هذا الكتاب الذي نقدم لكم من الكتب الروحية المعروفة، له منزلته ومكانته في الأدب
الديني الحديث.
ترجم إلى لغات عديدة، منها الإنكليزية والفرنسية والألمانية، وظهرت له عدة طبعات في
أكثر من لغة.
يتألف هذا الكتاب من سبع قصص. الأربع الأولى منها عثر على أول مخطوطة لها العام
1860 بين يدي راهبة روسية هي ابنة روحية للستارتس الروسي الشهير الأب أمبروسيوس من
دير اوبتينا. هذه القصص الأربع نشرت لأول مرة في روسيا، وفي مدينة كازان بالذات،
حوالي العام 1865، ثم نشرت ثانية العام 1884، وتجاوزت الحدود الروسية بعد السنة
1920.
أما القصص الثلاث التالية فد وجد نصها بين أوراق الأب أمبروسيوس فنشرت في روسيا
السنة 1911 وفي تشيكوسلوفاكيا السنة 1948.
وقد جمعت القصص السبع لأول مرة السنة 1948 في طبعة باللغة الروسية صدرت في باريس.
وكما أشرنا فالكتاب ترجم إلى عدة لغات ومنها العربية حيث ترجم الأستاذ أنطوان جرجي
القصص الأربع الأولى السنة 1964 عن الترجمة الفرنسية لجان غوفان.
والآن نضع بين أيديكم النص الكامل للكتاب منقولاً إلى العربية. وقد أبقينا على
الترجمة السابقة للقصص الأربع الأولى وأضفنا إليها ترجمة للقصص الثلاث الأخرى، قام
بها أيضاً الأستاذ جرجي تلبية لطلبنا، معتمداً الترجمة الفرنسية التي وضعتها السنة
1973 مجموعة من الشباب الأرثوذكسي في فرنسا.
***
لا يعرف مؤلف هذا الكتاب على وجه التأكيد، وقد جاء في مقدمة الطبعة الروسية الصادرة
في العام 1884 أن الأب باييسيوس، رئيس دير الملاك ميخائيل في كازان، قد نسخ النص
المطبوع عن أحد الرهبان الروس في جبل آثوس ولم يذكر اسم هذا الراهب. إلا أن في
الكتاب من الأدلة ما يشير إلى أن ما جاء فيه قد أنشأه أحد الرهبان بعد محادثاته مع
السائح. وهذا الافتراض لا يحرم الكتاب شيئاً من صفات الأصالة التي يتسم بها: فإن
السائح، وكان فلاحاً بسيطاً في الثالثة والثلاثين، لا يجيد الكتابة إلى حد يسمح له
بالتأليف، وغالباً ما كان يروي خبرته إلى أحد الأصدقاء بألفاظ عادية وعبارات
متداولة، فيعمد هذا الصديق المثقف الذكي إلى نقل كلام السائح بأسلوبه الخاص. وقد
حدث هذا بالنسبة للكثيرين من الآباء الروحيين: لم يبلغوا اختبارهم الروحي إلا
بواسطة كاتب كان جل غايته أن يتوارى وراء الأسرار التي يكشف النقاب عنها. وقد يكون
ذلك الصديق ناسكاً من جبل آثوس، وقد يكون الأب أمبروسيوس المتوحد في اوبتينا، معلم
إيفان كيرييفسكي وصديق دوستويفسكي وتولستوي وليونتييف، الذي وجد بين مخطوطاته نص
القصص الثلاث الأخيرة للكتاب.
إن صح هذا، فالكتاب قد يتصل بالحركة الأدبية في روسيا في القرن التاسع عشر بأصفى ما
فيها وأنقى. في زحمة الكتابات الشعرية والقصصية والثورية التي اصطرعت بها نوازع
المزاج الروسي المتضاربة، جاء هذا الكتاب نغمة بريئة صافية.
***
يدخل القارئ مع السائح، وخاصة في قصصه الأربع الأولى، إلى أعماق الحياة في روسيا
بعيد حرب القرم وقبل إلغاء الرق، أي بين 1856 و1861. ويرى معه كل أبطال القصة
الروسية من الأمير الذي يسعى إلى التكفير عن حياة طيش، إلى ناظر المحطة السكير
المشاغب، إلى كاتب المحكمة في الريف ملحداً يناصر الحرية. المحكومون بالأشغال
الشاقة قد يقطعون المراحل في طريقهم إلى سيبيريا. وحاملو الرسائل الإمبراطورية
ينهكون جيادهم على الدروب الطويلة. والجنود الفارون يتيهون في الغابات القصية.
النبلاء والفلاحون والموظفون والمدرسون وكهنة القرى: روسيا الريفية القديمة كلها
تبعث أمامنا بعيوبها، وليس السكر أدناها، وجميل صفاتها وأبهاها المحبة، محبة القريب
تنيرها محبة الله. يحيط بهذا كله الأرض الروسية: السهل الشاسع الذي يتيه النظر في
مداه والغابات الموحشة والفنادق على قارعة الطريق، والكنائس ذات الألوان الزاهية
والأجراس اللامعة. إلا أن الفلاح لا يفيض أبداً في وصف ما يرى من عالم حسي، فهو
مسيحي أرثوذكسي يبحث عن الكمال، وهمه الشاغل ما لا يبلغ إليه.
أما القصص الثلاث الأخيرة فهي تبرز التساؤلات والشكوك التي كانت تساور المثقفين
الروس في القرن التاسع عشر، وقد احتكوا ببعض الثقافة الغربية. كانت تساؤلاتهم تدور
حول صحة التقاليد الروحية في الكنيسة الشرقية، ولماذا لا يعطى العقل المكانة التي
هي تقليدياً للقلب كمركز للإنسان الروحي؟ وسنلاحظ أن كثيراً من هذه التساؤلات لا
يزال يلح علينا اليوم. ولذلك فالإجابات المعطاة في الكتاب هي أيضاً موجهة إلينا،
وهي تدعونا إلى نفض الغبار عن تراثنا الكنسي الأصيل والعودة إلى عيشه والتزامه في
حياتنا كلها، لكي نغدو نحن أيضاً سياحاً إلى الله لا نبغي سوى وجهه تعالى.
***
وليس للسائح دليل في سعيه هذا إلا كتابان: الكتاب المقدس و(الفيلوكاليا) {الكلمة في
اليونانية تعني (محبة الجمال)}.
ما هي الفيلوكاليا؟ إنها مجموعة نصوص آبائية تقدم لنا الصلاة الداخلية وكيفية
المحافظة على نقاوة القلب. تم جمع هذه النصوص ونشرها لأول مرة العام 1782 في
البندقية، من قبل راهب يوناني في جبل آثوس هو القديس نيقوديموس من ناكسوس والمعروف
بالآثوني. وفي نهاية القرن الثامن عشر (1793)، ترجمها إلى السلافونية الراهب
الروماني باييسي فليتشكوفسكي، ونشرها تحت اسم (الدوبروتوليوبيه)، وهي تعني محبة
الصلاح أو الطيبة. وقد تضمنت هذه الترجمة نصوصاً للآباء لم تكن موجودة في
الفيلوكاليا اليونانية.
وقد أدى نشر الكتاب هذا في روسيا إلى نهضة روحية واسعة وإلى تأصل في التقليد الروحي
الشرقي. ولم تقتصر مطالعته على الرهبان واللاهوتيين فقط، بل تجاوزتهم إلى أوساط
الشعب، إذ إن شعب الله كله، أساقفة وكهنة ورهباناً وعاميين، مدعو بالقوة نفسها إلى
سلوك دروب القداسة. واللاهوتي الحق، كما يقول الآباء الشرقيون، هو المصلي الحق.
وفي السنة 1877، ظهرت طبعة جديدة في خمسة أجزاء باللغة الروسية، نشرها ثيوفانوس
المعتزل (1815- 1894). هذه الطبعة لم تكن كسابقاتها تماماً، بل زيد عليها الكثير
واجتزئ منها بعض النصوص. وغدا هذا الكتاب الغذاء الروحي الأساسي والمفضل عند
الرهبان الروس حتى أيامنا هذه.
وفي أثينا أيضاً ظهرت السنة 1897 طبعة ثانية للفيلوكاليا موسعة وبالغة اليونانية.
ولكن لم يتوقف (عصر الفيلوكاليا) عند هذا الحد. بل تلقف الكتاب الأب ديمتريوس
ستانيلوي الروماني، وبدأ السنة 1946 بنشر نوع من الموسوعة الفيلوكالية، مع شروحات
ودراسات نقدية. ولكن لم ينته هذا العمل الجبار حتى الآن، لأن الأب المذكور قد أدخل
السجون لسنوات عديدة، إبان الحملة التي شنتها الدولة، ابتداء من السنة 1958، ضد
القوى الكنسية الفاعلة في رومانيا.
وقد تعدى الاهتمام بالفيلوكاليا حدود البلدان الأرثوذكسية. فصدر في لندن السنة 1951
كتاب يضم مجموعة من النصوص الأساسية للفيلوكاليا. وتبع ذلك صدور مختارات من الكتاب
باللغة الفرنسية السنة 1953. وقد لاقت هذه الترجمات رواجاً منقطع النظير، فغزت
الأوساط المسيحية الغربية، وكانت وسيلة فعالة في تعريف الأرثوذكسيين الذين لا
يحسنون اليونانية ولا الروسية على هذه الكنوز من روحانية كنيستهم.
والآن وفي عصرنا الحاضر نجد أن الاهتمام بالفيلوكاليا لم ينقص بل ربما ازداد. ومؤشر
ذلك ظهور عدة طبعات جديدة باليونانية، والابتداء بترجمة كاملة بالفرنسية من قبل
الأخوية الأرثوذكسية في فرنسا، كما يصار إلى إعداد ترجمة أخرى في الإنكليزية. ونأمل
أن يوفق الله منشورات النور لنشر ترجمة عربية كاملة في المستقبل القريب.
***
أما الخبرة الروحية المقدمة لنا في الفيلوكاليا، فهي عصارة خبرة سنين طوال من
الجهاد الروحي لكبار آباء الكنيسة في الشرق، ابتداء من رهبان صحراء مصر في القرن
الرابع، ومروراً برهبان جبل سيناء وأديرة فلسطين والقسطنطينية، ووصولاً إلى رهبان
جبل آثوس في القرن الخامس عشر.
فالفيلوكاليا إذن هي بمثابة موسوعة عن الصلاة الأرثوذكسية، وبشكل خاص الصلاة
التوحدية. وهي تصبو إلى إيصالنا، في النهاية، إلى ما يسمى (صلاة القلب) أو (صلاة
يسوع)، وقد وصفها البعض أنها (قلب) الروحانية الأرثوذكسية. وقد سمي هذا التقليد
الروحي بالتقليد الازيخي {من الكلمة اليونانية hésychia التي تعني الهدوء أو
السكون}(Hésychasme). ومع أن بعض الآباء قد أعطوا أشكالاً مختلفة لبعض نواحي
ممارستها، بيد أن مبدأ الصلاة المستديمة المتمحورة حول اسم الله المتجسد والمقامة
من قبل الإنسان ككل، جسداً وروحاً، لم يناقش البتة. هذه الصلاة التوحدية لم تبعد
المصلي عن الجماعة الكنسية بل هي وسيلة فعالة لدمجه فيها باستمرار. فالمسيح الذي
يفتش عنه المصلي، واسمه القدوس الذي يردد، لا يمكنهما أن يسكنا فيه إلا بقدر ما هو،
بالمعمودية وسر الشكر، مندمج في جسد الكنيسة. وكما علمنا الآباء، فصلاة يسوع لا
تغني عن النعمة الحاصلة من ممارسة الأسرار الإلهية، بل تساعد على الاستفادة الكاملة
من هذه النعمة. وهكذا يعطي التقليد الازيخي جواباً رصيناً عن مشكلة التوافق بين
التقوى الشخصية والاشتراك بالصلاة الجماعية الليتورجية وبين مساهمة الروح والجسد في
الصلاة. هذا التوافق توصل إليه الآباء نتيجة تبنيهم النظرة الكتابية للإنسان.
فالإنسان (كل)، جسده وروحه متلازمان. وهو يتعامل مع الله ككل، ويصبو إلى التأله
الذي هو غاية وجوده، إذ، كما يقول الآباء، الله صار إنساناً لكي يصير الإنسان إلهاً.
فالإنسان بكليته يستقبل النعمة وليس جزء منه. والإنسان مدعو، كما بروحه كذلك بجسده،
إلى التأله وإلى الشركة مع الله. والنور الإلهي يمكن أن يشع في جسد الإنسان المتأله
على هذه الأرض، وهذا الإشعاع يعطي تذوقاً ويحقق ما سوف يكون في القيامة العامة.
التأله يعني استعادة الصورة الإلهية التي عليها خلق الإنسان. وسبيل كل مسيحي إلى
ذلك – وليس فقط الرهبان – هو في سلوك دروب القداسة، والتزام نمط الحياة المتقشفة
الزاهدة والعيش الدائم في حضرة الله.
هدف الإنسان إذن التفتيش عن المسيح في كل مواضع سكناه: في الكتاب المقدس، في
الأسرار، في حياة الشركة وممارسة (سر القريب) وأخيراً لا آخراً في ذكر اسم الله
المتجسد مع كل نسمة يتنسمها قائلاً: (يا يسوع ابن الله الحي ارحمني أنا الخاطئ).
هذه هي صلاة يسوع، وقد تتلى أيضاً على حبات السبحات التي يحملها الرهبان
الأرثوذكسيون.
***
ولنعد الآن إلى الكتاب نفسه نجد في القصص الثلاث الأخيرة عرضاً مدروساً لمبادئ
التقيد الروحي الذي ذكرنا، وكذلك لصلاة يسوع. هذا العرض نجده وفقاً للنمط الآبائي
في البحث، أي إنه يتمحور حول موضوع الخلاص بالمحبة وتحقيق ذلك بالصلاة. محبة الله
لا حد لها. والمشكلة هي كيف يتقبل الإنسان هذه المحبة في العمق، لكي يتغير قلبه
وتنبت فيه (ثمار الروح).
أما القصة الخامسة فتلفتنا أولاً إلى أهمية التوبة التي تعني الانقلاب الداخلي
والتغيير الكلي للذهن والقلب. وتبين لنا أن التوبة الحقيقية هي انكسار القلب أمام
الله واللجوء إليه والارتماء في أحضانه. وتعلمنا أن الصلاة، وهي العلاقة الواعية مع
الله، مهما اتضعت تبقى مفتاح التوبة. وتتابع بشرح واف لصلاة يسوع، من الناحية
الروحية ومن ناحية أسسها الكتابية.
والقصة السادسة، بعد تأكيدها على التمحور حول الإنجيل الذي يقهر الشيطان (قصة
الفرنسي)، تعود لتذكرنا بنصيب الإنسان من الصلاة والذي يكمن في التكرار و(الكمية).
وتشير إلى أن إمكانية الصلاة متوفرة للإنسان في كل حين أيما وجد، ويمكنها أن ترافقه
في كل عمل يقوم به، مهما صعب، شريطة أن يقيمها في حضرة الله. الصلاة تحيي الإنسان
وتعود به إلى دعوته الأولى إذ تدعوه للوقوف في حضرة الله باستمرار.
وأخيراً نجد القصة السابعة تؤكد على أهمية الحياة التأملية. وترينا مجانية الصلاة
والعبادة، وكيف أن العالم اليوم هو بحاجة لهذه المجانية وللقديسين، لأن هؤلاء،
بمثلهم الحي وإشعاعهم النابع من علاقتهم الصميمية مع الله، يقودوننا إلى الملكوت
الذي بآن يفوق التاريخ ويحييه.
كذلك نجد في هذه القصة العديد من الإرشادات العملية يستنير بها الذين يودون سلوك
طريق الصلاة. وتنتهي القصة بصلاة جميلة جداً من أجل القريب، مؤكدة بذلك على أن
التقليد الروحي الازيخي يحرص كل الحرص على أن يترجم الإيمان المعاش في الصلاة إلى
محبة للقريب غير محدودة. وكما يقول الذهبي الفم: إن سر الشكر يدعونا إلى سر القريب.
وكل اتصال أصيل بالرب يجعل منا خداماً للبشر الذين ارتضى المسيح السكنى في قلوبهم.
***
اطلع السائح الروسي على التقليد الروحي هذا، لذلك لا يعتقد بأن ممارسة الصلاة وحدها
كافية ليعرف (ما أطيب الرب). ففي تزهده ما يرشده إلى الله. الله دائم التجوال وليس
له حجر يسند إليه رأسه. والصلاة المستديمة، بالنسبة إلى السائح، هي قبل كل شيء،
الوسيلة التي تمكنه من تركيز انتباهه على سر الإيمان.
وليس إيمان السائح انفعالاً أمام خيالات شعرية، لكنه يغتذي بتعاليم لاهوتية: فنراه
يقدم للذين يتوجهون إليه بالسؤال، نصائح عملية وشروحاً عقائدية، لا وعظاً جميلاً
غامضاً. وهو إذ يعرف الإنسان على ضوء الله، يعلم مكانه ودوره في العالم.
أما تعاليمه الأخلاقية فليست مجموعة من القواعد المدروسة. فإن أعماله كلها تصدر عن
شوقه إلى الكمال الروحي. والزهد شرط الرؤيا ولا معنى له بحد ذاته. وهكذا يعلمنا
السائح أن الحياة الروحية إنما هي وحدة لا تتجزأ. فالأعمال تأتي من الإيمان، ولكن
ليس من إيمان بلا أعمال. يسير السائح نحو أورشليم الجديدة، وقد أتى من عالم الخطيئة
والجهل والضعف. وسيدخلها جسداً وروحاً في منتهى الدهر، بعد أن يكون قد بدأ بتذوق
هذه الحياة الأبدية منذ الآن من جراء سكنى الله فيه. وقد توصل إلى تجاهل البرد
والجوع والألم وبدت له الطبيعة وكأنها قد تجلت:
(كانت الأشجار والأعشاب والطيور، والأرض والهواء والنور، كانت كلها تقول لي أنها
إنما وجدت من أجل الإنسان وأنها تشهد بمحبة الله للإنسان: كل شيء كان يصلي ويرنم
لله مجداً).
***
هذا هو المدى الرحب الذي يطل عليه من يتبع خطى السائح مستمعاً إليه بإخلاص. أفيجرده
من الطابع الروسي؟ على العكس: فإنما هو نموذج مكتمل للتقوى الأرثوذكسية الروسية،
التي لم تكوّن مدرسة فكر أو مذهباً قائماً بذاته، بل أحييت أصول والعقائد المنقولة
عن بيزنطية وجسدتها في الواقع الروسي.
إن الشعور الإنساني الذي يتجلى بالتعاطف والشفقة أمام الألم والخطيئة والاقتداء
بحياة المسيح، بالإضافة إلى الصلاة وممارسة الأسرار ومعاشرة الكلمة الإلهية، كل هذه
ميزات الروحانية الأرثوذكسية الأساسية التي يجد لها القارئ، في هذا الكتاب، وصفاُ
عفوياً رائعاً.
منشورات النور
القصة الأولى
أنا بنعمة الله إنسان ومسيحي، وأما بأعمالي فخاطئ كبير و(سائح) من أدنى المراتب،
دائم التجوال من مكان إلى مكان. مالي كناية عن خبز يابس في كيس على ظهري، والكتاب
المقدس في قميصي: هذا كل متاعي.
دخلت الكنيسة يوم الأحد الرابع والعشرين بعد العنصرة لأصلي، أثناء القداس الإلهي،
وكان ذلك عند قراءة فصل من رسالة القديس بولس إلى أهل تسالونيكي، وفيه يقول الرسول:
(صلوا بلا انقطاع). سرت هذه العبارة حتى الأعماق فيّ وتساءلت كيف يمكن أن نصلي بلا
انقطاع وعلى كل منا أن يقوم بأعمال عديدة ليتدارك احتياجات عيشه. ففتحت الكتاب
المقدس وقرأت بأم عيني ما سمعته حرفياً: (ينبغي أن تصلوا بلا انقطاع) (1 تس 16:5)،
و(صلوا بالروح في كل حين) (أفسس 18:6)، (وارفعوا في كل مكان أيدي نقية) (1 تي 8:2).
وعبثاً ركزت فكري فلم أستطع البت في الموضوع.
وفكرت: ما العمل؟ أين يمكنني أن أجد مَن بإمكانه أن يوضح لي معنى تلك الكلمات؟
سأمضي إلى الكنائس حيث يعظ رجال ذاع صيتهم، فربما وجدت لديهم ما أبحث عنه.
سمعت الكثير من العظات البليغة عن الصلاة، غير أنها كلها كانت تبحث في الصلاة عامة:
ما هي الصلاة، ولماذا يجب أن نصلي أو: ما هي ثمار الصلاة، ولكن لم يقل أحد شيئاً
عما ينبغي القيام به حتى يتوصل المرء إلى أن يصلي صلاة فعلية. وسمعت عظة عن الصلاة
الداخلية والصلاة الدائمة، إلا أن الواعظ لم يشر بشيء إلى كيفية التوصل إلى هذه
الصلاة. وهكذا، لم تجدني مواظبتي على استماع الوعظ نفعاً في ما كنت أسعى إليه،
فانقطعت عن سماع الوعظ وعقدت النية على البحث، مستعيناً بالله، عن إنسان عالم خبير
بوسعه أن يشرح لي غوامض هذا الأمر، وقد شغل بالي وانصرفت إليه بكل جوارحي.
ولطالما سرت في الطرقات أقرأ الكتاب المقدس وأسأل الناس عما إذا كانوا يعرفون
معلماً روحياً أو مرشداً حكيماً خبر الحياة، إلى أن قيل لي، ذات مرة، أن (سيداً)
{أو بعبارة أخرى (بوميشتشك): من صغار نبلاء الريف الروسي} يعيش هناك في قرية من أمد
بعيد ويسعى لخلاص نفسه. في بيته كنيسة صغيرة. لا يغادر منزله مطلقاً ولا ينفك يصلي
أو يقرأ الكتب الروحية. فلم أعد أسير، عند سماعي هذا، بل جعلت أركض نحو تلك القرية.
ولما بلغتها، قصدت ذلك السيد. سألني: ماذا تريد مني؟ فأجبته: علمت أنك رجل تقي
حكيم، لذا أسألك بحق الله أن تبين لي ما يعنيه قول الرسول هذا: (صلوا بلا انقطاع)،
وكيف يمكننا الصلاة على هذا النحو. هذا ما وددت فهمه، إلا أنني عجزت عن إدراكه.
فأطرق السيد ثم نظر إلي وقال: إن الصلاة الداخلية الدائمة هي جهد الروح المستمر
للتوصل إلى الله، فإن أردنا أن نفلح في مسعانا هذا الخيّر، كان علينا أن نكثر من
طلبنا إلى الله أن يعلمنا أن نصلي بلا انقطاع. صل كثيراً وصل باندفاع، تفهمك الصلاة
من تلقاء ذاتها كيف لها أن تصبح مستديمة، وإنما يستلزم ذلك وقتاً طويلاً.
وبعد قوله هذا أمر فقدم لي الطعام، وأعطيت زاد الطريق، ثم افترقنا دون أن أقف منه
على جديد.
وتابعت المسير أفكر وأقرأ وأتأمل، حسبما تيسر لي. فيما قاله لي ذلك السيد إلا أنه
كان من المحال علي أن أفهم، بالرغم من أن رغبتي في الفهم كانت عظيمة إلى حد جعل
ليالي تمضي دون رقاد. وبعد أن قطعت مسافة مئتي فرسخ {1067 متراً}، وصلت حاضرة ولاية
ولمحت فيها ديراً، قيل لي في الفندق أن رئيسه تقي محسن مضياف. فذهبت إليه، فأحسن
استقبالي وأجلسني ثم قدم لي الطعام، فقلت له:
- أيها الأب القديس، أنا لست بحاجة إلى طعام الجسد بل إلى غذاء روحي. أريد أن أعرف
كيف يحقق الإنسان خلاصه {إنه السؤال التقليدي الذي يوجهه التلميذ إلى معلمه في
أديرة الشرق وخلواته}.
- كيف تنال الخلاص؟... احفظ الوصايا وصل إلى الله تخلص. فقلت: أنا أعرف أنه ينبغي
أن نصلي بلا انقطاع، ولكني لا أدري كيف تتيسر لي الصلاة باستمرار، بل إني لا أفهم
حتى ما تعنيه الصلاة الدائمة. فهلا تفضلت، يا أبتي، بشرح هذا الأمر لي.
- لست أدري، أيها الأخ كيف أوضح لك الشرح. ولكن مهلاً! لدي كتيب يتناول هذا
الموضوع.
وأخرج كتاب (المرشد إلى الحياة الروحية) {رسالة صغيرة في فاعلية الصلاة كتبها
القديس ديمتري أسقف روستوف (1651- 1709). كان ديمتري ابن أحد ضباط الكوزاك، ترهب
عام 1668. وقد عينه بطرس الكبير أسقفاً على روستوف (قرب موسكو) عام 1701. كافح
تساهل الكهنة وتراخي المؤمنين في أبرشيته بشدة وحزم حتى أعاد إليها النظام
والانضباط. وقد ألف ديمتري مواعظ ورسائل عديدة ودراسة قيمة للمذاهب والشيع وكرس جل
وقته لكتابة (الميناون) الروسي، وهو التقويم الليتورجي المحتوي على الصلوات
المتعلقة بالقديسين حسب ترتيب أعيادهم} للقديس ديمتري قائلاً: خذ! اقرأ هذه الصفحة!
فقرأت ما يلي:
(إن قول الرسول هذا: ينبغي أن تصلوا بلا انقطاع ينطبق على الصلاة الفكرية. فالفكر،
في الواقع، يمكنه أن يكون دائم الاستغراق في الله، يصلي إليه دون انقطاع).
قلت: أوضح لي كيف يمكن أن يكون الفكر دائم الاستغراق في الله، لا يغفل، بل يصلي دون
انقطاع. أجاب رئيس الدير: إنه أمر يعسر على مبتغيه إذا لم يعط ذلك من لدن الله. لكن
هذا الجواب لم يزدني فهماً.
وقضيت ليلتي في ضيافة رئيس الدير. وفي الصباح، شكرته على حفاوته ثم تابعت سيري لا
أعرف لي غاية أمضي إليها. وكنت حزيناً بسبب عدم فهمي، فكان عزائي قراءة الكتاب
المقدس.
سرت هكذا مدة خمسة أيام أضرب في الطرقات إلى أن التقيت ذات مساء بشيخ على سيمائه
شيء من ملامح رجال الدين. ولما سألته عن حاله أجابني أنه راهب وأن الدير الذي يعيش
فيه مع بعض الأخوة يقع على عشرة فراسخ من الطريق. ودعاني إلى التوقف عندهم قائلاً:
(نحن إنما نستقبل السائحين، وليس لدينا ما يسمح لنا بالعناية بهم، لذلك ننصحهم
بالمبيت في الفندق).
ولم تكن لي قط رغبة الذهاب إلى الفندق فقلت له: (راحتي لا تتوقف على المسكن بل على
تعليم روحي، ولست أبحث عن طعام، فمعي الكثير من الخبز الجاف في كيسي.
- عن أي تعليم تبحث؟ وما الذي تريد فهمه؟ تعال، تعال عندنا أيها الأخ العزيز،
فبيننا (ستارتس) {الستارتس أو الشيخ أو المتقدم هو راهب أو متوحد اكتسب نعمة
التمييز والأبوة الروحية، يختاره الرهبان الفتيان والعلمانيون كمرشد ومعلم روحي
وذلك دون أن يكون له في الدير أية رتبة خاصة. وتشكل المحبة من جهة المعلم، والاتضاع
من ناحية التلميذ، الفضيلتين اللتين تقوم عليهما علاقة روحية أعمق وأوثق بمضمونها
مما يسمى عند الغربيين (بالإرشاد الروحي). في (الأخوان كرامازوف) وصف واف لستارتس
(الستارتس زوسيموس)، كما أن هناك عدة مؤلفات خاصة تبحث بتفصيل في حياة الستارتس}
ومرشدون ذوو خبرة بإمكانهم توجيهك روحياً وهديك سواء السبيل على ضوء كلمة الله
وتعاليم الآباء.
- كنت، يا أبتي، منذ قرابة العام، أحضر القداس الإلهي. فإذا بي أسمع وصية الرسول
القائلة: صلوا بلا انقطاع. ولكني لم أفهم ما تعنيه هذه العبارة فأخذت أقرأ الكتاب
المقدس، فوجدت فيه أيضاً، وفي مواضيع متعددة منه، وصية الله بأن نصلي بلا انقطاع،
كل حين، في كل سانحة وفي كل مكان، لا خلال أعمالنا اليومية فحسب، ولا في يقظتنا فقط
بل أثناء نومنا أيضاً: (إنني نائمة ولكن قلبي مستيقظ) (نشيد الأنشاد 2:5). فاشتدت
حيرتي وما قدرت أن أفهم كيف يتيسر للمرء أمر كهذا وما الوسائل الكفيلة بأن تقودنا
إليه. وثارت فيّ رغبة عنيفة وفضول، ولم تعد هذه العبارة تفارقني ليلاً ونهاراً.
ولذا أخذت في التردد إلى الكنائس... وسمعت عظات كثيرة عن الصلاة، ولكنها على كثرة
ما سمعته منها لم تفدني قط كيف أصلي بلا انقطاع. فقد كان الوعاظ يتكلمون دائماً في
الاستعداد للصلاة أو في فوائدها، دون أن يعلّموا كيف يصلي المرء بلا انقطاع وما
تعني هذه الصلاة. وكثيراً ما قرأت الكتاب المقدس، فوجدت فيه ما كنت أسمعه، غير أني
لم أتوصل إلى فهم ما كنت أريده. وأنا، منذ ذلك اليوم، ما زلت متحيراً قلقاً.
فرسم الراهب علامة الصليب وقال: أشكر الله، أيها الأخ الحبيب على أنعامه عليك بميل
شديد إلى الصلاة الداخلية المستديمة. تأكد أنه نداء الله وهدئ من روعك إذ ترى توافق
إرادتك وكلام الله، فقد أتيح لك أن تدرك أن ما يقود إلى النور السماوي – أي الصلاة
الداخلية المستديمة – ليس حكمة العالم ولا رغبة في المعرفة باطلة، ولكنما توصل
إليها مسكنة الروح والخبرة العاملة ببساطة القلب. فليس من المستغرب إذن أنك لم تسمع
أبداً شيئاً عميقاً عن الصلاة وأنك لم تستطع أن تتعلم كيف تمارسها باستمرار. إن
الوعظ عن الصلاة كثير حقاً، وكثيرة أيضا الكتب التي أُلّفت مؤخراً فيها، لكن كافة
أحكام مؤلفيها تقوم على البحث العقلي النظري، على مفاهيم العقل الطبيعي، لا على
الاختبار الواقعي، ولذا فهي تتناول أعراض الصلاة أكثر مما تبحث في جوهرها.
فيجيد بعض المؤلفين، مثلاً، في بيانه ضرورة الصلاة، ويتكلم آخر في قوة الصلاة وفي
نتائجها الخيرة، ويحدثنا ثالث في الشروط المفروضة لإجادة الصلاة: في الغيرة
والانتباه، في حرارة القلب ونقاوة الروح، في التواضع والندامة... أي في الصفات التي
ينبغي توافرها فينا عند مباشرتنا الصلاة. أما: ما هي الصلاة؟ كيف نتوصل إليها؟
فسؤالان أساسيان جوهريان يندر أن نجد جواباً عنهما شافياً لدى وعاظ زمننا الحاضر،
فهما أصعب من أن يستطيعوا شرحهما، فإنهما لا يتطلبان علماً مدرسياً بل معرفة صوفية.
والمحزن في الأمر أن حكمتهم البدائية الباطلة تجعلهم ينظرون إلى الله بمقاييس
بشرية. كثيرون يرتكبون خطأ فادحاً إذ يظنون أن استعداد المصلي وأعماله الصالحة تولد
الصلاة، في حين أن الصلاة هي في الحقيقة منبع المآثر والفضائل. وخطأ يرون في ثمار
الصلاة أو نتائجها السبل الموصلة إليها فيضعون تأثيرها بخطئهم هذا. وأنها، لعمري،
وجهة نظر مناقضة لما جاء في الكتاب المقدس. قال بولس الرسول في الصلاة: (فأسألكم
قبل كل شيء أن تصلوا) (1تي 1:2).
وهو بذا يجعل الصلاة فوق كل شيء. أجل، يطلب من المسيحي كثيراً من أعمال البر، لكن
الصلاة أسمى من كل ما عداها. فبدونها لا يتم عمل صالح. لا يمكن بدون الصلاة أن نجد
السبيل إلى الله أو نعرف الحق، أن نصلب جسدنا بأهوائه وشهواته أو أن يستنير قلبنا
بنور المسيح وأن نتحد به للخلاص. قلت: المتواصلة، لأن كمال صلاتنا وصحتها لا
يتعلقان بنا، كما قال بولس الرسول أيضاً: (... لا نعلم ماذا نصلي) (رو 26:8).
فالاستمرار وحده تُرِك لنا شأنه كوسيلة لإدراك الصلاة النقية وهي أصل كل خير روحي.
قال القديس اسحق السرياني {راهب عاش في نينوى في أواخر القرن السابع وأصبح أسقفاً
عليها. كتب العديد من المؤلفات الروحية باللغة السريانية}: (من حصل على الأم فقد
اقتنى ذرية) وإنما يعني بهذا أنه ينبغي، بادئ بدء، أن نحصل على الصلاة حتى نستطيع
ممارسة كافة الفضائل. غير أن الذين لم يطلعوا على الخفي من عادات الآباء وتعاليمهم
لا يحيطون علماً بهذه المسائل فلا يفيضون في الحديث عنها.
ووصلنا، ونحن نتحدث على هذا النحو، إلى المنسك دون أن نشعر، وسارعت أقول لمحدثي
الحكيم، لئلا أفترق عنه ورغبة مني في إرواء شهوتي عاجلاً: أرجوك أيها الأب الوقور
اشرح لي ما هي الصلاة الداخلية المستديمة وكيف يمكن تعلمها: أرى أن لك فيها خبرة
عميقة متينة. فرحب الستارتس بطلبي ودعاني لزيارته قائلاً: تعال معي، وسأعطيك كتاباً
من كتب الآباء سيعينك على فهم الصلاة فهماً واضحاً ويساعدك على تعلمها بعون الله
تعالى.
ولما دخلنا حجرة الستارتس حدثني فقال: إن صلاة يسوع الداخلية المتواصلة هي ذكر اسم
يسوع بصورة مستمرة وبلا توقف، بالشفتين والقلب والفكر، شاعرين بحضوره، في كل مكان
وفي كل وقت، حتى أثناء النوم. صيغة هذه الصلاة: أيها الرب يسوع المسيح ارحمني أنا
الخاطئ! والذي يعتادها يشعر بالتعزية وبالحاجة إلى تلاوتها دائماً، ولن يستطيع، بعد
حين، أن يبقى بدونها فتسري فيه من تلقاء ذاتها. أفهمت الآن ما هي الصلاة الدائمة؟
فهتفت والسرور يملأ جوانحي: قد فهمت حق الفهم يا أبت! فعلمني، أرجوك، علمني كيف
التوصل إليها.
فقال: أما كيف تتعلم الصلاة، فسنراه في هذا الكتاب. اسمه (الفيلوكاليا) وهو يحوي
علم الصلاة الداخلية المستديمة مفصلاً حسبما تناولها بالشرح خمسة وعشرون من آباء
الكنيسة. وهو مفيد قيم إلى حد يعتبر معه المرشد الأساسي إلى الحياة التأملية. وكما
يقول المغبوط نيكفورس {راهب عاش في جبل آثوس في القرن الثالث عشر (توفي عام 1280).
وألف رسالة مهمة في (المحافظة على القلب)}: (إنه يوصل إلى الخلاص بدون تعب ولا
ألم).
فسألته: أهو أسمى مرتبة من الكتاب المقدس؟
- كلا! إنه ليس أسمى ولا أقدس، غير أن فيه شروحاً تنير كل ما يستعصي فهمه من غوامض
الكتاب المقدس بسبب ضعف عقلنا الذي يعجز نظره عن التسامي إلى هذه القمم العالية.
إليك تشبيهاً: الشمس كوكب مهيب الجلالة، مشع بهي. لكننا لا نستطيع التطلع إليه
بالعين المجردة، فلكي يتيسر لنا التحديق في ملك الكواكب وتحمل أشعته الوهاجة، ينبغي
أن نستعمل عدسة اصطناعية متناهية في الصغر، باهتة للغاية بالنسبة إلى الشمس.
والكتاب المقدس بمثابة الشمس، والفيلوكاليا قطة الزجاج.
اسمع! سأقرأ لك كيف السبيل إلى التمرن على الصلاة الداخلية المستديمة. الداخلية
المتديمة
وفتح كتاب الفيلوكاليا، واختار فقرة للقديس سمعان اللاهوتي الجديد {سمعان اللاهوتي
الجديد (917- 1022) هو أحد كبار آباء الكنيسة اليونانيين. أدخل البلاط الإمبراطوري
في التاسعة عشرة من عمره، إلا أنه سرعان ما هجره ليدخل دير ستوديون ثم دير القديس
ماماس بعد ست سنين من ذلك، وبقي رئيساً عليه مدة خمسة وعشرين عاماً. وقد اضطر إلى
مغادرة القسطنطينية بعد خلاف قم بينه وبين وكيل البطريرك، إلا أنه أعيد إلى مكانته
قبل وفاته بمدة. وقد أنعم الله عليه بالرؤى السماوية منذ بلوغه الرابعة عشرة من
عمره فنظم (الأناشيد الإلهية المحببة)} وشرع يقرأ:
(أقعد بصمت، منفرداً، واحن رأسك وأغمض عينيك. تنفس بهدوء وأنظر بعين المخيلة داخل
قلبك، وأنقل عقلك، أعني فكرك، مركزاً إياه، من رأسك إلى قلبك، وقل مجارياً تنفسك:
أيها الرب يسوع المسيح ارحمني أنا الخاطئ! بصوت خافت، أو بالفكر فقط. حاول جاهداً
أن تطرد كل الأفكار وكن صبوراً. أعد هذا التمرين تكراراً).
ثم فسر لي الستارتس هذا كله مستعيناً بالأمثلة. وقرأنا في الفيلوكاليا أيضاً أقوال
القديس غريغوريوس السينائي {أحد رهبان جبل آثوس (1255- 1346). أصله من آسية الصغرى.
