن أيضًا، إذا أردنا أن نصل إلي التطويبات التي وُعِدَ بها الأنبياء، فلنسلك مثلهم، بحيث أننا من كثرة كلامنا وإنذارنا للخطاة ووقوعنا تحت الحكم بسببهم، نقول نحن أيضًا: "ويل لي يا أمي لأنك ولدتني إنسانًا محكومًا عليه وإنسان نزاع لكل الأرض".
3. مع ذلك فإن تلك الكلمات يمكن أن تكون أكثر ملائمة إذا اعتبرنا أن المخلص هو الذي نطق بها. لكن إن افترضنا أن النبي هو الذي ينطق بها، فإنها لن تكون صحيحة تمامًا، بل ستحمل شيئًا من المبالغة؛ فهو لم يصر إنسان نزاع "لكل الأرض". أما بالنسبة لمخلصنا نري أن ربنا ومخلصنا يجب أن يقف أمام الآب ليُحَاكَم معنا كلنا نحن البشر؛ وخصوصًا بسبب تلك الكلمات: "لكي تتبرر في أقوالك وتغلب إذا حوكمت". نعم لقد حوكم مع كل الناس. وأقول أيضًا: أنه حوكم، وفُحِصَ هو أيضًا، ووقف أمام الحكم لكي يدافع عن الحق، لا ليدين أو يتهم أحدًا.
"ويل لي يا أمي لأنك ولدتني إنسانًا محكومًا عليه وانسان نزاع لكل الأرض".
إذًا لا يستطيع أي نبي أن يقول "لكل الأرض". ومع ذلك أعرف أناسًا يحبون ربنا ومخلصنا يسوع المسيح، ويحبونه لدرجة أنهم يشفقون عليه من الكلمات السابقة ولا يقبلون أن يكون الرب هو الذي ينطق بهذا. من أجل ذلك رأيت أنه يجب علي ان أوضح لهم أنه ليس بالأمر الغريب ان يقول ابن الله "ويل لي".
[ثم أعاد أوريجانوس شرح الآيات التي سبق أن شرحها قبل ذلك والتي تؤكد صحة كلامه بالنسبة لانطباق هذا الكلام علي السيد المسيح، وهي موجودة في العظة السابقة (14: 6)].
4. لقد انحرفت قليلاً عن الموضوع، حينما تحدثت عن القول "ويل لي"، فعلت ذلك لأوضح أن تلك الكلمات لا تتنافي مع ألوهية مخلصنا. فإنه ليس منافيًا أن يقول السيد المسيح "ويل لي" حينما يري خطايا الناس، وليس منافيًا أن يقول المخلص ذلك، باعتباره إنسانًا لا إلهًا وباعتباره نفسًا بشرية لا حكمة إلهية. فقد جاءت "نفس" السيد المسيح المطوبة إلي العالم البشري وأخذت جسدًا بشريًا، وحينما رأت الخطايا، قالت للآب: "ما الفائدة من دمي إذا نزلت إلي الفساد؟ هل يحمدك التراب؟ هل يخبر بحقك؟" (مز 30: 9). آه يا رب، ليت نفس السيد المسيح لا تقول علينا "ويل لي"، ليت الملائكة ايضًا لا يقولون علينا ذلك!
طوبي لهؤلاء الذين لا يقول عليهم الملائكة "ويل لي"، لأنهم سيطوبون من جميع السمائيين لأن السماء تفرح بخاطيء واحد يتوب أكثر من تسعة وتسعين بارًا لا يحتاجون إلي توبة.
"ويل لي يا أمي"، فمن هي التي يدعوها أمه؟ ربما يقصد بها "النفس"، أو ربما العذراء مريم.
"إنسان محكوم عليه وانسان نزاع لكل الأرض"، لقد حاكمه جميع الناس ونازعوه، لذلك فإنه يجيبهم في اليوم الأخير علي اتهاماتهم له، قائلاً: لقد فعلت من أجلكم هذا وذاك، وبمجيئي إلي الأرض حققت لكم هذا وذاك، وتألمت كثيرًا من أجل خلاصكم. فماذا ترانا نفعل حينما يقول لنا السيد المسيح ذلك؟
5. أما بقية الآية فإنها يمكن أن تطبق علي إرميا أو علي المخلص.
"لم أُقرض ولا أقرضوني" أو "لم أصر مدينًا لأحد ولا أحد صار لي مدينًا لي".
يقول المخلص: "رئيس هذا العالم آت وليس له فيّ شيء"، بالحقيقة لم يكن المخلص مدينًا لأحد، لكن كل واحد فينا كان مدينًا للعدل الإلهي بذنوبه. وحتى بعدما مُحِيَ صك خطايانا، مازلنا نخطيء. إن "الذي لم يفعل خطية وفي فمه لا يوجد غش" لم يصر مدينًا لأحد؛ لكن ماذا يعني "ولا أحد صار مدينًا لي"؟ كيف لا يوجد إنسان واحد علي الأرض كلها ليس مدينًا للمخلص؟ ذلك لأن السيد المسيح وَفيَّ ديوننا وسددها عنا. "كان لدائن مدينان. علي الواحد خمسمائة دينار وعلي الآخر خمسون ولم يكن لهما ما يوفيان. فسامحهما كليهما". أتريد أن تعرف من هما هذان المدينان اللذان كان علي الواحد منهما خمسمائة دينار وعلي الآخر خمسون؟ أنظر معي:
الذين يؤمنون بالله ينتمون إلي شعبين: الشعب اليهودي الذي يرفض الايمان بالسيد المسيح عليه خمسين، ونحن الذين من الأمم والذين كنا نعيش في شرور لا تحصي أكثر من جميع الناس لا شك علينا خمسمائة، لأن الكلمات التي قالها السيد المسيح للمرأة الخاطئة موجهة لنا نحن أيضًا. ولكن قد يسألني أحد: من أين تعرف أن الخمسمائة دينار يقصد بها المرأة الخاطئة؟ ذلك لأن السؤال الذي سأله سمعان الفريسي في قلبه قائلاً "لو كان هذا نبيًا لعرف من هذه المرأة التي لمسته وما حالها"، أجاب عليه السيد المسيح بقوله: "كان لدائن مدينان. علي الواحد خمسمائة دينار وعلي الآخر خمسون".
كان هذا بالنسبة للآية: "لم أصر مدينًا لأحد ولا أحد صار مدينًا لي"، التي كان لزامًا علي أن اشرحها لكم، ثم تأتي بعدها آيات أخرى كثيرة كنت أود أن أفسرها أيضًا، ولكن لضيق الوقت لن أتمكن من ذلك.
لنتحدث الآن عن الآية الموجودة في الأصحاح السابع عشر، والتي تقول:
"ملعون الرجل الذي يتكل علي الإنسان ويجعل البشر ذراعه" (إر 17: 5).
هذه الكلمات سوف تساعدنا وتمكننا من الرد علي الذين يعتقدون أن المخلص كان إنسانًا ولم يكن أبدًا ابن الله -لأنه إلي جانب جرائم الناس، فإن بعضًا منهم تجرأوا أن يقولوا أن "الوحيد الجنس" وال"كائن قبل كل الخليقة" ليس هو الله- إذًا فإنه بالفعل "ملعون الرجل الذي يتكل علي الإنسان"، وأنا يمكنني ان أقول أنني لا أتكل علي إنسان؛ فحينما أتكل علي السيد المسيح، لا أعرفه كإنسان(موجود معي بالجسد)، ولكنني أعرفه بكونه الحكمة والعدل، بكونه الكلمة الذي به "كل الأشياء خلقت ما في السموات وما علي الأرض. ما يري وما لايري".
وبالرغم من أن المخلص يشهد ويؤكد أن ما أخذه كان جسدًا بشريًا إنسانيًا، وبالرغم من أنه كان إنسانًا بالحقيقه، إلا أنه لم يعد إنسانًا في وقتنا الحاضر. لأنه "وإن كنا قد عرفنا المسيح حسب الجسد لكن الآن لانعرفه بعد" (2كو 5: 16).
أنا نفسي، عن طريق السيد المسيح، لم أعد بعد إنسانًا، فهو يؤكد لنا: "أنا قلت أنكم آلهة وبني العلي تُدعَوْن".
"ملعون الرجل الذي يتكل علي الإنسان ويجعل البشر ذراعه": أي ملعون الذي يعطي قيمة للأشياء الجسدية والمادية والذي يستخدم قوته الجسدية ويتكل علي جسده. أما الإنسان البار فهو لا يجعل البشر ذراعه وإنما يحمل في جسده كل حين إماتة الرب يسوع ويميت أعضاءه الجسدية، الزنا والنجاسة: وبإماتة أعضائه لا يتكل بذلك علي ذراعه.
هذه الآية أيضًا موجهه إلي هؤلاء الذين يتكلون علي المراكز العليا والوسائط لمساعدتهم: إن صديقي فلان رجل سياسي كبير؛ أو محافظ؛ أو حاكم؛ أو إن صديقي هذا رجل غني ويعطيني بسخاء. يجب علينا ألا نتكل علي أي إنسان حتى وإن كان يبدو أنه صديقنا، فإن اتكالنا هو علي ربنا ومخلصنا يسوع المسيح الذي له المجد والقدرة إلي دهر الدهور آمين.
عظة (16)
تفسير الآيات من
"ها أنذا أرسل إلى جزافين (صيادين) كثيرين" (أر 16: 16)
إلى:
"خطية يهوذا مكتوبة بقلم من حديد برأس من الماس منقوشة على لوح قلبهم". (إر 17: 1).
في شبكة الرسل نموت لنحيا من جديد!
1. مكتوب في أنجيل متى أن مخلصنا جاء إلى شاطئ بحر الجليل ورأى "سمعان وأندراوس أخوه يلقيان شباكهما في البحر، لأنهما كانا صيادين"، ثم يضيف الكتاب أن المخلص حينما رآهم دعاهم قائلاً: "هلموا ورائي فأجعلكما صيادين للناس".
هؤلاء تركوا شباكهما وتبعاه. ثم وجد أيضًا أخوان يعقوب بن زبدي ويوحنا أخاه في السفينة مع زبدي أبيهما يصلحهما شباكهما. فدعاهما أيضًا ليكونا صيادين للناس.
إذا نظرنا غلى الذين أعطاهم الرب موهبة الكلمة المجدولة مثل الشبكة، والمصنوعة من مجموعة كلمات متشابكة مع بعضها البعض ومأخوذة من الكتاب المقدس، بحيث تأسر في شباكها نفوس السامعين وإذا أدركنا أن ذلك ألأمر يستلزم تواضعًا كما يعلمنا السيد المسيح، لأدركنا أنه ليس في ذلك الزمن الماضي فقط أرسل الله صيادين للناس، إنما الآن أيضًا لا يزال الرب يرسل صيادين للناس بعد ما يقوم بتعليمهم، حتى يخرجونا من البحر[31] وينقذونا من مرارة أمواجه.
لكن الأسماك التي تقع في الشباك تموت موتًا بلا قيامة وليس لها حياة من بعد هذا الموت، أما الذين يسقطون في شباك صياديٍ السيد المسيح (أي الصيادين الذين أرسلهم السيد المسيح) والذين خرجوا من البحر، يموتون هم أيضًا، لكنهم يموتون عن العالم وعن الخطية، بعد هذا الموت يحيون من جديد بواسطة كلمة الله ويأخذون حياة جديدة، أي أنك تخرج من البحر وتقع في شباك تلاميذ السيد المسيح؛ وعند خروجك تتغير نفسك، فإنك لم تعد السمكة التي تعيش في وسط الأمواج والخارجة من البحر لتموت؛ وإنما تتغير نفسك وتتبدل وتتحول إلى نفس أفضل، بل وإلى نفسٍ إلهية. ويقول بولس الرسول: "ونحن جميعًا ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف كما في مرآة نتغير إلى تلك الصورة عينها من مجد إلى مجد كما من الرب الروح" (2كو 3: 18).
حاجتنا إلى صيادين ثم قانصين!
بما أن هذه النفس التي أُخِذَت من شباك الصيادين الذين أرسلهم السيد المسيح، قد تغيرت ولم تعد بعد تعيش في البحر، لذا فهي تعيش في الجبال، بحيث أنها لا تعود تحتاج إلى صياد ليصطادها من البحر، إنما سوف تحتاج إلى نوع آخر من الصيادين البريين الذين يصطادوا على كل جبل وعلى كل أكمة.
إذًا عندما تكون قد خرجت من البحر وأُخِذْتَ في شباك رسل السيد المسيح، تغير في نفسك واترك البحر وامحه تمامًا من ذاكرتك، ثم تعال إلى الجبال التي هي الأنبياء، وعلى الأكمة التي هي الأبرار، واقضِ هناك حياتك، حتى متى جاء بعد ذلك موعد رحيلك من هذه الحياة، يرسل إليك صيادين من نوع جديد وهم الملائكة الذين يستلمون أرواح الأبرار؛ فهم مكلفين باستلام الأرواح الموجودة على الآكام وليس الأرواح المائتة المطروحة إلى أسفل. أعتقد أن هذا المعنى هو الذي كان يقصده النبي حينما قال في نبوته: "هأنذا أرسل إلى جزافين (صيادين) كثيرين يقول الرب فيصطادونهم ثم بعد ذلك أرسل إلى كثير من القانصين قيقتنصونهم عن كل جبل وعن كل أكمة".
الصعود على الجبال المقدسة
2. إذًا لو أردت أن يأخذك القانصون احذر من أن تمضي حياتك مختبئًا في هذه الأرض وعائشًا في التراب، بل ابحث عن الجبال. إصعد إلى الجبل الذي تجلى عليه السيد المسيح. اصعد إلى الجبل الذي قيل عنه: ولما رأى الجموع صعد إلى الجبل، ولما جلس تقدم إليه تلاميذه ففتح فاه وعلمهم قائلاً: طوبى للمساكين بالروح لأن لهم ملكوت السموات، وبقية تطويبات التي علمها لهم السيد المسيح على هذا الجبل.
"ثم أرسل بعد ذلك إلى كثيرين من القانصين فيقتنصوهم عن كل جبل وعن كل أكمة ومن شقوق الصخور". إنه غير مسموح لهؤلاء القانصين أن يصطادوا إلا على "الجبال" وعلى "الآكام" وفي "شقوق الصخور". كيف أفسر "شقوق الصخور"؟
سوف أرجع إلى سفر الخروج وأبحث فيه عن تفسير لذلك. أجد أن موسى النبي حينما أراد أن يرى الله، قال له الرب هذه الكلمات ليجيبعلى طلبه: "هوذا عندي مكان. فتقف على الصخرة. ويكون متى اجتازمجدي أني أضعك في نقرة من الصخرة وأسترك بيدي حتى أجتاز. ثم أرفع يدي فتنظر ورائي. أما وجهي فلا يرى" (خر 33: 21). فإذا فهمت ما هي هذه الصخرة وما هي الفتحة أو النقرة الموجودة فيها عالمًا كيف أن الذي يقف على الصخرة وينظر من خلال النقرة التي فيها، يمكنه أن يرى الله لأمكنك أن تفهم ما هي الصخور العديدة وما هي شقوقها.
ما هي إذًا تلك الصخرة الفريدة من نوعها؟ "لأنهم كانوا يشربون من صخرة روحية تابعتهم والصخرة كانت المسيح" (1كو 10: 4)؛ وأيضًا: "وأقام على صخرة رجليَّ" كما يقول المزمور (40: 2).
ما هي إذًا النقرة الوجودة في الصخرة والتي تمكننا من رؤية ما وراء الله (فتنظر ورائي)؟ الصخرة هي السيد المسيح، والنقرة الموجودة فيها هي التجسد الإلهي، لأن بمجيء السيد المسيح في الجسد أمكننا أن ننظر ما وراء الرب، أي الإبن الكلمة.
3. إلى الآن لم نتكلم إلا على صخرة واحدة وعلى نقرة واحدة فقط، لذا سوف أنتقل من نقرة الصخرة إلى شقوق الصخور. فإنه بالنظر إلى جماعة الأنبياء أو الرسل أو الملائكة القديسين، يمكنني أن أقول أن كل المتشبهين بالسيد المسيح، يصيرون صخورًا كما أنه هو أيضًا صخرة. وكما أن المخلص له نقرة يمكننا من خلالها أن نرى ما وراء الرب، فكذلك أيضًا كل واحد منهم، يصنع في نفسه نقرة أو شق تمكننا من رؤية الله، وذلك من خلال "كلماتهم" التي ترشدنا إلى الرب: فموسى قدم لنا الناموس، وإشعياء قدم لنا نبوته، وأرميا قدم لنا كلمات أخرى للرب. ولكن حدث وكان المتكلم هو ملاك كما تقول الآية: "الملاك الذي يتكلم فيَّ" P. 139 a، فإنني في هذه الحالة أيضًا سوف يكون عندي "صخرة" و"نقرة"، وسوف أرى الله من خلال كلمات (نقرة) الملاك (الصخرة).
4. أحتاج إلى مثال لأوضح كيف يمكن أن نرى الله عن طريق ملاك:
مكتوب في سفر الخروج: "وظهر له ملك الرب بلهيب نار في وسط عليقة، فنظر وإذا العليقة تتوقد بالنار والعليقة لم تكن تحترق"، ثم بعد ذلك، لم تقل له الكلمة: "أنا ملاك من عند الرب"، وإنما: "أنا إله أبيك إله إبراهيم وإله إسحق وإله يعقوب" (خر 3: 6). إذًا فإن الله في هذه الحالة ظهر في صورة ملاك، وبالتالي فأمكن رؤيته عن طريق الصخرة التي هي الملاك، وكذلك عن طريق النقرة التي هي كلمات الملاك له.