وقد قدم إلى جبل آثوس من جبل سيناء فأحيا التقليد الإزيخي وأرجع ممارسة (الصلاة
المستديمة) إلى سابق عهدها} والمغبوطين كاليستوس واغناطيوس {كاليستوس كزانثوبولس هو
بطريرك القسطنطينية لبضعة أشهر من عام 1397، وكان قد تدرب على الزهد في جبل آثوس
كراهب. وقد ألف مع صديقه اغناطيوس كزانثوبولس رسالة في حياة الزهد}. وكان الستارتس
يفسر كل ما يقرأه بكلمات من عنده. وأصغيت بانتباه وحبور أجد في حفظ تلك الأقوال
كافة في ذهني على أكبر وجه من الدقة ممكن. وقضينا الليلة كلها على هذا النحو ثم
ذهبنا إلى صلاة السحر دون أن ننام.
لما حان موعد انصرافي، باركني الستارتس وأوصاني بأن آتي إليه أثناء دراستي الصلاة،
للاعتراف بصراحة وببساطة قلب، فإنه من العبث أن نباشر عملاً روحياً دون مرشد
يهدينا.
أحسست، في الكنيسة، بدافع شديد إلى اختبار الصلاة الداخلية المستديمة بعناية، وسألت
الله عوناً من لدنه. ثم خطر ببالي أنه سوف يعسر علي الذهاب لرؤية الستارتس،
للاعتراف لطلب النصح. فلن أتمكن من البقاء في الفندق أكثر من ثلاثة أيام، وليس من
مسكن قرب المنسك... بيد أني علمت، لحسن الحظ، أن هناك قرية على بعد أربعة فراسخ،
فسعيت إليها أبحث عن مسكن، ووفقني الله في ذلك. فقد تمكنت من العمل بالأجرة كحارس
عند أحد المزارعين، على أن أمضي الصيف وحدي في كوخ في أقصى الحديقة، فوجدت بذا
مكاناً هادئاً، والحمد لله.
وهكذا أخذت أعيش وأدرس الصلاة الداخلية بالوسائل التي أوصاني بها الستارتس، وكنت
أتردد عليه ما استطعت إلى ذلك سبيلاً.
تمرست، خلال أسبوع، في خلوة حديقتي، على الصلاة الداخلية، متبعاً تعاليم الستارتس
بدقة. ولاح لي أول الأمر، أن كل شيء على ما يرام، ثم شعرت بثقل كبير، وبالكسل
والضجر ونعاس لا يقاوم، وتلبدت الأفكار في ذهني متكاثرة كالسحب، فذهبت إلى الستارتس
حزيناً. ولما شرحت له أمري أهل بي ثم قال:
- أيها الأخ الحبيب، إنها الحملة التي تشنها عليك قوات الظلام. فهي لا تخشى شيئاً
كما تخاف صلاة القلب، فتحاول، لذلك، أن تضايقك وتبعث فيك النفور من الصلاة. إلا أن
العدو لا يفعل شيئاً إلا بإذن من الله، وبمقدار ما يكون في ذلك من فائدة لنا. لا شك
في أن تواضعك سوف يتعرض للامتحان، فلم يحن بعد لك أوان الوصول إلى عتبة القلب رغم
اندفاعك الشديد. إن في التبكير في الوصول خطر انزلاقك إلى القحط الروحي. دعني الآن
أسمعك ما جاء في الفيلوكاليا بهذا الصدد.
وقلب الستارتس صفحات من تعاليم الراهب نيكفورس، ثم قرأ: (أيها الأخ، إن لم تستطيع،
رغم جهودك، أن تدخل منطقة القلب كما أوصيتك، فاصنع ما سأقوله لك وستجد، بعون الله،
ما تسعى إليه.
أنت تعرف أن عقل كل إنسان متصل بقلبه... فجرد عقلك من كل فكرة (وأنت تستطيع ذلك إن
تشأ) وردد: (أيها الرب يسوع المسيح ارحمني أنا الخاطئ). اسع جهدك أن تحل هذه الصلاة
الداخلية محل كل فكرة سواها، ولا شك في أن هذا سيفتح لك، مع التكرار، باب القلب: هو
أمر أثبته الاختبار).
وأضاف الستارتس: أنت ترى ما يقوله آباء الكنيسة في هذه الحال. ولذا كان عليك أن
تقتبل هذه الوصية مطمئناً وتتلو ما استطعت صلاة يسوع. إليك بسبحة {سبحات الرهبان
الشرقيين – وهم يحملونها بصورة دائمة ملفوفة حول يدهم – مصنوعة من سلك من الحرير أو
الصوف طويل، تقوم عليه العقد مقام (الحبات) أو الكرات الصغيرة في سبحات الغربيين.
وتتلى (صلاة يسوع) واحدة لكل (عقدة)}: بإمكانك الاستعانة بها لتلاوة الصلاة 3000
مرة يومياً، أول الأمر. وسواء كنت واقفاً أم قاعداً، مستلقياً أم ماشياً، قل دون
انقطاع: أيها الرب... متأنياً دون إسراع. صل 3000 مرة يومياً بالضبط، دون أن تزيد
عليها أو تنقص منها مرة واحدة، وستبلغ هكذا مرحلة الصلاة الداخلية الدائمة.
استمعت إلى كلمات الراهب هذه بفرح وعدت إلى كوخي وجعلت أطبق بدقة وأمانة ما لقنني
من تعليم. وصعب علي الأمر بعض الشيء في اليومين الأولين، ثم أصبح من السهولة بحث
صرت أحس وكأن في حاجة إلى تلاوة الصلاة، إذ أتوقف عنها فتسري بسهولة دون أدنى جهد،
كالذي لقيته في البدء.
وأطلعت الستارتس على هذا فأوصاني بأن أتلو الصلاة 6000 مرة دون الاهتمام بأي شيء
آخر، فلم أجابه أفكاراً تصدني بأمانة، بعدد المرات الذي أوصيك به، وسيرأف الله بك.
بقيت في كوخي وحيداً مدة أسبوع كامل، أردد ابتهالي كل يوم 6000 مرة دون الاهتمام
بأي شيء آخر، فلم أجابه أفكاراً تصدفني عن الصلاة. وكان قصارى جهدي أن أفعل بحسب
وصية الستارتس. أتدرون ماذا حدث؟ - لقد اعتدت على الصلاة إلى درجة أني ما كنت أتوقف
عنها برهة قصيرة، حتى أشعر بفراغ، كما لو فقدت شيئاً لي – وما إن أرجع إلى صلاتي
حتى يعاودني نشاطي وغبطتي. وكنت، إن صادفت أحداً، لا أرغب في الكلام، إذ كان كل
مبتغاي أن أبقى منفرداً أصلي، وذلك لشدة ما ألفت الصلاة بعد ممارستها مدة أسبوع.
وأتى الستارتس يتنسم أخباري، وقد مضى عليه عشرة أيام لم يرني خلالها، فأخبرته بما
حصل لي، فأصغى إلي ثم قال: ها إنك قد اعتدت على الصلاة. ينبغي الآن أن تحتفظ بهذه
العادة وأن تقويها: فلا تتوان، بل استعن بالله وصمم على ترديد الابتهال 12000 مرة
يومياً. ابق في عزلتك، وبكر بالنهوض من النوم بعض الشيء، وأخر موعد نومك قليلاً،
وأحضر لزيارتي مرتين في الشهر.
تقيدت بأوامر الستارتس حرفياً. وفي اليوم الأول أنهيت الاثني عشر ألف مرة بجهد، فلم
أفرغ منها إلا وقد تأخر الليل. وفي اليوم الثاني، قمت بالصلاة بصورة أسهل وأنا
مبتهج. وشعرت بادئ الأمر بالتعب، فكأن لساني وفكي تصلبا، دون أن يرافق ذلك أدنى
ألم، وبعد، شعرت بألم خفيف في سقف حلقي، ثم بإبهام يدي اليسرى، وكنت أعد به حبات
السبحة، في حين بدأت أحس بالدفء في يدي حتى المرفق، مما ولد فيّ إحساساً لذيذاً: كل
هذا كان من شأنه أن يشجعني على الصلاة بصورة أفضل. وهكذا، قمت بتلاوة الابتهال
12000 مرة، مقبلاً عليه برغبة ولذة، فاعتدت الصلاة وألفتها.
استيقظت ذات صباح، وكأن الصلاة أيقظتني، وبدأت أصلي الصلوات الصباحية، إلا أن لساني
تلعثم بها، فلم يكن بي إلا رغبة واحدة: أن أتلو صلاة يسوع. وما إن باشرت بها حتى
شعرت بالغبطة، كانت شفتاي تتحركان من تلقاء ذاتهما دون أي جهد. وقضيت يومي مبتهجاً.
كنت وكأني اعتزلت كل شيء، خلت نفسي في عالم آخر. وفرغت بلا عناء مما علي من صلاة –
12000 مرة – قبل غروب الشمس. لكم وددت لو تابعت الصلاة! غير أني ما جرأت على تجاوز
العدد الذي رسمه لي الستارتس. وفي ما تلا ذلك من الأيام، تابعت ذكر اسم يسوع
بسهولة، دون أن ينتابني أي ملل.
قصدت الستارتس ورويت له كل ذلك مفصلاً فقال لي: إن الله قد وهبك شهوة الصلاة
وإمكانية التسبيح دون مشقة: هذا نتيجة طبيعية للتمرين والجد المثابر الذي عانيت،
كما يحدث لآلة تدفع عجلتها للدوران رويداً ريداً ثم تستمر على الدوران تلقائياً.
ولكن يجب (تشحيم) الآلة ودفعها من جديد، من حين لآخر، لكيما تداوم حركتها. أفرأيت
بأي الطاقات العجيبة قد سلح الله المحب البشر طبيعتنا الحسية ذاتها؟ لقد أتيح لك
أيضاً أن تخبر ما يمكن أن يولد حتى في النفس الخاطئة من أحاسيس خارقة عجيبة، مهما
تكن تلك النفس بعيدة عن إشراق النعمة. ولكن، يا لشدة الكمال والفرح والغبطة التي
تصيب الإنسان عندما ينعم الله عليه بالصلاة الروحية التلقائية وبتطهير نفسه من
الأهواء. إنها من الحالات التي لا يمكن التعبير عنها: واطلاع الله إيانا على هذا
السر هو عربون تذوقنا لعذوبة ملكوت السموات. إنها هبة تعطى للذين يبحثون عن الرب
ببساطة قلب بالحب مفعم.
لك، من الآن فصاعداً، أن تتلو صلاة يسوع ما شئت. اجتهد أن تكرس كل أوقات اليقظة
للصلاة، وأذكر اسم يسوع دون تعداد، مستسلماً بتواضع لمشيئة الله، مؤملاً بعونه،
وهو، تعالى، لن يترك، بل سوف يقود خطاك.
اتخذت كلام الستارتس قاعدة لحياتي، وأمضيت الصيف بكامله أتلو صلاة يسوع بلا انقطاع.
وكنت مطمئناً ناعم البال. كنت أحلم أحياناً، أثناء نومي، بأني أردد الصلاة. ولما
كنت ألتقي ببعض الناس، نهاراً، كنت آنس بهم كما لو كانوا من عائلتي. وهذا ثائر
أفكاري، فما كنت أعيش إلا مع الصلاة، وأخذت أميل فؤادي للإصغاء إليها. وكان قلبي،
في بعض الأحيان، يشعر تلقائياً بشيء كالدفء وبفرح كبير. كانت خدمة الصلاة الطويلة،
في المنسك، إذا ما دخلت الكنيسة، تبدو قصيرة، لا أملها كسابق عهدي بها. كان كوخي
المنعزل قصراً منيفاً بالنسبة لي، وما كنت أدري كيف أشكر الله الذي أرسل لي، أنا
الخاطئ الحقير، سترتساً أفادني تعليمه خيراً عظيماً.
إلا أني لم أمتع طويلاً بإرشاد الستارتس الحبيب الحكيم فقد توفي في آخر الصيف.
وودعته الوداع الأخير باكياً. وسألته، شاكراً له تعليمه الأبوي، أن يترك لي للتبرك
سبحته التي كانت تلازمه في صلواته. وهكذا أصبحت وحيداً. وانقضى الصيف، وقطفت ثمار
الحديقة، فلم يبقى لي مكان آوي إليه. وأعطاني المزارع روبلين من فضة أجراً لي، وملأ
كيسي خبزاً، زاد الطرق. فعاودت حياة التجوال لكني لم أكن معوزاً كما كنته قبلاً:
كان ذكر اسم يسوع يبعث فيّ الفرح طوال المسير، وكان الناس كلهم يحسنون معاملتي كما
لو كانوا جميعاً يحبونني.
تساءلت، ذات يوم، ماذا عساي أصنع بالروبلين اللذين أعطانيهما المزارع. فما الفائدة
من حزنهما؟ نعم!.. لم يعد لي ستارتس يرشدني ولا أحد يهديني، فقررت أن أشتري نسخة من
الفيلوكاليا أتعلم فيها الصلاة الداخلية. ووصلت حاضرة ولاية ورحت أبحث فيها مفتشاً
في الدكاكين عن الفيلوكاليا، وقد وجدت نسخة منها، غير أن البائع طلب ثلاثة روبلات
ثمناً لها، ولم يكن معي إلا روبلان. وعبثاً ساومته، فلم يحسم لي شيئاً من سعرها،
وقال لي، آخر الأمر: اذهب إلى تلك الكنيسة واسأل القندلفت، فإن لديه كتاباً عتيقاً
كهذا، ربما باعه لك بالروبلين.
فقصدت الكنيسة واشتريت، فعلاً. نسخة عتيقة جداً من الفيلوكاليا مهترئة، سعدت بها.
وأصلحت من شأنها ما أمكن، بشيء من القماش، ووضعتها في كيسي إلى جانب الكتاب المقدس.
هكذا أمضي الآن في تجوالي، أصلي صلاة يسوع دون انقطاع، وهي أعز عندي وأعذب من كل ما
عداها. وربما قطعت 70 فرسخاً في اليوم لا أشعر بالسير، بل أحس فقط بأني أتلو
الصلاة. وأنا، إذا ما قرصني البرد، أتلو الصلاة بمزيد من الانتباه والتأني، وسرعان
ما تدفأ أوصالي. وإذا ألح علي الجوع، أكثرت من ذكر اسم يسوع، فلا أعود أذكر أنني
جعت. وإن شعرت بالمرض وبأن ظهري أو ساقي تؤلماني، ركزت اهتمامي في الصلاة، فلا أعود
أشعر بالألم. عندما يهينني إنسان، لا أفكر إلا بالصلاة يسوع المنعشة فيزول الغضب
للحال ويزول الألم وأنسى كل شيء. قد غدت روحي بسيطة كل البساطة لا أهتم ولا أعنى
بشيء، ولا يستأثر بي شيء مما هو خارجي، فإني أفضل البقاء وحيداً، وليس لي، بحكم
العادة، إلا حاجة واحدة: أن أصلي بلا انقطاع. وأنا عندما أفعل، أفرح وأتهلل. والله
يعلم ماذا يتم في داخلي! وهذا، بالطبع، ما هو إلا انطباعات محسوسة أو بالأحرى، كما
يقول الستارتس، فعل الطبيعة وأثر عادة مكتسبة، لكني لا أجرؤ بعد على مباشرة دراسة
الصلاة الفكرية داخل القلب، فأنا غير مستحق لذلك، وأغبى من أن أفعل. ولذا فإني
أنتظر أوان الله راجياً العون من صلاة فقيدي الستارتس. لم أصل بعد، إذن، إلى صلاة
القلب الروحية تلقائية ومستديمة. بيد أني، والحمد لله، أفهم الآن تمام الفهم ما
تعنيه كلمة الرسول التي سمعتها يوماً: (صلوا بلا انقطاع) {لا يعرف السائح هكذا إلا
المرحلة الأولى للصلاة وسيعرض في القصص التالية مراحل تقدمه واكتشافه التدريجي
(لصلاة القلب التلقائية). إن هذا يرجح إما أن القصة الأولى لم تكن في اركوتسك، بل
في فترة لاحقة من حياة السائح، أو أنها كتبت بطريقة تعليمية مع مراعاة أصول الإنشاء
وذلك بتصنيف كل التفاصيل التي أعطاها السائح عند ابتدائه تعلم الصلاة. وهذه حجة
أخرى تجعلنا نميل إلى الاعتقاد أن هذه القصص إنما أنشأها أحد الرهبان من أصدقاء
السائح}.
القصة الثانية
طالما سحت أتنقل من مكان إلى مكان ترافقني صلاة يسوع التي كانت تشددني وتعزيني على
كل الدروب، في كل حين وعند كل اتصال بالناس. وبدا لي آخر الأمر أنه يجمل بي التوقف
في مكان ما حتى تتاح لي عزلة أكبر، لدراسة الفيلوكاليا التي لم يكن بإمكاني قراءتها
إلا مساء، عند توقفي للنوم، أو خلال راحة الظهيرة. وكانت فيّ رغبة ملحة تحدوني إلى
الغوص فيها طويلاً أستقي منها بإيمان حقيقة التعليم المتعلق بخلاص النفس، بواسطة
صلاة القلب.
إلا أني، مع الأسف، لم يكن بوسعي القيام بأي عمل يدوي. لكي يتيسر لي إرضاء رغبتي
هذه: فقد كان ذراعي الأيسر مشلولاً منذ طفولتي. ولما لم يكن بإمكاني الإقامة في أي
مكان، قصدت البلاد السيبيرية، وتوجهت إلى مقام القديس إينوكنديوس الإركوتسكي
{إينوكنديوس (كولتشيسكي) هو أول أسقف على اركوتسك، نشأ في مقاطعة تشرنيكوف في روسيا
الصغرى. طلب العلم في مدرسة كييف الثانوية ثم صار أستاذاً في الأكاديمية السلافية
اليونانية اللاتينية في موسكو، ثم راهباً ورئيساً لدير القديس ألكسندروس نفسكي في
مدينة بطرسبرج. وقد أوفد إلى الصين مرسلاً برتبة أسقف فأقام قرابة الخمس سنين في
سلنجنسك ثم عين عام 1727 أسقفاً على اركوتسك. وقد ذاعت شهرته كقديس لمكافحته
المساوئ ولغيرته في نشر الإيمان وتقديم الأخلاق ولصبره ووداعته ومحبته. وقد سمح
رسمياً بتكريم بقاياه من قبل المؤمنين عام 1805 ويحتفل بعيده يوم 26 تشرين الثاني
بلقب رئيس كهنة وصانع العجائب} على أمل ن أجد في سهول سيبيريا وغاباتها المزيد من
الهدوء، فأتفرغ للقراءة والصلاة بصورة أيسر. وهكذا مضيت أتلو صلاتي بلا انقطاع.
لم ينقض طويل وقت حتى شعرت بالصلاة تنتقل، من تلقاء ذاتها، إلى قلبي: أي إن قلبي،
وهو يخفق بانتظام، كان وكأنه يردد في ذاته كلمات الصلاة المقدسة ترافق كل خفقة نحو:
1- أيها الرب، 2- يسوع ، 3- المسيح... إلى آخره. ولم أعد أحرك شفتي، فأصغيت بانتباه
إلى ما كان يقوله قلبي، مختبراً، بذلك، الفرح الذي حدثني عنه الستارتس. ثم أحسست
بألم خفيف في قلبي، وبحب ليسوع في فؤادي مضطرم إلى حد تصورت معه أنني، لو رأيته،
لانطرحت على قدميه وأمسكت بهما أقبلهما وأغسلهما بدموعي شاكراً إياه على ما يهبه
لنا، باسمه، من تعزية، لصلاحه ومحبته لخليقته المذنبة غير المستحقة.
وسرعان ما غمر قلبي دفء مستطاب وملأ جوانحي، مما ساقني إلى التمعن بقراءة
الفيلوكاليا لا تحقق من أصالة هذه الإحساسات ودراسة تطور صلاة القلب الداخلية. فقد
كنت أخشى أن أقع، دون رجوعي هذا إلى الفيلوكاليا في الأوهام، وأن أحسب عمل الطبيعة
وكأنه عمل النعمة الإلهية فأنتفخ كبراً لبلوغي الصلاة الداخلية بسرعة، وقد حذرني
الستارتس من ذلك. لذا، كنت أسير في الليل خاصة، وأقضي النهار في قراءة الفيلوكاليا،
جالساً تحت الأشجار، في الغابات. كم اكتشفت من أمور جديدة عميقة ومجهولة في قراءتي
هذه! كنت أتذوق فيها غبطة ما كان لي أن أتصور مداها فيما مضى. ولا شك بأنه فات عقلي
المحدود فهم بعض المقاطع، غير أن مفعول صلاة القلب كان يزيل غموض ما أشكل علي. وإلى
هذا كثيراً ما كنت أرى الستارتس في الحلم فيشرح لي الكثير مما استعصى على فهمه،
ويوجه نفسي القليلة الفهم إلى التواضع والانسحاق.
قضيت شهرين من الصيف طويلين في هذا الهناء البالغ، وكنت أسعى خاصة في المسير عبر
الغابات والحقول. وعندما كنت أصل إلى قرية، كنت أستعطي ملء كيسي خبزاً وحفنة من
الملح، وأملأ قربتي الصغيرة ماء، ومن ثم انطلق من جديد في مسيرة مئة فرسخ.
القصة الثانية: السائح واللصان
{تذكر هذه القصة بحادثة وقعت للقديس سيرافيم ساروفسكي. ففي خريف عام 1801 بينما كان
الراهب يحتطب في الغابة هجم عليه لصوص بغية سلبه دراهمه. ولما قال لهم إنه لا يملك
شيئاً، ضربوه على رأسه وجرحوه جرحاً بليغاً. ولم يقبل المتوحد أن يعالجه الأطباء،
فقد ترك أمره للرب الذي جعله يرى رؤيا حينما كان طريح الأرض. وطلب ألا يطارد
مهاجموه، مذكراً قول الإنجيل: (لا تخافوا ممن يقتل الجسد ولا يستطيع أن يقتل النفس،
بل خافوا ممن يقدر أن يهلك النفس والجسد في جهنم) (متى28:10)}
ظهرت التجارب عند نهاية الصيف، وكان ذلك، لا شك، إما بسبب خطايا نفسي المتحجرة أو
من أجل تقدمي في الحياة الروحية. هذا ما حصل: خرجت ذات مساء من الغابة إلى الطريق
العام، وإذا بي ألتقي برجلين تبدو عليهما هيئة الجنود. سألاني مالاً، وعندما
أخبرتهما بأني لا أحمل مالاً قط، لم يصدقاني بل صرخا بوجهي بضراوة:
- أنت تكذب! فالسياح يجمعون مالاً كثيراً! وأضاف أحدهما: (الكلام الطويل معه لا
يجدي)، وضربني على رأسي بهراوته، فسقطت على الأرض فاقد الرشد.
لا أدري إن كنت قد بقيت طويلاً على هذه الحال، ولكني، عندما ثبت إلى رشدي، رأيت
أنني كنت في الغابة، قرب الطرق. كانت ثيابي ممزقة، وكيسي قد اختفى ولم يبق منه إلا
أطراف الخيطان التي كانت تشده إلي. غير أن اللصين، والحمد لله، لمن يسلبا جواز سفري
– وكنت أحتفظ به في قلنسوتي العتيقة، لتقديمه بسرعة إذا دعت الحاجة. وانتصبت وبكيت
مر البكاء على كتبي والفيلوكاليا التي كانت في الكيس المسروق، لا تألما مما أصاب
جسدي. وتفجعت طيلة النهار وطوال الليل وبكيت. أين كتابي المقدس الذي اعتدت قراءته
منذ أن كنت طفلاً، والذي كان دوماً يصحبني؟ أين الفيلوكاليا التي استقيت منها علماً
وتعزية؟ يا لشقائي! فقدت كنز حياتي الوحيد، دون أن أروي منه ظمأي! كنت أحرى بالموت
مني بالحياة دون غذاء روحي. لن أستطيع، عمري أن أعوض عنها.
لم أستطع السير، خلال يومين، إلا بجهد شديد، لفرط حزني. وفي اليوم الثالث، خارت
قواي فسقطت قرب عليقة ونمت: وإذا بي في الحلم أبصر بنفسي في المنسك، في قلاية
الستارتس، أبكي أساي بين يديه وهو يعزيني ثم يقول لي: فليكن ما حدث لك درساً للزهد
في الأمور الدنيوية، لتنطلق نحو السماء معتقاً من كل قيد. ولقد بليت بهذه المحنة
لكيلا تتعثر باللذة الروحية، فالله يطلب من المسيحي أن يتخلى عن إرادته الشخصية وعن
كل تعلق بها لكيما يستسلم بكليته للإرادة الإلهية. فكل ما يفعله تعالى، إنما هو
لخير الإنسان وخلاصه. فهو (يريد أن جميع الناس يخلصون) (1تيمو 4:2). فتسلح بالشجاعة
إذن وثق أن (الله أمين لا يدعكم تجربون فوق طاقتكم بل يجعل مع التجربة مخرجاً)
(1كو13:10). ستنال عما قريب تعزية أعظم من كل ما أصابك من ألم.
عند سماعي هذه الكلمات، استيقظت وشعرت بقوى جديدة تدب في أوصالي وأحسست بفجر سكون
جديد يحل في نفسي وقلت: فلتكن مشيئة الله! ثم نهضت ورسمت علامة الصليب وانطلقت.
أخذت الصلاة تعمل في قلبي من جديد كسابق عهدها، فسرت ثلاثة أيام هادئاً مطمئن
البال. وإذا بي أصادف على حين غرة لفيفاً من المساجين المحكوم عليهم بالأشغال
الشاقة، يسيرون بحراسة بعض الجنود. ولما وصلت بمحاذاتهم، لمحت الرجلين اللذين
سلباني وكانا يسيران في طرف الصف، فارتميت على أقدامهما أتوسل إليهما أن يخبراني
أين كتبي. فتجاهلاني أول الأمر، ثم قال لي أحدهما: إن أعطيتنا شيئاً نقل لك أين
كتبك: يلزمنا روبل فضي. فأقسمت أنني سوف أعطيهما ما يطلبان، حتى ولو اضطررت إلى
الاستعطاء وقلت:
- إليكما! خذا جواز سفري. إن شئتما، كرهن. فأخبراني أن كتبي في إحدى العربات، مع
أشياء أخرى مسروقة انتزعت منهما. فسألتهما:
- كيف يمكنني الحصول عليها؟
- أطلبها من رئيس الحرس.
فأسرعت إلى الرئيس ورويت له القصة مفصلة، فسألني، في سياق الحديث، إن كنت أستطيع
القراءة في الكتاب المقدس. فأجبته:
- لا أقرأ فقط بل وأكتب أيضاً. وسترى على الكتاب المقدس كتابة تدل على أنه لي،
وهاك، في جواز سفري، اسمي وكنيتي. فقال لي الرئيس:
- هذان اللصان من الجنود الفارين، كانا يعيشان في كوخ ويسلبان عابري السبيل. ألقى
القبض عليهما أمس سائق عربة قوي، وقد كانا يحاولان سلبه عربته. سأعطيك كتبك بكل
سرور، إن كانت معنا ولكن عليك أن تصحبنا حتى موقفنا القادم، وهو لا يبعد إلا أربعة
فراسخ: فإني لا أستطيع توقيف الموكب كله من أجلك.
سرت، فرحاً إلى جانب حصان الرئيس، أجاذبه أطراف الحديث، فوجدته رجلاً شريفاً طيباً
قد تجاوز طور الشباب. سألني من أنا ومن أين جئت وإلى أين أذهب، فأجبته بالصدق.
وهكذا بلغنا الموقف، فذهب وأحضر كتبي وأعطانيها قائلاً: إلى أين تريد الذهاب الآن؟
ها قد أتى الليل فلم لا تبقى معي؟
وبقيت. كانت سعادتي باستردادي كتبي شديدة، حتى أني ما انقطعت عن شكر الله، وكنت أضم
الكتب إلى قلبي حتى تشنج ذراعاي، وكانت دموع الغبطة تسيل من عيني، وقلبي يخفق بفرح
مستعذب.
قال لي الرئيس وهو ينظر إلي: أرى أنك تحب قراءة الكتاب المقدس.
فلم أستطع أن أحير جواباً، لشدة فرحي، بل استرسلت في البكاء، فاستطرد: وأنا أيضاً،
يا أخي، أقرأ الإنجيل بإمعان في كل يوم. قال هذا ثم كشف بزته الرسمية عن نسخة من
إنجيل (كييف) دفتها الأولى فضية.
- أقعد وسأروي لك كيف اكتسبت عادة قراءة الإنجيل.
- يا غلام! أحضر لنا العشاء!
القصة الثانية: قصة الضابط
جلسنا حول المائدة وبدأ الضابط قصته، قال:
أنا، منذ شبابي، أخدم في الجيش، إلا أني لم أرابط في ثكنة ولا يوم. وكنت عليماً
بدقائق الخدمة، مما اعتبرني رؤسائي معه عسكرياً نموذجياً. لكني كنت في ريعان الصبا،
وكذلك كان أصدقائي. فاعتدت معاقرة الخمرة، لسوء حظي، وتعاطيتها إلى درجة سببت لي
المرض. فكنت ضابطاً ممتازاً ما لم أقرب الصهباء. أما إذا شربت، حتى القليل القليل،
فكان علي ملازمة الفراش مدة ستة أسابيع. واحتملوني طويلاً، غير أنهم أنزلوا رتبتي
آخر الأمر لإهانتي أحد رؤسائي أثناء سكري وحكم علي بأن أخدم ثلاث سنين مرابطاً في
إحدى الثكنات، وهددت بعقاب صارم إن لم أقلع عن الشرب.
عبثاً حاولت، وأنا في هذه الحالة المخزية، أن أمتنع عن المسكر، وأن أعالج، فلم
أستطع التخلص من عادتي الذميمة، فتقرر إرسالي إلى الفرق التأديبية: ولم أدر ما سيحل
بي، حين جاءني هذا الخبر.
كنت، ذات يوم، جالساً في المهجع أفكر في كل ذلك، وإذا براهب قادم، يجمع الهبات
والتبرعات لكنيسة من الكنائس. وكان كل من الحاضرين يعطي ما تيسر، ولما وصل قربي
سألني: لأي شيء أنت حزين؟
فتحدثت معه قليلاً وحكيت له عن مصيبتي. فأشفق الراهب على حالي وقال لي: حدث لأخي
نفس الشيء تماماً، فاسمع كيف استطاع أن يتخلص من الشرب: أعطاه مرشده الروحي إنجيلاً
وأوصاه بأن يقرأ منه فصلاً كلما راودته شهوة الشراب، وإن عاودته الرغبة، كان عليه
قراءة الفصل التالي. وعمل أخي بهذه النصيحة، فلم يمض عليه وقت طويل حتى تخلى عن
عادته. وها قد انقضى خمسة عشر عاماً دون أن يذوق للمسكر طعماً. فافعل أنت ما فعل
وسترى ما تجنيه من فائدة. لدي إنجيل، سأعطيك إياه إن أردت.
فقلت له: ماذا تريدني أن أفعل بإنجيلك؟ أتراه أجدى وأنفع لي مما بذلت من جهود وما
استعملت من وسائل طبية لتمنعني عن الخمرة؟ (قلت هذا لأنه لم يسبق لي أن قرأت
الإنجيل).
فأجاب الراهب: لا تتكلم هكذا. أؤكد لك أنك ستجد فيه النفع الجزيل.
وفي الغد أعطاني الراهب فعلاً هذا الإنجيل الذي ترى. فتحته ونظرت فيه وقرأت منه بضع
جمل وقلت للراهب: لا حاجة بي إلى إنجيلك، فلن أستطيع قراءته وهو مكتوب بلغة الكنيسة
{هي السلافونية. وفي أبجديتها 37 حرفاً، تختلف عن أحرف الأبجدية الروسية في صورتها
اختلافاً بيناً}.
استمر الراهب يحضني على قراءة الإنجيل قائلاً إن في كلماته قوة خيرة، فالله نفسه هو
الذي نطق بالكلام الذي نراه فيه مطبوعاً. وأضاف: لا بأس ألا تفهم الآن، لكنما عليك
أن تقرأ بانتباه. قال أحد القديسين: (إن كنت لا تفهم كلام الله، فالشياطين تفهم ما
تقرأ وهم له يرتعدون) (يعقوب 19:2). ولا شك أن الرغبة في الشراب هي من عمل الشيطان.
قال يوحنا فم الذهب: إن البيت الذي فيه إنجيل لا ترهبه قوى الظلام ويشكل عقبة تحبط
مساعيهم الشريرة.
لا أذكر ما جرى بعد ذلك على وجه الدقة – ولعلي أعطيت ذاك الراهب بعض النقود – وأخذت
إنجيله، ودسسته في خزانة لي، مع أمتعتي. ثم نسيته تماماً. ومضى بعض الوقت وعاودتني
شهوة المسكر وألحت علي، فألقيت نظري على الإنجيل، وتذكرت فجأة كل ما قاله الراهب
لي، ففتحت الكتاب وجعلت أقرأ الإصحاح الأول من إنجيل متى. قرأته حتى النهاية دون أن
أفقه منه شيئاً، لكني تذكرت ما قاله لي الراهب: من أنه لا بأس إن لم أفهم، فما علي
إلا أن أقرأ بإمعان. فقلت في نفسي: لم لا أقرأ فصلاً آخر؟ فبدت لي معانيه واضحة.
قلت: فلنقرأ الفصل الثالث: وما بدأت بقراءته حتى تعالى صوت الخفير إشارة إلى أن
الليل قد جن، فلا يسمح بعد بمغادرة الثكنة. فبقيت، يومها، دون أن أشرب مسكراً.
وفي صبيحة الغد، كنت مزمعاً على الخروج لشراء الخمرة، فقلت في نفسي: ماذا لو قرأت
فصلاً من الإنجيل؟ دعنا نجرب. وقرأت فصلاً وبقيت في الثكنة. وفي مرة غير هذه، ثارت
فيّ رغبة الشرب، غير أني أخذت أقرأ فشعرت بالراحة، واطمأن بالي لذلك، فكنت كلما
استيقظت نزوتي، ألتهم فصلاً من الإنجيل. وتحسنت حالي على مضي الزمن، وما أنهيت
الأناجيل الأربعة حتى لم يعد بي أدنى ميل إلى معاقرة الخمرة، فصرت تجاهها من حجر.
وها قد مضى الآن عشرون عاماً لم أذق خلالها طعم شراب مسكر.
ذهل الجميع للتغير الذي طرأ علي، فأعدت إلى رتبتي السابقة كضابط بعد مرور ثلاث
سنين، ثم رقيت فأصبحت رئيساً. وتزوجت، ووفقني الله بامرأة صالحة، ادخرنا سوية بعض
المال. حالنا الآن، ولله الحمد، لا بأس بها: نساعد الفقراء ما بوسعنا ونضيف السياح
والمتجولين. لي ابن قد أصبح ضابطاً، وهو من الشباب الأخيار. وقد قطعت على نفسي
عهداً منذ شفائي: أن أقرأ كل يوم أحد الأناجيل الأربعة بأكمله، على مدى العمر، دون
أن أقبل لنفسي التذرع بأي عائق عن القراءة، وأنا على العهد مقيم. فحين تتكاثر علي
المشاغل وأحس بالتعب الشديد، أستلقي في فراشي وأطلب إلى زوجتي أو ابني قراءة
الإنجيل بجانبي، فلا أحيد، هكذا، عن الخطة التي رسمتها لنفسي. وقد جلّدت هذا
الإنجيل بدفتين من الفضة الصرف وأنا أحمله دائماً على صدري عرفاناً بجميل الله علي
وتمجيداً لاسمه القدوس.
استمعت بسرور إلى حديث الضابط ثم قلت له: لقد وقفت على حالة مماثلة لحالتك: كان في
قريتنا، في المصنع، عامل ممتاز يتقن مهنته أيما إتقان، ولكنه، لسوء حظه، كان يتعاطى
شرب المسكر. ويكثر منه فنصحه أحد الأتقياء بأن يتلو صلاة يسوع الحلو ثلاثاً وثلاثين
مرة (أي عدد سني حياة يسوع على الأرض) وذلك إكراماً للثالوث الأقدس كلما أحس برغبة
في المسكر. وقد عمل بهذه النصيحة وسرعان ما توقف عن الشرب. بل الأجمل من هذا أنه
دخل الدير بعد ثلاث سنين من ذلك.
فسأل الرئيس وما الأحسن: صلاة يسوع أو الإنجيل؟
فأجبته: الاثنان على حد سواء: فالإنجيل مثل صلاة يسوع لأن اسم يسوع المسيح الإلهي
يتضمن كل ما في الإنجيل من حقائق. ويرى آباء الكنيسة أن صلاة يسوع هي خلاصة الإنجيل
بأكمله.
ثم صلينا. أخذ الضابط يقرأ إنجيل مرقس من أوله وأنا أستمع إليه مصلياً بالفكر. أنهى
الرئيس قراءته في الساعة الثانية صباحاً ثم افترقنا للنوم.
استيقظت باكراً في الصباح، على جاري عادتي وكان الجميع يغطون في النوم، واستغرقت في
قراءة كتابي العزيز: الفيلوكاليا، مع بزوغ الفجر. ما كان أشد فرحي وأنا أفتحه! كنت
كمن وجد أباً بعد غياب طويل وصديقاً بعث من الموت حياً! جعلت أقبل الكتاب وأشكر
الله لاسترجاعه.
باشرت بقراءة ثيولبت أسقف فيلادلفيا {توفي عام 1326 وكان أسقفاً نشيطاً. قام
بالعديد من الأعمال النهضوية على صعيد الحياة الكنسية والاجتماعية} في القسم الثاني
من الفيلوكاليا. وأدهشني أنه يوصي بالقيام بثلاثة أنواع من الأعمال في نفس الوقت.
قال: حين تجلس إلى المائدة، أعط جسدك قوته، وروحك القراءة، وقلبك الصلاة. غير أن
ذكرى سهرة البارحة المفيدة كان فيها التفسير العملي لهذا القول. عندها فهمت سر
الفارق بين القلب والروح.
ذهبت إلى الضابط، لما استيقظ، فشكرته على كرمه وودعته. فسقاني شيئاً من الشاي
وأعطاني روبلاً فضة وافترقنا. وتابعت مسيري يغمرني الفرح.
لما قطعت مسافة فرسخ، تذكرت أني وعدت الجنديين بروبل، قد أصبح الآن معي. أفينبغي
إعطاؤه لهما أم لا؟ إنهما، من جهة، ضرباني ونهباني، وهما لا يستطيعان النيل مني
الآن إذ إنهما موقوفان. إلا أني ذكرت، من جهة أخرى، ما جاء في الكتاب المقدس من أنه
(إن جاع عدوك فأطعمه) (رو20:12). وقد قال يسوع نفسه: (أحبوا أعداءكم) (متى 44:5)،
كما قال أيضاً: (من أراد أن يأخذ ثوبك، فاترك له الرداء أيضاً) (متى 40:5). فعدت
أدراجي وقد أقنعني كلام الكتاب المقدس، وبلغت المحطة وقد أوشكت القافلة على الرحيل.
فأسرعت إلى اللصين وأعيتهما روبلي قائلاً: صليا وتوبا، فيسوع المسيح محب للبشر، وهو
لن يترككما.
وعلى هذا تركتهما وعدت إلى المسير في الاتجاه المعاكس للوجهة التي كان الموكب
مزمعاً على اتخاذها.
القصة الثانية: عزلة
تركت الطريق العام، بعد أن اجتزت عليه مسافة خمسين فرسخاً، وجعلت أسلك الدروب
الصغيرة لعدم تكاثر المارة عليها لمؤاتاة هدوئها للقراءة والتأمل. سرت طويلاً في
الغابات وكنت، من وقت لآخر، أجوز ببعض القرى الصغيرة. وغالباً ما كنت أقضي نهاري في
الغابة، أقرأ الفيلوكاليا في ظلال أشجارها، فاستقيت من هذا الكتاب الكثير من
المعارف العجيبة العميقة. ولقد التهب قلبي بشوقي إلى اتحادي بالله بواسطة الصلاة
الداخلية التي جهدت في دراستها ومراقبة مفعولها فيّ، كما ورد في الفيلوكاليا، وكان
يحز في نفسي، في ذات الوقت، إنني ما وجدت مأوى أستطيع أن أقرأ فيه بسلام وبصورة
مستمرة.
كنت، في تلك الفترة، أقرأ الكتاب المقدس، وشعرت أني صرت أفهمه بصورة أفضل من ذي
قبل: وجدت فيه من المقاطع الغمضة أقل مما كنت ألاقيه قبلاً. إن الآباء على حق إذ
يرون أن الفيلوكاليا هي المفتاح الذي يكشف عما طوى الكتاب المقدس من خفايا، فلقد
بدأت أفهم على ضوئها ما خفي علي من معاني كلام الله، واكتشفت ما تعنيه عبارات كهذه:
(... إنسان القلب المستتر) (1بطرس 4:3)، (... الساجدون الحقيقيون يسجدون للآب
بالروح والحق) (يوحنا 23:4)، (ملكوت الله في داخلكم) (لوقا21:17)، و(شفاعة الروح
القدس) (رو26:8). كما صرت أفهم معنى هذه الكلمات: (أنتم فيّ) (يوحنا4:15)، (أعطني
قلبك) (أمثال26:23)، (التسربل بالمسيح) (رو14:13) و(غلاطية 27:3)، (عرس الروح في
قلوبنا) (رؤيا17:22)، ودعوة (أبا أيها الآب) (رو15:8- 16) ومعنى الكثير غيرها. ولما
كنت أصلي داخلياً، كان كل ما يحيط بي يبدو لي خلاباً: الأشجار والأعشاب والطيور
والأرض والنور والهواء، فكأنها جميعاً تقول لي إنها إنما وجدت من أجل الإنسان، إنها
تشهد بمحبة الله للناس، فكان كل شيء يسبح بحمد الله. وهكذا أدركت ما تدعوه
الفيلوكاليا: (معرفة لغة الخليقة) وعرفت كيف يمكن للإنسان أن يتبادل الحديث مع
مخلوقات الله.
القصة الثانية: قصة مأمور الاحراج
سرت هكذا زمناً طويلاً إلى أن انتهى بي التطواف إلى منطقة مقفرة لم أر فيها أية
قرية خلال ثلاثة أيام. وكنت قد أكلت كل زادي من الخبز فجعلت أتساءل قلقاً ماذا عساي
أفعل لكي لا أموت جوعاً، غير أني ما إن باشرت بالصلاة الفكرية حتى تبدد قلقي
واستسلمت لمشيئة الله فداخلني الفرح والطمأنينة.
كنت أسير منذ مدة وجيزة على طريق عبر غابة كبيرة وإذا بي أبصر أمامي كلب حراسة يخرج
من بين الأشجار. ناديته فأتى وديعاً يتقبل مداعبتي، ففرحت وقلت: يا لكرم الله! لا
شك أن في الغابة قطيعاً يرتعي، وهذا هو كلب الراعي أو لعل صياداً يلاحق بعض الطرائد
في هذه الأنحاء، سوف أتمكن، في كل حال، من طلب شيء من الخبز، فها قد مضى علي يومان
دون طعام أو لعلني أسأل فيما إذا كان هناك من قرية قريبة. فدار الكلب حولي، ولما
رأى أن ليس معي ما يأكله فر إلى الغابة من نفس الدرب الذي قفز منه إلى الطريق.
فتبعته ورأيته من خلال الأشجار بعد مسافة مئتي متر قابعاً في وكر، يخرج رأسه منه
نابحاً.
رأيت من ظلال الأشجار قروياً يقترب، نحيفاً شاحب اللون متوسط العمر. سألني كيف
توصلت إليه فسألته عما يعمل في هذا المكان المقفر الموحش، وتبادلنا بعض الأحاديث
الودية. ثم دعاني القروي إلى دخول كوخه وقال لي أنه مأمور الاحراج، وكان عليه حراسة
هذه الغابة التي ستقطع أشجارها عما قريب. وقدم لي الخبز والملح ودار الحديث بيننا.
قلت له: أحسدك على ما أنت فيه من عزلة فلست مثلي دائم الرحلة كثير الاتصال بالناس.
فقال: بوسعك، إن تشأ، أن تعيش هنا. يوجد، بالقرب منا، كوخ قديم كان يسكنه حارس
قبلي. إنه متهدم بعض الشيء، لكنه في الصيف صالح للسكن. لديك جواز سفر. ولدي من
الخبز ما يكفي شخصين، ففي كل أسبوع يؤتى إلي بشيء منه من القرية. وها قربنا الجدول
الذي لا ينضب ماؤه أبداً. لقد مضى علي عشر سنين، أيها الأخ، اقتصر مأكلي فيها على
الخبز ومشربي على الماء. ولكن في الخريف، عند انتهاء العمل في الحقول، سيأتي هنا
مئتا رجل لقطع الأشجار ولن يكون لي بعد ما أفعله هنا، ولن يسمح لك بالبقاء.
لما سمعت هذا، اشتد بي الفرح إلى حد كدت معه أنطرح على قدمي محدثي. ولم أدر كيف
أشكر الله على تحننه ورحمته.
ها قد توفر لي فجأة كل ما أشتهيه وكل ما شغل بالي. وما زال أمامنا أربعة أشهر حتى
منتصف الخريف، ويمكنني أن أفيد في هذا الوقت من السكون والهدوء لدراسة الصلاة
الفكرية المستديمة مستعيناً بالفيلوكاليا. ولذا قررت الإقامة في الكوخ المشار إليه.
وتابعنا حديثنا، فروى لي هذا الأخ البسيط حياته وأفكاره، قال:
لم أكن آخر أهل قريتي، فقد كان لي مهنة: كنت أصبغ الأقمشة حمراء وزرقاء وكنت في سعة
من العيش ولكن ليس بدون لوم. فقد كنت أغش زبائني وأحلف في كل مناسبة، وكنت فظاً
سكيراً مشاغباً. وكان في القرية مرتل مسن عنده كتاب قديم. قديم جداً عن يوم
الدينونة {يرجح أنها إحدى عظات أفرام السرياني التي يصور فيها يوم القيامة بصورة
رهيبة مؤثرة}. وكثيراً ما كان المرتل يتردد على المؤمنين ليقرأه على مسامعهم وكان
الناس يجودون عليه ببعض المال لذلك. وكان أحياناً يجيء عندي أيضاً. كانوا يعطونه،
في غالب الأحيان. بعض الدريهمات فيقرأ حتى صياح الديك. وفي ذات مرة، كنت أشتغل وأنا
أصغي إليه: كان يقرأ مقطعاً عن عذابات الجحيم وعن قيامة الموتى وكيف سيدين الله
الناس وكيف ينفخ الملائكة في الأبواق وعما سيكون من نار وقطران وكيف يأكل لدود
الخطأة. وإذا بخوف مرعب ينتابني فجأة، فقلت محدثاً نفسي: لن أنجو من هذا العذاب!
أواه! سأبدأ بالسعي لخلاص نفسي وربما توصلت إلى التكفير عن خطاياي. ففكرت طويلاً
وعزمت على ترك مهنتي. فبعت بيتي. ولما كنت أعيش وحدي، صرت حارس أحراج لا أطلب
راتباً إلا خبزاً وغطاء ألتحف به وشمعاً أشعله عندما أصلي.
صار لي أكثر من عشر سنين أعيش هنا، لا آكل إلا مرة واحدة في اليوم ولا أتناول إلا
الخبز والماء. كل ليلة، أنهض عند صياح الديك، وأركع وأسجد وأصلي حتى شروق الشمس.
وأشعل، عندما أصلي سبع شمعات أمام الأيقونات. وفي النهار، حين تجوالي في الغابة
أحمل سلاسل تزن خمسة عشر كيلوغراماً على جلدي. لست أحلف الآن ولا أشرب البيرة أو
الخمر ولا أخاصم أحداً ولا أعرف أبداً النساء أو بنات الهوى.
كنت في البدء راضياً من عيشي على هذا النحو، إلا أني فيما بعد ازدحمت فيّ أفكار لم
أستطع طردها. والله يعلم إن كنت سأكفر عن خطاياي، لكن حياتي كانت صعبة شاقة. وبعد،
هل ما رواه الكتاب صحيح؟ كيف للإنسان أن يقوم من الموت؟ الذين ماتوا من مئة سنة أو
أكثر اختفى حتى ترابهم. ومن يدري: أهناك جحيم أم لا؟ وعلى كل حال، لم يعد أحد أبداً
من العالم الآخر: فحين يموت الإنسان ينتن جسده وينحل ولا يبقى له من أثر. هذا
الكتاب، ربما كتبه رجال الدين أو موظفو الدولة لإرهابنا نحن الأغبياء ولكي نزداد
لهم خضوعاً. هكذا نشقى بحياتنا على الأرض ولا تعزية لنا، وفي الحياة الثانية لن
يكون شيء! ففيم التقى إذن وفيم الزهد؟ أو ليس من الأفضل أن يصيب الإنسان شيئاً من
اللهو في هذه الحياة؟ أن يتمتع بها؟ ثم أضاف: إن هذه الأفكار تطاردني وأخشى أن أضطر
إلى العودة إلى مهنتي الأولى.
رثيت للرجل وأشفقت عليه وجالت بخاطري هذه الأفكار: يزعم الناس أن العلماء وحدهم
والمثقفون يلحدون فلا يؤمنون بشيء، ولكن إخوتنا الفلاحون البسطاء، في أي كفر هم
أيضاً يتورطون! لا شك في أن قوات الظلام تطال الجميع، ولعلها تجد من السهل عليها أن
تطاول البسطاء. علينا أن نستعمل عاقلتنا ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً، وأن نتحصن
بكلمة الله من حيل إبليس وملائكته.
أردت تشديد هذا الأخ بعض الشيء وتثبيت إيمانه، فأخرجت الفيلوكاليا من كيسي وفتحتها
في الفصل التاسع بعد المئة للمغبوط ازيخيوس {(المغبوط ازيخيوس كاهن أورشليم). هو
كاهن وشارح للكتاب المقدس من القرن الخامس على الأرجح، ألف شروحات للعهد القديم
والجديد على طريقة رمزية، حاذياً في ذلك حذو أوريجنس}. فقرأت الفصل وبينت لرفيقي أن
الإنسان لا يعف عن الخطيئة لمجرد خوفه من العقاب، فالنفس لا يمكنها أن تنعتق من
الأفكار الشريرة إلا بتيقظ الروح وطهارة القلب، وإنما يكتسب ذلك كله بالصلاة
الداخلية، وأضفت قائلاً:
- إذا سلك الإنسان طريق التقشف لا خوفاً من عذاب الجحيم الأليم بل حتى رغبة في
ملكوت السماء فهو يعمل كما يعمل الأجير، على حد تشبيه الآباء وهم يقولون: إن الخوف
من العذاب طريقة العبد والطمع في الثواب طريقة الأجير. لكن الله يريدنا أن نأتي
إليه كأبناء، يود أن تدفعنا المحبة والغيرة إلى السلوك اللائق والتمتع بالاتحاد
التام به بالروح وفي القلب {راجع كتاب (حياة موسى) لغريغوريوس النيصصي (330- 394)،
ترجمة الأب دانيلو صفحة 174. (فالكمال إنما هو حقاً في ألا نترك حياة الخطيئة خوفاً
من العقاب، على ما يفعل الأجراء ولا أن نقوم بفعل الخير رجاء بالثواب، بل... أن
نخشى شيئاً واحداً فحسب: أن نخسر محبة الله، وألا نعتبر إلا أمراً واحداً ذا قيمة
ومرغوباً فيه: أن نصير أحباء الله)}. عبثاً تنهك قواك وتفرض على نفسك أقسى إماتات
الجسد وعذاباته، فلن تكون في مأمن من أفكار السوء ما لم يكن الله دوماً في فكرك
وصلاة يسوع في قلبك، بل تكون دائماً وشيك الوقوع في الخطيئة عند أول فرصة. فباشر
أيها الأخ بترديد صلاة يسوع دون انقطاع: إنه أمر عليك سهل في عزلتك هذه، وسرعان ما
تلمس فائدة هذه الصلاة، فستتلاشى أفكار الكفر، ويتجلى أمامك الإيمان بيسوع المسيح
ومحبته، وستفهم كيف يمكن أن يقوم الموتى وتظهر لك الدينونة العتيدة على حقيقتها.
سيحل في قلبك من الروح والسرور ما سيدهشك، ولن يصيبك الملل أو القلق بسبب حياة
التوبة التي ستعيشها.
ثم شرحت له ما استطعت موضحاً كيفية القيام بصلاة يسوع حسب الوصية الإلهية وتعاليم
الآباء. وبدا عليه أن هذا كان جل مراده وخف قلقه. عندها ابتعدت عنه ودخلت الكوخ
القديم الذي دلني الحارس عليه.
القصة الثانية: أعمال روحية
الله! ما أشد الفرح وما أعظم التعزية والغبطة التي شعرت بها عندما تخطيت عتبة هذا
المكان المظلم أو بالأحرى هذا القبر! كان بالنسبة لي أشبه بقصر منيف مليء بالحبور،
وقلت في نفسي: ينبغي الآن في هذا الهدوء وهذه السكينة أن أنشط للعمل وأصلي حتى ينير
الرب ذهني. وعليه، بدأت بقراءة الفيلوكاليا من أولها إلى آخرها بانتباه كبير.
وانتهيت من قراءتها بعد فترة قصيرة من الزمن، وتحققت مما فيها من حكمة وعمق وقداسة.
ولكن الكتاب يتناول مواضيع شتى عديدة، فلم يتسن لي فهم كل شيء ولا تركيز كل طاقات
عقلي على تعليم الصلاة الداخلية وحدها فأبلغ الصلاة التلقائية الدائمة داخل القلب،
بالرغم من شدة رغبتي في ذلك، تبعاً للوصية الإلهية التي نقلها الرسول فقال: (أطلبوا
المواهب العظمى) (1كو 31:12)، كما قال: (لا تطفئوا الروح) (1تس 19:5).
وعبثاً فكرت، فلم أدر ما العمل. ليس لي من الذكاء كفاية ولا من الفطنة، ولا من
يعينني. سوف أكثر من صلواتي إلى الرب وألح، فلعله يرأف بي وينير ذهني. ثم أمضيت
يوماً كاملاً أصلي دون أن أتوقف لحظة، فسكن جائش أفكاري واستسلمت للنوم. وإذا بي
أحلم بأني في حجرة صاحبي الستارتس وهو يشرح لي الفيلوكاليا ويقول: إن هذا الكتاب
الشريف فيه حكمة عظمى. هو كنز ثمين من التعاليم عن مقاصد الله الخفية. وليس كل ما
فيه في متناول فهم الجميع، غير أن فيه حكماً على مستوى كل قارئ: عميقة بالنسبة لأهل
العلم وبسيطة للبسطاء. ولذا كان عليكم، معشر البسطاء، ألا تقرأوا كتب الآباء
متوالية حسب ترتيبها في الفيلوكاليا، فتبويبها فيها كان لغاية لاهوتية. أما غير
المثقف، فإن رغب في تعلم الصلاة الداخلية في الفيلوكاليا، فعليه إتباع الترتيب
الآتي:
1- أن يبدأ بقراءة كتاب الراهب نيكفورس (في القسم الثاني من الفيلوكاليا)، ثم:
2- يثنيه بكتاب غريغوريوس السينائي بكامله، ما عدا الفصول القصيرة منه.
3- يتلوه قراءة صيغ صلاة القديس سمعان اللاهوتي الجديد الثلاث، ورسالته في الإيمان،
وبعد هذا:
4- كتاب كاليستوس واغناطيوس.
في هذه النصوص، يجد المطالع تعليم صلاة القلب الداخلية التام، في مستوى يدركه كل
قارئ.
وإن أردت نصاً أسهل فهماً من هذه النصوص فعليك، في القسم الرابع، بالنموذج المختصر
للصلاة، لكاليستوس بطريرك القسطنطينية.
أما أنا، وكأني كنت أمسك بالفيلوكاليا بيدي حقاً، فأخذت أبحث عن المقطع الذي أشار
إليه الستارتس دون أن أجده، فقلب الستارتس بضع صفحات وقال لي: هاك هو، سأضع لك
علامة عليه! والتقط قطعة فحم كانت على الأرض وسطر خطاً صغيراً على جانب الصفحة
مقابل المقطع المعني. استمعت إلى كلمات الستارتس كلها بانتباه وإمعان واجتهدت في
حفظها في ذاكرتي حفظاً ثابتاً بتفاصيلها.
استيقظت ولم تكن الشمس قد أشرقت بعد فبقيت مستلقياً في الفراش أتذكر كل ما رأيت في
الحلم وأردد ما قاله لي الستارتس. ثم فكرت: الله يعلم إن كانت روح الستارتس هي التي
ظهرت لي أم أنها أفكاري تتخذ هذه الصورة، فإني كثير التفكير في الفيلوكاليا وفي
الستارتس. ونهضت تساورني الحيرة والتشكك وكان النور قد بدأ ينتشر. وفجأة رأيت على
قطعة الحجر التي اتخذتها طاولة، الفيلوكاليا مفتوحة في الصفحة التي عينها الستارتس
والمعلمة بخط رسم بالفحم، تماماً كما كان في حلمي، وكانت حتى قطعة الفحم لم تزل إلى
جانب الكتاب. فذهلت للأمر، إذ تذكرت أن الكتاب لم يكن هنا أمس، بل وضعته مغلقاً
بقربي قبل النوم. وتذكرت أيضاً أنه لم يكن من إشارة في هذه الصفحة المعلمة. فجعلني
هذا الحادث أعتقد بصحة الرؤيا كما ثبتني في اعتقادي بقداسة الستارتس. وهكذا بدأت
أقرأ الفيلوكاليا تبعاً للترتيب المعين. فقرأتها مرة، ثم قرأتها مرة أخرى، مما زاد
في غيرتي ورغبتي في اختبار كل ما قرأته اختباراً عملياً. فانكشفت لي بجلاء معنى
الصلاة الداخلية واتضحت لي وسائل بلوغها وما لها من آثار، وفهمت كيف تفرح النفس
وتبهج الفؤاد وكيف يمكن معرفة ما إذا كانت هذه الغبطة من الله أو من الطبيعة
السليمة أو من الوهم.
واجتهدت بادئ بدء أن أتعرض إلى مكان القلب، حسب تعليم سمعان اللاهوتي الجديد.
فأغلقت عيني ووجهت نظري إلى قلبي، محاولاً تصوره كما هو في الجهة اليسرى من الصدر،
وأصغيت إلى خفقاته بعناية. وقمت بهذا التمرين مدة نصف ساعة، أول الأمر، عدة مرات في
اليوم. ولم أر في البداية إلا ظلمات حالكات، إلا أنه سرعان ما رأيت قلبي وأحسست
بخلجاته العميقة، ثم توصلت إلى أن أدخل فيه صلاة يسوع، وأن أخرجها منه على وزن
التنفس، حسب تعليم القديس غريغوريوس السينائي واحتفظ به في صدري. وأنا أنظر بعين
الروح إلى قلبي، قائلاً: أيها الرب يسوع المسيح، ثم أزفر الهواء قائلاً: ارحمني!
وكنت بادئ الأمر أقوم بهذا التمرين خلال ساعة أو ساعتين، ثم صرت أقضي الكثير من
وقتي أقوم به، وأصبحت أخيراً أمضي فيه كل يومي تقريباً.
ولما كنت أشعر بثقل أو بتعب أو بقلق، كنت أسارع إلى قراءة الفيلوكاليا في مواضيع
تتناول نشاط القلب فكانت رغبتي في الصلاة واندفاعي إليها يتجددان فيّ. وشعرت بعد
ثلاثة أسابيع بألم في قلبي، ثم بدفء لذيذ وأحسست بالتعزية والسلام. فقواني هذا
التمرين على الصلاة التي أصبحت محور كل أفكاري، وأخذت أشعر بالفرح والبهجة. وابتداء
من هذه المرحلة، كنت أشعر من وقت لآخر بأحاسيس جديدة في قلبي وفي ذهني. فكأن قلبي
كان يعمر أحياناً بالغليان والخفة والانعتاق من كل قيد والفرح إلى حد أشعر معه بأني
صرت رجلاً آخر، أو كأني في نشوة. وكنت، أحياناً أخرى أحس بمحبة لاهبة نحو يسوع
المسيح ونحو الخليقة قاطبة. وكانت دموعي {أنظر: اسحق السرياني. (يغدو القلب كطفل
صغير، وتسيل الدموع حينما نبدأ الصلاة). راجع أيضاً بهذا الموضوع: (سر عطية الدموع
في الشرق المسيحي)، منشورات النور} مرات أخرى، تسيل من تلقاء ذاتها عرفاناً بجميل
الرب الذي تحنن علي أنا الغارق في لجج الخطايا، كما كان ذهني المحدود يستنير
أحياناً، فأفهم بوضوح ما لم يكن لي حتى مجرد تصوره قبلاً. وفي بعض الأحيان يدب
الدفء المستطاب من قلبي إلى كل كياني فأشعر، والفرح يغمرني، بحضور الرب، كما كان
يخالجني، في بعض الأوقات، فرح شديد عميق لذكري اسم يسوع المسيح، مما فهمت معه ما
يعنيه قوله تعالى: (إن ملكوت الله في داخلكم) (لوقا21:17).
لاحظت وأنا في هذا الجو المفعم بالتعزية أن مفاعيل صلاة القلب تتجلى على أشكال
ثلاثة: في الروح، وفي الحواس، وفي العقل.
ففي الروح مثلاً، يشعر المرء بعذوبة محبة الله وبالسلام الداخلي وبتهلل الروح
وبصفاء الأفكار وببهاء حضرة الله. وفي الحواس، نشعر بدفء في القلب مستحب، وبملء
العذوبة السارية في جسمنا، يجيشان السرور في القلب، بالبهجة، بالصحة والقوة وبعدم
الاكتراث بالأمراض والآلام. وأما في العقل، فباستنارة الذهن، وبفهم الكتاب المقدس
وفهم لغة الخليقة، بالتجرد عن المشاغل الباطلة، بالشعور بحلاوة الحياة الروحية
وبالتيقن من قرب الله إلينا ومن محبته لنا {يماثل هذا تقسيم الحياة الروحية ثلاثة
أقسام كما عرفها مكسيموس المعترف وايفاغريوس قبله: (الروح التي تنجح في العمل تسير
نحو الحكمة. فإن نجحت في التأمل، فتتقدم نحو العلم. وأما الأولى فتقود من يكافح إلى
التمييز بين الفضيلة والرذيلة، وأما الثانية فتسير بمن يساهم فيها إلى أعلى
الكائنات اللاجسدية والجسدية. وأما نعمة معرفة الله، فينالها الإنسان إذا ما اجتاز
كل ما عداها بأجنحة المحبة فوصل إلى الله وتأمل بالروح العلم الإلهي، بمقدار ما
يمكن للناس ذلك). (مكسيموس المعترف)}.
بعد خمسة أشهر قضيتها في الخلوة في هذه الأعمال الروحية وفي هذه السعادة، اعتدت على
صلاة القلب بحيث كنت أمارسها دون انقطاع. وشعرت، آخر الأمر، أنها تتردد فيّ من
تلقاء ذاتها دون أدنى جهد مني. كانت تنبعث في الروح مني وفي القلب، لا في اليقظة
وحسب بل حتى أثناء النوم، فلا تعود إلى التوقف لحظة من بعد ذلك. وكانت نفسي تشكر
الرب وقلبي يتهلل بفرح مستديم.
وحان موعد قطع الأشجار، فتجمع الحطابون، واضطررت إلى مغادرة مسكني الهادئ. وبعد أن
شكرت الحارس وصليت، قبلت تراب هذه الأرض التي أظهر فيها الرب نحوي فيضاً من صلاحه
وحسنه، ثم وضعت كيسي على كتفي وانصرفت. وبعد أن سرت طويلاً وجزت دياراً كثيرة، دخلت
مدينة (اركوتسك). وكانت صلاة القلب التلقائية تعزيني طوال مسيري، فما انقطعت عن
التمتع بها، بالرغم من تفاوت درجات سروري فيها. فلم تزعجني أبداً في أي مكان أو
زمان، ولم يؤثر شيء قط فيخفف من فعلها فيّ. ففي أثناء عملي، كانت الصلاة تستمر من
تلقاء ذاتها في قلبي، فأنهي العمل بسرعة. وإن كنت أقرأ أو أستمع إلى قول ما
بانتباه، لا تتوقف الصلاة، بل كنت أشعر في ذات الوقت بالأمرين معاً، كأن شخصيتي
ازدوجت، أو كأن في جسدي روحين اثنتين. سبحان الله! ما أعجب الإنسان وما أعظم سره!..
القصة الثانية: ذئب في الغابة
(ما أعظم أعمالك يا رب، كلها بحكمة صنعت!) (مز24:104).
صدفت أثناء مسيري عدة أشياء عجيبة، ولو أردت سرد كل ما حدث لي منها لاقتضى مني ذلك
عدة أيام. فقد كنت، مثلاً، في إحدى أمسيات الشتاء أجتاز الغابة وحيداً وكنت قررت
المبيت في قرية تبعد فرسخين من المكان، قد لاحت بيوتها لي. وفجأة، هجم عليّ ذئب
ضخم، وكان في يدي سبحة الستارتس الصوفية.
- وكانت دائماً تلازمني – فلوحت بها في وجه الذئب. فهل تصدق؟ انفلتت السبحة من يدي
والتفت حول عنق الوحش، فارتد إلى الوراء، وقفز من فوق العليق وارتبكت قائمتاه
الخليفتان في الأشواك، بينما تعلقت السبحة بغصن شجرة يابسة. فتخبط الذئب بكل قواه،
لكنه لم يستطع التخلص من ورطته لأن السبحة كانت تشد على عنقه. أما أنا، فرسمت علامة
الصليب بإيمان وتقدمت من الحيوان لأخلصه، خاصة وأني خشيت أن ينتزع السبحة ويفر بها
هارباً، وهي لي مقتنى ثمين. وبالفعل، ما كدت أقترب منه وأمسك بالسبحة حتى قطعها
وولى الأدبار لا يلوي على شيء. وهكذا وصلت القرية دون عائق، أحمد الرب وأذكر بالخير
الستارتس المغبوط وأترحم عليه. وذهبت إلى الفندق وسألت صاحبه المبيت.
لما دخلت المكان، كان فيه مسافران يجلسان إلى مائدة في أحد الأركان: أحدهما شيخ
تقدم في السن. والثاني كهل بدين. كانا يشربان الشاي. فسألت الفلاح الذي كان يحرس
جواديهما عنهما، فأخبرني أن أكبرهما سناً معلم مدرسة وأن رفيقه كاتب قاضي محكمة
الصلح، وكلاهما من أصل نبيل. وأضاف: إني أصطحبهما إلى السوق الأسبوعية التي تقام
على بعد عشرين فرسخاً من هنا.
أصبت قليلاً من الراحة ثم طلبت من صاحبة الفندق إبرة وخيطاً، واقتربت من الشمعة
وأخذت في إصلاح ما تقطع من سبحتي. فرمقني كاتب المحكمة بنظرة وقال: يبدو أنك أكثرت
من السجود والصلاة حتى تمزقت سبحتك!
- ما قطعتها أنا بل الذئب...
فقال الكاتب ضاحكاً: هيه! حتى الذئاب تصلي!
فرويت لهم الحادثة بالتفصيل وأخبرتهم بالقيمة الكبرى التي لهذه السبحة بالنسبة إلي.
فعاد الكاتب إلى الضحك وقال: إن كل شيء، في نظركم، أيها البسطاء أعجوبة وكرامة! أين
العجب في قضية الذئب؟ لوحت له بشيء فخاف وفر هارباً: إن الكلاب والذئاب تخاف دوماً
من هذه الأمور. أما أن ترتبك الأقدام في الغابة فليس أمراً صعباً. يا للسذاجة!
أيليق بنا أن نعتقد بأن كل ما يحدث في العالم إنما يحدث بأعجوبة؟!
فأخذ معلم المدرسة يناقشه، قال: لا تتكلم هكذا، يا سيد! فلست خبيراً في هذه
الأمور... أنا شخصياً أرى في قصة هذا الفلاح عجباً مزدوجاً: عجباً حسياً وآخر
روحياً...
فسأل الكاتب: ماذا تعني بذلك؟
- اسمع: إنك لم تصب من العلم كثيراً، إلا أنك، دون شك، درست التاريخ المقدس في
الكتب المدرسية، على طريقة السؤال والجواب. ولا بد أنك تذكر أن الإنسان الأول، آدم،
لما كان في حالة البراءة الأولى، كانت كل الحيوانات تخضع له: فكانت تقترب منه بوجل
فيطلق عليها أسماءها. والستارتس المتوفي، صاحب هذه السبحة الأول، كان قديساً. فما
هي القداسة؟ ليست إلا انبعاث حالة البراءة الأولى في الإنسان الخاطئ، بفضل ما يبذله
من جهود وما له من فضائل: فالروح تقدس الجسد. وهذه السبحة كانت دوماً بين يدي قديس،
فانتقلت إليها، إذن، لاتصالها الدائم بجسده، قوة قديسة، قوة حالة البراءة التي كان
فيها الإنسان الأول. هذه هي الأعجوبة من الوجهة الروحية... إن هذه القوة تحس بها كل
الحيوانات بصورة طبيعية، بواسطة حاسة الشم خاصة: فالأنف أهم عضو من أعضاء الحواس
لدى الحيوان. هذه هي أعجوبة الطبيعة المحسوسة... فقال كاتب المحكمة:
- أنتم معشر المتعلمين ترون في كل شيء عجائب وقصصاً مثل هذه. أما نحن، فإننا ننظر
إلى الأمور نظرة بساطة. وأضاف: أن أصب كأساً ثم أجرعها، هذا أمر يكسب القوة.
قال هذا وقام إلى خزانة المشروب.
أجابه معلم المدرسة: هذا شأنك، ولكن دع لنا، والحالة هذه، المعارف التي فيها شيء من
العلم.
أعجبني كلام المعلم، فاقتربت منه وقلت له: اسمح لي بأن أقص عليك المزيد عن
الستارتس. وحكيت له كيف ظهر لي في الحلم وأرشدني ثم وضع علامة في كتاب الفيلوكاليا.
واستمع المعلم إلى حديثي باهتمام. إلا أن كاتب المحكمة غمغم، وقد استلقى على أحد
البنوك: صحيح أن الإنسان يصاب بلوثة في عقله إذا واصل مطالعة الكتاب المقدس! ثم
أشار إلى السائح وأردف: هاكم (مسطرة) عمن عنيت... قل لي: أي غول يهتم بتسويد صفحات
كتابك ليلاً؟ وقع كتابك منك على الأرض، حين أغفيت، وسقط في الرماد... هذه أعجوبتك!
آه لكل هؤلاء الأوباش: إننا نعرفهم، يا صاح، من هم على شاكلتك!
وبعد أن أنهى كاتب المحكمة قوله هذا دمدم واستدار نحو الجدار ثم غط في النوم.
وعلى هذا، التفت إلى المعلم وقلت له: سأريك الكتاب، إن كنت تريد، وفيه العلامة التي
كلمتك عنها، وما هي بآثار رماد. ثم أخرجت الفيلوكاليا من كيسي وأريته إياها قائلاً:
يدهشني أن تتمكن روح بلا جسد من أن تمسك بقطعة فحم وتكتب...
نظر المعلم إلى العلامة في الكتاب وقال: إنه سر الأرواح. دعني أشرحه لك: عندما تظهر
الأرواح للإنسان بهيئة جسدية، تتخذ جسدها المنظور هذا من النور والهواء، مستخدمة في
ذلك العناصر التي جبل منها جسدها المائت. ولما كان الهواء يتمتع بصفة المرونة، فإن
الروح التي تلبسه يمكنها العمل والكتابة أو الإمساك بالأشياء. ولكن، ما هو هذا
الكتاب الذي معك؟ دعني أرى.
فتح الكتاب ووقع نظره على مقالة سمعان اللاهوتي الجديد فقال: إنه، على ما يظهر،
كتاب في اللاهوت وأنا لا أعرف عنه شيئاً.
- هذا الكتاب، يا عم، إنما يقتصر مضمونه بكامله تقريباً على تعليم صلاة القلب
الداخلية لاسم يسوع المسيح بحسب ما يفسره خمسة وعشرون من آباء الكنيسة.
فقال المعلم : آه! الصلاة الداخلية! أنا أعرف ما هي...
فرجوته سائلاً إياه أن يحدثني عن الصلاة الداخلية. قال: جاء في العهد الجديد أن كل
الخليقة، بما فيها الإنسان (قد أخضعت للباطل لا عن إرادة) وأن كل شيء يئن ويصبو إلى
انعتاق أبناء الله (رو 19:8- 20). إن نزوع الخليقة هذا العجيب، هذه الرغبة الأصيلة
في النفس، هي الصلاة الداخلية. ولا يمكن تعلمها لأنها في كل كائن وفي كل شيء!...
سألته: ولكن كيف يتسنى لنا الحصول عليها، كيف نكتشفها ونحس بها داخل قلبنا؟ كيف نعي
وجودها ونتقبلها بطيبة خاطر ونتوصل إلى أن نجعلها تعمل فينا بقوة فتبهج النفس
وتنيرها وتخلصها؟
أجاب المعلم: لست أدري إن كانت المؤلفات اللاهوتية تبحث في ذلك.
فهتفت: ولكن هنا، في هذا الكتاب، تجد الجواب على كل ما سألته عنه!
فتناول المعلم قلماً وأخذ عنوان الفيلوكاليا وقال: سوف أطلب هذا الكتاب من
(توبولسك) وسوف أطالعه. وعلى هذا افترقنا.
ومضيت أشكر الله على حديثي مع المعلم أسأله تعالى أن يجعل كاتب المحكمة يقرأ
الفيلوكاليا ولو مرة، ويفهم معناها فيجد فيه خير نفسه وصلاحها.
القصة الثانية: قصة فتاة قروية
ومرة غير هذه، وصلت إحدى الدساكر في يوم من أيام الربيع، ونزلت على كاهن البلدة،
وكان إنساناً طيباً يعيش وحده. قضيت عنده ثلاثة أيام، قال لي بعدها، وقد تسنى له أن
يختبرني خلالها: أن تبق عندي أعطك راتباً: فإني بحاجة إلى رجل يكون موضع ثقتي. لعلك
لاحظت أننا نبني كنيسة جديدة حجرية إلى جانب كنيستنا الخشبية العتيقة. لم أستطع إلى
الآن أن أجد رجلاً أميناً يراقب الفعلة ويقف في الكنيسة لجمع الهبات المخصصة للبناء
الجديد. وأنا أرى أنه يمكنك القيام بذلك، إن أردته، وأجد أن نمط الحياة الذي اقترحه
عليك يوافقك ويلائمك. ستكون في الكنيسة وحدك، تصلي، ففيها ركن منعزل يمكن الإقامة
فيه. فابق، أرجوك، إلى أن يتم بناء الكنيسة على الأقل!
تمنعت طويلاً، إلا أنني أذعنت، آخر الأمر، لرجاء الكاهن وإلحاحه. فقضيت الصيف
بكامله حتى الخريف أقيم في الكنيسة. وتوفر لي في البدء الكثير من الهدوء، فاستطعت
ممارسة الصلاة، إلا في أيام الأعياد خاصة حيث يكثر مرتادو الكنيسة، من تقي أتى
للصلاة، إلى ثرثار حضر ليجتمع إلى من يحادث، إلى آخرين يؤمون المعبد بقصد اختلاس
بعض النقود من (الصينية). ولما كنت أقرأ الكتاب المقدس أحياناً والفيلوكاليا
أحياناً أخرى، كان بعض الزوار يبادرونني بالحديث، وكان منهم من يطلب مني أن أقوم له
ببعض القراءة.
بعد مضي أيام على وجودي في الكنيسة، لاحظت أن صبية من أهالي البلدة تتردد على
الكنيسة وتطيل في الصلاة. ولما أملت أذني لاستماع ما تتمتم به وجدت أنها تتلو صلوات
غريبة، كان بعض منها مشوهاً كل التشويه. فسألتها: من علمك هذا؟ فقالت إنها والدتها،
وهي مؤمنة مستقيمة الرأي، بينما كان والدها هرطوقياً من أتباع بدعة (البلا – كهنة)
{أو بعبارة أخرى (رسكولنيك) أو (المؤمنين القدامى) وهم من أتباع بدعة نشأت في منتصف
القرن السابع عشر (1652- 1658) على أثر إصلاحات في الطقوس قام بها البطريرك نيكون
أدت إلى انشقاق داخل الكنيسة الروسية. وقد زاد من خطر هذا الانشقاق مراسيم بطرس
الأكبر (العصرية)، إذ أنشأ سنة 1721 مجمعاً يحل محل البطريرك، مجرداً الكنيسة بهذا
من الاستقلال الذي طالب به نيكون.