إذًا أنت تجهل متى سيرسل الله إليك القانصين. لذا يجب عليك ألا تنزل أبدًا من على الجبال، ولا تترك الآكام ولا تخرج من شقوق الصخور، لأنه لو وُجِدْتَ خارجًا، يقال لك مثل أهل هذا العالم الموجودين خارجًا باستمرار: "يا غبي. هذه الليلة تؤخذ نفسك منك، فهذه التي أعددتها لمن تكون؟". وسوف يقال لك نفس هذا الكلام إذا قلت في نفسك: "أهدم مخازني وأبني أعظم منها، وأقول لنفسي: يا نفسي كلي واشربي لك خيرات كثيرة تكفيك لسنين كثيرة".
أرأيت إذًا كيف أن الإنسان الذي يعيش أسفل "الجبال" وأسفل الآكام" وخارج "شقوق الأرض"، يخطيء حتى في تقديره للـخيرات، حاسبًا أن تلك الأشياء التي على الأرض خيرات. لقد ظن أن القمح وكثرة الأشياء الأرضية تمسى خيرات، ولم يدرك أن الخيرات الحقيقية لا توجد في الأرض التي نزرعها وإنما توجد في السماء؛ ولأنه حسب أن الخيرات موجودة في الأشياء الأرضية، ظل يكنز كنوزًا على الأرض. ولكن إذا إتبع أحد قول السيد المسيح وكنز كنزه في السماء، فلن يقال له: "يا غبي. هذه الليلة تؤخذ نفسك منك"، بل يأخذه القانصنون من على الجبال أو من على الآكام أو من بين الصخور ليقوده إلى حيث الراحة الأبدية في أحضان القديسين والأنبياء وكل المطوبين في المسيح يسوع. "لأن عيني على كل طرقهم": أي طرق الأبرار الذين نتحدث عنهم.
فإن عيني الرب مركزة على كل طرق الناس الذين يعيشون على الجبال وعلى الآكام وبين شقوق الصخور. "لم تستتر عن وجهي". أو "لم يختبئوا من أمام وجهي"، أي أن الأبرار لم يختبئوا من أمام وجه الرب، أما الأشرار، فإنهم يختبئون.
آدم بعدما كسر الوصية سمع صوت الرب يتمشى في الجنة، فاختبأ، أما الأبرار فلا يختبئون، بل تعطيهم الحياة المقدسة في الرب، ثقة يستطيعون من خلالها أن يقفوا أمامه، لأنه "إن لم تلمنا قلوبنا فلنا ثقة من نحو الله، ومهما سألنا ننال منه" (1يو 3: 21- 22).
مع ذلك فإنه بالرغم من أن آدم قد أخطأ إلا أن خطيته لم تكن خطية فظيعة؛ لهذا اختبأ من أمام وجه الرب، أما قايين فكانت خطيته أكبر بكثير، فقد قتل أخاه، فماذا تراه فعل؟ "فخرج قايين من لان الرب" (تك 4: 16). وبالنظر إلى الحالتين نجد أن "الاختباء من وجه الرب" يكون من أجل شر أقل. وفي الواقع أن "الاختباء" دليل على خزي الإنسان من خطيته.
إذًا فإن الأبرار "لم يختبئوا من أمام وجهي". ولقد حدث بعد ذلك أن هؤلاء الأبرار سقطوا في بعض الخطايا، ثم قام الصيادون المرسلون من قبل الله بانتشالهم خارج خطاياهم التي هي في البحر. وحتى لا يظن هؤلاء الأبرار أن انتشالهم مرة أخرى من الخطية وصعودهم ثانية إلى "الجبال"، يرجع إلى برهم أو قداستهم أو استحقاقهم، يذكرهم الكتاب ويذكرنا نحن أيضًا بخطايانا السابقة، فيضيف قائلاً: "ولم يختفِ إثمهم من أمام عينيَّ".
5- "وأعاقب أولاً إثمهم وخطيتهم ضعفين لأنهم دنسوا أرضي وبجثث مكرهاتهم ورجاستهم قد ملأوا ميراثي" (أر 16: 18).
توضح هذه الآية أنه حتى هؤلاء الذين كانوا مستحقين التطويب من أجل أعمالهم الثانية، لابد أن يعاقبوا أولاً على خطاياهم السابقة التي سقطوا فيها كبشر.
من هو هذا الذي لن يعاقب على خطاياه. إلا الذي بعدما آمن وبعدما قال له يسوع: "مغفورة لك خطاياك"، لم يخطيء بالفعل بعد ذلك؟ لكن إذا أخطأنا بعد أن نكون قد نلنا الغفران ونلنا الميلاد الجديد بالمعمودية، كما يحدث الآن بالنسبة لنا، وإذا بعدما أخطأنا، أو في الوقت نفسه الذي نخطئ فيه كانت لنا أيضًا أعمال صالحة، فترى ماذا سيكون مصيرنا؟
إذا انتقلنا من هذه الحياة ولنا خطايانا وفي الوقت نفسه لنا أيضًا أعمال صالحة، فهل نخلص من أجل الأعمال الصالحة ونُسَامح على الخطايا التي ارتكبناها بكامل إرادتنا؟ أم نُعاقب بسبب خطايانا ولا نأخذ أية مكافأة على الأعمال الصالحة؟
إن كلى الرأيين لا يتفق مع عدل الله.
لنفترض إذًا، أنه بعدما وَضَعْتَ الأساسات، أي السيد المسيح الذي أخذت تعاليمه، وَضَعْتَ فوقها، ليس فقط ذهب وفضة وحجارة كريمة، وإنما وضعت أيضًا خشبًا وتبنًا وقشًا: فماذا تريد أن يحدث لك بعد الموت؟ هل تريد أن تدخل إلى المقدسات ومعك هذا الخشب والتبن والقش لتدنس ملكوت الله؟ أم هل تريد، بسبب خشبك وتبنك وقشك، أن تظل في النار دون أن تأخذ أية مكافأة على الذهب والفضة والحجارة الكريمة؟
6. إن هذا الكلام أيضًا غير منطقي بالمرة! فماذا إذًا سوف يترتب على ذلك إلا وجود حل واحد، وهو أنك سوف تتعرض "أولاً" للنار بسبب خطاياك حتى تحرق النار كل الخشب والتبن والقش الموجود فيك. لأنه قد قيل عن الرب إلهنا أنه بطبيعته نار آكلة. ولم يذكر النبي ما هو الذي سيؤكل من قبل الرب حينما قال: "الرب إلهنا نار آكلة"، ولكنه تركنا لنفكر في ذلك الأمر ونستنتجه. إذًا فما الذي سَيَهلك؟ إن الله لن يهلك ولن يدمر الإنسان الذي صنعه "على صورته وعلى مثاله"، ولن يهلك الخليقة التي صنعها بنفسه، بل أنه سيهلك التبن والخشب والقش الذي وضعناه ولوثنا به أنفسنا.
إن تلك الفقرة كان من الصعب جدًا شرحها. فقد كان يوجد فيها وعود إلهية "هاأنذا أرسل لكم جزافين كثيرين..."، ثم بعد تلك الوعود يقول: "وأعاقب أولاً إثمهم وخطيتهم ضعفين". إن كلمة "أولاً" موجودة هنا فعلاً في موضعها الصحيح[32]، لأن جزاء الإثم يكون "أولاً" ثم يأتي من بعده جزاء الخير. فإن الله لا يوزع الجزاءات بالترتيب العكسي. لأنه لو كان قد أعطى جزاء الخير أولاً لكان يجب أن تتوقف أعمال الخير حتى يمكننا أن نُعَاقَب على الإثم. ولكنه في الواقع، يجازى الآن عن الخطية، حتى إذا انتهت الخطايا، تنتهي أيضًا عقوباتها، وبالتالي يجازي الله بعد ذلك عن أعمال الخير.
كذلك فإنك تجد في الكتاب المقدس أن الله يتحدث "أولاً" عن الأشياء التي تبدو أكثر حزنًا ثم يذكر بعد ذلك الأشياء الأفضل منها: "أنا أميت وأحيي. سحقت وإني أشفي" (تث 32: 39). "لأنه هو يجرح ويعصب، يسحق ويداه تشفيان" (أي 5: 18). لذلك فان الإنسان الذي يفهم هذه الكلمات، ويدرك معنى "عقاب الخطية أولاً"يمكنه أن يقول مع المرتل: "يا رب من يسكن في مسكنك، من يحل في جبل قدسك؟ السالك بلا عيب، والفاعل البر، والمتكلم بالحق قي قلبه، الذي لا يغش بلسانه ولا يصنع بقريبه سوءًا، ولا يحمل تعبيرًا على جيرانه. فاعل الشر مرذول أمامه. ويمجد الذين يتقون الرب". (مز 14).
7. إذًا فإننا جميعنا، الذين عندنا مأكلاً لتلك النار (أي الخطية)، سوف نأخذ "أولاً" عقاب خطايانا. لكن قد يطلب مني أحد السامعين أن أفسر أيضًا كلمة "ضعفين"؛ لأنني متفق معك في أن الإنسان يجب أن يعاقب "أولاً" على خطاياه، حتى أنه بعد انتهاء عقابه يتحقق ما قاله الرسول: "إن إحترق عمل أحد فسيخسر، وأماهو فسيخلص ولكن كما بنار" (1كو 3: 15). ولكن لماذا يُعَاقَب على خطاياه عقابًا مضاعفًا؟ إن الإجابة يجب أن تكون كالآتي: "وأما ذلك العبد الذي يعلم إرادة سيده ولا يستعد ولا يفعل بحسب إرادته فيضرب كثيرًا" (لو 12: 47)، لن يضرب قليلاً بل كثيرًا.
وبذلك فإن الخطاة الذين من بين الوثنيين سوف يكون عقابهم أخف وأقل من عقابنا نحن حينما نخطيء، "فإنه إن أخطأنا باختيارنا بعدما أخذنا معرفة الحق لا تبقى بعد ذبيحة عن الخطايا. بل قبول دينونة مخيف وغيرة نار عتيدة أن تأكل المضادين" (عب 10: 26). تختص النبوة السابقة بهؤلاء الذين تم صيدهم، ثم سيتم بعد ذلك قنصهم، ثم يعاقبون "أولاً" على خطاياهم عقابًا مضاعفًا. أما النبوة التالية فهي تتحدث بوضوح عن دعوة الأمم إلى الإيمان.
8. هلموا لنرى ماذا تقول النبوة عنا: "يا رب عزي وحصني وملجأي في يوم الضيق إليك تأتي الأمم من أطراف الأرض ويقولون: إنما ورث آباؤنا كذبًا وأباطيل وما لا منفعة فيه". أو "يقولون: كاذبة هي الأصنام التي عبدها آباؤنا ولا يوجد فيها منفعة". جاءت الأمم من أطراف الأرض، كيف "من أطراف الأرض"؟ يوجد على الأرض أناسًا أولون ويوجد أيضًا أناسًا آخرون. فمن هم هؤلاء -أولين على الأرض وليسوا أولين على كل شيء- ؟ هم حكماء هذا العالم وأغنياء هذا العالم. ومن هم الأخرىن؟ "واختار الله أدنياء العالم والمزدرى وغير الموجود ليبطل الموجود" (1كو 1: 28). إذًا فإن "الأمم تأتي من أطراف الأرض": كما لو كان يقول: أن تلك الأمم مكونة من الأدنياء والمزدري بهم والجهال والناس الأخرىن على الأرض.
"ويقولون: إنما كاذبة هي الأصنام التي عبدها آباؤنا ولا يوجد فيها منفعة": ليس أن يوجد أصنام صادقة على عكس الأصنام الكاذبة المذكورة في الآية، إنما يقصد بها الأصنام عمومًا، والتي هي بطبيعتها كاذبة ولا يوجد فيها منفعة.
9. "هل يصنع الإنسان لنفسه آلهة" لا يصنع الناس لأنفسهم آلهة من خلال التماثيل والأصنام فقط، ولكنك تجد أيضًا أناسًا يصنعون لأنفسهم آلهة من خلال أوهامهم وتصوراتهم [الفلاسفة والهراطقة]. عمومًا فإن جميع الذين يصنعون لأنفسهم آلهة أخرى غير الرب، وخليقة أخرى مخالفة لترتيب العالم الذي أخبرنا به الروح (روح الله) ومخالفة للعالم الحقيقي، كل هؤلاء يصنعنون لأنفسهم آلهة ويعبدون عمل أيديهم. إذًا، فإن كلٍ منِ الذين يصنعون لأنفسهم آلهة من الأصنام والذين يصنعونها من خلال تصوراتهم الشخصية يرفضهم الرب إذ قيل:
"إذا صنع الإنسان لنفسه آلهة إذًا فهي ليست آلهة. لذلك هأنذا أُعَرِفهم هذه المرة أعرفهم يدي وجبروتي".
"هذه المرة"، ماذا يقصد بهذه المرة؟ إنه يقصد بها المجيء الثاني للرب، خاصة لأنه يضيف بعد ذلك: "فيعرفون أن اسمي يهوه".
خطية يهوذا (المسيحيين)
توجد بعد ذلك نبوة أخرى، لا أدري كيف أنها غير موجودة في الترجمة السبعينية لكننا نجدها في الطبعات الأخرى، خاصة وأنها موجودة في العبرية. وهذه النبوة مليئة بالتعاليم الهامة والضرورية، إن طبقناها في حياتنا يمكنها أن تقودنا للتوبة.
وإليكم كلماتها: "خطية يهوذا مكتوبة بقلم من حديد برأس من الماس منقوشة على لوح قلبهم" (إر 17: 1). يمكننا أن نلجأ إلى التفسير السهل فنقول أن "الخطايا المكتوبة" هي خطايا شعب اليهود. ولكننا إذا دققنا النظر كما وضحنا قبل ذلك[33]، أن كلمة "يهوذا" هي إشارة يقصد بها السيد المسيح، لذلم تصبح "خطية يهوذا" هي خطيتنا نحن، نحن الذين نؤمن أن السيد المسيح جاء من سبط يهوذا.
إذا أردت أيضًا تفسيرًا آخر لتلك الآية، يمكننا القول بأن النبي يقصد هنا يهوذا الاسخريوطي الخائن، وبذلك فإن النبوة تقول عنه: "خطية يهوذا مكتوبة بقلم من حديد، برأس من الماس منقوشة على لوح قلبهم"، ولكن كلمة "قلبهم" بصفة الجمع لا تلائم حالة يهوذا الخائن، إذًا، ألا تنطبق هذه النبوة علينا نحن بالأكثر؟ لقد أخطأنا، وخطيتنا لم تكتب خارجًا عنا، وإنما في قلوبنا، وكتبت بقلم من حديد وبرأس من الماس. سوف تثبت التجرية أن الخطايا التي نرتكبها تكتب في داخلنا بمجرد أن نرتكبها: كما لو كانت "علامة" الخطية تنقش في داخل نفسي لمجرد أنني ارتكبتها. لو كانت خطيتي قد كتبت بالحبر، لاستطعت أن أمحوها؛ ولكن ها هي قد كتبت بقلم من حديد وبرأس من الماس، وكتبت كذلك في قلبي، لكي إذا ما وقفت لأحاكم في اليوم الأخير، تتحقق النبوة القائلة: "لأنه ليس مكتومًا إلا سيظهر ولا خفيًا إلا سيعلن".
سيتم الكشف عن قلبي ليقف عاريًا أمام الجميع، حيث يقرأ الكل علامات الخطايا المكتوبة بالقلم الحديدي وبرأس الماس والتي ستكون ظاهرة لجميع الناس؛ وقد كتب عن ذلك: "إذًا لا تحكموا في شيء قبل الوقت حتى يأتي الرب الذي سينير خطايا الظلام ويظهر آراء القلوب" (1كو 4: 5)، ولكن لِمَن سيظهرها؟ ليس لنفسه، لأنه هو العارف كل الأشياء قبل أن تكون، وإنما سيظهر آراء القلوب للناس الأتقياء الأنقياء الذين بسبب نقائهم سوف يستطيعون أن يروا خطايا الناس الذين أخطأوا، حتى "يستيقظون إلى العار للإزدراء الأبدي" (دا 12: 2).
ليحفظنا رب جميع الأشياء، لكي نستيقظ ونقوم في اليوم الأخير بالمجد الذي للمسيح يسوع، الذي له المجد والقدرة والسلطان إلى دهر الدهور آمين.
عظة (17)
تفسير الآيات من:
"حَجَلَةٌ ما لم تبض" (إر 17: 11).
إلى:
"ولا اشتهيت يوم البلية. أنت عرفت" (إر 17: 16).
الحجلة رمز الشيطان
1. يقودنا الكتاب المقدس إلى تساؤل هام، وهو يدور حول معرفة من هي هذه "الحجلة" المذكورة في الآية: "حجلة تحضن ما لم تبض محصِّل الغني بغير حق. في نصف أيامه يتركه وفي آخرته يكون أحمق". سوف نعتمد على ما يقوله "علم طبائع الطيور[34]" بخصوص موضوع الحجلة، حتى إذا ما عرفنا خصائص هذا الطير وطباعه، نستطيع حينئذ أن نصنفه إما ضمن أنواع الحيوانات الصالحة أو ضمن الحيوانات الشريرة.
يقال إن هذا الطائر له عادات كريهة، وهو ماكر وخبيث، فحينما يريد أن يخدع الصياد، يقوم بالالتفاف حول قدمْي الصياد حتى يجعله يغير اتجاهه عن مكان العش، وعندما يطمئن أن الصياد لا يرى العش وإلى أن جميع صغاره قد تمكنوا من الهرب، يهرب هو أيضًا على جناح السرعة. كما أنه غير طاهر بالمرة، لدرجة أن الذكور يتصارعون مع بعضهم في معارك فريدة من نوعها لكي يتزاوجوا ذكورًا بذكور. إذًا، فبما أن لهذا الطائر عادات كريهة، وبما أنه غير طاهر، وخبيث، وكاذب، فإن إدراجه ضمن الأنواع الصالحة واعتبار أنه يمكن أن يشير إلى المخلص، هو لا شك نوع من الكفر والإلحاد.