وقد انقسم أتباع الانشقاق هذا إلى مذاهب عديدة، يمكن إرجاعها إلى فرعين رئيسيين:
فرع الذين حافظوا على الرتب الكهنوتية، ويسمون (الأبائيون)، وفرع لم يعرف أتباعه
منذ البدء رجال دين وهم (البلاكهنة). وقد انتشرت بين هؤلاء ميول إلى التصوف الطبيعي
أو بالعكس إلى التشدد الأخلاقي}.
فرأيت أن وضعها هذا مزر ونصحتها بأن تتلو الصلوات على وجهها الصحيح، حسب تقاليد
الكنيسة المقدسة: وعلمتها (أبانا الذي) و(السلام عليك يا مريم). وقلت لها أخيراً:
أتلي صلاة يسوع خاصة، فإنها تقربنا من الله أكثر من كافة الصلوات الأخرى، وستنالين
بذلك خلاص نفسك. فاستمعت إلي الفتاة بانتباه، وعلمت بنصائحي ببساطة. أفتصدق؟
أخبرتني، بعد أيام أنها اعتادت صلاة يسوع وأنها تشعر برغبة في ترديدها دائماً، إن
أمكن. وكانت، إذ تصلي، تشعر باللذة، وبعدها بالسرور ترافقه رغبة الاستمرار في
الصلاة. فابتهجت للأمر وأوصيتها بأن تستمر على الإكثار من الصلاة، وأن تذكر اسم
يسوع المسيح.
كان الصيف على وشك الانتهاء، وكان كثيرون من مرتادي الكنيسة يأتون إلي، لا لطلب
النصح أو شيء من القراءة فحسب، بل ليقصوا عليّ همومهم البيتية. بل إن البعض منهم
قصدني لأخبره كيف يجد ما فقد من حاجات. والظاهر أن بعضاً منهم اعتقدوا أنني ساحر.
وفي ذات يوم، أتتني تلك الفتاة مسرعة، وهي في غاية الحزن، تسألني ما يتوجب عليها
فعله. فقد كان والدها مزمعاً على تزويجها قسراً من هرطوقي مثله، وأما صلاة الإكليل
فسيقوم بها أحد الفلاحين، لا الكاهن. وهتفت: أهكذا يكون الزواج الشرعي؟ ليس إلا
عهراً وفجوراً! أريد الفرار... سأهرب غير ملتفتة إلى الوراء.
فقلت لها: إنك لن تستطيعي الاختباء، في أيامنا هذه، في أي مكان دون أوراق هوية أو
جواز سفر، وهذا مما يسهل العثور عليك. من الأفضل أن تصلي بحرارة من أجل أن يحطم
الله بطرقه الخاصة عزم أبيك ويصون نفسك من الخطيئة والهرطقة. هذا أنسب لك من مشروع
فرارك.
ومضت الأيام... وكانت وطأة الضجة قد ثقلت عليّ وأصبحت لا أطيق الانصراف عن الصلاة.
وأخيراً انتهى الصيف، فعزمت على ترك الكنيسة والعودة إلى حياة التجوال التي كنت
أحياها قبلاً. فذهبت إلى الكاهن وقلت له: أنت تعرف، يا أبانا، ما ميولي وما
استعدادي. أنا بحاجة إلى السكينة لأنقطع إلى الصلاة، ولست أجد هنا إلا التشويش
والبلبلة وتشتيت الأفكار. لقد أتممت ما طلبته مني وبقيت عندك الصيف بكامله: دعني
الآن أذهب وبارك مسيري وحيداً.
ولم يكن الكاهن يريد التخلي عني فشدد عليّ للبقاء، قال:
- ماذا عساه يمنعك من الصلاة هنا؟ ليس عليك إلا أن تبقى في الكنيسة ويأتيك خبزك
جاهزاً. صل فيها آناء الليل وأطراف النهار، إن أردت، بل عش مع الله! أنت مقتدر
ومفيد هنا. ولست تتورط في سخيف الأقوال ومبتذل الحديث مع الزوار، كما أنك، من جهة
أخرى، أمين وشريف، تؤمن دخل الواردات لكنيسة الله. هذا، لعمري، أفضل، في نظر الرب،
من صلاتك تتلوها على انفراد. ففيم تبقى وحدك دائماً؟ إن الصلاة مع الناس أدعى للفرح
والغبطة، فلم يخلق الله الإنسان حتى لا يعرف إلا ذاته، بل لكي يساعد قريبه. يقود
بعضنا بعضاً نحو الخلاص، كل حسبما يستطيع. أنظر إلى القديسين ومعلمي المسكونة: لقد
كانوا يجدون ليل نهار ويدأبون يشغلهم الاهتمام بشؤون الكنيسة، يعظون في كل مكان، لا
يطلبون العزلة يتوارون فيها عن إخوتهم.
فأجبته: إن الله يعطي كل إنسان حسب ما يوافقه، يا أبانا، وقد قام كثيرون بوعظ
الجماهير، كما عاش كثيرون غيرهم متوحدين منفردين. وكان كل من هؤلاء يعمل حسب ميله
ويعتقد أن ما يعمل هو طريق الخلاص التي رسمها الله له. ولكن كيف تفسر أن كثيرين من
القديسين قد تخلوا عن المراتب والمناصب في الكنيسة واعتزلوا، لئلا يجربوا وهم في
العالم؟ هكذا ترك القديس اسحق السرياني رعيته، وترك المغبوط أثناسيوس الآثوني {مؤسس
سنة 963 أول دير اللافرا الكبير في جبل آثوس (925- 1003)} ديره لأنهما اعتبرا أن في
هذه الأمكنة من الرفاهية أكثر مما ينبغي وآمنا إيماناً حقاً بقول يسوع المسيح:
(ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟) (متى26:16).
فرد الكاهن: ولكنهما إنما فعلا ذلك لأنهما كانا من كبار القديسين. فأجبت: إن احترس
القديسون بعناية كبرى من الاتصال بالناس، فماذا تراني لا أفعل أنا الخاطئ البائس من
باب الحيطة والحذر!
وأخيراً ودعت هذا الكاهن الصالح وافترقنا على محبة.
بعد عشر فراسخ، توقفت في قرية لأقضي ليلتي فيها. وكان هناك فلاح مريض أشرف على
الموت، فنصحت عائلته بأن يتناول القربان المقدس. فأرسلوا، في الصباح، من يستدعي
الكاهن من القرية. وبقيت إلى جانب عائلة الفلاح لأسجد أمام القربان المقدس وأصلي
أثناء منحه للمريض.
كنت جالساً على مقعد أمام البيت أترقب مجيء الكاهن وإذا بي أرى فجأة تلك الفتاة
التي كانت تأتي للصلاة في الكنيسة فسألتها:
- كيف أتيت إلى هنا؟
- كان كل شيء جاهزاً في البيت لتزويجي من الهرطوقي، فلذت بالفرار.
ثم هتفت وقد ارتميت على قدمي:
- أشفق عليّ!... خذني معك إلى دير من الأديار! لست أبغي الزواج، وسوف أعيش في الدير
أتلو صلاة يسوع. خذني! فسيلبي من في الدير طلبك ويقبلني أهله عندهم. فقلت لها:
- إيه! وأين تريدين أن آخذك؟ لست أعرف ولا ديراً في هذه الأنحاء... ثم كيف آخذك معي
ولا جواز سفر معك؟ لن يكون بإمكانك التوقف في أي مكان، فإن أمرك سيكشف في الحال،
وسوف تعادين إلى بيتك وتعاقبين لتشردك. فالأولى بك أن ترجعي إلى البيت وتصلي. وإن
كنت، كما تقولين، لا تريدين الزواج، فتظاهري بوجود مانع لديك: إن هذا يدعى خداعاً
مقبولاً. هذا ما فعلته، مثلاً، والدة اقليمندس القديسة، المغبوطة مارينا التي سعت
إلى الخلاص في دير للرهبان الذكور {عاشت مارينا في القرن الثامن. عمل مارينا هذا قد
يبدو غريباً في يومنا الحاضر، أما إن أخذنا بعين الاعتبار العصر الذي عاشت المغبوطة
فيه وما أحاط بعملها من ظروف اجتماعية خاصة، أدركنا أنه لم يكن لها من وسيلة، إلا
تنكرها بزي الرجال، لكي تحيا حياة الرهبنة التي تاقت إليها. تعيد لها الكنيسة
الأرثوذكسية في 12 شباط. ويرجح أن أصلها من بيثينيا} وهذا ما فعله أيضاً كثيرون
غيرها.
كنا نتحدث على هذا النحو، وإذا بنا نبصر أربعة فلاحين في عربة، ما إن رأونا حتى
اتجهوا إلينا بسرعة، ولما ترجلوا، أسرعوا فأمسكوا بالفتاة ووضعوها في العربة
وأرسلوها إلى البيت، على ما أعتقد، مع واحد منهم. وأما الثلاثة الباقون، فقد هجموا
عليّ وأوثقوا قيد يدي وأرجعوني عنوة إلى البلدة التي أمضيت الصيف فيها. وكانوا
يجيبون على جميع استيضاحاتي صارخين متوعدين: أسكت، أيها القديس الصغير! سوف نعلمك
كيف يكون إغواء البنات!
وعند المساء، قادوني إلى السجن، فوضعت الأغلال في رجلي ثم أوصد الباب دوني بانتظار
محاكمتي في الغد. ولما سمع كاهن البلدة بخبر حبسي، جاء يزورني وجلب لي العشاء،
وعزاني وواساني وقال لي إنه سيتولى الدفاع عني ويعلن، بصفته الأب المعرِّف، إنني
لست من أصحاب الأخلاق المشينة الفاسدة التي يتهموني بها. وبقي بعض الوقت معي ثم
انصرف.
وحدث أن أمر حاكم المقاطعة بالبلدة، عند هبوط الليل، فعرضوا عليه القضية. فأمر
بدعوة مجلس البلدة وباستحضاري إلى المحكمة. ولما دخلنا، بقينا واقفين. ووصل الحاكم
فجأة، وقد بدت عليه، منذ دخوله، دلائل الانفعال الشديد، وجلس وراء المنصة محتفظاً
بقبعته وهتف:
- هيه! يا ابيفانيوس! هذه الصبية، بنتك، ألم تسرق شيئاً من البيت؟
- كلا يا عم!
- ولم ترتكب أية حماقة مع هذا الأبله؟
- كلا يا عم!
- انتهت القضية، وهذا هو الحكم: مع بنتك، تدبر الأمر كما تشاء. أما هذا الفتى، فسوف
نرحله غداً بعد تأديبه تأديباً قاسياً لئلا يعود إلى هذه البلدة.
وعلى هذا، قام الحاكم وراح لينام، وأما أنا فأعدت إلى السجن. وفي الغد الباكر، جاء
فلاحان {حرفياً: قائد المئة وقائد العشرة. أما قائد المئة فينتخبه المجلس البلدي،
وهو قائد الدرك العامل في الريف بإشراف رئيس الدرك مباشرة. وهذه الوظيفة ترجع إلى
القرون الوسطى، إلا أن صاحبها لم تحدد مهامه إلا عام 1837 وهو تاريخ تأسيس الدرك.
وكان قائد العشرة يأتمر بأمر قائد المئة، وهو أيضاً ينتخبه أعضاء المجلس البلدي}
جلداني ثم أطلق سراحي. ورحت أشكر الرب الذي أتاح لي أن أتألم من أجل اسمه، وكان في
هذا ما عزاني وحثني على أن أصلي أكثر من ذي قبل.
لم تحزني هذه الأحداث مطلقاً، فكانت كأنها تختص بشخص سواي، وكأني متفرج عليها. حتى
الجلد، احتملته بسهولة، فقد كانت الصلاة تفعم قلبي بالفرح بحث لم تسمح لي بالالتفات
إلى ما عداها.
وبعد مسيرة أربعة فراسخ، التقيت بأم الفتاة عائدة من السوق، فتوقفت وقالت لي: تركنا
الخطيب، فقد اغتاظ من آكولكا لأنها هربت من البيت.
ثم أعطتني شيئاً من الخبز وقطعة من الحلوى وتابعت المسير. وكان الطقس صحواً، مما لم
يدع بي رغبة في النوم في القرية. ووجدت في الغابة كومتي قش فرقدت عليه لأمضي ليلتي.
وفي أثناء النوم، حلمت أنني أسير على الطريق أقرأ ما كتبه القديس أنطونيوس الكبير
{الكلام هنا عن تعاليم القديس أنطونيوس (251- 356) الواقعة في 170 فصلاً وتأتي في
أول الفيلوكاليتين: اليونانية والسلافونية. والمؤكد أنها منحولة، مثلها في ذلك مثل
كل الكتابات المنسوبة إلى رائد حياة التوحيد (ما خلا رسالة إلى الأب ثيوذوروس). وهي
مؤلفات رواقية، حورت فيها قليلاً يد مسيحية، وهي على كل، تمتاز بطابع ديني كبير} في
الفيلوكاليا من فصول. وفجأة، انضم الستارتس إلي وقال لي: (ليس هنا ما يجب أن تقرأ)،
وأشار إلى الفصل الخامس والثلاثين، للقديس يوحنا أسقف جزيرة كرباتوس {يرجح أنه عاش
في القرنين السابع – الثامن، ويذكره المؤرخون باسم الأسقف، حيناً، والراهب، حيناً
آخر}، وقد جاء فيه: (قد يتعرض التلميذ للتعيير أحياناً ويقاسي الشدائد والمحن من
أجل الذين ساعدهم روحياً). ثم أراني أيضاً الفصل الواحد والأربعين الذي فيه: (كل
الذين يقومون بالصلاة بحرارة متزايدة يغدون عرضة لتجارب شاقة رهيبة).
ثم قال لي: تشجع ولا تيأس! تذكر قول الرسول: (... إن الذي فيكم هو أعظم من الذي في
العالم) (1يوحنا 4:4). ولقد علمت الآن بالخبرة أن ليس من تجربة فوق طاقة الإنسان
احتمالها، فإن الله (... لا يدعكم تجربون فوق طاقتكم، بل يجعل مع التجربة
مخرجاً...) (1كور13:10).
وإنما شدد القديسون أملهم بمعونة الرب، وهم لم يقضوا حياتهم بالصلاة فحسب، بل سعوا،
محبة، إلى تعليم الآخرين وإرشادهم. إليك ما قال بهذا الصدد القديس غريغوريوس
التسالونيكي {المسمى أيضاً: غريغوريوس بالاماس (1296- 1359)، وكان رئيس أساقفة
تسالونيكي، ومن كبار لاهوتيي التقليد الإزيخي وألمع المدافعين عنه. وتعيد له
الكنيسة الأرثوذكسية في الأحد الثاني من الصوم الكبير}: (لا يكفي أن نصلي دون
انقطاع حسب الوصية الإلهية، ولكنما ينبغي علينا أيضاً أن نعلم ذلك للجميع: رهباناً
وعلمانيين، أذكياء أو بسطاء، رجالاً أو نساء أو أطفالاً، لكي نثير فيهم الغيرة إلى
الصلاة الداخلية). وقد تكلم المغبوط كاليستوس تليكوداس {أحد الزهاد على طريقة مدرسة
كاليستوس واغناطيوس كزانثوبولس أثر عنه كتيب (في الإزيخيا العملية)} بنفس اللهجة
قائلاً: (إن العمل الروحي (أي: الصلاة الداخلية) والمعرفة الإشراقية ووسائل السمو
بالروح كافة، ينبغي ألا نحتفظ بها لأنفسنا دون الآخرين، ولكن يجب تبليغها الغير
كتابة أو خطاباً وذلك من أجل خير الجميع وحباً بهم، وقد قال الله إن الأخ يعضده
أخوه أمنع من مدينة محصنة (أمثال19:18). وإنما علينا أن نجتنب الغرور ما استطعنا
وأن نحترس لئلا تذري الرياح بذار التعليم الإلهي الصالح).
أحسست، ولما استيقظت، بفرح في قلبي عظيم وبقوة في نفسي جديدة، وتابعت المسير.
القصة الثانية: حادثتا شفاء
جرى لي، بعد هذا بزمان طويل، أمر سأرويه لك، لو سمحت. شعرت ذات يوم، وكان ذلك في
الرابع والعشرين من آذار، بحاجة لا تقاوم إلى تناول أسرار المسيح المقدسة في ذلك
اليوم المكرس لوالدة الإله، بذكرى بشارتها الإلهية. فسألت عما إذا كان في المنطقة
من كنيسة، فقيل لي إن هنالك كنيسة على بعد ثلاثين فرسخاً.
سرت ما بقي من النهار، والليل كله، لكي أصل الكنيسة عند صلاة السحر. كان الطقس على
أردأ ما يكون: مثلجاً تارة وممطراً طوراً، يزيده سوءاً ريح عاتية جليدية وبرد قار
قارص. كانت الطريق تقطع جدولاً. لكني ما خطوت عليه بضع خطوات حتى انكسر الجليد تحت
رجلي وخضت في الماء حتى حزامي. ووصلت مبتلاً إلى صلاة السحر، فحضرتها وحضرت القداس
الإلهي الذي أتاح لي الله فيه المناولة.
طلبت من الحارس أن يبقيني حتى الغداة في كوخ الحراسة، وذلك لأقضي يومي بسلام دون ما
يكدر هناء روحي. وقضيت النهار كله في فرح يفوق الوصف وفي صفاء القلب. كنت مستلقياً
على بنك في هذا الكوخ دون تدفئة كما لو رقدت أرتاح في حضن ابراهيم. وكانت الصلاة
تعمل بقوة محبتي ليسوع المسيح ولوالدة الإله، كانت تعبر قلبي، أمواجاً منعشة، وتغمس
نفسي في نشوة هانئة. وعند دنو الليل، شعرت فجأة بألم مبرح في ساقي فتذكرت أنهما
مبلولتان. لكني دفعت غفلة فكري عن هذه وعدت إلى الانغماس في الصلاة فلم أعد أشعر
بالألم. وفي الصباح، لما أردت النهوض، لم أستطع تحريك ساقي: كانتا بلا حول وفي مثل
رخاوة المرس. وأنزلني الحارس عن البنك وبقيت هكذا يومين دون حراك. وفي اليوم
الثالث، طردني الحارس من كوخه قائلاً: إن مت هنا كان علي أن أتعب من أجلك وأهتم
بأمرك. وتوصلت أن أجر نفسي على يدي جراً حتى باب الكنيسة حيث بقيت منطرحاً قرابة
اليومين. ولم يكن المارة يعيرون أدنى التفات لا إلى شخصي ولا إلى طلباتي.
أخيراً! اقترب مني أحد الفلاحين وأخذ يحادثني. وقال لي: ماذا تعطيني؟ سوف أشفيك.
لقد ألم بي مرة نفس ما أصابك، وأنا أعرف لدائك علاجاً. فأجبته ليس لي ما أعطيك.
- وماذا يوجد في كيسك؟
- لا شيء سوى الخبز الحاف وبعض الكتب.
- طيب، ستشتغل عندي مدة الصيف إن أنا شفيتك.
- لا يمكنني حتى العمل. أنت ترى أن ليس لي إلا يد واحدة سليمة.
- وماذا يمكنك فعله إذن؟
- لا شيء إلا القراءة والكتابة.
- هاه! الكتابة! طيب! ستعلم ابني الكتابة. إنه قد بدأ يتعلم القراءة، وحبذا لو تعلم
الكتابة. لكن المعلمين طلبوا مني أجراً غالياً: عشرين روبلاً، لتعليم ابني الخط.
فاتفقت معه. ونقلني إلى بيته. بمساعدة الحارس، ووضعاني في حمام {الحمام بناء خاص
للاستحمام بالبخار، كان دارج الاستعمال في روسيا كلها. وكانوا يبعدونه عن باقي
أجزاء البيت لتجنب أخطار الحريق} عتيق في أحد أركان الفناء القصية.
وبدأ مضيفي في علاجي: جمع من الحقول والباحات وحفر الأقذار كمية لا بأس بها من عظام
الحيوانات القديمة، وعظام الطيور ومن كل الأنواع، فغسلها وكسرها قطعاً صغيرة بحجر
ووضعها في طنجرة كبيرة، غطاها بغطاء به ثقب وقلبها جميعاً فوق إناء وضعه في الأرض.
ودهن قعر الطنجرة بعناية بطبقة من الآجر سميكة وغطاها بقطع من الحطب تركها تحترق
أكثر من 24 ساعة. وقال، وهو يرتب الحطبات: (سينتج من هذا كله قطران العظم).
وفي الغد، نبش القدر، وكان قد سال به من فوهة الغطاء قرابة اللتر من سائل غليظ ضارب
إلى الحمرة، قوامه دهني، رائحته كرائحة اللحم الطازج. وأما العظام الباقية في
الطنجرة، فقد صارت بيضاء اللون شفافة كقلب الصدف أو اللؤلؤ، بعد أن كانت سوداء
عفنة. كنت أدلك جسمي بهذا السائل خمس مرات يومياً. أفتصدق؟ شعرت ثاني يوم أنه
بإمكاني تحريك أصابعي، وفي اليوم الثالث، كنت أثني ساقي، وفي الخامس، قمت واقفاً
وأخذت أمشي في الباحة متوكئاً على عصا. وبعد أسبوع عاد ساقاي إلى حالتهما الطبيعية.
فشكرت الله على ذلك مفكراً: إن حكمة الله تظهر في مخلوقاته! فالعظام الرميمة
اليابسة العفنة التي أوشكت أن تعود إلى التراب تحتفظ بحيوية قوية ولون ورائحة. بل
تفعل في الأجسام الحية، فيمكنها أن تعيدها إلى الحياة! إن هذا عربون القيامة في
الدهر الآتي. ليتني أستطيع إطلاع حارس الأحراج، الذي عشت في كوخه، على هذا، فقد كان
يشك في قيامة الأجساد!
بعد شفائي هذا، أخذت أعنى بالولد الصغير. كتبت كنموذج للخط صلاة يسوع، وطلبت منه أن
ينسخها بعد أن أريته كيف يكتب الأحرف بصورة جميلة. وكان هذا لي عملاً مريحاً، لأن
الغلام كان يخدم، طوال النهار في بيت وكيل الأملاك، فما كان يأتي إلي إلا عندما
ينام معلمه، أي في الصباح الباكر. كان الصبي ذكياً، وسرعان ما تعلم الكتابة على وجه
صحيح تقريباً.
سأله الوكيل مرة وقد رآه يكتب: من ذا الذي يعطيك الدروس؟ فأخبره الطفل أنه السائح
الأشل الذي يعيش في منزلهم في الحمام العتيق. فأتى المدير مستطلعاً – وكان بولونياً
– ليراني ووجدني أقرأ الفيلوكاليا. فحدثني قليلاً وقال: ماذا تقرأ؟ فأريته الكتاب.
فال: آه! إنها الفيلوكاليا! إني رأيت هذا الكتاب عند كاهن بلدتنا، عندما كنت أقيم
في (فلنا)، ولكن قيل لي إنه يحوي وصفات غريبة، وطرائق للصلاة، أوجدها رهبان من بلاد
الروم، على غرار متصوفة الهند وبخارى، الذين ينفخون رئاتهم ويعتقدون ببلاهة، إذا
توصلوا إلى الشعور بدغدغة طفيفة في قلبهم، إن هذا الإحساس الطبيعي هو صلاة وهبها
الله لهم. إنما ينبغي الصلاة ببساطة، لكي نتمم واجبنا نحو الله. فعند النهوض من
النوم، علينا تلاوة (أبانا الذي...) كما علمنا المسيح. وهذا يكفي طوال اليوم. ولكن
إن نحن رددنا نفس الصلاة كل حين، ففي هذا خطر إصابتنا بالجنون وإتلاف قلبنا.
- لا تتكلم بهذه الصورة عن هذا الكتاب الشريف يا عم! فما كتبه رهبان أروام بسطاء بل
أشخاص عريقون قديسون تكرمهم كنيستكم أيضاً كأنطونيوس الكبير ومكاريوس الكبير {راهب
(300- 390) متوحد طيلة 60 سنة في صحراء سكيتيا وأصله من صعيد مصر، تتلمذ على يد
القديس أنطونيوس الكبير} ومرقس الزاهد {هو مؤلف كتب في الزهد. يبدو أنه عاش في مطلع
القرن الخامس، وهو من تلاميذ الذهبي الفم. كان رئيس دير أنقره من أعمال غلاطية ثم
تنسك في صحراء اليهودية} ويوحنا الذهبي الفم {من كبار الآباء الشرقيين. واعظ في
أنطاكية ثم بطريرك القسطنطينية. مات في المنفى عام 407. راجع: (في الكهنوت، أحاديث
عن الزواج والرسائل إلى أولمبيا)، منشورات النور} وغيرهم. إن رهبان الهند وبخارى قد
اقتبسوا منهم طرائق صلاة القلب غير أن هؤلاء الرهبان شوهوها وأفسدوها كما قال لي
الستارتس. كل ما في الفيلوكاليا من تعاليم عن الصلاة الداخلية مستقى من كلام الله،
من الكتاب المقدس، الذي شدد فيه يسوع على وجوب الصلاة دون انقطاع. مع وصيته بتلاوة
( أبانا الذي...) فقد قال: (أحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك وكل ذهنك)
(متى37:22)، كما قال: (فاحذروا واسهروا وصلوا...) (مرقس33:13)، و(اثبتوا فيّ وأنا
فيكم...) (يوحنا4:15). وآباء الكنيسة، إذ يستشهدون بالملك داود في المزامير: (ذوقوا
وانظروا ما أطيب الرب) (مزامير9:34)، يفسرون هذا الكلام بأن على المسيحي أن يعمل كل
شيء حتى يعرف عذوبة الصلاة. فيجب عليه أن يبحث فيها عن تعزيته بصورة مستديمة لا أن
يكتفي بتلاوة صلاة (أبانا الذي...) مرة واحدة.
اسمع! سأقرأ لك ما يقوله الآباء فيمن لا يسعى إلى دراسة صلاة القلب الخيرة. إن
هؤلاء يرتكبون ثلاث خطايا: 1- فهم يخالفون وصايا الكتب المقدسة، 2- لا يقرون بأن
للنفس حالات سمو وكمال: فإنهم، باكتفائهم بالفضائل الخارجية، يتجاهلون الجوع والعطش
إلى البر ويحرمون أنفسهم الغبطة بالله، 3- وهم، بنظرهم إلى فضائلهم الخارجية وحدها،
غالباً ما يتردون في الاكتفاء وفي الغرور.
قال الوكيل: إن ما تقرأ له معنى سام، ولكن كيف لنا، نحن العلمانيين، أن نسلك هذا
السبيل؟
- اسمع! سأقرأ لك كيف توصل بعض أهل الصلاح إلى تعلم الصلاة المستديمة، بالرغم من
كونهم علمانيين.
وفتحت، في الفيلوكاليا، رسالة سمعان اللاهوتي الجديد عن شاب يدعى جاورجيوس وأخذت
أقرأ. فأعجب الوكيل بما قرأت وقال لي:
- أعطني هذا الكتاب وسأقرأه في أوقات فراغي.
- سأعيرك إياه، إن كنت تريده ليوم واحد، فأنا أقرأه باستمرار، وليس لي عنه غنى.
- ولكن تستطيع، على الأقل، فيما أظن، أن تنسخ لي هذا المقطع، وسوف أدفع لك أجرك.
- لست بحاجة إلى مالك، ولكني سأنسخه لك بكل سرور آملاً أن يهبك الله غيرة للصلاة.
ونسخت على الفور المقطع الذي قرأته. فقرأه بدوره لزوجته، فاستحسنته وأعجبها كما نال
استحسان زوجها. فكانا، بعد ذلك اليوم، يستدعياني من وقت لآخر فآتي إليهما
بالفيلوكاليا، وأقرأ فيستمعان وهما يتناولان الشاي. وأبقياني، ذات يوم، على العشاء.
وكانت زوجة الوكيل، وهي سيدة مسنة لطيفة، تأكل سمكاً مشوياً، وإذا بها تبتلع حسكة
ما استطعنا إخراجها من حلقها رغم كل جهودنا. وآلمتها حنجرتها شديد الألم حتى أنها
اضطرت، بعد ساعتين، إلى أن تلزم الفراش. وأرسل زوجها في طلب طبيب يسكن على بعد
ثلاثين فرسخاً من المكان، وعدت إلى البيت حزيناً مكتئباً.
نمت، ليلتها، نوماً خفيفاً متقطعاً، وإذا بي أسمع بغتة صوت الستارتس دون أن أنظر
أحداً. قال الصوت: (لقد شفاك معلمك ولا تستطيع فعل شيء لزوجة الوكيل؟ لقد أوصانا
الله أن نتوجع لمصائب القريب).
- سأساعدها بسرور، ولكن كيف لي ذلك؟
- إليك ما يجب فعله: هذه المرأة كانت دوماً شديدة القرف من زيت الخروع، فبمجرد أن
تشم رائحته ينتابها الغثيان. جرعها إذن ملعقة زيت خروع، وسوف تستفرغ فتخرج الحسكة،
والزيت سيلين جرحها وستشفى.
- ولكن كيف أسقيها الزيت ما دامت تتقزز منه وتقرف؟
- أطلب من زوجها أن يمسك رأسها وصب السائل في فمها قسراً.
استفقت من نومي وأسرعت إلى الوكيل أقص عليه كل هذا بالتفصيل، فقال لي:
- ما عسى يكون نفع زيتك؟ فقد ألمت بها الحمى وها هي تهذي وقد تورم عنقها كما ترى.
ولكن، على كل حال، لا بأس من المحاولة، فإن لم يفدها الزيت، فهو، في أي حال، لن
يضرها بشيء.
وصب شيئاً من زيت الخروع في كأس صغير وتمكنا بعد جهد من تجريعها إياه. فبدأت تقيء
في الحال قيئاً شديداً وبصقت الحسكة {في حياة رئيس الكهنة حبقوق واقعة مماثلة لهذه:
فقد كاد هذا أن يختنق بقطعة من السمك، لكن ابنته أغربينا (أسرعت إليه، كما يقول
الكتاب، وضربت على ظهره بمرفقيها الصغيران، فخرج من حلقه خثرة دم واستطاع أن يتنفس}
مع قليل من الدم. وبعد، شعرت بتحسن حالها ونامت نوماً عميقاً.
جئت في صبيحة الغد أستطلع أخبارها فوجدتها مع زوجها تتناول الشاي. كانا يتعجبان من
شفائها وخاصة مما قيل لي في الحلم عن قرفها من زيت الخروع، لأنهما لم يحدثا أحداً
بشيء من هذا أبداً. وفيما نحن كذلك وصل الطبيب. فحكت له زوجة الوكيل كيف شفيت، وأنا
رويت له كيف عالج الفلاح ساقي، فأعلن الطبيب قائلاً: ليست هاتان الحادثتان، بالأمر
المدهش، فإنما سبب الشفاء في المرتين قوة طبيعية، لكني سأسجلهما للذكرى. وأخرج
قلماً من جيبه ودوّن بضع كلمات في دفتر صغير.
وسرعان ما شاع في تلك الديار أني عراف ومطبب وساحر، وتوافد الناس من كل حدب وصوب
لاستشارتي يجلبون لي الهدايا. وبدأوا بتكريمي كقديس وولي. ومضى أسبوع على ذلك ففكرت
في الأمر وتخوفت من السقوط في الغرور والتشتت، وفي الليلة التالية، غادرت القرية
خفية.
القصة الثانية: الوصول إلى اركوتسك (1)
هكذا عدت، مرة أخرى، أسير على الطريق وحيداً. شعرت بأني فرح خفيف كما لو انزاح عن
كتفي ثقل جبل. وكانت تعزية الصلاة لي في ازدياد مطرد: كان قلبي يجيش أحياناً بمحبة
لامتناهية ليسوع المسيح، وكانت أمواج منعشة تنبعث من هذا الجيشان فتنتشر في كل
كياني. وكانت صورة يسوع المسيح ماثلة في نفسي بصورة شديدة حتى أني كنت وكأني أرى
أحداث الإنجيل بأم عيني بمجرد التفكر بها. وكنت طرباً أبكي فرحاً، أشعر أحياناً
بسعادة في قلبي كبيرة لدرجة لا أستطيع معها وصفها. وكنت أحياناً أبقى ثلاثة أيام
بعيداً عن منازل الناس وبيوتهم فأشعر منتشياً بأني وحيد وخاطئ حقير أمام الله
المتحنن والمحب البشر.
وكانت في هذه الوحدة سعادتي. وعذوبة الصلاة فيها كانت أوضح مما كانت عليه عند
احتكاكي بالناس.
أخيراً وصلت إلى (اركوتسك). وركعت مصلياً أمام ذخائر القديس انوكنديوس، وتساءلت أين
الذهاب من بعد. ولم أكن أرغب في البقاء في المدينة طويلاً لأنها كانت آهلة بالسكان.
وسرت في الشارع أفكر، وإذا بي ألتقي فجأة بأحد تجار المدينة، فاستوقفني وقال لي:
أنت سائح؟ لماذا لا تجيء إلى بيتي؟
ووصلنا بيته الفخم، وسألني من أكون، فرويت له رحلتي. ولما انتهيت قال لي: يجدر بك
أن تذهب إلى مدينة أورشليم، ففيها قداسة لا مثيل لها!
فأجبته: الذهاب إليها مما يسرني، ولكني لا أملك من المال ما أدفعه أجرة الطريق، فإن
ذلك يتطلب المال الكثير.
فقال التاجر: سأخبرك عن طريقة للذهاب، إن تشأ. ولقد أوصلت في العام الماضي إلى
القديس شيخاً من أصدقائنا.
فانطرحت على قدميه، فقال لي: اسمع، سأرسل معك كتاباً إلى ابني وهو في أوروبا يتاجر
مع القسطنطينية. إنه يملك بعض المراكب وسوف يوصلك إلى القسطنطينية وهناك تدفع لك
مكاتبه فيها أجرة السفر حتى القدس، وما هذا بالباهظ الغالي.
لما سمعت هذه الكلمات، أفعم قلبي فرحاً وشكرت هذا المحسن شكراً جزيلاً، وشكرت الله
خاصة لإظهاره لي حبه الأبوي الجم نحوي، أنا البائس الغارق في الخطايا، لا أحسن
صنعاً تجاهه تعالى ولا نحو سواي من الناس، وآكل خبز الغير بلا جدوى.
ونزلت ثلاثة أيام على هذا التاجر الكريم، ثم أعطاني كتاباً إلى ابنه... ها أنا ذاهب
إلى أوروبا على أمل أن أبلغ مدينة أورشليم المقدسة... غير أني لست أدري إن كان الرب
سيسمح لي بالسجود أمام ضريحه المحيي.
--------------------------------------------------------------------------------
(1) إحدى مدن سيبيريا الشرقية وتقع على نهر انغرا، بالقرب من بحيرة بايكال. تقع
اركوتسك وسط منطقة مناجم هامة مما جعل منها مركزاً صناعياً مزدحماً بالسكان نسبة
لما يجاورها
القصة الثالثة: حياة السائح
قبل أن أرحل عن (اركوتسك)، عدت إلى الأب الروحي الذي كان لي معه أحاديث وقلت له: ها
أنا منطلق بعد أيام إلى أورشليم. جئت أودعك وأشكرك لمحبتك المسيحية نحو شخصي أنا
السائح المسكين.
فقال لي: بارك الله خطاك!... لكنك لم ترو لي شيئاً عنك: من أنت ومن أين... سمعت
الكثير من أخبار أسفارك وحبذا لو وقفت على شيء من منشئك وحياتك قبل البدء في
التجوال.
أجبته: سأروي لك هذا بسرور، ليست حياتي بالقصة الطويلة.
ولدت في إحدى قرى مقاطعة (اوريل) {مركز مدينة اوريل Orel، في روسيا، وتقع على نهر
الاوكا، وهي مسقط رأس الأديب المعروف إيفان تورغنييف}. وبعد موت والدينا، كنا
اثنين: أخي البكر وأنا. كان أخي في العاشرة وكنت في الثالثة من عمري. فأخذنا جدي
إلى بيته ليربينا وكان شيخاً وقوراً ميسور الحال، يدير فندقاً على الطريق العام.
وكان كثيرون من المسافرين ينزلون على جدي نظراً لطيبته. جئنا إذن نعيش في كنفه.
كان أخي يتدفق حيوية، فكان يسرح كل نهاره في القرية ويمرح، بينما كنت أبقى في أغلب
الأحيان بالقرب من جدي. وكان هذا يصطحبنا أيام الأعياد إلى الكنيسة، وفي البيت، كان
كثير القراءة للكتاب المقدس، لهذا الكتاب الذي أحمل معي. فشب أخي وبدأ يتعاطى
المسكر. وفي ذات يوم – وكان لي من العمر سبع سنين – بينما كنت مستلقياً معه على
المدفأة {في القرية الروسية، المدفأة مكان هام مشيد بالآجر دائم الحرارة، وفي
الشتاء يجعل الفلاحون فراشهم على الجزء الأعلى منها. وغالباً ما يمضي الشيوخ سحابة
يومهم في ذاك المكان. في أقصوصة ليون تولستوي الشهيرة (أموات ثلاثة) وصف مسهب
لاستعمالها على هذا الوجه} دفعني فوقعت. فأصيب ذراعي الأيسر. وأنا، منذ ذلك الحين،
لا أستطيع له حراكاً، فلقد تيبس وشل.
قرر جدي، لما رأى أنه لن يسعني العمل في الزراعة، أن يعلمني القراءة، وبما أنه لم
يكن لدينا كتاب (ألف باء)، كان يستعمل لتدريسي الكتاب المقدس، هذا الذي معي. فكان
يدلني على الأحرف، ثم يجبرني على تهجئة الكلمات، ثم على نسخ الأحرف. وهكذا صرت أعرف
القراءة على أهون سبيل لكثرة ما رددت وراءه. وفيما بعد، حين ضعف بصره، كان يطلب مني
قراءة الكتاب المقدس بصوت مرتفع، فأقرأ ويصحح أخطائي.