إذًا يجب علينا أن نرى هل سنحصل على تفسيرٍ مشترك تمامًا في صفاته، إذا قمنا بمقارنة الشيطان مع الحجلة، أم لا؟
الحجلة تقتني ما ليس لها
2. لنبدأ إذًا بالكلمات الآتية: "حجلة تحضن ما لم تبض" أو بحسب الترجمة من النص الفرنسي "حجلة جعلت صوتها مسموعًا وجَمَّعت صغارًا لم تَلِدْهم".
الشيطان لا يُجَمِّع خليقته خليقته الخاصة، ولا يجمع أطفالاً (صغارًا) مولودين منه، ولكنه عندما يجعل صوته مسموعًا، هو يجمع خلائق أحد آخر ويحعلها خلائقه.
إن الحجلة جعلت صوتها مسموعًا عن طريق أفواه باسيليوس ومرقيون وفالنتينوس وكل الهراطقة، فلم يستطيع أي واحد منهم أن يردد قول السيد المسيح: "خرافي تسمع صوتي". إن "صوت" السيد المسيح موجود ف أفواه بطرس وبولس، لهذا قال بولس: "إذًا أنتم تطلبون برهان المسيح المتكلم فيّ..." (2كو 13: 3). ولكن صوت الحجلة الذي يجمع صغارًا لم تلدهم، نجده في هؤلاء الذين يُضلون ويخدعون الناس البسطاء من بين المؤمنين ويستغلون سذاجتهم ونقص معرفتهم.
"حجلة جعلت صوتها مسموعًا وجمعت صغارًا لم تلدهم، وهي تغتني لكن دون حُكم". لقد اغتنت الحجلة، أي الشيطان. انظر كم من الآلاف يتبعون الشيطان!
كل هذه الأعداد الغفيرة أصبحت ملكًا له؛ وبهذا فقد اغتنى دون أن يدفع شيئًا، اغتنى دون أن يبالي بـحِكِم ودون أن يقع تحت الحكم. أم بالنسبة لمخلصي الصالح فقد اغتنى بـحِكِم، ولقد كلفه هذا الغِنَى أن يُحَاكَم وأن يموت حتى يختارنا ميراثًا له.
الحجلة تفقد حتى حكمتها
3. "في وسط أيامها يتركونها".
نحن جميعًا، الذين كنا قبلاً تحت سيطرة "الحجلة"، وكنا نعمل على إسماع صوتها -لأنها لم تجعل صوتها مسموعًا فقط من خلال الهراطقة الذين ذكرتهم، بل وأيضًا من خلال كل الذين يخدعون الناس، ويدعون إلى تعاليم وعقائد ضد الحق، متظاهرين بأنهم يدعون الناس من الضلال إلى التقوى. نعم! نحن جميعًا "في وسط أيامها" قد "تركناها"؛
إن مجموع أيامها هو في الواقع مجموع أيام هذه الحياة، وبما أن السيد المسيح قد اختارنا من وسط هذا العالم الشرير (غلا 1: 4) فقد تركناها في وسط أيامها.
"وفي آخرتها تكون حمقاء"؛ هل كانت عاقلة في يوم من الأيام؟ هل كانت حكيمة قبل ذلك حتى يقال أن في آخرتها سوف تكون حمقاء؟ نعم! فإنها بالفعل كانت عاقلة، لأنها "كنت أحيل جميع الحيوانات البرية التي عملها الرب الإله" (تك 3: 1). كانت حكيمة بحسب ما قيل في إشعياء: "إني أعاقب ثمر عظمة قلب ملك أشور وفخر رفعة عينيه لأنه قال بقدرة يدي صنعت وبحكمتي لأني فهيم، ونقلت تخوم شعوب" (إش 10: 12- 13).
بعد أن كانت حكيمة في الشر ستصبح حمقاء فيه. سوف تفهم ماذا تعني الكلمات "وفي آخرتها تكون حمقاء" إذا عرفت ما هو الغرض الذي من أجله أوصاك الله، عن طريق بولس الرسول، أن تقبل الجهل، فهو يقول: "إن كان أحد يظن أنه حكيم بينكم في هذا الدهر فليصر جاهلاً لكي يصير حكيمًا".
إذًا بما أنه توجد حكمة مَلومة، من خلالها "أبناء هذا الدهر أحكم من أبناء النورفي جيلهم" (لو 16: 8)، فإن الله في صلاحه يهلك الأضداد بالأضداد، يهلك حكمة الشيطان (الحجلة) لدرجة أنها في آخرتها تكون حمقاء. لكن متى تكون هذه الأيام الأخيرة التي تكون فيها حمقاء؟ يجب أن المسيح يملك حتى يضع الرب كل أعدائه تحت موطئ قدميه. وعندما يخضع الكل له، فإن آخر عدو يبطل هو الموت (1كو 15: 25-26). إذًا إن نهاية الحجلة تأتي حينما يبطل الموت.
عمل المسيح فينا
4. "كرسيُّ مجدٍ مرتفعٌ من الابتداء هو موضع مقدسنا. أيها الرب رجاء إسرائيل كل الذي يتركونك يخزون. الحائدون عني في التراب يُكتبون لأنهم تركوا الرب ينبوع المياه الحية" (إر 17: 12- 13).
عندما رأى إشعياء النبي مُلْك الرب قال: "رأيت السيد جالس على كرسي عالٍ ومرتفع" (إش 17: 12).
وإرميا أيضًا رأى السيد الرب وهو يملك، لذلك سبحه قائلا: "كرسي مجد مرتفع من الابتداء وهو موضع مَقدِسَنا". لو أردت أن توجه هذه الكلمات إلى السيد المسيح لن تكون مخطئًا، ولو وجهتها إلى الآب لن تكون كافرًا. لمخلصنا كرسي مجد مرتفع من الابتداء لأن مملكته هي من فوق؛ والسيد المسيح هو مقدسنا لأن المُقَِدّس والمُقَدّسين جميعهم من واحد (عب 2: 11). "أيها الرب رجاء إسرائيل": بما أن المخلص هو العدل والحق والقداسة وكذلك الرجاء، لذلك فإنه غير ممكن أن نكون عادلين بدون السيد المسيح، ولا يمكن أن نكون مقدسين بدونه، ولا أيضًا يكون لنا رجاء إذا لم يكن موجودًا في داخلنا، لأنه هو رجاء إسرائيل.
"أيها الرب رجاء إسرائيل كل الذين يتركونك يخزون". إن كل واحد فينا حينما يخطيء يترك السيد المسيح وبالتالي يترك الله. وبارتكابه الظلم "يترك" العدل، وبنجاسته "يترك" القداسة، وبقيامه بالحرب "يترك" السلام، وبالاستسلام للعدو "يترك" الخلاص، وبابتعاده عن الحكمة "يترك" حكمة الله. إذًا فإن كل الذين يتركون الله، يلعنهم النبي، مُعّرفًا إيانا ماذا سيحدث لهم: "كل الذين يتركونك يخزون"، قدرما يتركون الله يخزون.
"الحائدون عني في التراب يُكتبون": إن جميع الناس مكتوبين: القديسون مكتوبين في السماء، والخطاة في التراب. ويقول السيد المسيح لتلاميذه: "افرحوا بالحري أن أسماءكم كتبت في السموات" (لو 10: 20). وكما أن القديسين أسماؤهم مكتوبة في السموات، كذاك أيضًا الذين يعيشون بحسب الأمور الأرضية، فإن أسماءَهم تكتب في التراب لأنهم تركوا الرب.
يقول النبي: "كل الذين يتركونك يخزون. الحائدون عني في التراب يُكتبون".
إذًا، بما أنه "بالكيل الذي به تكيلون يُكال لكم" (مت 7: 2)، فإن كل واحدٍ مسئول عن الطريقة التي سيُكتَب بها، فإذا كنت تبحث عن الأشياء الموجودة في التراب، لن تتمكن من النظر إلى الأمور السماوية، وإذا كانت نفسك تميل إلى أمور هذا العالم الزائل، فإنك أنت المسئول، لأن السيد المسيح يقول: "لا تكنزوا لكم كنوزًا على الأرض حيث يفسد السوس والصدأ وحيث ينقب السارقون ويسرقون، بل اكنزوا لكم كنوزًا في السماء حيث لا يفسد سوس ولا صدأ..." (مت 6: 19). هل تكنز في السماء؟
إنها مسئوليتك أنت، لو أردت أن يكون اسمك مكتوبًا في السموات.
هذا بالنسبة للكلمات: "في التراب يكتبون"، ثم يوضح النبي سبب ذلك، فيقول: "لأنهم تركوا الرب ينبوع المياه الحية (ينبوع الحياة)".
يقول إرميا في بداية سفره نفس هذه الكلمات، لكن على لسان الله: "تركوني أن ينبوع الحياة" (إر 2: 13). فإذا كنا لا نريد أن نترك الرب ينبوع المياه الحية، فلنجب نحن أيضًا نفس الإجابة التي أجابها الرسل الأطهارعلى المسيح يسوع حينما سألهم: "ألعلكم أنتم أيضًا تريدون أن تمضوا"؟ أجابوه: "يا رب إلى من نذهب، كلام الحياة الأبدية عندك". (يو 6: 67- 68).
5. تأتي بعد ذلك صلاة أخرى، تقول كلماتها: "اشفني يا رب فأُشفى، خلصني فأخلص، لأنك أنت تسبحتى. هاهم يقولون لي: أين هي كلمة الرب؟ لتأت! أما أنا فلم أعتزل عن أن أكون راعيًا وراءك ولا اشتهيت يوم البلية، أنت عرفت".
كل إنسان يريد أن يُشفى من أمراض الروح والنفس عليه أن يطلب من الطبيب الأوحد الذي جاء خصيصًا من أجل المرضى، والذي قال: "لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى" بذلك يمكن للمريض أن يطلب في ثقة ويقول: "اشفني يا رب فأُشفى". لأنه لو كان هناك أحد آخر يستطيع أن يشفي النفوس لما كنا نستطيع أن نقول بثقة: " اشفني يا رب فأُشفى". ومكتوب في الانجيل أن المرأة نازفة الدم قد أنفقت كل ما عندها على الأطباء ولم تنتفع شيئًا (مر 5: 25) ولم يستطع أحد منهم أن يشفيها. بالفعل إننا لا نستطيع أن نقول لأي طبيب بكل جرأة وبكل ثقة: " اشفني فأُشفى"، إنما يمكننا أن نقول ذلك بثقة كاملة للطبيب الأوحد القادر أن يمنح الشفاء بمجرد لمس هدب ثوبه. لذلك فإنني أقول له: "اشفني يا رب فأُشفى"، لأنك إذا عالجتني، فإن العلاج الذي يأتي من عندك يتبعه حتمًا الشفاء، فأخلص. مهما كان الذين يُخَلِصون كثيرون إلا أنني لن أخلص بواسطتهم، لأن الخلاص الوحيد الحقيقي يتم بواسطة السيد المسيح. لأنه "باطل هو الفَرَس لأجل الخلاص وبشدة قوته لا ينجي" (مز 33: 17). الرب وحده الذ يخلص، وأي شيء غيره يكون باطلاً. لذلك أقول له: "اشفني يا رب فأُشفى"، ولكنني لا أقول هذه الكلمات إلا إذا استطع أن أقول أيضًا تكملة الآية: "لأنك أنت تسبحتى" أو "لأنك أنت فخري"، وكذلك إذا نفذت هذه الوصية: "لا يفتخر الحكيم بحكمته، ولا يفتخر الجبار بجبروته، ولا يفتخر الغني بغناه، بل بهذا ليفتخرن المفتخر بأنه يفهم ويعرفني إني أنا الرب المفتخر" (إر 9: 23- 24).
إذًا، طوبى للذي يتنازل عن كل فخر أرضيٍ وعن كل كرامةٍ زمنيةٍ، وعن الجمال والأشياء الجسدية، وعن الغنى والمجد، وبكتفي فقط بأن يقول للرب: "لأنك أنت فخري".
5. "هاهم يقولون لي أين هي كلمة الرب، لتأت! أما أنا فلم أعتزل عن أن أكون راعيًا وراءك" أو "أما أنا فلم أتضايق (أَمِلًّ) من اتباعك".
يقول يسوع المسيح لك: "احمل صليبك واتبعني". (مت 16: 24) وأيضًا: "اترك كل شيء واتبعني" (مت 19: 27؛ 9: 9)، وأيضًا: "من أحب أبا أوأما أكثر مني فلا يستحقني" (مت 10: 37-38). إذًا، لو استطعت أن تتبع يسوع المسيح دائمًا فإنك لن تَمِلَّ أبدًا من اتباعه. لأنه "لم يبصر إثمًا في يعقوب ولا رأى تعبًا في إسرائيل" (عد 23: 21). لا يوجد ملل حينما نتبع السيد المسيح، فإنه مجرد اتباعه ينزع كل ملل أو تعب. لذلك يقول لنا: "تعالوا إلى يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم" (مت 11: 28).
فإذا كنا متعبين وذهبنا إليه وتبعناه نقول: "أما أنا فلم أتعب من اتباعك".
سوف نقول له أيضًا: "ولا اشتهيت يوم البلية". أو "ولا اشتهيت يوم الإنسان". يوجد "يوم للإنسان" ويوجد "يوم للرب" يحدث كثيرًا حينما يكون الإنسان مريضًا و مشرفًا على الموت، أنه يطلب من الناس الذين يزوروه أن يصلوه من أجله حتى يظل على قيد الحياة. حينما يقول الإنسان ذلك لا يشتهي يوم الرب إنما يشتهي يوم الإنسان. لنكف إذًا عن محبة العالم وعن اشتهاء يوم الإنسان، ولنتطلع إلى يوم القيامة واللقاء مع القديسين حينما يطوبنا المسيح يسوع الذي له المجد والقدرة إلى أبد الآبدين آمين.
عظة (18)
تفسير الآيات من:
"الكلام الذي صار إلى إرميا من قبل الرب قائلاً: قم انزل إلى بيت الفخاري" (إر 18: 1).
إلى:
"لتجعل أرضهم خرابًا وصفيرًا أبديًا" (إر 18: 16)
الإناء الفخاري قبل حرقه والإناء الخزفي
1. توجد وصيتان متتاليتان لإرميا:
الأولى تختص بالإناء المصنوع من الفخار الخام، والذي يكون قابلاً للإصلاح ولإعادة التشكيل عندما يكسر؛ ذلك لأنه يمكن أن يصير عجينة لينة مرة أخرى في يد الفخاري.
والثانية تختص بالإبريق الفخار المصنوع من الخزف، والذي إذا انكسر لا يكون قابلاً للعلاج أو الإصلاح، وذلك لأنه يكون قد جاز في النار وأصبح صلبًا وغير قابل لإعادة التشكيل مرة أخرى.
طالما الفخار طينًا خامًا يكون قابلاً لإعادة التشكيل، لكن بمجرد دخوله في النار، يصبح صلبًا إذا انكسر لا يمكن إيجاد علاج له.
ماذا يعني ذلك؟ سوف نفهم هذا بصورة عامة أولاً، ثم إذا سمح الرب نفهمه بالتفصيل.
طالما نحن في هذه الحياة، نعتبر إناء من الفخار الخام، إما أن نكون مصنوعين من الرذيلة أو من الفضيلة. وعلى أي الأحوال فإن رزائلنا يمكن أن تُكْسَر لتصير فضائل جديدة، كما أن تقدمنا ونمونا في الفضيلة يكون قابلاً والتقهقر إلى الوراء. لكن حينما نعبر الزمن الحاضر ونصل إلى الحياة الأخرى، سوف نجوز في النار، سواء نار سهام الشرير المشتعلة أو في النار الإلهية بما أن إلهنا نار آكلة، وفي كلتى الحالتين سواء كنا أشرارًا أو صالحين، فإن بعد كَسْرِنا (موتنا) لن يمكن إعادة تشكيلنا ولن نكون قابلين للإصلاح. هكذا طالما نحن في هذه الحياة، كإنما في يد الفخاري: إذا وقع الإناء من يديه، يمكنه أن يعالجه ويصلحه. فلنتب نحن أيضًا عن خطايانا التي فعلناها بالجسد، ولنرجع إلى الله بكل قلوبنا الآن، لكي يمنحنا النجاة والخلاص، طالما عندنا فرصة للتوبة، لأنه بعد خروجنا من العالم لن نتمكن من الاعتراف بخطايانا وتقديم توبة عنها.
هذا ما نستطيع أن نقوله بأسلوب سريع ومجمل، قبل أن نتفحص بالتدقيق هذا النص الخاص بالنوعين من الآنية الفخارية، إحداهما إناء خام والآخر إناء صلب.
النزول إلى بيت الفخاري
2. لنرى من خلال كلمات الكتاب المقدس نفسه ماذا قيل بخصوص وعاء الفخار الذي بين يدي الفخاري، وكيف أن النبوة نفسها تقدم لنا نقطة انطلاق أخرى لا يمكن إغفالها في تفسير قصة الأشياء التي بين يدي الفخاري.
"الكلام الذي صار إلى إرميا من قبل الرب قائلاً: قم انزل إلى بيت الفخاري".