وغالباً ما كان كاتب المحكمة ينزل ضيفاً على جدي. كان جميل الخط وكنت أحب أن أراه
يكتب. وبدأت، من تلقاء نفسي، برسم الحروف على غراره. فعلمني كيف أعمل وأعطاني الورق
والمداد وبرى لي اليراع فتعلمت الكتابة كذلك. فسر جدي بذلك وفرح وكان يقول لي: لقد
وهبك الله معرفة الحرف، وستصير رجلاً حقاً. أشكر الرب وأكثر من صلاتك.
وكنا نذهب إلى الكنيسة سوية لحضور كافة الخدم، بل كثيراً ما كنا نصلي في البيت
أيضاً. كان جدي يطلب إلي أن أقول: (يا الله! ارحمني أنا الخاطئ...) وكان يركع وجدتي
ويسجدان حتى الأرض. أو يجثوان أثناء الصلاة على ركبهما. عشت على هذا النحو حتى
السابعة عشر من عمري. وتوفيت جدتي وأنا في مقتبل العمر، فقال لي جدي: ها قد غدونا
بلا ربة بيت. كيف لنا أن نتدبر الأمر دون امرأة تعتني بنا؟ إن أخاك البكر لا يصلح
لشيء ولسوف أزوجك أنت.
فرفضت الزواج بسبب يدي المشلولة، غير أن جدي ألح علي حتى زوجني من فتاة طيبة
ورصينة. كانت في العشرين من عمرها... وما مضى العام على زواجنا حتى مرض جدي فأشرف
على الموت. فدعاني إليه وودعني الوداع الأخير وقال: إني أترك لك البيت وكل ما أملك.
عش كما يليق ولا تخادع أحداً. اجعل الصلاة شغلك الشاغل، فإن كل عطية صالحة من الله
تأتي: فلا تتكل إلا عليه تعالى. واظب على الكنيسة واقرأ الكتاب المقدس دائماً
واذكرنا في صلواتك. هاك ألفي روبل فضة، احتفظ بها ولا تنفقها سدى، ولكن لا تكن
بخيلاً شحيحاً بل أحسن إلى الفقراء وتصدق إلى كنائس الله.
توفي جدي فورايته الثرى. وأخذ الحسد يدب في قلب أخي لأني ورثت الفندق، فجعل يثير
متاعب شتى لي. وأوغر الشيطان المعاند صدره حتى أنه يبيّت قتلي. وفي ذات ليلة،
وبينما نحن نيام، ولم يكن في الفندق من نزلاء، تسلل إلى غرفة المؤن وأشعل فيها
النار، بعد أن سطا على كل ما في الصندوق من مال. واستفقنا والنار تلتهم البيت
بكامله، فما كان لنا إلا أن نقفز من النافذة، ولم نأخذ إلا ما علينا من ثياب.
وكان الكتاب المقدس تحت الوسادة فأخذناه معنا. وجعلنا ننظر إلى بيتنا يحترق قائلين:
الحمد لله! لقد سلم الكتاب المقدس من الحرق. سنستطيع على الأقل أن نتعزى فيه عن
المصاب الذي حل بنا. هكذا احترق كل ما لنا واختفى أخي من المنطقة. وتفاخر فيما بعد،
وقد شرب، فعلمنا أنه هو الذي سرق الدراهم وأشعل البيت ناراً.
أصبحنا عراة لا نملك شيئاً، شحاذين بكل معنى الكلمة. فاستدنا وعمرنا كوخاً حقيراً
عشنا فيه عيشة المساكين البؤساء. وكانت زوجتي ماهرة لا مثيل لها في الغزل والحياكة
والخياطة. كانت تذهب إلى بيوت الناس تسألهم ما يريدون، ثم تعمل ليلاً ونهاراً
لتعيلني. فلم يكن بوسعي، بسبب ذراعي، حتى صنع الأحذية من الألياف. فكانت، في أغلب
الأحيان، تغزل أو تحيك بينما أقرأ لها الكتاب المقدس وقد جلست قربها، فتستمع إلي
وتجهش بالبكاء أحياناً. ولما كنت أسألها: لماذا تبكين؟... إننا، والحمد لله، لسنا
في ضيق أو عوز، كانت تجيب: أنا متأثرة لأن الكلام الذي تقرأ في الكتاب المقدس حلو
جميل.
لم ننس وصية جدي: فكنا نصوم أحياناً كثيرة ونقرأ كل صباح خدمة مديح العذراء المعروف
بالاكاثسطون. وأما في المساء، فكان كل منا يقوم بألف مطانية صغرى {احناء الرأس
وأعلى الجسم مع رسم إشارة الصليب} أمام الأيقونات، لئلا ندخل في تجربة.
عشنا هكذا بسلام مدة عامين. والمدهش في الأمر أنه لم يكن لنا أية معرفة بالصلاة
الداخلية التي تتلى في القلب. لم نكن قد سمعنا عنها شيئاً، فكان لساننا يصلي وحده
ونقوم بالمطانيات بلا فهم. إلا أن شهوة الصلاة، بالرغم من هذا، كانت فينا، فلم نكن
نستصعب الصلاة العادية الطويلة بل نتممها بفرح. ولا شك في أن معلم المدرسة كان على
حق لما قال لي: إنه يوجد داخل الإنسان قوة عجيبة خفية لا يعرف هو نفسه من أين تأتي،
ولكنها تهيب بكل إنسان إلى الصلاة حسبما يستطيع ويعرف.
بعد أن عشنا عامين على هذا النحو، أصيبت زوجتي بحمى شديدة. وفي اليوم التاسع من
مرضها توفيت بعد أن تناولت القربان المقدس. وبقيت وحيداً، ليس من يؤنسني، ولا بوسعي
عمل شيء. ولم يبق لي إلا أن أستعطي هائماً في الأرض، غير أني كنت أرى العار في طلب
الصدفة. زد على ذلك أن شقائي عند تفكيري بزوجتي كان عظيماً إلى حد لم أعرف معه إلى
أين ألتفت. فكنت عندما أدخل الكوخ وأبصر شيئاً من ملابسها أو منديلها، آخذ بالنحيب
وأنكفئ فاقد الوعي. ولم أعد أستطيع احتمال حزني، إذ أعيش في البيت هكذا. ولذا بعت
الكوخ بعشرين روبلاً ووزعت على الفقراء ثيابي وملابس زوجتي. وأعطيت بسبب ذراعي جواز
سفر دائم، فحملت كتابي المقدس العزيز وانطلقت لا ألتفت إلى ما ورائي.
ولما وصلت إلى الطريق العام تساءلت: أين أمضي الآن؟ سأذهب إلى (كييف) أولاً لأصلي
أمام أيقونات القديسين وأطلب منهم أن يتشفعوا إلى الله لكي يعينني. وما صممت على
هذا حتى شعرت بتحسن حالي... ووصلت إلى (كييف) وقد انفرجت كربتي. وها قد مضى علي
الآن ثلاث عشرة سنة كنت فيها دائم التجوال. ولقد زرت الكثير من الكنائس والأديرة،
غير أني الآن أطوف في البوادي والبراري بنوع خاص. وما أدري إذا ما كان الرب سيسمح
لي بالوصول إلى مدينة أورشليم المقدسة. وإن تكن تلك مشيئة الله فربما يكون قد آن
أوان دفن عظامي الحقيرة فيها.
- وما سنك؟
- ثلاث وثلاثون سنة.
عمر المسيح!
القصة الرابعة
(وأنا فحسن لي القرب من الله
وقد جعلت في الرب معتصمي ورجائي) (مز28:72).
قلت، وقد عدت إلى بيت أبي الروحي: إن المثل القائل (وتقدرون فتضحك الأقدار) لعلى
حق. كنت أعتقد أنني سأبدأ رحلتي إلى مدينة أورشليم المقدسة، لكنني كان علي أن أغير
رأيي. فقد أستجد أمر لم أكن أتوقعه يقتضي بقائي هنا يومين آخرين أو ثلاثة. ولم أطق
البقاء دون المجيء إليك لأطلعك على الأمر وأسألك النصح بصدده. إليك ما جرى:
ودعت الجميع وعدت إلى السير مستعيناً بالله. وكنت على وشك الخروج من المدينة وإذا
بي ألمح، واقفاً بباب أقصى بيوت البلد، سائحاً متقدماً لم أره منذ ثلاث سنين. فذهبت
إليه وتبادلنا التحية وسألني أين أمضي فأجبته: إلى أورشليم المقدسة. إن شاء الله.
فقال: حسن! إني أقترح عليك رفيق درب لك ممتازاً. فقلت: شكراً جزيلاً! أفلا تعرف أني
لا أتخذ رفيقاً أبداً، وأني أسير بمفردي دائماً؟
- أجل! لكن اسمع: أنا أعرف أن هذا الرفيق يناسبك ويلائمك. وسيكون كل شيء على ما
يرام بالنسبة له معك وبالنسبة لك بصحبته. إن أبا صاحب هذا البيت – وأنا أعمل هنا
كفاعل – قد نذر أن يحج إلى أورشليم، ولن يزعجك شيء برفقته. إنه أحد تجار البلد، وهو
شيخ طيب، وهو، إلى ذلك، أصم لا يسمع حتى ولو صرخت بأعلى صوتك. وإن أراد منه أحد
شيئاً، كتبه له على ورقة. إنه دائم السكوت، فلن يزعجك في رحلتك. هذا، إلى أن وجودك
كرفيق له لا بد له منه. لقد أعطاه ابنه حصاناً وعربة سيبيعهما في أوديسا. والعجوز
يريد الذهاب سيراً على قدميه، أما العربة فسيوضع فيها متاعه وبعض الهدايا لقبر
المسيح. وسيكون بوسعك وضع كيسك فيها... الآن، فكر. أتظن أن من الممكن أن ندع هذا
الشيخ الأصم يسافر وحده؟... بحثنا كثيراً عن سائق، ولكنهم يطلبون أجراً باهظاً. ثم
إنه من الخطر أن نتركه يذهب مع شخص مجهول، فإن في حوزته مالاً وبعض الحاجات
الثمينة. إلا أني سكون لك ضامناً وسيسر مني معلمي، إنهم أناس طيبون يحبونني كثيراً.
لي سنتان في خدمتهم.
وبعد أن قال هذا ونحن بالباب، أدخلني على معلمه. ورأيت أن العائلة معتبرة، فقبلت
عرضهم. ولقد قررنا أن نسافر بعد عيد الميلاد بيومين، إن شاء الله، بعد حضورنا
القداس الإلهي.
هذه هي الأحداث غير المنتظرة التي تقع لنا على دروب الحياة! غير أن من يعمل بواسطة
أفعالنا ونياتنا إنما هو دوماً الله تعالى وعنايته الإلهية، كما كتب: (فإن الله هو
الذي يعمل فيكم الإرادة والعمل...) (فيلبي 13:2).
قال لي أبي الروحي: سر قلبي أيها الأخ الحبيب، إذ سمح لي الله بأن أعود فأراك من
جديد. وبما أن ليس لك ما يشغلك فسأبقيك بعض الوقت تروي لي فيه بعض ما لقيت خلال
حياة التجوال التي عشتها، فلقد طاب لي أن أسمع قصصك السابقة.
فأجبته: بكل سرور وبدأت أتكلم.
جرى لي من خير الأمور ما جرى لي من شرها، ولا يستطيع المرء أن يروي كل شيء. فإن
أموراً كثيرة قد نسيتها وأنا إنما سعيت إلى استذكار ما كان من شأنه أن يعيد نفسي
الكسولة إلى الصلاة. وأما كل ما تبقى، فنادراً ما خطر ببالي، أو بالأحرى: حاولت
نسيان الماضي، وفقاً لتعليم الرسول بولس وهو القائل: (... لكن أمراً واحداً أجتهد
فيه وهو أن أنسى ما ورائي وأمتد إلى ما أمامي فأسعى نحو الهدف...) (فيلبي 13:3).
وقد كان الستارتس المغبوط يقول لي إن ما يحول دون بلوغ الصلاة من عقبات قد يأتي من
اليمين ومن اليسار {أنظر: ايفاغريوس البنطي (توفي 399): (رسالة في الصلاة). (حينما
يتوصل العقل إلى الصلاة الصافية الحقيقية، لا يعود الشياطين يقربونه من اليسار بل
من اليمين. فيصورون له رؤيا وهمية لله، أو مرأى مستحباً للحواس، بصورة تجعله يظن
أنه أصاب الغاية من الصلاة بالتمام...)} أي من المعاند. فإن لم يستطع أن يصرف النفس
عن الصلاة بالأفكار الباطلة أو التصورات الآثمة، بعث فينا ذكريات صالحة أو أفكاراً
جميلة لكيما يبعد الذهن عن الصلاة فهو لا يطيق سماعها. إن هذا يدعى التحويل من
اليمين: تستخف النفس فيه بالحديث مع الله، وتبدأ بحديث مستعذب مع ذاتها أو مع
المخلوقات. ولذا، فقد علمني ألا أترك في ذهني مجالاً، أثناء الصلاة، لأية فكرة مهما
بلغ جمالها وسموها. وإن وجدنا، في آخر النهار، أننا أنفقنا في التأمل أو في
الأحاديث الروحية من الوقت أكثر مما أنفقنا في الصلاة المجردة النقية، فينبغي
اعتبار ذلك من قبيل عدم التبصر أو الجشع الروحي الإنساني، خاصة عند المبتدئين الذين
يجب أن يفوق ما يمضون من وقت في الصلاة، الوقت لأوجه النشاط الروحي الأخرى.
لكن المرء لا يمكنه أن ينسى كل شيء. فبعض الذكريات ترسخ في أعماق الذاكرة حتى أنها
تبقى حية دون أن تستدعى، كذكرى تلك العائلة البارة، مثلاً، التي قيض لي الله أن
أمضي بضعة أيام بين أفرادها.
القصة الرابعة: عائلة أرثوذكسية تقية
كنت أجتاز مقاطعة (توبولسك) فمررت ذات يوم ببلدة صغيرة. وكان قد انتهى زادي من
الخبز تقريباً، فدخلت أحد البيوت لأطلب خبزاً. فقال لي رب البيت: جئت في الوقت
المناسب، فإن زوجتي أخرجت الخبز من الفرن لتوها. إليك هذا الرغيف الساخن وصل
لأجلنا.
وضعت الرغيف في كيسي وأنا أشكره، ورأتني ربة البيت فقالت: يا لكيسك المزري! إنه
ممزق بال، دعني أعطيك كيساً غيره. وأعطتني كيساً مليحاً متيناً. وشكرتهما من أعماق
قلبي وانصرفت. وطلبت عند طرف المدينة قليلاً من الملح من أحد التجار، فأعطاني كيساً
كاملاً، فاغتبطت للأمر وشكرت الله الذي جعلني أتوجه بطلبي إلى أناس أبرار طيبين.
قلت في داخلي: ها قد توفر لي زاد أسبوع، فغدا بوسعي الآن أن أنام خالي البال.
(باركي يا نفسي الرب!) (مز103 و1:104).
وما ابتعدت عن المدينة مسافة خمسة فراسخ حتى لمحت بلدة متوسطة الرقعة فيها كنيسة
خشبية صغيرة، إلا أنها حسنة الدهان في الخارج ومزينة تزييناً أنيقاً. وكان الطريق
يمر بالقرب منها، فاشتهيت أن أسجد أمام هيكل الرب. فصعدت درج الكنيسة الصغير وصليت.
وكان في مرج يحاذي الكنيسة طفلان صغيران يلعبان، بين الخامسة والسادسة من العمر.
ففكرت أنهما، بالرغم من مظاهر العناية البادية عليهما، لا شك أبناء الكاهن.
وأنهيت صلاتي، ومضيت، إلا أني ما كدت أخطو عشر خطوات حتى سمعت خلفي من يناديني:
انتظر! انتظر أيها الشحاذ اللطيف!
كان هذا صوت الطفلين ينادياني وهما يركضان مقبلين إلي: صبي صغير وبنية، فتوقفت،
فأسرعا إلي وأمسكا بيدي:
- تعال عند أمي، فهي تحب الشحاذين.
- ما أنا شحاذاً بل عابر سبيل.
- وما هذا الكيس؟
- إنه خبزي، زاد رحلتي.
- ما عليك، تعال معنا. ستعطيك ماما نقوداً لرحلتك.
- وأين هي أمكما؟
- هناك، خلف الكنيسة، وراء الأشجار.
أدخلاني حديقة رائعة، رأيت في وسطها بيتاً كبيراً من بيوت الأغنياء. ودخلنا الردهة.
كان كل شيء في غاية النظافة! وفجأة أقبلت سيدة أسرعت نحونا قائلة: ما أسعدني! من
أين أرسلك الله إلينا؟ أقعد، أقعد يا عزيزي!
وأراحتني من كيسي بنفسها ووضعته على طاولة وأقعدتني على كرسي وثير مريح.
- أتريد أن تأكل؟... أن تشرب الشاي؟... أما لك من حاجة أقضيها؟
فأجبتها: أشكرك شكراً جزيلاً. معي في كيسي ما آكله، وأما الشاي فلا بأس من أن أشرب
شيئاً منه... إلا أني من الفلاحين ولست معتاداً عليه. إن لطفك وكرمك لأثمن عندي من
الطعام والشراب. سوف أبتهل إلى الرب أن يباركك من أجل ضيافتك الإنجيلية هذه.
شعرت، وأنا أقول هذا، برغبة قوية في استجماع أفكاري وحواسي. كانت الصلاة تجيش في
قلبي وكانت بي حاجة إلى الهدوء والسكينة حتى أدع هذا اللهب ينطلق دون قيد فلا أخفي
معالم الصلاة الخارجية، من دموع وتنهدات وحركات الوجه أو الشفتين. ولذا نهضت وقلت:
أستميحك عذراً... يجب أن أذهب. فليكن الرب يسوع المسيح معك ومع ولديك الصغيرين
الظريفين.
- آه... لا! الله يخليك: لا تذهب!... لن أدعك تنصرف. سوف يعود زوجي من المدينة في
المساء، إنه قاض في محكمة المقاطعة. وسيسر غاية السرور برؤيتك! إنه يعتبر كل سائح
مرسلاً من الله. ثم إن غداً يوم أحد، وستصلي معنا القداس الإلهي، وما يجود به تعالى
سوف نأكله سوية. نحن نستقبل في بيتنا دائماً، أيام الأعياد، ما لا يقل عن ثلاثين
فقيراً مسكيناً، فالفقير أخو المسيح. وبعد، إنك لم تخبرني عن نفسك، لا من أين أتيت
ولا إلى أين تذهب. أحك لي ذلك، فإنه يطيب لي الاستماع إلى حديث الذين يحبون الرب...
يا ولدي! خذا كيس السائح إلى غرفة الأيقونات، فسوف يمضي ليلته فيها.
تعجبت، عند سماعي هذا، وقلت في داخلي: أهذه المرأة كائن بشري أم ملاك تراءى لي؟
وهكذا بقيت بانتظار رب البيت. وقصصت على السيدة شيئاً من أخبار رحلتي، وقلت لها
إنني ذاهب إلى (اركوتسك).
فقالت: حسن! إن طريقك تمر (بتوبولسك)، حيث تقيم أمي في دير لتترهب. سنحملك رسالة
لها، ولسوف تستقبلك. كثيرون يقصدونها ويسألونها توجيهات روحية. على كل حال، سنرسل
لها معك كتاباً من تأليف القديس يوحنا السلمي {يوحنا السلمي (579- 648) المدعو
أيضاً يوحنا السينائي، هو أحد كبار الآباء الروحيين. قضى كل أيام حياته في القفر
على سفح الجبل المقدس، ما عدا السنين القليلة التي أشرف خلالها على إدارة دير
القديسة كاترينا في سيناء. أشهر مؤلفاته هو (سلم الفردوس) (أو سلم الفضائل) وهو
مؤلف جزيل البيان في مراحل الحياة الروحية. وفي (سلم الفردوس) هذا نجد أول إشارة
إلى (صلاة يسوع): (فلتكن صلاة يسوع وتنفسك أمراً واحداً وستعرف ثمرة السكوت
والعزلة). وقد نشر هذا الكتاب بترجمة عربية جديدة لرهبنة دير مار جرجس الحرف عن
منشورات النور (1980)} أوصينا لها عليه من موسكو. ها قد ترتب كل شيء، فما أحسن
تدبير الرب!.
ولما حان موعد الغداء جلسنا للأكل. وكان هناك أربع سيدات أخر جلسن معنا. وبعد
الفراغ من تناول الصنف الأول، نهضت إحداهن وانحنت أمام الأيقونة ثم أمامنا وذهبت
لتأتي بالصنف الثاني. وعند الصنف الثالث، قامت سيدة غيرها وفعلت نفس الشيء. فقلت
محدثاً ربة البيت، وقد رأيت هذا:
- هل لي أن أسألك إن كانت هؤلاء السيدات من أفراد عائلتك؟
- نعم! إنهن أخواتي: الطباخة، وزوجة العربجي، والخادمة وفراشتي. كلهن متزوجات ولا
عزباء بينهن.
لما رأيت وسمعت كل هذا زادت دهشتي وشكرت الرب الذي قادني إلى بيت جماعة أتقياء
ورعين. وكنت أشعر بالصلاة تتصاعد في قلبي بقوة، ولذا نهضت لكي أختلي وقلت للسيدة:
لا شك أنكن ترتحن بعد الغداء، لكني شخصياً ألفت المشي واعتدته. أنا ذاهب إلى
الحديقة أتمشى.
فقالت السيدة: كلا! أنا لا أرتاح بعد الغداء. سأرافقك إلى الحديقة فتقص علي ما فيه
فائدة لي وعبرة. إن ذهبت وحدك، فلن يدعك ولداي ترتاح، بل سيلازمانك طوال الوقت
لأنهما يحبان الفقراء إخوة المسيح والسائحين حباً جماً.
لم يعد لي في الأمر حيلة، فذهبنا إلى الحديقة معاً. ولما كنت أود أن ألزم الصمت
بصورة لائقة، انحنيت للسيدة وقلت: أرجوك سيدتي أن تقولي لي إن كنت تمارسين حياة
الورع هذه منذ زمان طويل. قصي علي كيف توصلت إلى هذه الدرجة من الصلاح.
فقالت: ليس الأمر بعسير: إن والدتي من أحفاد القديس يوشافاط {اسمه كعلماني يواكيم
كورلينكو. ولد عام 1705 وتوفي سنة 1754. ترهب منذ الثامنة عشرة من عمره وترك عدة
مؤلفات منها (معركة الخطايا السبع من الفضائل السبع) المنشور في كييف عام 1892}
الذي تكرم بقاياه في مدينة (بلغورود). كان لنا في هذه المدينة بيت كبير أجرنا
جناحاً منه لأحد النبلاء القليلي الثروة. وحدث أن توفي النبيل كما ماتت زوجته بعد
أن أنجبت طفلاً أصبح، بموت والدته، يتيماً لا معيل له. فاحتضنته أمي. ثم ولدت في
العام الذي تلا ذلك. وترعرعنا سوية، وكان لنا نفس المعلمين، وكان لي أخاً وكنت له
أختاً. ولما توفي والدي نزحت والدتي عن المدينة وأتت إلى هذه القرية تقيم فيها
معنا. ولما كبرنا، زوجتني أمي من فليونها {الشخص الذي حمل من جرن المعمودية بالنسبة
للعراب أو العرابة} ووهبتنا هذه القرية وقررت دخول الدير. ثم باركتنا وأوصتنا بأن
نعيش عيشة مسيحية، وأن نصلي من كل قلبنا ونحافظ أكثر ما نحافظ على الوصية الأولى:
وصية محبة القريب، وذلك بمساعدتنا الفقراء إخوة المسيح، وتربية أولادنا بخوف الله
ومعاملتنا فلاحينا كإخوة لنا. وها قد مضى علينا عشر سنين نعيش في عزلتنا هذه ساعين
إلى العمل بنصائح والدتنا. وقد فتحنا مأوى للفقراء، فيه أكثر من عشرة منهم في الوقت
الحاضر، بين مقعد ومريض. سنزورهم غداً، إن كنت تريد.
سألتها وقد فرغت من حديثها:
- وأين كتاب يوحنا السلمي الذي تريدين إرساله إلى والدتك؟
- دعنا نعود إلى البيت وسوف أريك إياه.
رجعنا إلى البيت، وما كدنا نبدأ بالقراءة حتى وصل زوجها، فتبادلنا القبل كأخوة في
المسيح، ثم اصطحبني إلى غرفته قائلاً: تعال أيها الأخ إلى مكتبي وبارك حجرتي. أعتقد
أنها أضجرتك (وكان يشير إلى زوجته). عندما ترى سائحاً أو مريضاً، يغمرها فرح عظيم
بحيث لا تتركه لا ليلاً ولا نهاراً. إنها عادة قديمة توارثها أعضاء عائلتها كابراً
عن كابر.
وصلنا مكتبه ودخلناه. ما أكثر ما فيه من كتب! وكان إلى جانب هذه أيقونات رائعة
عظيمة وصليب بالحجم الطبيعي وضع أمامه الإنجيل. فرسمت علامة الصليب وقلت: عندك في
البيت يا سيدي جنة الله: فها هوذا الرب يسوع المسيح، وها هي أمه الكلية الطهارة،
وها خدامه القديسون الأبرار، وها هي ذي أقوالهم وتعاليمهم حية باقية. أظن أنك تكثر
من تمتعك بالتحدث إليهم.
فقال: أجل! فإني أحب القراءة حباً جماً.
فسألته: وأي نوع من الكتب تقتني؟
- عندي الكثير من الكتب الدينية: فهذا هو الميناون وها مؤلفات يوحنا الذهبي الفم
وباسيليوس الكبير {رئيس أساقفة قيصرية الكبادوك، أحد (الأقمار الثلاثة) ومن كبار
الآباء. ترك مؤلفات عديدة في اللاهوت والحياة الرهبانية وشروحات الكتاب المقدس(330-
379)}. ولدي من جهة أخرى، الكثير من الكتب الفلسفية واللاهوتية، والعديد من عظات
الوعاظ المعاصرين. لقد كلفتني هذه المكتبة مبلغ خمسة آلاف روبل.
فسألته: أعنك يا ترى كتاب يبحث في الصلاة؟
- إني أحب الكتب التي تبحث في الصلاة حباً عظيماً. هذا كتيب جديد ألفه كاهن من
(بطرسبرج).
وأخرج من بين الكتب شرحاً للصلاة الربانية وأخذنا نقرأه. وبعد قليل جاءت زوجته تحمل
الشاي بينما حمل الصغيران سلة ملآى بنوع من الحلوى لم أذق مثله في حياتي.
أخذ السيد مني الكتاب وأعطاه لزوجته وقال: سوف تقرأ لنا، إنها تتقن القراءة
وتجيدها، ونحن نتغدى أثناء ذلك.
وأخذت السيدة بالقراءة. كنت وأنا أستمع أحس بالصلاة تتصاعد في قلبي. وكلما أمعنت
السيدة في القراءة نمت الصلاة فيّ وتزايدت وتعاظم سروري. وفجأة لاح لي خيال يجتاز
الهواء بسرعة، خيال كأنه الستارتس المتوفي. فأتيت بحركة، غير أني قلت، بغية
التمويه: (معذرة ، لقد أغفيت). وشعرت عندها أن روح الستارتس حلت في روحي وأنارتها،
وأحسست أن في داخلي نوراً مشرقاً وأفكاراً متعددة عن الصلاة. ورسمت علامة الصليب
محاولاً طرد هذه الأفكار فأنهت السيدة قراءتها وسألني السيد هل أعجبني ما قرأت. دار
الحديث حول هذا الموضوع فقلت:
- إنه يعجبني كثيراً، إن صلاة (أبانا...) في كل حال أسمى وأفضل من كل ما عندنا من
صلوات مكتوبة لأن السيد يسوع المسيح قد علمنا إياها بذاته. والشرح الذي قرأناه عنها
حين جيد ولكنه يعنى بأكمله بحياة المسيحي العملية، بينما قد قرأت للآباء شرحاً يغلب
عليه الطابع الصوفي، موجهاً ناحية التأمل.
- وعند مَن من الآباء وجدت ذلك؟
- عند مكسيموس المعترف {مكسيموس المعترف (حوالي 580- 662)، أكبر لاهوتيي بيزنطية في
القرن السابع. كان أول الأمر كاتم سر الإمبراطور هيراقليوس، ثم ترهب في دير
خريزوبولس (قرب القسطنطينية) ثم صار رئيساً لهذا الدير. حارب الهرطقات ثم اضطر إلى
الاعتزال في إفريقيا الشمالية ورومية. ألقي القبض عليه عام 653 وأعيد إلى بيزنطية
وعذب من أجل إيمانه. أنهى حياته منفياً منسياً في أحد الأديرة. شرح رسالة ديونيسيوس
الأريوباغي فجرد تعاليمه من كل أثر للأفلاطونية الحديثة} مثلاً، وفي الفيلوكاليا،
عند بطرس الدمشقي {يدعى أيضاً بطرس منصور يختلف العلماء على تحديد تاريخ حياته. وقد
يذهب البعض إلى القول أنه كان أسقف دمشق حوالي عام 775 وقد استشهد في العربية.
ويقول البعض الآخر أنه عاش في القرن الحادي عشر}.
- وهل تذكر ما قرأت؟ أعده على مسامعنا إن استطعت.
- بكل سرور. مطلع الصلاة:
(أبانا الذي في السموات)، جاء في الكتاب الذي قرأناه الآن أن هذه الكلمات تعني أنه
ينبغي أن نحب قريبنا محبة أخ لأننا جميعاً أبناء أب واحد. هذا صحيح وحق، إلا أن
الآباء يضيفون إليه شرحاً يتميز بروحانيته. يقولون: علينا ونحن نتلفظ بهذه الكلمات،
أن نرفع الروح نحو الآب السماوي، ونتذكر أنه علينا أن نكون في كل آن في حضرة الله.
وأما عبارة: ليتقدس اسمك، فيفسرها كتابكم بضرورة عدم ذكر اسم الله باطلاً، لكن
الشراح الصوفيين يرون فيها طلب المصلي إلى الله أن يمنحه صلاة القلب الداخلية،
يعني: لكي يتقدس اسم الله، يجب أن يكون راسخاً داخل القلب، وأن يقدس وينير، بالصلاة
الدائمة، كل مشاعر النفس وكل قواها. وأما قولنا: (ليأت ملكوتك)، فيشرحه الآباء على
هذه الصورة: فليحل في قلبنا السلام الداخلي والراحة والفرح الروحي. يقول كتابكم إن
عبارة: (خبزنا الجوهري أعطنا اليوم) تتعلق باحتياجات حياتنا الجسدية وبما هو ضروري
لمساعدة القريب. لكن مكسيموس المعترف يرى في الخبز الجوهري الخبز السماوي الذي يغذي
الروح، أي كلمة الله، واتحاد النفس به تعالى بالتأمل وبالصلاة القلبية الدائمة.
فتعجب السيد قائلاً:
- آه! إن الصلاة الداخلية أمر صعب، وهي شبه مستحيلة على الذين يعيشون في العالم،
فنحن لولا معونة الرب ومساعدته لما أتممنا حتى الصلاة العادية دون تكاسل.
- لا تتكلم هكذا يا سيدي. فلو كانت الصلاة الداخلية فوق طاقة البشر. لما أوصى الله
بها الجميع. (قوتي في الضعف تكمل) (2كور9:12)، والآباء يعدون لنا من الوسائل ما
يسهل الطريق الموصلة إلى الصلاة الداخلية.
فقال السيد: لم أقرأ قط شيئاً محكماً عن هذا الموضوع.
- سأقرأ لك، إن كنت تريد، فقرات من الفيلوكاليا.
وأخذت الفيلوكاليا وبحثت عن مقطع لبطرس الدمشقي في الصفحة 48 من الجزء الثالث وقرأت
ما يأتي:
(يجب التدرب على ذكر اسم الله بقدر ممارستنا التنفس، في كل حين وفي كل مكان وفي كل
ظرف. قال الرسول: (صلوا بلا انقطاع). وهو يعلم بهذا أنه يجب تذكر الله في كل زمان
وفي كل مكان وفي كل شيء. إن كنت تصنع شيئاً ما، فعليك التفكير بخالق كل الموجودات.
إن رأيت النور تذكر ذاك الذي وهبك النور. وإن تأملت في السماء والأرض والبحر وكل ما
فيها فاعجب بها وسبح بحمد ذاك الذي خلقها ومجده. إن اكتسيت برداء، ففكر بالذي منه
أتاك واشكره هو الذي يتدارك وجودك. وصفوة القول: فلتكن كل حركة تأتيها دافعاً إلى
تعظيم الرب، وهكذا تكون في صلاة لا تنقطع، وتكون روحك في فرح دائم).
أنظروا ما أبسط هذه الطريقة وأسهلها، كيف أنها في متناول أبسط الناس.
وأعجبوا بهذا النص كثيراً. وقبلني السيد بحرارة وشكرني ثم نظر إلى الفيلوكاليا
وقال: لا بد لي من مشترى هذا الكتاب. سأوصي عليه في (بطرسبرج). ولكني سأنسخ فوراً
المقطع الذي قرأته، لكي أتذكر الأمر فلا أنسى. أمل علي.
وسرعان ما كتبه بخط جميل. ثم هتف: يا الله! عندي – يا للصدفة – أيقونة الدمشقي
(كانت، أغلب الظن، أيقونة القديس يوحنا الدمشقي) {ولد في دمشق حوالي 672 من عائلة
من أشراف المدينة المقربين إلى الخليفة يزيد وقد تولى رئاسة ديوان الشورى. ولكن هذا
لم يمنعه من المساهمة في الدفاع عن العقيدة الأرثوذكسية ضد الهراطقة. ثم ترك العالم
وترهب في دير القديس سابا في فلسطين حيث توفاه الله حوالي سنة 749. ولقد كتب العديد
من المؤلفات اللاهوتية التي تركت أثراً عميقاً على الأجيال اللاحقة}.
وفتح إطار الصورة وعلق الورقة التي كتبها لتوه تحت الأيقونة وهو يقول: إن كلمة حية
لأحد عباد الله موضوعة تحت صورته، ستدفعني مراراً إلى العمل بهذه النصيحة الخلاصية.
ثم ذهبنا نتعشى. عاد الجميع إلى المائدة معنا، نساء ورجالاً. ما أشد السكينة
الخاشعة والهدوء الذي ساد أثناء الطعام! وبعد العشاء، صلينا جميعاً، بما فينا
الأطفال وطلب إلي قراءة صلاة يسوع الحلو.
وذهب الخدم للنوم فبقينا نحن الثلاثة في القاعة. وعندها جلبت لي السيدة قميصاً
بيضاء وجوارب، فانحنيت باحترام وقلت:
- سيدتي، لا أستطيع أن آخذ الجوارب، فما استعملتها في حياتي، فنحن إنما نستخدم
لفائف حول الأرجل.
فعادت إلي بعد لحظة بقميص صفراء قديمة من الجوخ الثمين قطعته لفائف. وأعلن السيد أن
حذائي لم يعد يصلح لشيء، فجلب لي زوجاً جديداً كان يحتذيه فوق جزمته وقال لي: أدخل
هاتيك الغرفة، ليس فيها أحد، يمكنك أن تغير فيها ملابسك الداخلية.
فذهبت وغيرت ملابسي وعدت إليهما. فأقعداني على كرسي وأخذا في تلبيسي حذائي. وكان
السيد يلف اللفائف حول ساقي بينما انهمكت السيدة بنعلي الحذاء. وما كنت أريد أول
الأمر أن أدعهما يفعلان، غير أنهما أقعداني وقالا: أقعد وأسكت،المسيح غسل أرجل
تلاميذه. وما استطعت مقاومتهما وأخذت أبكي، فبكيا هما أيضاً.
ذهبت السيدة إلى جانب طفليها لتنام بقربهما، وخرجت مع السيد إلى الحديقة نتجاذب
أطراف الحديث في مقصورة فيها. وأطلنا السهر. استلقينا على الأرض وجعلنا نتحدث.
واقترب مني فجأة وقال لي:
- أجبني بالذمة والحقيقة، من أنت؟ إنك لا شك من النبلاء تتظاهر بغير ذلك. أنت تتقن
القراءة والكتابة إتقاناً تاماً، تفكيرك وكلامك كالمتعلمين، فأنت، بالتأكيد لم تنشأ
نشأ الفلاحين.
- لقد حدثتك وزوجتك دون غش، وكشفت عن أصلي بكل صراحة ولم أفكر قط في الكذب أو
بخداعكما. ولم أفعل ذلك؟ إن ما أقول ليس مني بل من الستارتس الحكيم ومن الآباء
الذين قرأت ما أعلم في مؤلفاتهم. والصلات الداخلية التي تبدد جهلي وتنير ذهني لم
أكتسبها بنفسي بل تولدت في قلبي برحمة الله وبفضل تعليم الستارتس. بوسع كل إنسان أن
يفعل ما أفعل ويكفي أن يستغرق المرء في قلبه بهدوء وصمت وأن يلهج بذكر اسم يسوع
المسيح. وسرعان ما يكتشف النور الداخلي، فيغدو كل شيء واضحاً وضوحاً تظهر معه بعض
أسرار ملكوت الله. بل إنه لسر عظيم أن يكتشف الإنسان مقدرته على الغوص في أعماق
ذاته ومعرفة نفسه حق المعرفة وأن يبكي متئداً على سقطته وعلى فساد إرادته. وليس من
الصعب جداً أن يفكر الإنسان تفكيراً سليماً وأن يحادث الناس. إنه أمر ممكن، فإن
الروح والقلب وجدا قبل أن توجد المعرفة البشرية والحكمة الإنسانية. ومهما تثقف
الإنسان بالعلم أو بالخبرة فلن تفيده تربيته إن لم يكن لديه الذكاء. والقضية هي
أننا بعيدون عن ذواتنا ولا نرغب قط في الاقتراب من أنفسنا، بل نفر دائماً لئلا
نقابل ذاتنا وجهاً لوجه، فنفضل الترهات على الحقيقة ونفكر على هذا النحو: كان بودي
أن أعتني بحياتي الروحية وأن أشغل نفسي بالصلاة، ولكن ليس لي من الوقت متسع، إذ تقف
الأشغال والهموم حائلاً دون ذلك. لكن، ما الأهم وما الأشد ضرورة: الحياة الأبدية
لنفس تقدست، أو حياة الجسد الفانية التي من أجلها نتعب ونشقى؟ وهكذا يبلغ الناس إما
الحكمة وإما الجهالة والحماقة.
- اعذرني أيها الأخ العزيز، لم يكن السبب في كلامي مجرد حب الإطلاع، بل المحبة
المسيحية، ثم إنه عرض لي منذ عامين أمر في غاية الغرابة.