كان إرميا فوق، لقد صعد أعلى من آنية الفخار. توجد آنية الفخار أسفل. الطبيعة التي تتحكم وتدير هذه الآنية موجودة أيضًا أسفل، وذلك بتنازلها من أجل الآنية التي تديرها[35]. لهذا فإن الكلام الذي صار إلى إرميا من قبل الرب هو: "قم انزل إلى بيت الفخاري وهناك اسمع كلامي". أما موسى فقيل له: "اصعد إلى الجبل واستمع"، لأن كل من يسمع كلمة الله، يستمع إما إلى معلومات عن الأمور العليا السماوية وبالتالي يلزمه أن يرتفع بأفكاره إلى السماء ليتأمل فيها؟ أو يستمع إلى تعليمات من الرب بخصوص الأمور الأرضية وبالتالي يلزمه أن ينزل بأفكاره إلى أسفل ليرى الأمور الأرضية.
أستعين بمثال من الكتاب المقدس حتى يمكن للجميع أن يتابعوني على قدر إستطاعتهم: "لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض. ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب" (في 2: 10-11).
هناك حكمة تناسب السمائيين، وهي معرفة الطريقة التي من خلالها تقسم الكائنات السمائية؛ وحكمة تناسب الكائنات الموجودة تحت الأرض؛ وأخرى تناسب الكائنات الأرضية. فإذا ارت أن أفهم الحكمة التي تناسب السمائيين، يجب عليَّ أن أصعد إلى قمة الجبل كما فعل موسى، حتى تكون الكلمات الآتية إلىّ من السماء مفهومة بالنسبة لي، كذلك يجب أن أكون عارفًا بالليتورجيات السمائية، لأنه يوجد ظل وتوجد صورة للأسرار السماوية، موجودة في الشريعة التي تسلمناها، وقد أوضح لنا ذلك بولس الرسول حينما قال: "الذين يخدمون شبه السماويات وظلها كما أوحي إلى موسى". (عب 8: 5).
إذا كان يجب علىَّ أن أتعلم الأمور السماوية أصعد، كذلك إذا كان يجب عليَّ أن أتعلم الأمور الموجودة تحت الأرض فسوف أنزل لأتعلمها حتى ولو كنت نبيًا. ربما لهذا السبب أيضًا نزل صموئيل النبي إلى الهاوية (إلى تحت الأرض)، ليس بسبب حكم وقع عليه، وإنما لينظر ويتعلم الأسرار الموجودة تحت الأرض. (1صم 28: 13).
ويمكننا كذلك أن نجد شيئًا مماثلاً لهذا الكلام في قول بولس الرسول بالنسبة للحكمة حينما يميز بين درجاتها ويقول: "حتى تستطيعوا أن تدركوا مع جميع القديسين ما هو العرض والطول والعمق والعلو" (أف 3: 18).
إذا كُلفت من قبل الله بمعرفة الطول فعليك أن تصعد بعقلك إلى الطول؛ وإذا كُلفت بمعرفة العمق فعليك أن تنزل بعقلك إلى العمق. العقل الذي يستطيع أن يتبع الابن الكلمة يمكنه أن يفعل كل شيء طالما يقوده الرب ويعلمه كل شيء، ويتبعه إذا ستطاع أن يترك العالم ويحمل صليبه، وأن يقول: "قد صلب العالم لي وأن العالم".
إذًا من بين الذين يسمعون يوجد أناس يصعدون ليتعلموا، لكنهم لا يصعدون بطريقة جسدية؛ ويوجد آخرون ينزلون لكنهم مع هذا يحتفظون بنفوسهم عالية مرتفعة.
إن ربنا ومخلصنا يسوع المسيح هو نفسه قد صعد ونزل، لأن "الذي نزل هو الذي صعد أيضًا فوق جميع السموات" (أف 4: 10). إذًا إن كان عليك أنت أيضًا أن تفهم الابن الكلمة الذي يعلم الأمور السماوية والذي صعد إلى العلاء، وأن تفهم الابن الكلمة الذي يعلم الأمور الأرضية والذي نزل إلى أسفل، إذًا، "لا تقل في قلبك من يصعد إلى السماء أي ليُحدر المسيح، أو من يهبط إلى الهاوية أي ليُصعد المسيح من الأموات. لكن ماذا يقول (الكتاب)؟ الكلمة قريبة منك في فمك وفي قلبك" (رو 10: 6-8).
يمكنك بواسطة الابن الكلمة أن تصعد إلى السماء أو أن تنزل إلى أسفل طالما أن "الكلمة قريبة منك". لأنه ماذا يمكن أن يوجد داخل الإنسان البار إلا "كلمة الله" الذي يملأ الكل؟ فإنه بالفعل "ملكوت الله في داخلكم".
مسئوليتنا الشخصية عن فسادنا
3. نزل النبي إلى بيت الفخاري، ويروي بعد ذلك ما الذي رآه، قائلاً: "فنزلت إلى بيت الفخاري وإذا هو يصنع عملاً على الدولاب. ففسد الوعاء الذي كان يصنعه من الطين بيد الفخاري فعاد وعمله وعاء آخر كما حسن في عينيْ الفخاري أن يصنعه". لكن لماذا لم يُلقِ النبي اللوم على الفخاري باعتباره هو المسئول عن فساد الوعاء الذي كان بين يديه؟ الإجابة ببساطة: أن النص يختص بأوعية حية تفسد نتيجة لخطأها هي، حتى أنه يقول "ففسد الوعاء الذي كان يصنعه".
احذر إذًا لئلا تسقط وتفسد حينما تكون في يد الفخاري وهو يشكلك، ويكون فسادك نتيجة لخطأك. يقول السيد المسيح: "ولا يخطفها أحد من يدي" (يو 10: 28)، وكما أنه لا يستطيع أحد أن يخطفها من يده، كذلك لا يستطيع أحد أن يفسدها.
بذلك يمكنني أن أقول: أنه لا يستطيع أحد أن يخطف شيئًا من بين يدي الراعي الصالح أو ينزعنا من بين يدي الرب، إنما نحن بإهمالنا يمكننا أن نسقط ونفسد ونحن بين يديه.
بالقيامة يُعاد تشكيلنا
"فصار إليّ كلام الرب قائلا: أما أستطيع أن أصنع بكم كهذا الفخاري يا بيت إسرائيل يقول الرب". كل واحد يفهم هذا الكلام على قدر استطاعته:
فيمكن لواحد أن يفهم المعنى بطريقة سطحية، ويمكن لآخر أن يفهمه بطريقة أكثر عمقاً. فهم بعض الناس موضوع الوعاء الفخاري الذي فسد وأعيد تشكيله بطريقة بسيطة. أقدم لكم فكرتهم وتفسيرهم، ثم إذا وجدنا بعد ذالك تفسيراً أعمق أعرضه عليكم أيضاً.
من وجهة نظر هؤلاء الناس، أن هذه القصة ترمز إلى القيامة. لأنه إذا كان وعاء الفخار قد سقط وفسد من يدي الفخاري، وأن هذا الفخاري عاد وعمله وعاء آخر كما حسن في عيني الفخاري، وعمله من نفس المادة التي عمل بها قبل ذلك، فإن الله هو أيضاً، بما أنه الفخاري الذي عمل أجسادنا والذي خلق طبيعتنا، يمكنه إذا وقع الوعاء وتكسر، أن يعيد تشكيله ويصنع منه وعاءً آخر أحسن نوعاً كما يحسن في عينيه.
أمتان: واحدة تُقتلع والأخرى تغرس!
5. بجانب هذا التفسير، لنسمع أيضاً التفسير الذي يقدمه لنا الرب نفسه:
"فصار إليّ كلام الرب قائلاً: أما أستطيع أن أصنع بكم كهذا الفخاري يا بيت إسرائيل يقول الرب. هوذا كالطين بيد الفخاري أنتم هكذا بيدي يا بيت إسرائيل. تارة أتكلم على أمة وعلى مملكة بالقلع والهدم والإهلاك، فترجع تلك الأمة التي تكلمت عليها عن شرها فأندم عن الشر الذي قصدت أن أصنعه بها. وتارة أتكلم على أمة وعلى مملكة بالبناء والغرس، فتفعل الشر في عينيَّ فلا تسمع لصوتي فأندم عن الخير الذي قلت إني أحسن إليها به" (إر 18: 5-10).
بذلك نرى أن ما حدث في بيت الفخاري لا يشير من الجانب الرمزي إلى أحداث فردية (أي إلى قيامة الأفراد) وإنما يقصد به أمتين أو مملكتين.