وفد علينا ذات يوم فقير مسن خائر القوى. كان معه تذكرة جندي سرح من الخدمة وكان
فقره مدقعاً حتى أنه كان شبه عار. وكان قليل الكلام، وحديثه يشبه حديث الفلاحين.
أنزلناه المأوى، وبعد خمسة أيام من مجيئه مرض فنقلناه إلى هذه المقصورة وأوليته أنا
وزوجتي كل عناية. ولما لاح لنا بما لا يقبل الشك أنه سوف يتوفى، عرّفه الكاهن وزوده
بالأسرار المقدسة. وعشية وفاته، نهض من الفراش وطلب مني ورقاً وريشة وألح كي يبقى
الباب مغلقاً ولا يدخل أحد أثناء كتابته وصيته التي كلفني بإرسالها إلى ابنه في
(بطرسبرج). وأخذني العجب والدهشة لما رأيت أنه يتقن الكتابة على أحسن ما يكون وأن
كتابته صحيحة بل جميلة راقية ملآى بالعاطفة. غداً أريك هذه الوصية، فقد احتفظت
بنسخة عنها. أثار كل ذلك عجبي وشديد فضولي فسألته أن يقص علي خبر نشأته وحياته.
فجعلني أقسم بألا أبوح بشيء لكائن قبل وفاته، ثم قص علي ما يلي لمجد الله:
- كنت أميراً غنياً وكنت أحيا حياة طيش مرموقة فخمة. وكانت امرأتي قد توفيت فكنت
أعيش مع ابني الذي كان حينذاك قائداً في الحرس الإمبراطوري. ثرت غاضباً ذات مساء
وكنت أتهيأ للذهاب إلى حفلة راقصة كبرى، غضبت على وصيفي، وضربته على رأسه وقد نفد
صبري وأمرت بطرده. حدث هذا في المساء، وفي الصباح التالي مات الخادم من التهاب
أصابه في دماغه. ولم يعلق أحد أهمية تذكر على الحادث، ونسيت القضية نسياناً تاماً
مع أسفي للجوئي إلى العنف. ولكن ما مضى ستة أسابيع حتى أخذ الوصيف يظهر لي في
الحلم. كان يأتي لمضايقتي في كل ليلة ويؤنبني مردداً باستمرار: أيها الرجل الذي لا
ضمير له، لقد قتلتني! ثم رأيته أيضاً أثناء يقظتي. وتكررت الرؤيا وزاد ظهورها، حتى
كان الخادم آخر الأمر أمامي في كل حين. وأخيراً صرت أرى بنفس الوقت الذي يظهر لي
فيه خادمي أمواتاً غيره: رجالاً أهنتهم بفظاظة أو نساء أغويت. وكانوا جميعاً يوجهون
إلي اللوم فلم تبق لي من راحة، حتى أني أصبحت لا أستطيع النوم ولا الأكل ولا القيام
بأي عمل. خارت قواي وتهدمت صحتي فلصق جلدي بعظمي. ذهبت جهود نطس الأطباء عبثاً،
فرحلت استشفي في الخارج، ولكني لاحظت بعد ستة أشهر أن ليس من تحسن في حالتي، بل على
العكس تزايدت الرؤى الرهيبة ظهوراً أمامي. فعادوا بي إلى منزلي ميتاً أكثر مني
حياً. لقد عرفت روحي قبل انفصالها عن جسدي عذابات الجحيم كلها وآلامه، فصرت
اعتباراً من ذلك الوقت أؤمن بالجحيم فقد عرفت ما هي.
وفهمت، وأنا وسط تلك العذابات، ما أنا عليه من قباحة، فندمت واعترفت بخطاياي وأعتقت
كل خدمي ونذرت بأن أمضي ما تبقى من عمري في أقسى الأعمال وأن أتنكر بثياب الفقراء
لكي أكون أحقر خادم لأدنى الناس مرتبة. وما صممت على هذا وعزمت عليه حتى زالت
الرؤى. وولدت فيّ مصالحتي مع الله فرحاً عظيماً وتعزية لا يعبر عنهما بالحقيقة.
وفهمت عندئذ أيضاً بالاختبار ما هو النعيم وكيف أن ملكوت الله كامن في قلوبنا.
وسرعان ما شفيت شفاء تاماً، فباشرت بتنفيذ خطتي. فتزودت ببطاقة هوية لجندي سابق
وتركت مسقط رأسي سراً. وها قد مضى علي الآن خمسة عشر عاماً أطوف في أنحاء سيبيريا.
وقد كريت نفسي أحياناً للفلاحين لأقوم ببعض الأعمال التي تسمح لي بها قواي،
واستعطيت أحياناً باسم المسيح. ما أعظم السعادة التي عرفتها وأنا وسط الحرمان هذا!
يا للغبطة ويا لراحة الضمير! ولن يفهم هذا إلا امرؤ انتشلته الرحمة الإلهية من جحيم
من العذاب لتنقله إلى فردوس الله. وعندما قال هذا سلمني وصيته لإرسالها إلى ابنه،
وفي غداة ذلك اليوم توفي.
- خذ، لدي نسخة من الوصية في الكتاب المقدس الذي أحمله في كيسي. سأريك إياها إن كنت
تريد. ها هي!
فنشرت الورقة وقرأت:
( المجد للثالوث القدوس غير المنقسم كل حين. يا ولدي الأعز، ها قد مضى عليك خمسة
عشر عاماً لم تر والدك خلالها، ولكنه كان أحياناً، في حياته المتخفية يتلقى شيئاً
من أخبارك، ولكن لك في قلبه محبته الأبوية. وهذه المحبة هي التي تدفعه إلى كتابة
هذه الكلمات الأخيرة، لعلها تكون لك عبرة في الحياة ودرساً.
أنت تعلم مقدار ما تعذبت في سبيل تكفيري عن حياتي الآثمة الطائشة، ولكنك لا تعلم
مقدار ما جنيته من ثمار الندم، خلال حياتي المجهولة في الطواف، من سعادة وغبطة.
أنا أموت بسلام في بيت محسن إلي هو أيضاً محسن إليك، لأن الخيرات الممنوحة للأب
ينبغي أن تبلغ الابن الحنون. فأظهر له امتنانك بكل ما في إمكانك من وسائل.
أترك لك بركتي الأبوية حاثاً إياك على تذكر الله والعمل بما يمليه عليك ضميرك. كن
طيباً وحريصاً ومتعقلاً. عامل الأدنى منك بالحسنى، لا تزدر الفقراء أو السائحين
متذكراً أن الفقر وحياة التشرد فقط هي التي سمحت لوالدك بأن يحظى بالسلام.
أسأل الله أن يهبك نعمته وأغلق جفني بسلام على رجاء الحياة الأبدية برحمة فادينا
يسوع المسيح).
على هذا النحو دار الحديث بيني وبين ذاك السيد الطيب. قلت له فجأة: أعتقد، سيدي، أن
المأوى يسبب لكم الكثير من المتاعب والعناء. فإن العديدين من إخوتنا لا يصبحون من
السائحين إلا لتقاعسهم أو كسلهم، فيشردون في الطرقات على غير هدى، وقد رأيت الكثير
من ذلك.
فأجاب السيد: كلا! قلة كان أمثال هؤلاء. فأغلب الذين نؤاويهم سائحون حقيقيون. ولكن،
عندما لا يوحي مظهرهم بالثقة فنحن نعاملهم بلطف زائد ونستبقيهم بعض الوقت في
المأوى. فإنهم، باحتكاكهم بفقرائنا إخوة المسيح، كثيراً ما يصطلحون ويستقيمون،
فيرحلون عنا بقلب كله تواضع ورقة. عرض لي منذ مدة غير طويلة أمر أذكره لك على سبيل
المثال: تدنى أحد تجار مدينتنا في سلم الرذيلة إلى حد أن الجميع كانوا يطردونه
بالضرب والعصي، فما كان أحد يجود عليه بكسرة الخبز، وقد افتقر وراح يستعطي، وكان
سكيراً ميالاً إلى العنف مشاغباً. يجمع إلى هذه القبائح كلها أنه كان يسرق. وفد
علينا ذات يوم، وقد ساقه إلينا الجوع فطلب خبزاً وشيئاً من العرق، فقد كان يدمن
الشرب أيضاً. رحبنا به ورفقنا وقلنا له:
- ابق عندنا، وسنعطيك ما تشاء، ولكن على شرط واحد: أن تذهب للنوم بعد الشرب مباشرة،
وإن أنت أتيت أدنى منكر فلن نكتفي بطردك نهائياً بل سأطلب من حاكم المقاطعة أن
يسجنك لتشردك. فقبل ذلك وبقي عندنا. فشرب، خلال أسبوع أو يزيد، ما طاب له الشراب
ولكنه كان، برأ بالعهد الذي قطعناه عليه وربما خوفاً من أن يحرم العرق، يذهب
فيستلقي في فراشه أو يتمدد بهدوء منزوياً في أحد أركان الحديقة. ولما كان يعود إلى
رشده، كان إخوتنا الذين في المأوى يكلمونه ويحرضونه على الاعتدال في الشرب. وهكذا
بدأ بالتقليل من الشرب، وبعد ثلاثة أشهر، أصبح لا يذوق للخمرة طعماً. وهو الآن يعمل
لا أدري أين وما عاد يأكل خبز غيره. ولقد زارني أول أمس.
ففكرت في ذاتي: يا لحكمة هذا النظام تسيرها المحبة! وهتفت: مبارك الله، الذي تظهر
رحمته بين جدران بيتك!
غفونا قليلاً، بعد كل هذه الأحاديث، واستيقظنا على صوت الجرس يدق لصلاة الصبح،
فذهبنا إلى الكنيسة حيث وجدنا السيدة مع ولديها، وصلينا صلاة السحر ثم القداس
الإلهي. كنت مع السيد وابنه الصغير في الهيكل وكانت السيدة مع ابنتها قرب الباب
الملوكي لتشاهدا عن كثب رفع القربان المقدس. بالله! ما كان أجمل صلاتهم جميعاً، وكم
ذرفوا من دموع الفرح! كانت وجوههم بهية مشرقة إشراقاً جعلني أبكي لجلاله.
وبعد الصلاة جلس السيدان والكاهن مع الخدم وكافة فقراء المأوى حول مائدة واحدة
للطعام. كان عدد الفقراء أربعين أو يزيد، من مقعدين ومرضى وأطفال. ولكن السكون
والصمت كانا عميقين حول المائدة. فاستجمعت شتات شجاعتي وقلت للسيد بصوت خافت: في
الأديرة، تقرأ حياة القديسين أثناء الطعام، وبوسعكم أن تفعلوا هذا ما دام الميناون
بكامله عندكم. فالتفت رب البيت إلى زوجته وقال: إنه ليجب أن نباشر بهذا، يا مريم.
فهو شيء ممتاز لنا جميعاً. سأبدأ بالقراءة لأول مرة، وفي المرة الثانية تقرأين أنت،
ثم أبونا الكاهن وإخوتنا، كل بدوره وبقدر معرفته.
فتوقف الكاهن عن الطعام وقال: أن أستمع، بكل سرور، أما أن أقرأ فحاشا! ليس في وقتي
أدنى فراغ. فلا أكاد أدخل البيت حتى أحار من كثرة ما علي فعله فلا أجد سوى الأعمال
والمتاعب: ينبغي أن أفعل هذا الأمر، ينبغي أن أفعل ذلك، جحفل من الأطفال والدواب في
الحقول. ويمضي النهار على هذه الترهات لا أجد دقيقة فيها متسع لي للقراءة أو الدرس.
وكل ما تعلمته في الدير، نسيته منذ زمان طويل.
وارتعشت لهذه الكلمات، إلا أن السيدة أمسكت بيدي وقالت لي: أبونا يتكلم على هذا
النحو لتواضعه. إنه يغض من قيمته الشخصية، لكنه رجل فاضل تقي. ولقد ترمل منذ عشرين
عاماً، وهو يقوم بتربية كل أحفاده. وهو، إلى جانب أعماله كلها، يكثر من خدمة
الكنيسة وقداديسه.
ذكرتني هذه الكلمات بما قاله نيسيتاس ستيثانوس {هو راهب بيزنطي من دير السوتديون
عاش في عهد البطريرك القسطنطيني ميخائيل كرولاريوس وساهم في الجدال اللاهوتي الذي
دار بين الشرق والغرب إبان الانشقاق الكبير في أوائل القرن الحادي عشر} في كتاب
الفيلوكاليا من أن: (المرء إنما يقدر طبيعة الأشياء تبعاً لاستعداد نفسه الداخلي)،
أي إن فكرة الإنسان عن الآخرين تأتي وفقاً لما يكون عليه هو. وقال أيضاً في موضع
آخر: (إن من بلغ درجة الصلاة والمحبة الحقيقية لا يعود يفرق بين الأشياء، فلا يميز
صالحها عن طالحها، بل يحب كل الناس محبة واحدة، ولا يدين إخوته، كما أن الآب
السماوي يطلع شمسه على الأشرار والصالحين ويمطر على الأبرار والظالمين) (متى 45:5).
وساد الصمت من جديد. كان يجلس مقابلي أحد فقراء المأوى. أعمى لا يرى ولا يبصر. وكان
السيد يطعمه وينتزع له الحسك من السمك، ويملأ كأسه ماء. وأمعنت النظر فيه، فلاحظت
تحرك لسانه باستمرار داخل فمه المفتوح قليلاً بصورة دائمة، مما دعاني إلى التساؤل
هل كان يتلو الصلاة، وزدت فيه إمعان النظر. وحدث أن امرأة مسنة توعكت حالها في
نهاية العشاء، أصابها ضيق نفس وأخذت تئن. فحملها السيد وزوجته ووضعاها في غرفة
نومهما ومدداها على لفراش، وبقيت السيدة بجانبها تعتني بها، بينما ذهب الكاهن يجلب
القربان المقدس تحسباً. وأمر السيد بإعداد العربة ليذهب بسرعة إلى المدينة يستدعي
الطبيب. وتفرق الجميع.
كنت وكأن بي جوعاً إلى الصلاة، شعرت بحاجة ماسة إلى تركها تنطلق، وقد مضى علي يومان
لم أحظ فيهما بالصمت والسكينة. كنت أحس كأن في قلبي فيضاً يوشك أن يطفح فيسري في كل
أعضائي، ولكني كبته فإذ بألم في قلبي شديد ولكنه ألم مفيد ما دام يدفعني إلى الصلاة
والصمت. عند هذا فهمت لماذا كان معتنقو الصلاة المستديمة يهجرون العالم ويستخفون
بعيداً عن أعين الناس، وفهمت أيضاً لماذا قال المغبوط ايزيخيوس أن أي حديث، مهما
سما، ليس إلا ثرثرة، إن طال أكثر مما يلزم. وذكرت قول القديس أفرام السرياني:
(الكلام الجيد من فضة، ولكن السكوت من الذهب الصرف) {القديس أفرام السرياني (306 ؟-
373) هو أحد معلمي الكنيسة ومن أقدم الكتبة السريان. ولد في نينوى (نصيبين) من
والدين وثنيين واعتمد على يد الأسقف يعقوب، فنظم قصائده العديدة وألف شروحاً للكتاب
المقدس. اعتزل في الرها حيث توفي في التاسع من حزيران عام 373. كان واسع الأثر كما
تشهد به ترجمات مؤلفاته العديدة إلى اليونانية والعربية والأرمنية. وقد عرف
غريغوريوس النيصصي هذه المؤلفات وكتب مرثية في صاحبها. إنه على الأخص، شارح للكتاب
المقدس، ونادراً ما يصول في التأملات اللاهوتية. ومن مواضيع عظاته المفضلة
الدينونة}. وصلت وأنا أفكر بكل هذا إلى المأوى. وكان جميع من فيه نام بعد الطعام.
صعدت إلى الهري وهدأت من اضطرابي وارتحت وصليت قليلاً. ولما استيقظ الفقراء قصدت
الأعمى وقدته إلى الحديقة، وقعدنا في ركن منزو وأخذنا في التحدث.
- قل لي، بحق الله، لخير نفسي، هل تتلو صلاة يسوع؟
- أنا أصليها منذ زمان دون انقطاع.
- ما تتركه في نفسك من أثر؟
- إنني فقط لا أستطيع أن أستغني عنها لا ليلاً ولا نهاراً.
- كيف كشف لك الله عنها؟ احك لي ذلك بالتفصيل يا أخي العزيز.
- كنت من أصحاب المهن في هذه المنطقة وكنت أكسب قوتي بممارسة الخياطة، فكنت أذهب
إلى المقاطعات الأخرى ماراً بالقرى أخيط ثياباً للفلاحين. وحدث أني بقيت طويلاً في
إحدى القرى عند أحد الفلاحين لكي أصنع ثياباً لكل أفراد عائلته. وفي يوم من أيام
الأعياد، وما كان لي ما أعمله، رأيت ثلاثة كتب عتيقة على اللوحة الموضوعة تحت
الأيقونات فسألت: هل في بيتكم من يقرأ؟
فأجابوني: لا أحد. هذه الكتب كانت لعمنا الذي كان يحسن القراءة والكتابة.
تناولت أحد الكتب وفتحته على ما اتفق وقرأت الكلمات الآتية التي ما زلت أذكرها:
(إن الصلاة المستديمة هي أن نذكر اسم الرب دون انقطاع في حالة القعود أو القيام،
أثناء الطعام أو العمل. ففي كل ظرف وفي كل مكان وزمان، ينبغي ذكر اسم الرب).
وفكرت في ما قرأت ووجدت أن هذا يناسبني ويلائمني، ولذا جعلت أردد الصلاة، وأنا
أخيط، بصوت منخفض، مما سبب لي غبطة فائقة. ولاحظ ذلك الذين كانوا يعيشون معي في
العزبة وهزئوا بي قائلين: أفأنت ساحر حتى تتمتم بلا توقف؟
فلم أعد أحرك شفتي، تستراً، وأخذت أتلو الصلاة بتحريك لساني وحده، حتى أني أعدت هذا
بحيث صار لساني يتلوها نهاراً وليلاُ، مما أولاني خيراً عميقاً.
وواصلت العمل مدة طويلة، ثم أصبحت ذات يوم وإذا بي أعمى لا أرى شيئاً. جميعنا في
العائلة مصابون بالماء الأزرق. ونظراً لفقري الشديد فقد وجدت لي بلديتنا مكاناً في
مأوى توبولسك، وأنا ذاهب إليه، غير أن السيدين هنا أخراني لأنهما يرديان إعطائي
عربة توصلني إلى (توبولسك).
- ما اسم الكتاب الذي قرأت؟ أليس الفيلوكاليا؟
- لعمري لست أدري. لم أنظر إلى العنوان.
فجئت بفيلوكاليتي، وفي الجزء الرابع فتحت أقوال البطريرك كاليستوس التي رددها لي
محدثي عن ظهر قلب وبدأت بقراءتها. فهتف الأعمى: هذه هي بعينها: اقرأ، اقرأ يا أخي،
فإنها جميلة جداً.
لما بلغت المقطع الذي فيه: ينبغي أن نصلي بالقلب، سألني ما معنى هذا وكيف نمارسه،
فقلت له إن كل ما يتعلق بصلاة القلب من تعليم وارد بالتفصيل في هذا الكتاب –
الفيلوكاليا – فطلب مني، بإلحاح، أن أقرأ له كل ما يتصل بهذا الموضوع. فقلت له: ذلك
ما سوف نفعل، متى قررت الذهاب إلى (توبولسك)؟
فأجاب: للحال، إن كنت تريد.
- اسمع، بودي أن أرحل غداً. وما علينا إلا أن نذهب معاً. وسأقرأ لك أثناء المسير كل
ما يتصل بصلاة القلب، وسوف أقول لك كيف يتسنى لك الوصول إلى قلبك وولوجه. فقال:
والعربة؟
- دع عنك العربة! فالمسافة من هنا إلى توبولسك لا تزيد على المئة والخمسين فرسخاً،
وسنسير على مهل، والسير اثنين على طريق مقفرة من أحسن ما يكون، كما أن المشي أنسب
للقراءة والكلام عن الصلاة.
وعلى هذا اتفقنا. وفي المساء أتى السيد بنفسه يدعونا للعشاء فأخبرناه بعد الطعام
أننا عزمنا الرحيل وأننا لسنا بحاجة على عربة، لأننا نرغب في قراءة الفيلوكاليا.
فقال لنا السيد: لقد أعجبتني الفيلوكاليا أيما إعجاب، ولقد كتبت رسالة أطلبها فيها،
وهيأت ثمنها، وسأرسل الرسالة والثمن إلى بطرسبرج وأنا في طريقي إلى المحكمة، حتى
تأتيني الفيلوكاليا بأول بريد يجيء.
انطلقنا في الغداة صباحاً بعد أن أجزلنا الشكر للسيد وزوجته لمحبتهما ورقتهما
المثالية معاً مسافة فرسخ، ثم ودعنا بعضنا بعضاً.
القصة الرابعة: الفلاح الأعمى
كنا نتمهل أنا والأعمى بالسير، فلم نجتز أكثر من عشرة فراسخ أو خمسة عشر في اليوم
الواحد، وفيما تبقى من الوقت، كنا نقعد في الأماكن المنعزلة ونقرأ الفيلوكاليا.
قرأت له كل ما يتصل بصلاة القلب، متبعاً في ذلك الترتيب الذي عينه لي الستارتس، أي
أني بدأت بقراءة كتب الراهب نيكفورس وغريغوريوس السينائي... وهلم جرا. ما كان أشد
انتباهه وغيرته على سماع كل هذه الأقوال! وما كان أشد انتباهه وتأثره! وكان، وهو
يستمع إلي بانتباه، يطرح علي أحياناً من الأسئلة حول الصلاة ما لم يستطع عقلي
الإجابة عليه كله.
وبعد أن فرغت من القراءة، طلب مني الأعمى أن أعلمه طريقة عملية للوصول إلى قلبه
بالروح، لإدخال اسم يسوع المسيح الإلهي فيه فيتيسر له بهذه الصورة أن يصلي صلاة
داخلية. فقلت له: إنك لا ترى البتة، بالطبع، ولكنك تستطيع أن تتخيل بذهنك ما رأيت
قبل أن تعمى: رجلاً مثلاً، أو حاجة ما أو عضواً من أعضائك كذراعك أو ساقك، فهل
يمكنك تصوره بوضوح كما لو كنت تنظر إليه، وهل يمكنك، بالرغم من كونك أعمى، أن توجه
بصرك نحوه؟
فأجاب الأعمى: يمكنني ذلك.
- إذن تخيل قلبك، وأدر عينيك كأنك تنظر إليه مخترقاً صدرك، واستمع بكل أذنيك كيف
ينبض خفقة خفقة. وحينما تجد نفسك قد اعتدت ذلك، اجتهد على أن تطابق على كل خفقة من
خفقات قلبك، وأنت ما تزال تنظر إليه، كلمات الصلاة. يعني: تقول مع أول خفقة وتفكر:
أيها الرب، ومع ثاني نبضة: يسوع، ومع الثالثة: المسيح، ومع الرابعة: ارحمني، ومع
الخامسة: أنا الخاطئ... ردد هذا التمرين ما استطعت، ولن يصعب عليك، لأن لديك
استعداداً لتقبل صلاة القلب. وبعد أن تعتاد هذا، ابدأ بتلاوة صلاة يسوع من قلبك على
وتيرة التنفس. أي قل أو فكر، أثناء استنشاقك الهواء: أيها الرب يسوع المسيح، وأثناء
الزفير: ارحمني أنا الخاطئ! وإن رددت فعل هذا مدة كافية فستشعر، بسرعة، بألم خفيف
في قلبك، ثم يتولد فيه، شيئاً فشيئاً، دفء منعش. وهكذا تتوصل بعون الله إلى أن تفعل
الصلاة داخل قلبك بصورة مستديمة. ولكن حذار من كل تخيل ومن كل صورة قد تتكون في
ذهنك وأنت تصلي. اطرح عنك كل التصورات فإن الآباء يوصونا بأن نحتفظ بعقلنا خالياً
من كل تصور أثناء الصلاة، لئلا نسقط في الأوهام.
وتدرب الأعمى، وقد أصغى إلي بانتباه، بجد واندفاع على ما قلته له، وكان في الليل،
أثناء توقفنا، يقضي ساعات طوالاً في ذلك. وشعر بعد خمسة أيام بدفء في قلبه عظيم
وبغبطة لا توصف، ثم أنه كان به، بالإضافة إلى ذلك، رغبة شديدة في القيام دون انقطاع
بالصلاة التي كشفت له ما كان يكن من حب ليسوع المسيح. وكان يرى فوراً في بعض
الأحيان ولكن دون أن يظهر له شيء قط، ولما كان يلج قلبه كان يبدو له أنه يرى فيه
نور شمعة كبيرة يشع، ويفيض خارجاً فينيره بكليته، حتى أن هذا النور جعله يرى أشياء
بعيدة عنه، كما حدث ذات مرة.
كنا نجتاز غابة، وكان مستغرقاً في الصلاة بصمت، وفجأة قال لي: يا للمصيبة! إن
الكنيسة تحترق ولقد تهدمت قبة الجرس! فقلت له: كفاك تفكير بهذه الصورة الفارغة،
فإنها تجربة الشيطان. يجب أن تدفع عنك كل تخيل بأسرع ما يمكن فكيف لك أن ترى ما
يحدث في المدينة؟ إنها لا تزال على بعد اثني عشر فرسخاً منا.
وعمل بنصيحتي، وصمت وقد عاد إلى الصلاة. وصلنا المدينة عند المساء، وبالفعل رأيت
العديد من البيوت قد احترق، وقبة الجرس قد انهارت – وكانت مبنية على عمد خشبية –
وكان الناس حولها يتحدثون ويعجبون من أن القبة لم تؤذ بسقوطها أحداً. وقد حدثت
الكارثة، على ما فهمت، في الوقت الذي تكلم فيه الأعمى في الغابة. وإذا بي أسمعه
يقول: كانت رؤياي، بحسب ريك، باطلة، ولكن الأمر صحيح. أفلا يليق بنا أن نشكر الرب
يسوع المسيح ونحبه هو الذي يكشف نعمه للخطأة وللعميان والقليلي الفهم! شكراً لك أنت
أيضاً، فقد علمتني الصلاة الداخلية!
فأجبته: تريد أن تحب يسوع المسيح: هذا حق وواجب، ولكن إياك أن تعتبر الرؤى العادية
كشفاً مباشراً للنعمة، فإن ذلك كثيراً ما يحدث بصورة طبيعية لا تخالف نواميس الكون
المألوفة. وليست النفس البشرية مرتبطة بالجسد ارتباطاً كلياً، فبوسعها أن ترى في
الظلام، وحتى الأشياء البعيدة، رؤيتها الأشياء القريبة. غير أننا لا نذكي مقدرة
النفس هذه، بل نثقلها بوزن جسدنا الغليظ أو بتشويش أفكارنا المشتتة الطائشة. وأما
إن ركزنا حواسنا وجمعناها منطوين على أنفسنا، وإن تجردنا وابتعدنا عن كل ما يحيط
بنا وشحذنا ذهننا، فعندها تعود النفس بتمامها إلى ذاتها وتفعل بكل ما تطيق من قوة،
ويكون فعلها هذا طبيعياً عادياً. قال لي الستارتس أن أهل الصلاة ليسوا وحدهم يرون،
بل هنالك مرضى أو أناس ذوو إحساس خاص، يرون النور الصادر عن كل شيء عندما يكونون في
غرفة مظلمة ويشعرون بوجود القرينة ويدركون ما يجول ببال الغير من خواطر. لكن
المفاعيل المباشرة لنعمة الله أثناء صلاة القلب على حد كبير من العذوبة لا تستطيع
معه أية لغة أن تفي بوصفها. فمن المستحيل تشبيهها بأي شيء مادي، وذلك لأن العالم
الحسي يبدو دنيئاً إذا قيس بما تبعثه النعمة في القلب من أحاسيس.
استمع الأعمى بانتباه إلى هذه الأقوال وازداد تواضعاً وكانت الصلاة تتردد في قلبه
دون انقطاع فتسبب له غبطة لا توصف. واغتبطت نفسي لذلك وشكرت الرب الذي جعلني ألمس
هذه التقوى عند أحد خدامه الصالحين.
ووصلنا (توبولسك) آخر الأمر، فقدته إلى المأوى، وبعد أن ودعته وداع الصديق عدت إلى
السير وحدي.
سرت مدة شهر دون تعجل وكنت أشعر بعظم فائدة الأمثلة الحية وخيرها. وكثيراً ما كنت
أقرأ الفيلوكاليا أتحقق فيها من صحة ما قلته للأعمى. وقد كان لي عبرة ألهبتني غيرة
وزادت من إخلاصي للرب ومن حبي له. وأسعدتني صلاة قلبي سعادة اعتقدت معها أن لا مزيد
عليها على الأرض وتساءلت كيف لملاذ ملكوت السموات أن تفوقها. بل كان العالم الخارجي
يبدو لي أيضاً بمظهر خلاب، يدعوني كل شيء فيه إلى محبة الله وتسبيحه. فكان الناس
والأشجار والنباتات والحيوانات، كل شيء بدا وكأنه قريب إلي. وفي كل مكان وجدت صورة
اسم يسوع المسيح. وكنت أحياناً أشعر بأني خفيف لدرجة اعتقدت معها أنه لم يعد لي من
جسد وظننت أني أطير في لهواء. وكنت أحياناً أخرى أدخل إلى ذاتي دخولاً عميقاً، فكنت
أرى داخلي بوضوح، وأعجب بذاك البنيان المدهش ألا وهو جسم الإنسان. وكنت مرات أخرى
أشعر بفرح عظيم كما لو كنت صرت ملكاً. كنت أرجو الله وسط أسباب الهناء هذه كلها أن
يسمح بموتي بأسرع ما يمكن لكي يتيسر حمدي له وشكراني بالانصباب على قدميه في عالم
الروح.
وربما تلذذت أكثر مما ينبغي بهذه الأحاسيس، أو لعل الله شاء ذلك، فخالج قلبي بعد
حين ما يشبه الخوف والرعشة. فتساءلت: أتراها مصيبة جديدة أو محنة كتلك التي قاسيت
بسبب الفتاة التي علمتها صلاة يسوع في الكنيسة؟ وثقلت علي الهموم وكأنها السحب
المتلبدة وذكرت ما قال المغبوط يوحنا أسقف جزيرة كرباتوس من أن من يعلم الصلاة
يتعرض للإهانة والخزي، ويتحمل الشدائد والمحن من أجل الذين أعانهم روحياً. وبعد أن
حاربت هذه الأفكار، استغرقت في الصلاة التي لاشتها وبددتها، وشعرت بأني أتقوى
وأتشدد، فقلت في نفسي: فلتكن مشيئة الله! أنا على استعداد لأن أتحمل كل ما سوف يأتي
من يسوع المسيح لأكفر عن كبريائي وقساوة قلبي. على كل حال، أنا ليس لي من فضل في ما
فعلت، فقد كان كل الذين كشفت لهم مؤخراً عن خفايا الصلاة الداخلية ممن هيئوا قبلاً،
هيأهم فعل الله العجيب قبل أن يجتمعوا بي. وهدأت هذه الفكرة من روعي، فجعلت أسير
أسعد من ذي قبل تفيض في قلبي الصلاة ويتجلى الفرح. وبقي الطقس ممطراً مدة يومين،
كانت الطريق خلالهما موحلة، حتى أنه كان يتعذر علي التخلص من ورطاتها وردغاتها.
فسرت في البوادي المقفرة، لم أصدف مكاناً مأهولاً بعد مسيرة خمسة عشر فرسخاً.
وأخيراً لمحت عند المساء فندقاً على الطريق، ففرحت: فسيمكنني الاستراحة فيه، على
الأقل، وقضاء ليلتي. وأما الغد، فعلى الله!... ربما تحسن الطقس.
القصة الرابعة: مركز البريد
رأيت، حين دنوت من المكان، رجلاً مسناً يرتدي معطف الجنود. كان جالساً على منحدر
أمام الفندق، فلاح لي أنه سكران، فسلمت عليه قائلاً: هل يمكنني أن أطلب من أحد
السماح لي بقضاء ليلتي هنا؟ فهتف الشيخ: ومن يمكنه السماح لك بالدخول غيري؟ أنا
الآمر هنا والناهي. إني ناظر مركز البريد، فههنا محطة تبديل الخيل والاستراحة.
- اسمح لي إذن يا سيدي بالمبيت عندك.
- هل لديك جواز سفر على الأقل؟ أرني أوراقك! فناولته جواز سفري. وإذا به، وكان
الجواز بيده، يأخذ بالصراخ: أين جواز سفرك؟
فأجبته: هو معك، في يدك.
- طيب! هيا بنا داخل البيت. ووضع نظارتيه وتأمل جواز سفري ثم قال: كل هذا، على ما
أرى نظامي، يمكنك أن تبقى هنا. أرأيت؟ أنا إنسان طيب. اسمع، سأجلب لك كأس خمر.
فأجبته: أنا لا أشرب أبداً!
- لا بأس! ولكن تعش معنا على الأقل! وجلس للطعام مع الطباخة. وكانت امرأة فتية، قد
شربي من الخمر غير قليل أيضاً. وجلست معهما. وما توقفا أبداً، ونحن نأكل، عن
التخاصم والعتاب، وتطور هذا، آخر الأمر، إلى شجار حقيقي. وذهب الناظر لينام في بيت
المؤونة، وبقيت الطباخة تغسل الصحون والملاعق وهي تلعن رفيقها وتشتمه.
كنت ما أزال جالساً، وأدركت أنها لن تهدأ بوقت قصير فقلت لها: أين يمكنني النم يا
أختي؟ قد نال مني التعب لطول ما سرت.
- لحظة! سأهيئ لك فراشاً يا عم.
ووضعت بنكاً إلى جانب البنك المثبت تحت النافذة الأمامية وفرشت عليهما حراماً من
لباد مع وسادة. فاستلقيت وأغلقت عيني متظاهراً بالنوم. وطال بعد هذا غدو الطاهية
ورواحها في القاعة، وأخيراً أنهت عملها فأطفأت الضوء واقتربت مني. وفجأة، انهارت كل
النافذة الموجودة في زاوية الواجهة بصوت مرعب: إطارها والزجاج والأصداغ تناثرت
حطاماً، وفي نفس اللحظة سمعنا في الخارج أنيناً وصراخاً وجلبة وعراكاً. فركضت
المرأة إلى وسط الغرفة لشدة هلعها وهوت على الأرض. وأما أنا فقفزت من فراشي أحسب أن
الأرض انشقت تحتي. وفجأة رأيت سائقي خيل يحملان إلى العربة رجلاً تلطخ بالدماء حتى
أن وجهه ما كان يرى لغزارة ما سال عليه من دماء، مما زاد من شعوري بالقلق. كان
الرجل حامل بريد الدولة الرسمي، وكان عليه تغيير خيله هنا. إلا أن سائق العربة لم
يوجه الخيل كما يجب أن توجه للدخول إلى الاستراحة، فخرق جدار العربة النافذة، وكان
هناك حفرة أمام العربة، فانقلبت المركبة وانجرح رأس الرسول على وتد مسنن في أسفل
المنحدر. وطلب الرسول شيئاً من الماء والكحول لغسل جرحه، ثم بلله بالعرق وشرب كأساً
منه ونادى: إلي بالأحصنة!
فاقتربت منه وقلت له: كيف يمكنك السفر وأنت على هذه الحال؟ فأجاب: ليس أمام رسول
الملك متسع يكون فيه مريضاً. وانصرف.
جر السائقان المرأة إلى ركن من أركان الغرفة، قرب المدفأة وغطياها بحصيرة وقال
أحدهما: إنه الخوف أفقدها الرشد.
أما ناظر المحطة، فصب شيئاً من الخمر في كأس شربه ثم عاد إلى نومه، وبقيت أنا وحدي.
نهضت المرأة بعد قليل وراحت تتمشى من طرف الغرفة إلى طرفها الآخر كمن يسير في أثناء
نومه، ثم خرجت من مبني مركز البريد. فصليت وغفوت قبل الفجر بقليل وقد أحسست بالتعب.
وفي الصباح، ودعت ناظر المحطة وسرت على الطريق رافعاً صلاتي بإيمان ورجاء وشكران
نحو أب المراحم والتعزية الذي نجاني من شر مستطير.
ومضت على هذا الحادث ست سنوات... مررت يوماً بعدها بدير للراهبات، فدخلت كنيسته
للصلاة. واستقبلتني الرئيسة بلطف ومحبة، بعد الصلاة، وقدمت لي الشاي. وإذا بمن
يخبرها بقدوم ضيوف عابرين، فاعتذرت وذهبت لملاقاتهم وتركتني مع الراهبات اللواتي كن
مقيمات بالخدمة. وشاء فضولي أن أسأل إحداهن، وقد رأيتها تصب الشاي بتواضع: أأنت في
هذا الدير منذ زمان يا أخت؟
فأجابت: خمس سنين. ولم أكن سليمة العقل عندما أتوا بي إلى هذا المكان، لكن الله
ترأف بي. وقد جعلتني الأم الرئيسة بقربها، أعيش معها في حجرتها، وقدمت النذور على
يديها. فسألتها: وكيف فقدت عقلك؟
- من شدة الخوف. كنت أعمل في أحد مراكز البريد وبينما كنت نائمة، في إحدى الليالي،
حطمت أحصنة عربة البريد إحدى النوافذ، فجننت لما أصابني من رعب شديد. ولقد قادني
أهلي طوال عام إلى كثير من الأماكن المقدسة، إلا أني لم أشف إلا هنا.
فاغتبطت داخلياً لسماعي هذه الكلمات ومجدت الله الذي يحول كل الأشياء إلى ما فيه
خيرنا.
القصة الرابعة: كاهن قروي
قلت، موجهاً حديثي إلى أبي الروحي: حدث لي أشياء أخرى كثيرة. وأنا، لو أردت سرد كل
ما وقع لي متصلاً متسلسلاً لاقتضى مني ذلك أكثر من ثلاثة أيام. سأروي لك واقعة
أخرى، إن كنت تريد.
لاح لي، في أحد أيام الصيف المشمسة، على مسافة من الطريق، مقبرة، أو بالحري مركز
رعوي، أي كنيسة مع بيوت من يقوم بالخدمة فيها، ومقبرة. وكانت الأجراس تقرع للصلاة،
فأسرعت الخطى نحو الكنيسة. وكان أهالي الجوار يقصدونها أيضاً. غير أن كثيرين منهم
كانوا مستلقين على العشب، استلقوا قبل بلوغهم الكنيسة. ولما رأوني أحث الخطى قالوا
لي: لا تستعجل! فأمامك من الوقت متسع. الصلاة هنا بطيئة جداً، فالكاهن مريض ثم إنه
يتمهل بصلاته أي تمهل!
وبالفعل، لم يكن القداس يصلى بسرعة، فقد كان الكاهن – وهو شاب، إلا أنه نحيل الجسم،
شاحب اللون – يخدم القداس ببطء شديد، بخشوع وتحسس. وفي نهاية الصلاة، ألقى عظة
بليغة عن الوسائل التي تمكن الإنسان من الحصول على محبة الله.
دعاني الكاهن، بعد الصلاة، لتناول الطعام في بيته. قلت له أثناء الأكل: أنت، يا
أبانا، تخدم القداس بورع عظيم ولكن ببطء شديد أيضاً.
فأجاب: صحيح! وهذا لا يرضي رعيتي قط، والمصلون يتذمرون أحياناً. ولكن لي من وراء
ذلك مقصداً، فإني أحب أن أتأمل كل كلمة من كلمات القداس الإلهي وأن أزينها قبل
ترتيلها، فلا قيمة للكمات إن تجردت من هذا الإحساس الداخلي لا بالنسبة لمرتلها ولا
للمستمعين إليها. والمهم في الصلاة هو أن نحياها من داخل وأن نفهمها ونعيها. ثم
أردف: ما أقل ما يعنى الناس بالحياة الداخلية! فهم، لأنهم لا يريدون ذلك، لا يهتمون
بالاستنارة الروحية الداخلية.
سألته مجدداً: ولكن كيف السبيل إلى بلوغها؟... إن الوصول إليها أمر جد عسير!
- كلا! إطلاقاً! فلكي يحظى المرء بالاستنارة الروحية، ويصبح إنساناً داخلياً
روحياً، ما عليه إلا أن يختار نصاً من الكتاب المقدس ويركز عليه انتباهه أطول وقت
ممكن. بهذا يكشف المرء استنارة الذكاء. وأما لكي نصلي، فينبغي أن نفعل نفس الشيء
أيضاً. إن أردت أن تكون صلاتك نقية مستقيمة ومفيدة، فعليك أن تختار صلاة مقتضبة،
قوامها بضع كلمات قصيرة، على أن تكون جزلة، وأن ترددها طويلاً وفي أحيان كثيرة،
فإنما يعتاد المرء الصلاة بهذه الصورة.
أعجبني تعليم الكاهن هذا كثيراً لأنه عملي بسيط وعميق حكيم في آن واحد. وشكرت الله
في سري لأنه جعلني أتعرف على أحد رعاة كنيسته الحقيقيين.
قال لي الكاهن وقد انتهينا من الأكل: خذ لك قسطاً من الراحة، فعلي أن أقرأ كلام
الله وأهيئ عظتي ليوم غد.
فذهبت إلى المطبخ. لم يكن فيه سوى طباخة مسنة تقوس ظهرها وانحنى، تسعل في إحدى
الزوايا. فجلست تحت الطاقة وأخرجت الفيلوكاليا من كيسي، وأخذت أقرأ لنفسي بصوت
منخفض. وتحققت بعد لحظات أن العجوز الجالسة في الزاوية كانت تتلو صلاة يسوع دون
توقف، فاغتبطت لسماعي ذكر اسم الرب القدوس، وقلت لها: يجمل بك، يا خالتي، أن تتلي
الصلاة هكذا! إنه أفضل الأعمال التي يمكن أن نقوم بها وأكثرها مطابقة لتعاليم
المسيح!
فأجابت: نعم يا عم! إنها تعزيتي في آخرتي هذه. فليرحمني الله!
- وهل مضى عليك زمان طويل كنت فيه تصلين هكذا؟
- منذ حداثتي، يا عم. أنا لا أستطيع الحياة بدونها، فقد أنقذتني صلاة يسوع من
المصائب والموت.
- وكيف ذلك؟... أرجوك أن تخبريني إكراماً لله ولصلاة يسوع القديرة.
أعدت الفيلوكاليا إلى مكانها في كيسي، وقعدت قرب المرأة، فبدأت قصتها. قالت:
(كنت شابة فتية جميلة. خطبني أهلي، وفي ليلة الزفاف كان خطيبي على وشك دخول بيتنا،
وإذا به – ولم يكن باقياً له إلا عشر خطوات ليصل بيتنا – سقط فجأة على الأرض جثة
هامدة.
وأخافني هذا كثيراً حتى أنني صممت على البقاء عذراء أقصد الأماكن المقدسة أصلي
فيها. إلا أني كنت أخاف أن أسير في الدروب وحدي، فربما اعتدى علي بعض الأشرار
بالنظر لصباي. وعلمتني امرأة طاعنة في السن، كانت تعيش منذ زمان طويل حياة التطواف،
علمتني أنه ينبغي أن نتلو صلاة يسوع دون توقف، وطمأنتني مؤكدة لي مشددة على أن هذه
الصلاة ستقيني كل غوائل الطريق. وصدقت ما قالت وعملت بما أوصتني به فلم يحدث لي
أبداً أن صادفني أمر مكروه، حتى في الأصقاع النائية، وكان أهلي أثناء ذلك، يمدونني
بالمال إذا ما احتجت إليه.
ثم إني مرضت عند شيخوختي، ولكن الكاهن هنا رجل الله محسن لحسن الحظ، وهو يوفر لي
الغذاء ويعيلني).
استمعت إلى حديث المرأة بسرور ولم أدر كيف أشكر الرب على هذا النهار الذي تكشف عن
نماذج سامية للحياة البناءة.
وبعد أن طلبت من ذاك الكاهن الورع القديس أن يباركني تابعت طريقي وقد غمرني الفرح
والحبور.
القصة الرابعة: على طريق كازان
أتيح لي، منذ مدة غير طويلة، وقد كنت أجتاز مقاطعة (كازان) للمجيء إلى هنا، معرفة
آثار صلاة يسوع ومفاعيلها. فهي، حتى بالنسبة لمن يمارسها دون انتباه، أضمن الوسائل
وأسرع ما يوصل إلى الخيرات الروحية.
اضطررت ذات مساء إلى التوقف في إحدى قرى التتار. ورأيت، وأنا أدخل شارع القرية
الوحيد، عربة وسائقها الروسي، وكانت الجياد محلولة القيود طليقة ترتعي إلى جانب
العربة. ففرحت وقررت أن أسأل هل يسمح لي بالمبيت في هذا المنزل، والذي أنا وجدت فيه
على الأقل أناساً مسيحيين. فاقتربت وسألت السائق عمن كان يوصل في عربته. فأجاب بأن
معلمه مسافر من كازان إلى القرم. وبينما أنا أتكلم مع السائق، أزاح السيد ستارة
البوابة الجلدية وألقى إلي بنظرة وقال: سأمضي الليلة هنا، ولكني لن أدخل بيتاً
للتتار لأن منازلهم قذرة وسخة، ولذا تراني مصمماً على النوم في العربة.
خرج السيد، بعد حين، ليتمشى قليلاً – وكانت الأمسية جميلة – وتبادلنا الحديث.
تطرقنا إلى الكثير من المواضيع، أذكر منها ما قاله لي محدثي كما يلي على وجه
التقريب:
(كنت حتى الخامسة والستين من عمري أخدم في الأسطول الإمبراطوري بصفتي قبطان مركب.
ولكني أصبت في كبري بداء النقرس، وأنا الآن متقاعد في القرم، على أرزاق تملكها
زوجتي. وكنت دائماً، تقريباً، مريضاً. كانت زوجتي مولعة بحفلات الاستقبال ومغرمة
باللعب بالورق. وانتهى بها الأمر إلى أن سئمت العيش الطويل مع رجل عليل، فذهبت إلى
كازان، عند ابنتنا المتزوجة هناك من أحد الموظفين. وأخذت امرأتي كل شيء معها، حتى
الخدم، وتركت لي كخادم خاص صبياً عمره ثماني سنوات، وكان فليوني.
عشت هكذا وحيداً مدة ثلاث سنوات. وكان الصبي واسع الحيلة: فكان يرتب غرفتي ويشعل
النار ويطبخ لي الجريشة ويسخن (الساموار). ولكنه كان في ذات الوقت عنيفاً ملآن
حيوية. فكان يركض ويصرخ ويلعب ويخبط أينما اتفق، مما كان يزعجني أيما إزعاج. وأنا،
بسبب مرضي وفراغي، أحب قراءة المؤلفات الروحية. كان لدي منها كتاب ممتاز لغريغوريوس
بالاماس عن صلاة يسوع. كنت أقرأه باستمرار تقريباً، وأتلو الصلاة بعض الشيء. وكانت
الجلبة التي يحدثها الصغير تنفرني وتزعجني. إلا أنه، مهما اتخذت من تدابير أو مهما
عاقبته، لم يكف عن العبث وتعكير صفو بيتي. فكان لا بد لي من مخرج، وفقت إليه آخر
الأمر: كانت الطريقة الوحيدة الناجحة في تلافي إزعاجي أن أجبره على الجلوس على مقعد
صغير في غرفتي، آمره بأن يردد صلاة يسوع دون انقطاع. وساءه هذا، أول الأمر، إلى
أبعد الحدود، فكان يلزم الصمت تهرباً منه.
ولكني وضعت بعض القضبان في غرفتي لكي ألزمه على تنفيذ أمري. فلما كان يتلو الصلاة،
كنت أقرأ بهدوء أو استمع إلى ما يقول. ولكن، ما إن يسكب حتى أريه العصي فيعود إلى
الصلاة وقد تملكه الخوف من أن يضرب. وكان في هذا خير لي كبير، فإن السكينة استتبت
آخر الأمر في بيتي. ولاحظت، بعد مضي وقت قصير، أنه لم يعد هناك من حاجة إلى العصي،
فقد صار الصبي يعمل بأوامري بمزيد من الفرح والغيرة. بل إن طبعه تغير بعد ذلك
تغيراً كلياً، فغدا دمث الخلق هادئاً، وأخذ يتمم أعمال المنزل أحسن بكثير من ذي
قبل. فبعث فيّ هذا الأمر الرضى والانشراح وأطلقت للغلام حرية كبرى في تصرفه. أتدري
ما كانت النتيجة؟ لقد اعتاد الفتى على الصلاة وألفها حتى أنه كان يرددها دون توقف
بلا أدنى إرغام من قبلي. ولما حدثته في الأمر أجابني أن به رغبة في تلاوة الصلاة لا
تقاوم.
- وبماذا تشعر؟
- ليس من إحساس خاص... ولكني أشعر بالانشراح أثناء ترديدي الصلاة.
- ماذا تعني بالانشراح؟
- لا أدري كيف أشرح لك يا سيدي...
- هل تشعر بالمرح؟
- نعم... بالمرح.
وكان في الثانية عشر عندما اندلعت حرب القرم. فرحلت إلى (كازان) وأخذته معي عند
ابنتي حيث أنزلناه المطبخ مع باقي الخدم. فكان تعساً حزيناً لأنهم كانوا يمضون
وقتهم بالتسلية واللعب بعضهم مع بعض وبالهزء به أيضاً، مما كان يعوقه عن الاهتمام
بالصلاة. ومضى عليه ثلاثة أشهر على هذه الحال... ثم جاء إلي في أحد الأيام وقال:
- أنا راجع إلى البيت، فلست أطيق الحياة هنا تحيط بي هذه الضجة الكبرى.
- كيف لك أن تقطع كل هذه المسافة وحدك وفي قسوة الشتاء؟... انتظر حتى أعود وسوف
ترافقني.
إلا أن الطفل اختفى في اليوم التالي. أرسلنا الخدم يبحثون عنه في كل الجهات، ولكن
دون جدوى. وفي أحد الأيام، جاءني كتاب من القرم: كان حراس البيت هناك يخبروني أنهم،
في الرابع من نيسان – وكان اثنين الباعوث {اثنين الفصح. يعيننا هذا على تحديد تاريخ
الواقعة: فليس في التقويم الشرقي بين سنة 1850 و 1870 سنة وقع فيها الفصح في الثالث
من نيسان إلا عام 1860} - قد وجدوا الغلام ميتاً في البيت وقد خلا من سكانه. كان
ممدداً على الأرض في غرفتي وقد تصالبت يداه فوق صدره. وكانت قبعته الصغيرة تحت
رأسه، لا رداء له يدفئ أوصاله إلا تلك القميص التي كانت دوماً على بدنه لاتقاء
غائلة البرد، وقد فر بها. ودفن في الثياب التي وجد فيها في حديقة منزلي.
لما جاءني هذا الخبر، دهشت للسرعة التي وصل بها الطفل إلى هناك. فلقد ذهب في الرابع
والعشرين من شهر شباط ووجد في الرابع من نيسان. أي أنه قطع مسافة ثلاثة آلاف فرسخ
في مدة شهر واحد! هذه المسافة لا يكاد الخيال يجتازها بمثل هذا الزمن القصير: مئة
فرسخ في اليوم! يزيد في صعوبة السير أن الغلام كان يلبس ثياباً خفيفة، وليس معه
أوراق هوية، ولا قرش في جيبه. فلنفرض أنه وجد عربة للسفر: فلن يكون هذا إلا بمشيئة
الله.
قال السيد مختتماً كلامه: هكذا تذوق خادمي الصغير ثمار الصلاة، أما أنا، حتى في آخر
حياتي، فلم أبلغ منن العلو والسمو ما بلغ هو.
قلت للسيد عندها: إنني أعرف كتاب غريغوريوس بالاماس الممتاز الذي قرأته. ولكن البحث
فيه يدور حول الصلاة الشفهية خاصة. عليك بقراءة ذلك الكتاب المسمى (فيلوكاليا)،
ففيه تجد كل ما يتعلق بصلاة يسوع في الروح والقلب ودروساً وتعاليم.
وأريته في نفس الوقت كتاب الفيلوكاليا خاصتي. فاقتبل نصيحتي بفرح ظهر على محياه
وقال لي أنه سوف يبتاع الكتاب.
فقلت في نفسي: الله! ما أعجب مظاهر القدرة الإلهية التي تتكشف عنها هذه الصلاة! ما
أعمق ما رواه لي هذا الرجل وما أحفله بالعبرة: فقد تعلم الغلام الصلاة خوفاً من
العصي، فقادته رغم ذلك إلى السعادة. أو ليست المصائب والأحزان التي نصادفها في درب
الصلاة، أليست عصي الله؟ وعليه ففيم الخوف حين ترينا يد الله العصي؟ إنه تعالى مليء
نحونا بمحبة لا متناهية، وهذه القضبان إنما تعلمنا الصلاة بمزيد من النشاط فتقودنا
إلى الأفراح التي لا توصف.
لما فرغت من أحاديثي هذه ومن أقاصيصي قلت لأبي الروحي: سامحني بحق الله، فلقد أطلت
الثرثرة. ويقول آباء الكنيسة إن الحديث – وإن يكن روحياً – ليس إلا باطلاً إن
استطال أكثر مما ينبغي. وقد آن لي أن أمضي إلى من سيرافقني في طريقي إلى أورشليم.
صل لأجلي أنا الخاطئ الحقير لكي يوفق الله برحمته طريقي ويسهل خطواتي.
فأجاب: أرجو لك ذلك من صميم الفؤاد، أيها الأخ الحبيب بالرب. ألا فلتنر نعمة الله
العزيزة أمامك السبيل، ولترافقك في سيرك كما سار الملاك روفائيل مع طوبيا!
القصة الخامسة
الستارتس: كان عام قد مضى على آخر لقاء لي بالسائح، وإذا – أخيراً – قرع مكتوم على
الباب وصوت متوسل يبشران بوصول هذا الأخ الممتلئ ورعاً.
- أدخل أيها الأخ العزيز، ولنشكر الله معاً إذ قد بارك مسيرك وأعادك إلينا.
السائح: المجد والحمد للآب العلي على صلاحه في كل شيء، فليأمر بما يشاء، وأمره
دوماً لما فيه خيرنا نحن السائحين والغرباء في أرض غريبة. هاأنذا، أنا الخاطئ، الذي
تركك العام الفائت والذي فكر مجدداً – بنعمة الله – أن من الخليق به لقاء ترحيبك
الباش وسماعه. ولا شك في أنك تتوقع مني وصفاً كاملاً لمدينة الله المقدسة أورشليم،
التي كانت نفسي بشوق إليها، وحيث كنت أنوي الذهاب بحزم. لكن رغائبنا لا تتحقق
دائماً وهذه كانت حالي. وليس في الأمر من عجب: فكيف يمكن التفكير – وأنا خاطئ –
بأني أستحق أن أطأ تلك الأرض المقدسة التي تركت قدما سيدنا يسوع المسيح أثرهما
فيها؟
تذكُرُ – يا أبت – أني تركت هذا المكان، في العام الفائت بصحبة شيخ أصم، وأنه كان
معي رسالة تاجر من أركوتسك إلى ابنه في مدينة أوديسا يسأله فيها أن يرسلني إلى
القدس. ولقد بلغنا أوديسا من غير عثرات، في زمن قصير، وسرعان ما حجز رفيقي لسفره
إلى القسطنطينية، ثم سافر. أما أنا، فأخذت أفتش عن ابن التاجر، على عنوان الرسالة.
ولم يطل بي الوقت حتى وجدت بيته، غير أني فوجئت وحزنت إذ علمت أن من أحسن إلي لم
يعد على قيد الحياة. فلقد توفي منذ ثلاثة أسابيع على إثر مرض لم يمهله. هبط هذا من
عزمي إلا أني سلمت أمري لقدرة الله تعالى.
كان البيت كله غارقاً في الحزن، وكانت الأرملة، الباقية مع أولاد ثلاثة، على شيء من
الأسى كثير بحيث كانت تبكي طوال الوقت، وكان يغمى عليها مراراً في اليوم الواحد
لشدة الحزن. كان حزنها هذا شديداً بحيث بعث على الظن أنها هي الأخرى لن تعيش
طويلاً. لكنها، في غمرة هذا كله أحسنت ضيافتي، غير أنها لم تستطع إرسالي إلى القدس
بسبب ما آلت إليه أعمالها من حال. سألتني أن أمكث معها زهاء الأسبوعين حتى يجيء
حموها إلى أوديسا، كما وعد، لكي ينظم الشؤون المالية للأسرة المنكوبة، فبقيت. ومضى
أسبوع، ثم شهر، فشهر ثان، ولكن التاجر، بدلاً من أن يحضر أرسل بكتاب يقول فيه إن
أعماله هو لم تكن لتسمح له بالتنقل ونصح الأرملة بأن تصرف مستخدميها وتذهب إليه
حالاً إلى مدينة اركوتسك. فدبت في البيت الحركة والصخب. ولما لاحظت أني ما عدت أثير
الاهتمام، شكرت لهم ضيافتهم واستأذنت بالانصراف، مرة جديدة، أجول عبر روسيا.
كنت أفكر وأعيد التفكير. إلى أين عساي أذهب بعد اليوم؟ قر رأيي، في النهاية، أنه
يناسب أن أذهب أولاً إلى مدينة كييف التي لم أزرها لسنين عديدة. وعلى هذا انطلقت في
السير. وبديهي أنه كان يزعجني، أول الأمر، عدم تمكني من وفاء نذر لي للحج إلى
القدس. ولكني رأيت، بعد تفكير، أن هذا بالذات لم يحدث بدون عناية إلهية، فهدئت
آملاً أن يقبل الله المحب البشر النية بدل العمل، وألا يترك رحلتي هذه المبتورة من
غير فائدة روحية. ولقد كان الأمر كذلك، إذ التقيت أناساً علموني الكثير مما كنت
أجهله، وأناروا جوانب نفسي المظلمة، لما فيه خلاصي. ولو لم تضطرني الضرورة إلى هذه
الرحلة لما كنت التقيت هؤلاء المحسنين إلي روحياً.
كنت أسير نهاراً بمعية صلاة يسوع، وفي المساء، عندما أتوقف للمبيت، كنت أقرأ
فيلوكاليتي لأوطد النفس وأحثها في صراعها ضد أعداء الخلاص غير المنظورين.
في أثناء المسير، وعلى نحو سبعين فرسخاً من أوديسا، تيسر لي مشاهدة أمر عجيب. كان
ثمة قافلة طويلة من العربات المحملة بضائع، وكان عددها ثلاثين، على أقل تقدير.
تجاوزتها. كان السائق الأول، رئيس القافلة، يسير بقرب حصانه، يتبعه الآخرون زرافات
على مسافة قصيرة منه. كانت الطريق تحاذي مستنقعاً يتخلله تيار، فكان جليد الربيع
الذائب يجيش ويتراكم على الضفة بصوت رهيب.
فجأة أوقف السائق الأمامي – وهو فتى يافع – حصانه، فتوقفت أيضاً بقية العربات كلها.
وتراكض السائقون التابعون نحوه، ورأوا أنه أخذ يتجرد من ثيابه فسألوه ما السبب.
فأجاب بأنه يشتهي السباحة في المستنقع. فجعل بعضهم – وقد دهشوا – يسخرون منه،
والبعض الآخر يلومه وينعته بالجنون، فيما حاول أكبرهم سناً – وهو أخوه – أن يمنعه
من السباحة، دافعاً إياه ليجعله يعود إلى السير. فامتنع الفتى ورفض الانصياع إلى ما
طلب منه. وعمد كثيرون من السائقين الشبان إلى ملء الدلاء التي يغسلون بها الخيل من
ماء المستنقع، ورشقوا بها الرجل الذي كان يريد السباحة، على رأسه تارة، والظهر
طوراً قائلين: (إليك، سنقوم نحن بتغسيلك). وما إن لامس الماء جسمه حتى هتف: (آه ما
أحسنه!) وجلس أرضاً، فيما استمروا هم في إلقاء الماء عليه. ثم استلقى بسرعة ومات.
فأخذهم كلهم الخوف، وهم لا يعلمون سبب حصول ما حصل. بقيت معهم ما يقارب الساعة، ثم
عدت إلى المسير. وبعد زهاء خمسة فراسخ، أبصرت بقرية يمر بها الطريق العام، وحين
دخولي إليها التقيت كاهناً مسناً يسير في الشارع. ارتأيت أن من المناسب أن أقص عليه
ما رأيت لتوي لأسأله رأيه فيه، فاصطحبني الكاهن إلى منزله، ورويت له الواقعة وسألته
تعليل هذا الحدث.
قال: لا يسعني أيها الأخ العزيز، إلا أن أقول إن في الطبيعة أموراً كثيرة غريبة لا
يمكننا فهمها. وأظن أن هذا من تدبير الله الذي يبرز قدرته وعنايته في الطبيعة
بإحداثه أحياناً في نواميسها تغييرات مفاجئة تخرق العادة. ولقد وقع لي ذات مرة أن
شهدت حالة مشابهة لما حدثتني به. بالقرب من قريتنا واد عميق شديد الانحدار، ليس
بعريض لكن عمقه يبلغ زهاء السبعين قدماً، أو أكثر، والمرء يخاف النظر إلى قعره
المظلم. بني عليه جسر خشبي يعبره الناس. ثارت في صدر فلاح، من أبناء رعيتي، وهو رب
عائلة وقور محترم – رغبة لا تقاوَم في أن يلقي بنفسه من أعلى هذا الجسر الصغير إلى
أعماق الهوة. فكافح هذه الفكرة وقاوم ما به من دافع طيلة أسبوع. لكنه لم يعد في
إمكانه – آخر الأمر – أن يضبط نفسه. فنهض مبكراً، وخرج مندفعاً وقفز في الخلاء.
وسرعان ما سُمعت أنّاته، وأخرج من الوادي بمشقة. كانت ساقاه مهشمتين. ولما سئل عن
سبب سقوطه أجاب إنه بالرغم مما يقاسي من ألم شديد، فقد هدأ باله إذ نفذ الرغبة التي
لا تقاوم والتي كانت هاجسه لمدة أسبوع، هاجساً خاطر من أجله بحياته.
أمضى هذا الرجل عاماً كاملاً في المستشفى قبل شفائه الناجز. ذهبت لأعوده، وكثيراً
ما التقيت الأطباء يحيطون به. وكنت مثلك الآن راغباً في الوقوف على سبب الحادثة.
أجاب الأطباء بالإجماع أنها نوع من (الهيجان). ولما سألتهم تفسيراً علمياً لهذا
(الهيجان) وكيف ينتاب الإنسان، لم أستطع الحصول على أكثر من قولهم إن هذا من أسرار
الطبيعة التي ليس تفسيرها في متناول العلم. أما أنا فقد رأيت أنه إذا ما أخذ المرء،
المواجه لأحد غوامض الطبيعة المماثلة، يتضرع إلى الله ويطلب مشورة الروحانيين، فإن
هذا (الهيجان) – على حد تعبير الأطباء – لن يتمكن في النهاية من الفوز. والحق إننا
نجد في الحياة البشرية أموراً كثيرة لا يمكننا أن نفهمها بجلية ووضوح.
وفيما كنا نتكلم، حل الظلام وبت ليلتي عنده. وفي صبيحة اليوم التالي، أوفد المختار
أمين سره ليطلب من الكاهن دفن الميت في المقبرة، وليقول إن الأطباء لم يجدوا، بعد
تشريح الجثة، أياً من مظاهر (الهيجان) وأن الوفاة سببها نوبة قلبية مفاجئة.
فقال لي الكاهن: ها أنت ذا ترى أن علم الطب لا يمكنه أن يعلل هذا الدافع الذي لا
يقاوم نحو الماء بأي تعليل دقيق.
وعلى هذا، ودعت الكاهن وعدت إلى سابق مسيري. وبعد سفر عدة أيام، بلغت – وقد شعرت
بالتعب الشديد – مدينة تجارية هامة اسمها (بييلا تسيركوف). ولما كان المساء قد أتى،
جعلت أسعى إلى وجدان مكان أبيت فيه ليلتي. والتقيت في السوق رجلاً بدا عليه أنه
سائح أيضاً كان يستعلم أصحاب الدكاكين عن عنوان إنسان يقطن هذه المدينة. ولما رآني
أتى إلي قائلاً: (يبدو أنك سائح أنت أيضاً. فلنسع معاً باحثين عن إنسان اسمه
(افرينوف) يقيم في هذه المدينة. إنه مسيحي صالح، يدير نزلاً فخماً ويحسن ضيافة
السائحين. أنظر، معي ههنا شيء مكتوب عنه). رحبت بالفكرة وسرعان ما وجدنا بيته. ومع
أن رب البيت لم يكن شخصياً في منزله، فإن زوجته – وهي عجوز صالحة – استقبلتنا
ببشاشة، وأنزلتنا مخدعاً منفرداً في الأهراء لنصيب فيها الراحة.
قال لي رفيقي أنه كان تاجراً في بلدة (موغيليف) وأنه قضى عامين في أحد أديرة
(بيسارابيا) بصفة مبتدئ، لكن ذلك كان بجواز مؤقت. وهو الآن في طريق عودته للحصول
على موافقة هيئة التجار على دخوله نهائياً حياة الرهبنة. وأضاف: (إن الأديرة، هناك،
وقوانينها وطريقتها والحياة المتشددة للستارتس العديدين الأتقياء، كل ذلك يروق لي).
وأكد لي أن أديرة (بيسارابيا) هي، بالقياس إلى أديرة روسيا، كالجنة مقارنة بالأرض.
وألح علي لكي أحذو حذوه.
وفيما كنا نتحدث في هذه الأمور، أحضر نزيل ثالث إلى غرفتنا. كان هذا النزيل ضابط صف
عائداً إلى بيته في إجازة. رأينا أن سفره قد أنهك قواه. فتلونا صلواتنا معاً
واستلقينا ننام. ونهضنا في فجر الغداة، وكنا نستعد للرحيل. وكنا على وشك الذهاب
لشكر مضيفتنا عندما سمعنا قرع الأجراس لصلاة السحر، فتساءلنا – أنا والتاجر – عما
عسانا نفعل. فكيف نرحل، بعد سماع الأجراس، من غير الذهاب إلى الكنيسة؟ كان من
الأفضل أن نبقى لصلاة السحر، نتلو صلواتنا في الكنيسة، وبعدئذ يمكننا الرحيل بسرور
أعظم. ولما عزمنا على هذا، دعونا ضابط الصف. لكنه قال لنا: (ما معنى الذهاب إلى
الكنيسة عندما يكون المرء على سفر؟ ما أهمية هذا عند الله؟ فلنرحل، وسنتلو صلواتنا
من ثم. اذهبا أنتما، إن شئتما، أما أنا فلست بذاهب. ففي الوقت الذي ستمضيانه في
صلاة السحر، سأكون على بعد خمسة فراسخ من هنا، أو ما يقارب. أريد أن أصل إلى بيتي
بأسرع ما يمكنني). فرد التاجر على ذلك: (يا أخي، لا تسرع بالعدو في مشاريعك من غير
أن تعلم ما هي مقاصد الله!). فذهبنا إلى الكنيسة، وانطلق هو في رحلته.
وبقينا لصلاة السحر ولخدمة القداس الإلهي. ثم عدنا إلى مخدعنا لإعداد كيسينا
والرحيل، ولكنه وجدنا مضيفتنا في الغرفة، وفي يدها سماور. قال: (إلى أين أنتما
ذاهبان؟ إليكما أولاً بفنجان شاي. أجل، وعليكما أيضاً تناول الوجبة الصباحية معنا.
لا يسعنا أن ندعكما الذهاب وأنتما جائعان). فبقينا. وما كان مضى على جلوسنا حول
السماور نصف ساعة حتى وصل صاحبنا ضابط الصف راكضاً، لاهثاً، وقال: (إني أعود إليكم
بائساً، وبسرور في آن معاً). فسألناه: (ما الخبر؟). إليكم ما قال:
عندما تركتكما وذهبت، خطر ببالي أن أقصد المقهى لأرى إذا كان بوسعي الحصول على
(فراطة) ولكي أتناول أيضاً طعاماً يساعدني على السفر. فذهبت إليه. وحصلت على
الفراطة، وتناولت بعض الطعام وانطلقت كالطير. وبعد اجتيازي قرابة الفراسخ الثلاثة،
فكرت في عد النقود التي أعطانيها القهوجي. فجلست على حافة الطريق، وأخرجت محفظتي
وفحصت محتواها بهدوء كلي. ثم اكتشفت فجأة أن جواز سفري ليس فيها. ولم أجد إلا بعض
الأوراق. والنقود. فأصابني الهلع كأنني فقدت صوابي. وأدركت في مثل لمح البرق ما
حصل: كان الجواز قد سقط بالتأكيد، عندما دفعت ما علي في المقهى. كان علي أن أسرع
وأعود إلى المقهى. فركضت وركضت. وخطرت ببالي فكرة ثانية مرهبة: ماذا لو لم يكن
الجواز في المقهى؟! سأكون أمام مأزق! واندفعت إلى الرجل الجالس وراء الصندوق في
المقهى وطلبته منه. قال: إني لم أره! فانهرت انهياراً.
وأخذت أفتش حولي وأبحث في كل مكان: حيث جلست، وحيث تسكعت. أو تصدقون؟ كان لي من
الحظ ما جعلني أجد جواز سفري. كان هناك ما يزال مطوياً، على الأرض بين القش والغبار
وقد وطئته الأرجل في القذارة. الحمد لله! لقد كنت سعيداً. كنت وكأن جبلاً انزاح عن
كتفي. بالتأكيد، كان الجواز متسخاً يغطيه الوحل. وسيجلب لي ذلك بعض المتاعب، لكن لا
أهمية لهذا. مهما يكن، باستطاعتي أن أذهب إلى بيتي وأعود منه نظيف اليدين. لكني
أتيت لأروي لكم الخبر. وأنكى ما في الأمر أن قدمي، لكثرة ما ركضت مرعوباً، كالنار
حرارة، وأنا لم أعد قادراً على المشي. ولقد جئت أطلب شيئاً من المرهم لتضميد رجلي.
شرع التاجر يقول له: هكذا يا أخي. كان كل ذلك لأنك لم تشأ سماع كلامنا والمجيء معنا
إلى الكنيسة. كنت تريد أن تسبقنا بمسافة كبيرة، وبالعكس ها أنت قد عدت (مخلعاً).
لقد قلت لك ألا تتسرع في مشاريعك، والآن أنظر إلى ما أنت فيه. لم يكن عدم مجيئك إلى
الكنيسة من العظائم، ولكن ألم تقل: (ماذا يهم الله أن نصلي؟). قولك هذا، يا أخي،
كان شراً. من البديهي أن الله ليس بحاجة إلى صلواتنا نحن الخطأة، ولكنه على هذا،
لحبه إيانا، يرغب في أن نصلي. وما يرضيه ليس الصلاة المقدسة التي يساعدنا الروح
القدس ذاته على تقديمها، ويثيرها فينا، بل كل توثب فينا وكل فكرة نقدمها لمجده. وفي
المقابل تجزينا رحمة الله اللامتناهية جزاء سخياً. محبة الله تهب النعمة ألف مرة
أكثر مما تستحقه الأعمال البشرية. إن أنت أعطيته تعالى أدنى فلس فسيدفع لك بالمقابل
ذهباً. إن أنت فكرت وحسب بالذهاب على الآب فسيأتي إلى لقائك. قل فقط كلمة صغيرة،
وبلا قناعة: (تقبلني، ارحمني)، وسيندفع ويعانقك. هكذا يحبنا الآب السماوي، مهما نكن
عديمي الاستحقاق. ولمجرد هذا الحب يغتبط بكل من خطواتنا، وإن كانت صغيرة، نخطوها
نحو الخلاص.
أما أنت فتفكر هكذا: (أي مجد لله في هذا؟ وما الفائدة لنا، إن نحن صلينا قليلاً، ثم
عادت أفكارنا إلى الضلال، أو إن نحن قمنا بعمل صالح، كأن نتلو صلاة ترافقها خمس
سجدات أو ست، أو نتنهد مخلصين ذاكرين اسم يسوع، أو نعير اهتمامنا لفكرة صالحة، أو
أن نباشر في قراءة روحية أو أن نصوم عن الطعام، أو أن نحتمل إهانة بصمت؟). كل ذلك
لا يبدو لك كافياً لخلاصك، ويظهر لك بالتالي أن لا جدوى من ممارسته. كلا! إن أياً
من هذه الأفعال الصغرى لا يفعل سدى، فإن الله الذي يرى كل شيء سيدخله في الحساب
ويجزيك عليه مئة ضعف، لا في الحياة الثانية وحسب، بل في هذه الحياة. يؤكد القديس
يوحنا الذهبي الفم أن (أي عمل صالح مهما كان نوعه ومهما كان صغيراً لن يرذله الديان
الإلهي العادل. إن كانت الخطايا يبحث عنها بدقة كبرى إلى حد أننا نُسأل عن كل كلمة
وكل رغبة وفكرة. فكم بالأحرى الأعمال الصالحة، مهما تكن صغرى، فستؤخذ بالاعتبار
ويكون لها حساب أمام دياننا الممتلئ محبة!).
سأحكي لكم حادثة رأيتها بنفسي في العام الماضي: كان في دير بيسارابيا الذي كنت أعيش
فيه ستارتس راهب يحيا حياة قداسة. في ذات يوم جابهته تجربة: اشتهى أكل السمك المجفف
شهوة كبرى. ولما كان من المستحيل الحصول عليه في الدير، في تلك الفترة، خامرته فكرة
الذهاب إلى السوق لشراء شيء منه. كافح هذه الفكرة طويلاً، وأعمل عقله مفكراً أن على
الراهب أن يكون قانعاً بالطعام العادي المهيأ للإخوة، وأن عليه بكل الوسائل تجنب
إرضاء شهواته. أضف أن التجول في السوق وسط جمهور من الناس قد يكون، لراهب، مصدر
تجارب، وما هو أكثر: أمراً غير لائق.
وفي النهاية تغلبت أكاذيب الشيطان على اعتراضاته، فاستسلم لرغبته وذهب ليشتري
سمكاً. وبعد أن غادر الدير، وفيما هو يسير في الشارع، لاحظ أن سبحته لم تكن في يده
وأخذ يفكر: (أتراني أمضي كجندي من غير سيفه؟). وهم بالعودة لجلبها، وإذ بحث في جيبه
وجدها فيه. فأخرجها، ورسم إشارة الصليب، ومضى بهدوء وسبحته في يده. وعند اقترابه من
السوق رأى حصاناً أوقف قرب دكان مع عربة محملة براميل ضخمة. وفجأة أجفل هذا الحصان
لسبب لا أدري ما هو، فانطلق على حين غرة وعدا متجهاً صوب الراهب، ملامساً كتفه بحيث
ألقاه أرضاً دون أن يؤذيه كثيراً. ثم انقلب الحمل، على خطوتين منه، وتحطمت العربة
قطعاً قطعاً. فنهض بخفة ونفض عنه جزعه متعجباً كيف أبقى الله على حياته، إذ لو أن
الحمل وقع نصف ثانية قبل وقوعه لمزقه إرباً كالعربة. وبدون أن يطيل التفكير، اشترى
السمك وعاد إلى الدير، وأكله، وتلا صلواته واستلقى لينام.
نام نوماً خفيفاً، وفي منامه هذا ظهر له ستارتس سمح المحيا لم يكن هو يعرفه، وقال
له: أنا شفيع هذا الدير وبودي أن أعلمك لكيما تفهم وتذكر العبرة التي أعطيتها. إن
عدم جهادك ضد فكرة المتعة، وتكاسلك في تمييزها وضبط نفسك أعطى الشيطان فرصته
لمهاجمتك. لقد كان هيأ لك هذه الهزيمة. لكن ملاكك الحارس شعر بها وأوحى إليك
بالصلاة وبتذكرك سبحتك. ولأنك استمعت لإيحائه وطبقته عملاً، فإن هذا خلصك من الموت.
أرأيت حب الله للبشر، وجزاءه السخي لأدنى نظرة تلتفت إليه تعالى؟
وعلى هذه الكلمات، اختفى ستارتس الرؤيا بسرعة من الحجرة. وركع الراهب، وبركوعه
استيقظ ليجد نفسه لا على فراشه بل على ركبتيه ساجداً على عتبة الباب. وروى قصة
رؤياه لما فيه الفائدة الروحية للكثيرين غيره، وأنا منهم.