إذاً، فمن هما هاتان الأمتان؟ من هي الأمة الأولى التي يتكلم عليها بالقلع والهدم، ومن هي الثانية التي يعطيها الوعود بالبناء والغرس؟ الله في تهديده، يهدد بحيث إذا رجعت الأمة وتابت لا ينفذ فيها تهديده، كما أنه في وعوده، يعد بحيث إذا فسدت الأمة وصارت غير مستحقة، تحرم من تلك الوعود. إن التدبير الإلهي الذي يختص بالبشر في في هذا العالم، يدور أساسًا حول أمتين رئيسيتين. تأتي الأمة اليهودية أو الشعب الإسرائيلي في المقام الأول، ثم من بعد مجيء السيد المسيح تأتي أمتنا نحن في المقام الثاني. قام الرب بتهديد الأمة الأولى، وظهر آثار هذا التهديد: فقد تم سبيها، وخُرِّبت مدينتهم، وهدم الهيكل، ودُنِس المذبح، ولم يبقَ عندهم شيئاً من المقدسات التي كانوا يملكونها، لأن الرب قال لهذه الأمة: إرجعي إليّ، فلم ترجع. ثم يتحدث الرب إلى الأمة الثانية عن بنائها وغرسها، لكنه يرى أن تلك الأمة مكونة من أناس قابلين أيضًا للسقوط والفساد؛ لذلك يهددها ويقول لها: بالرغم من أنني تكلمت عليك في البداية بالبناء والغرس، إلا أنك لو أخطأت فسوف يحدث لك ما حدث مع غيرك حينما أخطأوا.
راجع كل الكتاب المقدس، سوف تكتشف أن معظم أجزائه تتحدث عن هاتين الأمتين. فقد اختار الرب الآباء الأولين (إبراهيم وإسحق ويعقوب) وأقام معهم وعودًا، وقام بإخراج الشعب الآتي من نسل الآباء، من أرض مصر وحررهم من العبودية، وكان طويل الأناة معهم حينما كانوا يخطئون، وكان يصحح أخطاءهم كأب، وأدخلهم إلى أرض الموعد وأعطاهم إياها، وأرسل لهم الأنبياء في فترات متعددة، كان يوجههم ويرشدهم ويتوبهم عن خطاياهم، وكان في طول آناته يرسل إليهم دائماً أشخاصًا لكي يساعدوهم على الشفاء، إلى أن جاء رئيس الأطباء، والنبي الذي يفوق الذي يفوق جميع الأنبياء. لكنه عندما جاء أسلموه للموت، قائلين: "خذه خذه" خذ مثل هذا الإنسان من الأرض! "أصلبه أصلبه" (يو 19: 6، 15). ومن هنا اختار الله أمة أخرى. انظروا كيف أن الحصاد كثير بالرغم من أن الفعلة قليلون. وفي كل مكان وزمان يعمل الله على أن تكون شبكته دائماً ملقاة في بحر هذا العالم لكي يجمع فيها الأسماك من كل الأنواع؛ ويرسل صيادين كثيرين، وقانصين كثيرين، ويصطاد على كل جبل وعلى كل أكمة[36]: انظر كم يعمل الله من أجل خلاص الأمم!
إذًا "فهوذا لطف الله وصرامته". "أما الصرامة فعلى الذين سقطوا" أي على الأمة اليهودية التي سقطت "وأما اللطف فلنا نحن الأمة الأخرى، إن ثبتنا في اللطف، وإلا فإننا أيضاً سنقطع" (رو 11: 22). لأن الفأس لم تكن موضوعة على أصل الشجر في أيام السيد المسيح فقط، لكن يمكن أن توضع من جديد في وقتنا الحاضر: لقد قال يسوع المسيح في تنبؤه على سقوط إسرائيل: "هوذا الفأس قد وضعت على أصل الشجر"، وأيضاً: "كل شجرة لا تأتي بثمر تقطع وتلقى في النار". وأما الآن فيوجد زرع آخر، قيل عنه: "تجئ بهم وتغرسهم في جبل ميراثك، المكان الذي صنعته يا رب لسكنك" (خر 15: 17). جاء الرب بأمته الجديدة إلى جبل ميراثه. فإنني لن أبحث عن الجبل في وسط الأشياء الجامدة كما فعل اليهود؛ لأن الجبل هو السيد المسيح: فقد غرسنا فيه وثبتنا فيه. انظروا إذاً هل سيقول رب البيت –بعد أن يكون قد استخدم معنا طول الأناة- عندما يجئ: "هوذا ثلاث سنين آتي أطلب ثمرًا في هذه التينة ولم أجد، اقطعها، لماذا تبطل الأرض أيضاً؟" (لو 13: 7). لأن الإنسان الذي يأتي إلى الكنيسة ولا يأتي بثمر يبطل أرض السيد المسيح الجيدة، التي هي الكنيسة، ويشغلها بدون فائدة.
هل يندم الله؟
6. "تارة أتكلم على أمة وعلى مملكة بالقلع والهدم والإهلاك فترجع تلك الأمة التي تكلمت عليها عن شرها فأندم عن الشر الذي قصدت أن أصنعه بها".
يطلب بعض الوثنيين المثقفين منا أن نبرر موقفنا وأن نفسر لهم ماذا يقصد "بندم الله". لأنه يبدو أن الندم أمر غير لائق، ليس فقط بالنسبة لله، وإنما أيضًا بالنسبة لأي إنسان حكيم. لأنني لا أتقبل فكرة أن يندم إنسان حكيم، لأن الذي يندم، يفعل ذلك لأنه لم يأخذ من البداية الجانب الصحيح أو الرأي الصائب. لذلك فإنه لا يمكن للرب الذي يرى المستقبل ويعرفه، أن يأخذ أي جانب آخر سوى الجانب السليم والرأي السديد. إذاً ينسب الكتاب المقدس لله القول "فأندم"؟ لن أجيب على ذلك الآن[37].
نجد نفس الفكرة في سفر الملوك أيضًا حينما يقول الرب: "ندمت على أني قد جعلت شاول ملكًا" (1صم 15: 11). ثم يقال أيضًا عن الرب: "ويندم على الشر" (يوئيل 2: 13).
هلموا لننظر ماذا يقول لنا الكتاب المقدس أيضًا عن الله. تارة يقول: "ليس الله إنسانًا فيكذب، ولا ابن إنسان فيندم" (عد 23: 19)، وتعرفنا هذه الآية أن الله ليس إنسانًا. تارة أخرى يقول أن الله إنسانًا: "فاعلم في قلبك أنه كما يؤدب الإنسان إبنه قد أدبك الرب إلهك" (تث 8: 5). إذًا، فعندما يتحدث الكتاب المقدس عن لاهوت الرب، يقول أنه "ليس إنسانًا"، وأن: "ليس لعظمته استقصاء" (مز 145 :3). وأنه "مهوب على كل الآلهة" (مز 96: 4). ويقول أيضاً: "سبحوه يا جميع ملائكته. سبحوه يا كل جنوده. سبحيه أيتها الشمس والقمر. سبحيه يا جميع كواكب النور" (مز 148: 2-3).
لكن عندما تنازل الله وأخذ جسدًا واختلط بالناس، أخذ أيضًا حكمة الناس ولغتهم.
فعل تمامًا مثلما نفعل نحن حينما نريد أن نتحدث إلى طفل عمره سنتين، فنقوم بعمل حركات وأصوات غير مفهومة تناسب طفل، أما إذا احتفظنا بوقارنا وأصررنا على الحديث معه بلغة البالغين لن يفهم شيئاً. هكذا يفعل الله في اهتمامه بالجنس البشري، وخاصة الأطفال منهم. انظر كيف أننا نحن البالغين نقوم بتغيير أسماء الأشياء بالنسبة للأطفال الصغار؛ فنسمي لهم الخبز باسم خاص، والشرب باسم آخر، دون أن نستعين بلغة البالغين التي يستخدمها البالغون في أحاديثهم. ماذا إذًا، هل نحن أشخاص غير ناضجين؟ هل إذا سمعنا أحد ونحن نتكلم مع هؤلاء الأطفال، يقول: لقد فقد هذا الشيخ عقله وتناسى شيبته ووقاره؟ ألا يرجعوا هذا بالأولى إلى الظروف التي دفعت الشيخ الوقور إلى استخدام تلك اللغة؛ وهي مخاطبة الأطفال؟
بالمثل يتحدث الله أيضاً إلى الأطفال. قال المخلص: " هانذا و الأولاد الذين أعطانيهم الرب". بما أننا أشخاص وبشر نندم، فإن الله عندما يريد أن يخاطبنا بلغتنا، يقول: "ندمت"، وحينما يهددنا، لا يُظهِر نفسه بصورة مَنْ يَعْلَم المستقبل، لكنه يتصرف معنا كما لو كان يخاطب أطفالاً، بالرغم من أنه "يعرف جميع الأشياء قبل أن تكون"، في مخاطبته للأطفال الصغار يتظاهر بأنه مثلهم لا يعرف المستقبل. فكان يقول: إذا رجعت هذه الأمة عن شرها، سأندم أنا أيضًا عن الشر الذي قصدت أن أصنعه بها. آه يا رب! عندما كنت تهدد، ألم تكن تعلم ما إذا كانت هذه الأمة سوف تتوب أم لا؟ وحينما كنت تعطي وعودًا، ألم تكن تعلم ما إذا كان الإنسان أو الأمة التي وجهت إليها وعودك سوف تظل مستحقة لتلك الوعود أم لا؟ لقد كنت تعلم كل شيء ولكنك كنت تتظاهر بعدم المعرفة.
سوف تجد في الكتاب المقدس أمثلة كثيرة من هذا النوع، م