إن محبة الله لهي بلا حدود لنا نحن الخطأة. أو ليس من الرائع أن عملاً صغيراً كهذا
– نعم، مجرد إخراج السبحة من جيبه وحملها في يده وذكر اسم الله مرة واحدة – قد يعيد
الحياة لإنسان، وإن فترة قصيرة تقضى في ذكر اسم يسوع يكمن أن تكافئ، في ميزان
الدينونة، ساعات عديدة من الكسل؟ الحق إن هذا هو الدفع بالذهب مقابل الفلس الحقير.
أنظر، يا أخي، سلطان الصلاة، وسلطان اسم يسوع عندما نذكره. يقول يوحنا الكرباتي في
الفيلوكاليا إن في صلاة يسوع، حينما نذكر الاسم المقدس قائلين: (ارحمني أنا
الخاطئ)، على كل نداء يجيب صوت الله سراً: (يا بني مغفورة لك خطاياك). ويضيف: إننا
حين نتلو صلاة يسوع، لا شيء يميزنا عن القديسين والمعترفين والشهداء. وذاك، على ما
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: (مهما كانت الخطايا تكسونا، فإننا، عندما ننطق
بالصلاة، تطهرنا للحال. إن رحمة الله نحونا عظيمة، بالرغم من أننا، نحن الخطأة، لا
مبالون، بالرغم من أننا لا نريد حتى منح الله ساعة واحدة للشكر، وأننا نستبدل
بالمشاغل ومتاعب الحياة الصلاة وهي أهم من أي شيء آخر، ناسين الله وواجبنا. ولذا
فكثيراً ما نصطدم بالمصائب والشدائد التي تستعملها المحبة اللامتناهية للعناية
الإلهية، في أي حال، لإرشادنا ورفع قلوبنا نحو الله).
عندما انتهى التاجر من الكلام إلى ضابط الصف، قلت له: (يا للراحة التي جلبتها أيضاً
إلى نفسي الخاطئة، سيدي. بإمكاني الانطراح بطيبة خاطر على قدميك). ولما سمع هذه
الكلمات أخذ يحدثني. قال: يبدو أنك هاو كبير للنوادر الدينية. انتظر، سأقرأ لك
نادرة ثانية كالتي رويتها لتوي. معي هنا كتاب يصحبني في سفري، عنوانه (أغابيا) أو
(خلاص الخطأة). وهو يحوي العديد من الأمور المذهلة.
وأخرج الكتاب من جيبه وبدأ بقراءة قصة رائعة حول (اغاثونيس) الذي كان والداه
التقيان قد علماه منذ طفولته أن يتلو كل يوم أمام أيقونة والدة الإله الصلاة التي
تبدأ هكذا (افرحي أيتها العذراء، يا من تلد الإله). وكان دوماً يفعل هذا. وفيما
بعد، وقد كبر، استغرق في مشاغل الحياة واضطراباتها ولم يتل تلك الصلاة إلا نادراً،
ثم تخلى عنها في نهاية الأمر.
وفي ذات يوم، آوى لليل سائحاً قال له أنه ناسك في صحراء مصر وأنه رأى رؤيا تلقى
فيها أمراً بالذهاب إلى إنسان يدعى اغاثونيس لتأنيبه على تخليه عن صلاة والدة
الإله. فاعتذر اغاثونيس أنه تلا الصلاة خلال سنوات كثيرة من غير أن يحصل على أية
نتيجة، فقال له الناسك:
- أذكر أيها الأعمى ناكر الجميل كم مرة ساعدتك هذه الصلاة وأنقذتك من الكارثة. أذكر
أنك في شبابك أنقذت بأعجوبة من الغرق. ألا تذكر أن وباء قضى على الكثيرين من
أصدقائك فيما احتفظت بعافيتك؟ أتذكر أنك كنت توصل صديقاً فسقطتما من العربة وكسر هو
ساقه أما أنت فبقيت سالماً؟ ألا تعرف أن شاباً من معارفك كان معافى قوياً هو الآن
مستلق ضعيفاً مريضاً، فيما تنعم أنت بالصحة الجيدة بلا آلام؟
وذكّر اغاثونيس بكثير من الأمور غيرها، وقال له آخر الأمر: اعلم أن هذه الشدائد
جميعاً قد صرفت عنك بحماية أم الله الكلية القداسة بسبب هذه الصلاة القصيرة التي
كانت يومياً تصل قلبك بالله. فاحترس الآن، وعد إليها ولا تتخل عن مديح ملائكة
السموات، خوفاً من أن تتخلى هي عنك.
لما انتهى من القراءة، نادونا للغداء، وبعده شكرنا مضيفنا، وقد استعدنا قوانا،
وبدأنا المسير. وافترقنا، فذهب كل من ناحية، كما حلا له.
سرت خمسة أيام تقريباً وقد سدد عزيمتي ذكرى القصص التي سمعتها من تاجر بييلا
تسيركوف الطيب، وصرت قريباً من مدينة (كييف). وفجأة، ومن غير سبب بدأت أشعر بالحزن
والثقل، وامتلأت أفكاري عتمة وخوراً في العزيمة. وأتت الصلاة بصعوبة واستولى علي
شبه نعاس. ورأيت غابة ملآى بأدغال العليق الكثيفة على حافة الطريق، فدخلتها لأصيب
فيها شيئاً من الراحة باحثاً عن مكان منعزل يمكنني الجلوس فيه تحت علية وقراءة
فيلوكاليتي وذلك لتشديد نفسي المستضعفة ومحاربة خوري. ووجدت مكاناً هادئاً وأخذت
بقراءة كاسيانوس الروماني {القديس يوحنا كاسيانوس هو راهب روماني عاش في الشرق
وتتلمذ على أيدي رهبانه الكبار ونقل تعاليمهم إلى الغرب (أواخر القرن الرابع –
أوائل القرن الخامس)}، في الجزء الرابع من الفيلوكاليا حول الأفكار الثماني. كنت
أقرأ بمتعة من زهاء نصف الساعة لما لاحظت بصورة غير منتظرة بالمرة طيف رجل على نحو
مئة متر مني، في داخل الغابة، كان راكعاً، بلا حراك. أسعدتني رؤيته، إذ استنتجت أنه
كان يصلي وعدت إلى القراءة. وبقيت أقرأ مدة ساعة أو أكثر، وعدت إلى إلقاء نظرة. كان
الرجل ما يزال هناك راكعاً، ودون أدنى حركة. أثر هذا فيّ بالغ الأثر وفكرت: (ما
أكثر عبيد الله الأوفياء!).
وفيما كنت أفكر في هذا، فجأة سقط الرجل على الأرض وظل مستلقياً بهدوء. فدهشت. وإذ
كنت لم أر وجهه – لأنه كان يدير لي ظهره عندما كان راكعاً – شعرت بفضول يدفعني إلى
الاقتراب منه لأرى من كان. لقد كان فتى من الريف، شاباً في حوالي الخامسة والعشرين.
وكان صبيح الوجه، جميل الهيئة، غير أنه شاحب. وكان يلبس (غنباز) فلاح يشده في الوسط
حبل من ألياف الزيزفون بمثابة الحزام. ولم يكن معه أي شيء آخر ذو طبيعة خاصة. ولم
يكن يحمل جراباً ولا حتى عصا. نبهه صوت اقترابي فنهض. وسألته من هو، فقال لي أنه
فلاح من فلاحي الدولة، من مقاطعة (سمولنسك)، وأنه آت من (كييف). فسألت: وإلى أين
أنت الآن ذاهب؟
أجاب: لا أعرف هذا أنا نفسي، إلى حيث تسوقني يد الله.
- هل مضى زمن طويل على تركك بيتك؟
- نعم، أكثر من أربع سنين.
- وأين عشت خلال هذه الفترة الطويلة؟
- ذهبت من مزار إلى مزار في الأديرة والكنائس. ولم يكن من معنى لبقائي في بيتي. أنا
يتيم ولا أقرباء لي. زد أن لي رجلاً شوهاء ولذا فأنا ماض أضرب في الأرض.
فقلت: يبدو أن إنساناً يخاف الله قد علمك ألا تتجول أينما اتفق، بل أن تزور أماكن
مقدسة. أجاب: حسناً، ترى، بما أني بلا أب ولا أم، كنت أذهب، وأنا طفل مع رعاة
القطعان، وكنت سعيداً حتى سن العاشرة. ثم، في ذات يوم، عدت بالقطيع إلى البيت، من
غير أن ألاحظ أن أفضل خروف من خرفان المختار لم يعد معي. كان مختاراً فلاحاً قاسياً
لا إنسانياً. عندما عاد إلى بيته في ذلك المساء ورأى أن خروفه قد ضاع، انهال علي
شاتماً مهدداً، وأقسم أنه سيضربني حتى الموت إن أنا لم أجده وقال: (سأكسر لك يديك
ورجليك). ولعلمي بمبلغ شراسته، انطلقت باحثاً عن الخروف، عائداً إلى الأمكنة التي
رعى فيها أثناء النهار. وبحثت، وبحثت أكثر من نصف الليلة، ولكني لم أقع على أي أثر
له في مكان.
وكانت الليلة حالكة السواد أيضاً، إذ كنا نشارف على الخريف. ولما توغلت في داخل
الغابة – والغابات شاسعة في مقاطعتنا – هبت عاصفة على حين غرة. فكأن الأشجار لهب في
مهب الريح، ومن بعيد، أخذت الذئاب تعوي. فأخذني الرعب بحيث وقف شعر رأسي. وكان كل
شيء يتعاظم هولاً حتى بت على وشك الانهيار خوفا ورعباً.
وعندئذ خررت على ركبتي ورسمت إشارة الصليب وقلت من كل قلبي: (أيها الرب يسوع المسيح
ارحمني). وما إن قلت هذا حتى شعرت بسلام تام، للحال، كما لو كنت لم أشعر بأدنى
قنوط. وزال كل ما كان بي من رعب وشعرت بالسعادة في قلبي، كما لو رفعت إلى السماء.
أو ترى: كان بي فرح كبير، ولم أتوقف لحظة عن ترداد هذه الصلاة. وحتى اليوم أنا لا
أعرف إن كانت العاصفة قد دامت طويلاً، ولا كيف مضى الليل. رأيت نور النهار يرتفع،
وكنت ما أزال هنا، راكعاً في المكان. ونهضت بهدوء، وفهمت أنني لن أجد الخروف أبداً،
وعدت إلى البيت. ولكن كل شيء في قلبي كان على ما يرام، وكنت أتلو صلاة يسوع لما فيه
مسرة قلبي.
ومذ بلغت القرية، رأى المختار أني لم أرجع الخروف، فضربني حتى أصبحت نصف ميت، وخلع
هذه الرجل كما ترى. وبقيت في الفراش أكاد لا أستطيع الحراك مدة ستة أسابيع، بعد ذلك
القصاص. وكل ما كنت أعرفه هو أني كنت أتلو صلاة يسوع وأنها كانت تشدد قواي. ولما
شعرت بتحسن، أخذت أضرب في الأرض. ولما كنت لا أعنى بمصاحبة الجمهور بصورة مستمرة،
وهي فرصة ارتكاب الكثير من الخطايا، عقدت النية على الرحلة من مكان مقدس إلى مكان،
وفي الغابات. هكذا أمضيت مدة ستبلغ الخمس سنين قريباً.
عند سماعي هذه القصة، امتلأ قلبي فرحاً إذ اعتبرني الله مستحقاً للقاء رجل بهذا
الصلاح، وسألته: وهل تستعمل صلاة يسوع الآن كثيراً؟ فأجاب: لن أستطيع العيش بدونها.
ترى: إن أنا تذكرت كيف سقطت على ركبتي في تلك المرة الأولى، في الغابة، حسبت وكأن
أحداً يدفعني مجدداً على ركبتي، وأباشر في الصلاة. وأنا لا أعرف إن كانت صلاتي
الحقيرة ترضي الله أم لا. وذلك لأني أشعر أحياناً. إذ أصلي، بغبطة كبرى، كأنها خفة
في الروح، شبه ملء فرح. ولكني، في أحيان أخرى، أحس بثقل حزين وضعف روحي. وفي أي حال
أنا راغب في الاستمرار في الصلاة حتى الموت. فقلت له: لا تكتئب يا أخي العزيز. فكل
شيء يرضي الله ويفيد لخلاصنا، كل شيء بلا استثناء مما يطرأ أثناء الصلاة. هذا ما
يقوله الآباء القديسون. إن كانت خفة القلب أو تثاقله، فهذا حسن. وليس من صلاة، جيدة
كانت أو سيئة، غير كافية في نظر المجهود، أما الثقل والظلمة والجفاف فتعني أن الله
يطهر النفس ويقويها، وبهذه المحنة يفديها، مهيئاً إياها، في التواضع، لتقبل المسرات
الآتية. إثباتاً لذلك، سأقرأ لك شيئاً كتبه القديس يوحنا السلمي.
ووجدت المقطع وقرأته، فاستمع إليه بانتباه وسر به. ثم شكرني عليه كثيراً. وعلى هذا
افترقنا. فاتجه مباشرة نحو أعماق الغابة وعدت إلى الطريق. وتابعت المسير شاكراً
الله اعتباره إياي، على كوني خاطئاً، مستحقاً لتلقي تعليم كهذا.
وفي اليوم التالي، وصلت إلى (كييف) بعون الله تعالى. وكان أول ما أردت فعله في هذه
المدينة المقدسة وأهمه الصيام قليلاً، والاعتراف والمناولة. ونزلت على مقربة من
القديسين {أي في دير الكهوف حيث يدفن الرهبان القديسون} لأن ذلك كان أنسب للذهاب
إلى الكنيسة. اصطحبني شيخ من الكوزاك، ولما كان يعيش وحيداً في كوخ، وجدت عنده
الهدوء. وبعد أسبوع قضيته في الاستعداد للاعتراف، خطر ببالي أن أقوم باعتراف مفصل
قدر المستطاع. فجعلت أتذكر كل ما ارتكبت من خطايا منذ صباي وأتفحصها، بدقة: ولكي لا
يفوتني شيء منها دونت كل ما استطعت تذكره مع أدق التفاصيل، مما ملأ، ورقة كبيرة
بكاملها.
وبلغني أن في (كيتاييفا بوستينا) على قرابة السبعة فراسخ من (كييف)، كاهناً متزهداً
ذا تمييز وعمق نظر كبير. من ذهب يعترف إليه وجد لديه جواً من الرفق الرقيق، وعاد
بتعليم مفيد لخلاص النفس وسلامها. كنت شديد السعادة لمعرفتي الأمر، وانطلقت حالاً
نحوه. وطلبت منه مساعدته، وتجاذبنا الحديث فترة، ثم أعطيته ورقتي. قرأها بكاملها
وقال لي:
يا صديقي العزيز، إن قسماً كبيراً مما كتبت لهو لغو. اسمع: أولاً، لا تعترف بخطايا
سبق لك أن ندمت عليها وغفرت لك. لا تعد إليها، فإن هذا يعني التشكك في سر التوبة.
وثانياً، لا تعد إلى ذاكرتك الأشخاص الآخرين الذين شاركوا في خطاياك، لا تدن إلا
نفسك. وثالثاً، يحرم الآباء القديسون علينا ذكر كافة ظروف الخطايا وملابساتها،
ويقولون لنا أن نقر بها بعبارات عامة بحيث نبعد التجربة عنا وعن الكاهن في آن معاً.
ورابعاً، أتيت لتقوم بفعل الندامة وأنت لا تندم على عدم معرفتك الندم، أعني أن
ندامتك فاترة مهملة. وخامساً، تبسطت في هذه التفاصيل كلها، ولكن الأهم لم تحفظه: لم
تبح بأخطر خطاياك، لم تقر ولم تكتب أنك لا تحب الله، وأنك تمقت قريبك، وأنك مجبول
بالتكبر والطمع. إن جذور الشر متأصلة في هذه الخطايا الأربع التي يكمن فيها
انحلالنا الروحي كله. إنها الجذور الرئيسية، التي منها تنبع كل الخطايا التي نتردى
فيها.
دهشت جداً لسماعي هذا وقلت: سامحني يا أبت، ولكن كيف يكون من الممكن عدم حب الله
خالقنا ومخلصنا؟ وبأي شيء يمكن الإيمان ما لم يكن في كلمة الله، الذي فيه كل حقيقة
وكل قداسة؟ إني أتمنى الخير لكل الناس فلماذا أكرههم؟ وليس لي ما يمكنني من التكبر.
وعلى كل، ليس لي، وقد امتلأت بالعديد من الخطايا، ما يستحق المديح. وماذا عساي
أشتهي مع حقارتي وصحتي الضعيفة؟ من المؤكد أنني لو كنت متعلماً وغنياً، لكنت – بلا
شك – مذنباً بالخطايا التي حدثتني عنها. فقال: من المؤسف يا عزيزي أن تكون أسأت فهم
ما قلت إلى هذا الحد. فلنر! ستتعلم بصورة أسرع فيما لو أعطيتك هذه الملحوظات. إنها
كتابات أفيد منها دوماً لاعترافي الشخصي. أقرأها بكاملها، وسترى بوضوح الدليل على
صحة ما قلته لك لتوي.
أعطاني الملحوظات وأخذت في قراءتها. ها هي ذي:
القصة الخامسة: اعترافي يقود الإنسان الداخلي إلى التواضع
تحققت بالاختبار، وقد أدرت أنظاري بانتباه إلى ذاتي وتفحصت استعدادات ضميري، أني لا
أحب الله، وأني لا أحب أقربائي، وأن ليس لي بالإيمان وأنني ممتلئ بالتكبر والطمع.
كل هذا أجده حقاً في ذاتي، عقب امتحان مفصل لعواطفي وتصرفي. وهكذا:
1- أنا لا أحب الله
إذ لو كنت أحب الله، لفكرت باستمرار فيه بسرور عميق. وكانت كل فكرة بالله أعطتني
لذة ورغائد. وعلى العكس، فأنا أفكر بصورة غالبة وبحرارة في أمور الدنيا، والتفكير
بالله هو لي مجهود وجفاف. لو كنت أحب الله، لكان الكلام إليه، في الصلاة، غذائي
وسروري، وكان جرني إلى شركة معه لا تنقطع. ولكني، بالضد، ليس فقط أني لا أجد في
الصلاة أية متعة، بل أنا أجد أنها مجهود. وأنا أكافح بنفور، وقد أضعفني الكسل، وأنا
مستعد لأن أسارع إلى أي أمر تافه، بلا أهمية، إن كان فيه تقصير لفترة الصلاة وصرف
عنها. ويطير وقتي في مشاغل تافهة ولكني إذ أنشغل مع الله، إذ أضع نفسي في حضرته
تبدو لي كل ساعة سنة. إن من يحب أحداً يفكر فيه طوال اليوم دون توقف، ويتخيل صورته،
يعتني به، ولا يغيب المحبوب عن أفكاره في أي من الأحوال. أما أنا، فأني أكاد لا
أخصص حتى ساعة لأستغرق في ذكر الله، لألهب قلبي لأجله، فيما أنا أُبقي باستعجال
ثلاثاً وعشرين ساعة في قرابين حارة لأصنام أهوائي. ولا أطلب إلا الحديث في موضوعات
باطلة وفي أمور تفسد النفس. إن هذا يسرني. ولكن إن كانت القضية التأمل في الله،
فذلك هو القحط والضجر والكسل.
وحتى فيما لو جرني آخرون، بصورة لا إرادية، إلى موضوع روحاني، فإني أسعى بسرعة إلى
تغيير مجرى الحديث بحيث يوافق رغائبي. إن بي فضولاً لا يشبع إزاء الطرائف والأحداث
السياسية، وأسعى بحمية إلى إرواء حبي للمعرفة العلمية والفنية. لكن درس ناموس الله،
ومعرفة الله والإيمان قليلة الجاذبية لي ولا توافق حاجة في نفسي. وليس أني أعتبرها
كمشاغل غير جوهرية للمسيحي وحسب بل إني أعدها أيضاً أحياناً كأمر لا طائل فيه ربما
عنيت به في أوقات فراغي الضائعة. وفي النهاية، إن كان نعرف حب الله من العمل
بوصاياه (قال سيدنا يسوع المسيح: إن كنتم تحبوني، فاحفظوا وصاياي)، فإني لا أقتصر
على عدم العمل بها، بل إني لا أسعى جاداً إلا قليلاً للأخذ بها. والحق أنه يظهر من
هذا، بالنتيجة، أني لا أحب الله. هذا ما يقوله باسيليوس الكبير: (إن الدليل على أن
إنساناً لا يحب الله ومسيحه يكمن في أنه لا يعمل بوصاياه).
2- إني لا أحب قريبي أيضاً
إذ ليس أني غير قادر على التضحية بحياتي من أجله فحسب (كما يطلب الإنجيل)، بل أني
لا أتخلى حتى عن سعادتي وراحتي ورفاه حالي لما فيه خير قريبي. ولو كنت أحبه كنفسي،
كما يأمر به الإنجيل، لأحزنتني مصائبه وأبهجتني سعادته. ولكني بالضد، أسمع عن قريبي
أخباراً مدهشة محزنة ولست أحزن. لا أتكدر لها قط، أو أني – وهذا أسوأ – أجد فيها
شيئاً من المتعة. وسوء تصرف أخي، بدلاً من أن أموهه بمحبة، أعلنه ناصباً نفسي
رقيباً عليه. وراحته وأفراحه لا تسرني كما لو كانت لي ولا أشعر لها بأية لذة كما لو
كانت غريبة عني كل الغربة. بل أكثر من هذا، إنها تثير فيّ الحسد أو الازدراء.
3- ليس لي أي إيمان ديني
لا بخلود النفس ولا بالإنجيل. لو كنت مقتنعاً قناعة راسخة لا شك فيها أن وراء القبر
الحياة الأبدية والجزاء على أعمال هذه الدنيا لفكرت بذلك دون انقطاع. بل إن فكرة
الأبدية كانت ملأتني خشية، وكنت أمضيت حياتي هذه كغريب يتهيأ للعودة إلى موطنه
الأصلي. وبالعكس، فأنا لا أفكر في الأبدية مجرد تفكير وأعتبر نهاية حياتي هذه على
الأرض كغاية وجودي. تولد فيّ هذه الفكرة سراً: من يدري ماذا يحصل ساعة الموت؟ وإن
قلت أني أؤمن بالخلود فإن هذا مجرد توكيد ذهني، وقلبي بعيد جداً عن أن يكون مقتنعاً
قناعة راسخة. يؤيد ذلك بوضوح تصرفي وهمي الدائب على إرضاء حياة الحواس. لو كان في
قلبي إيمان بالإنجيل المقدس، ككلمة الله، لعناني هذا باستمرار، ولكنت درست الإنجيل
ووجدت فيه ملذاتي، ولعلقت عليه انتباهي بورع عميق. إن الحكمة والنعمة والمحبة
مخبوءة فيه، ولجعلت فرحي ليل نهار دراسة شريعة الله. وبه تعالى كان يكون غذائي،
خبزي اليومي، ولحافظ قلبي تلقائياً على نواميسه. وأي شيء على الأرض ما كان له قدرة
على صرفي عنه. والأمر بالضد: إن أنا قرأت أو سمعت كلمة الله من حين لآخر، فليس ذلك
إلا لضرورة أو لما في النفس من حب للمعرفة. ومن جهة ثانية، أنا لا أوليها انتباهاً
شديداً وأجدها كالحة لا تسترعي الاهتمام. وأبلغ نهاية قراءتي – عامة – من غير أية
فائدة، وأنا على استعداد دائم لأن أبدلها بقراءة عالمية أجد فيها متعة أكبر
وموضوعات جديدة شيقة.
4- كلي تكبر وأنانية حواس
إن رأيت فيّ شيئاً صالحاً رغبت في إبرازه أو جعلت منه موضوع تكبري أمام الآخرين أو
في نفسي لكيما أنال الإعجاب على هذا الصلاح. ومع أني أظهر بمظهر التواضع، فإني
أعزوه بالكلية إلى استحقاقي الخاص وأعتبر نفسي فوق الآخرين، أو، في الأقل، أني لست
دونهم. إن لاحظت عيباً فيّ، أحاول معذرته وتمويهه قائلاً: (هكذا جبلت) أو (لست أنا
من يلام في ذلك). وأغضب على الذين لا يعاملوني باحترام وأقرر أنهم غير أهل على
تقدير الناس على حقيقة أمرهم. وأباهي بمواهبي، أما فشلي في عمل ما فأعتبره إهانة
شخصية. أجد متعة في مصيبة أعدائي. وإن أنا جهدت في عمل صالح فإن ذلك يكون بغية مجد
أناله، أو رضى روحي أو تعزية أرضية. وبعبارة موجزة، أجعل من نفسي صنماً أخدمه دون
انقطاع، ساعياً في كل شيء إلى ما يذكي أهوائي ورغائبي.
عند امتحان هذا كله، أرى أني متكبر فاسد، قليل الإيمان وبلا محبة لله وأني أكره
قريبي. فأي حال يمكن لها أن تكون مذنبة أكثر من هذه؟ إن وضع الأرواح الشريرة أفضل
من حالي. فإنها، بالرغم من عدم محبتها لله وكرهها وعيشها المتكبر تؤمن وترتعد
خوفاً. وأنا؟ أيمكن أن يكون ثمة مصير أرهب من المصير المعد لي، وأي قضاء تراه يكون
أقسى من القضاء الذي سيدين الحياة اللامبالية العابثة التي أعرف أنها حياتي؟
عند قراءتي نموذج الاعتراف هذا الذي أعطاني إياه الكاهن، من أوله إلى آخره، شعرت
بالهول وفكرت: (يا للسماء! أية خطايا قبيحة تكمن فيّ وأنا لم ألاحظها إلى الآن!).
ودفعتني الرغبة في التطهر منها إلى أن أطلب من هذا الأب الروحي الحق أن يطلعني على
أسباب هذه الآفات كلها وعلاجاتها. فأخذ في تعليمي. قال:
أو ترى، يا أخي العزيز، أن عدم محبة الله يأتي من قلة الإيمان، وسبب هذا النقص هو
الامتناع عن دراسة العلم الحقيقي والمقدس وعدم الاهتمام بشؤون الروح. وبكلمة موجزة،
لا يمكنك أن تحب إن لم يكن لك الإيمان. إن لم تكن مقتنعاً لا يمكنك أن تحب، ولكيما
تصل إلى الاقتناع ينبغي لك معرفة تامة دقيقة بالمسألة. وعليك، بالتأمل وبدراسة كلمة
الله وبملاحظتك لاختباراتك الخاصة، عليك أن تثير في نفسك الظمأ والشوق أو - كما
يسميه البعض – (الدهشة) التي تولِّد رغبة لا تروى في معرفة الأشياء، عن كثب وبصورة
أتم، وذلك للتوغل في طبيعتها توغلاً أعمق.
يتكلم كاتب روحاني عن هذا بقوله: (إن الحب ينمو، عامة، مع المعرفة، وكلما كان عمق
المعرفة ورقعتها أكبر، كان الحب أكبر، وخضع القلب بسهولة أكبر وانفتح على حب الله،
متأملاً بانتباه ملء عالم الله وجماله، وحب الله اللامتناهي للناس).
ترى، إذن، أن سبب هذه الخطايا هو رفضنا الكسول للتأمل في الأمور الروحية، وهو كسل
يخنق حتى الشعور بالحاجة إلى هذه التأملات. وإن كنت تريد أن تعرف كيف تتغلب على هذا
الخطأ، فاسع إلى إنارة الروح بكل ما في يدك من وسائل، وتوصل إلى ذلك بالدراسة
الدائبة لكلمة الله وآباء الكنيسة، وعن طريق التأمل والإرشادات الروحية وبأحاديث من
هم حكماء في المسيح. أواه يا أخي العزيز، يا لعظم شقائنا بسبب تكاسلنا وحده عن
البحث عن نور النفس في كلمة الحق. نحن لا ندرس شريعة الله ليل نهار، ولا نصلي
باجتهاد ودون توقف لمعرفتها. ولذا كان إنساننا الداخلي جائعاً وبردان. إنه يعاني
الحرمان إلى حد أنه لا يقوى على القيام بخطوة شجاعة في سبيل الفضيلة والخلاص!
وهكذا، أيها الحبيب، فلنعقد النية على استخدام هذه السبل ولنشغل ذهننا، ما أمكننا
ذلك، بالتفكير في الأشياء السماوية. وسيلتهب فينا الحب المنسكب في قلوبنا من عل.
سنفعل هذا، إذن، وسنصلي ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً، إذ إن الصلاة هي أولى الوسائل،
وأهمها، من أجل تجددنا وصلاح حالنا. سنصلي بالعبارات التي تعلمنا إياها الكنيسة
المقدسة: (يا الله، اجعلني قادراً على أن أحبك الآن كما أحببت الخطيئة في الماضي).
استمعت إلى هذا كله بانتباه. وطلبت إلى هذا الأب القديس، وقد تأثرت عميقاً، أن
يستمع إلى اعترافي ويناولني القربان المقدس. وفي صبيحة الغداة، بعد أن حصلت على
نعمة المناولة، عقدت النية على العودة إلى (كييف) بزادي المقدس هذا. لكن هذا الأب
البار، الذي كان ذاهباً إلى دير الاكهاف لقضاء يومين، تكرم بضيافة صومعته ولكيما
أتمكن من الانصراف بحرية، في سكينتها، إلى الصلاة. أمضيت هذين اليومين كما لو كنت
في الفردوس. كنت أنعم، أنا غير المستحق، بالسلام الكامل بفضل صلوات الستارتس. كانت
الصلاة تنبع في قلبي بيسر وسرور كبيرين إلى حد أني – في تلك الفترة – نسيت، على ما
أظن، كل شيء، ونفسي. لم يكن في فكري إلا يسوع المسيح، وإلاه وحده.
عاد الكاهن، آخر الأمر، وسألته نصحه وإرشاده: (إلى أين أمضي الآن في مسيرتي
كسائح؟)، فباركني قائلاً: اذهب إلى (بوشاياف) لتكرم هناك الأثر العجائبي لقدم والدة
الله الكلية الطهارة، ولسوف ترشد خطاك في درب السلام.
فأخذت بنصيحته، وانطلقت بعد ثلاثة أيام نحو (بوشاياف). كانت الطريق على مسافة زهاء
المئتي فرسخ، تقوم فيها بكثرة الفنادق والقرى اليهودية، ولم يقع لي إلا نادراً أن
أجد بيتاً مسيحياً. ولاحظت، في إحدى الدساكر، وجود نزل مسيحي. فدخلته لمبيت ليلة،
ولطلب زاد الطريق من الخبز، لأن مؤونتي شارفت على النفاد. ورأيت مضيفي، وهو شيخ
وسيم الوجه، وعرفت أنه في الأصل من مقاطعتي، مقاطعة (أورلوف). دخلت الغرفة مباشرة،
وكان أول أسئلته: ما ديانتك؟ فأجبت إني مسيحي أرثوذكسي. قال ضاحكاً: أرثوذكسي حقاً!
أنتم لستم أرثوذكسيين إلا قولاً، أما فعلاً فلستم إلا وثنيين. أنا أعرف كل شيء عن
دينك، يا أخ. أغراني كاهن مثقف، ذات مرة، وقد جربته. دخلت كنيستكم وبقيت أرثوذكسياً
ستة أشهر، عدت بعدها إلى عادات طائفتي. إن دخول كنيستكم مجرد وهم يغر به. فالقراء
يهمهمون الخدمة على هواهم، يحذفون أشياء، ويتلون أشياء لا تفهم. وليس الترتيل أفضل
مما يسمع في مقهى. ويقف الناس رجالاً ونساء معاً، وهم يتكلمون أثناء الخدمة،
ويتلفتون وينظرون حولهم، ويتمشون جيئة وذهاباً ولا يدعون لك هدوءاً أو سلاماً
لتصلي. أي أنواع العبادة هذه؟ إنها خطيئة، هذه ما هي. أما عندنا، فلأن الخدمة ورعة
فيمكنك سماع ما يقال، ولا يحذف شيء، والترتيل في غاية الروعة، فيما يبقى الشعب
هادئاً: الرجال من جهة والنساء من جهة ثانية. وكل يعرف الانحناءات التي يجب القيام
بها في الوقت المناسب وفقاً لتعاليم الكنيسة المقدسة. حقاً وصدقاً، يشعر المرء لدى
دخوله إحدى كنائسنا أن الله يُعبد فيها، أما في كنيسة من كنائسكم، فلا يعرف الإنسان
إن كان في الكنيسة أم في السوق.
فهمت من هذا كله أنه من أتباع (المؤمنين القدامى) المتشددين. لكن كلامه كان سديداً
بحيث لم يكن في وسعي لا مناقشته ولا هدايته. غير أني قلت في نفسي أنه سيكون من
المستحيل هداية المؤمنين القدامى إلى الإيمان الصحيح ما لم تنظم الطقوس لدينا
تنظيماً حسناً، وما لم يضرب رجال الدين المثل الصالح. فإن المؤمنين القدامى لا
يعرفوا شيئاً عن الحياة الروحية، وهم يعتمدون على الأشياء الخارجية، ونحن إنما نهمل
هذه.
ولذا قررت الذهاب، وصرت فعلاً في مدخل المكان وإذا بي أرى، بدهشة كبرى، خلال باب
غرفة خاصة، رجلاً تدل هيئته على أنه غير روسي، وكان يقرأ مستلقياً على سرير. أشار
إليّ إشارة، وسألني من أكون، فقلت له. فأخذ يحدثني. قال: اسمع يا صاح. ألن تقبل
العناية بمريض... فلنقل لأسبوع، إلى أن تتحسن حالي بعونه تعالى؟ أنا يوناني، راهب
من جبل آثوس. وأنا في روسيا بغية جمع صدقات لديري. وأصابني المرض وأنا في طريق
العودة. إن ساقيي تؤلماني إلى حد لا أستطيع السير معه. لا تقل لا يا عبد الله،
سأدفع لك أجرك. فقلت: لا حاجة بك إلى أن تدفع لي شيئاً. سأقوم بالعناية بك على أفضل
ما أستطيعه، لوجه الله.
فبقيت معه. وتعلمت منه أشياء كثيرة تتصل بخلاص نفوسنا. وحدثني عن آثوس، الجبل
المقدس، وعن كبار الزهاد فيه وعن النساك المتوحدين الكثيرين. وكان معه نسخة يونانية
من الفيلوكاليا وكتاب لاسحق السرياني. فقرأنا معاً وقارنا النص السلافوني الذي
ترجمه (باييسي فيليتشكوفسكي) {راهب روماني (1772- 1794) عاش في جبل آثوس حيث تدرب
على حياة الصلاة المستديمة. وبرجوعه إلى رومانيا ترجم الفيلوكاليا إلى السلافونية.
راجع المقدمة} بالنص اليوناني الأصلي. فأعلن أنه يستحيل تأدية الفيلوكاليا بدقة
وأمانة أكبر مما نقلت فيه إلى السلافونية بقلم باييسي.
لاحظت أنه كان في حالة صلاة دائمة، وحاذقاً جداً في صلاة القلب الداخلية، ولما كان
يتقن الروسية إتقاناً، سألته أسئلة في هذا الموضوع. فقال لي للحال الكثير فيه
واستمعت إليه بانتباه. بل إني دونت ملحوظات كثيرة خطياً. وهكذا، مثلاً، أطلعني على
امتياز صلاة يسوع وعظمتها بهذه الكلمات: (حتى شكل صلاة يسوع يظهر ما أعظم هذه
الصلاة. وهي في قسمين، في القسم الأول، (أيها الرب يسوع المسيح، يا ابن الله) توجه
أفكارنا نحو سر يسوع المسيح، وكما يقول الآباء القديسون، إنها خلاصة للإنجيل.
وفي القسم الثاني، (ارحمني، أنا الخاطئ) تضعنا الصلاة أمام واقع طبيعتنا الساقطة.
ومن الملاحظ أن رغبة نفس مسكينة متواضعة والتماسها لا يمكنهما أن يعبر عنهما بعبارة
أحكم وأوضح وأدق من هذه العبارة: (ارحمني). لن يمكن لأية صيغة غيرها أن تكون
بكمالها وبقدرتها على بعث الرضى. لو كنا نقول، مثلاً: (سامحني، امنح خطاياي، طهرني
من معاصي، تجاوز عن إهاناتي)، لكان هذا كله لا يعبر إلا عن التماس ليس هو إلا طلب
العفو من العقاب، وخوف نفس ضعيفة لا حول لها. أما قولنا: (ارحمني) فلا يعبر عن
الرغبة في العفو خوفاً وحسب، بل هو الصرخة الصادقة للمحبة البنوية التي جعلت أملها
في رحمة الله وأقرت بتواضع بكونها في غاية الضعف لتحطيم إرادتها الذاتية والسهر على
نفسها. إنه نداء رحمة – نداء نعمة إذن – سيتجلى بالقوة التي سيمنحنا الله ليجعلنا
قادرين على مقاومة التجربة والانتصار على ميلنا إلى الخطيئة. كما لو كان مدين عاجز
عن الدفع يطلب من دائنه – وهو صديقه – لا أن يؤجل له موعد الدفع وحسب، بل أن يشفق
أيضاً على فقره المدقع ويتكرم عليه بما تجود يده. هذا ما تعبر عنه هذه الكلمة
العميقة: (ارحمني). فكأنك تقول: (أيها السيد الرحيم اعف عن خطاياي وساعدني على
تقويم نفسي، أيقظ في نفسي رغبة حارة في إتباع وصيتك. أنثر نعمتك بمسامحتك خطاياي
الحاضرة، وبتوجيه أفكاري وإرادتي وقلبي اللامبالين نحوك وحدك).
وعلى هذا، عجبت لحكمة كلامه، وشكرته لتعليمه نفسي الخاطئة. وتابع يعلمني أشياء
رائعة. قال:
- إن أردت (وفهمت أنه عالم، إذ كان درس في أكاديمية أثينا) حدثتك الآن عن اللهجة
التي تقال بها صلاة يسوع. والواقع أني سمعت مسيحيين كثيرين يخافون الله يتلون هذه
الصلاة شفهياً، كما أمر كلمة الله ووفقاً لتقليد الكنيسة المقدسة. وهم يلجأون إليها
لا في صلواتهم الخاصة وحسب بل في الكنيسة. وإن أنت استمعت بانتباه وكصديق إلى
التلاوة الهادئة لهذه الصلاة، للاحظت، لفائدتك الروحية، أن لهجة الصوت المصلي تختلف
تبعاً للأشخاص. وهكذا نرى البعض يشددون النبرة على الكلمة الأولى ويقولون (أيها
الرب يسوع المسيح) ثم ينهون بقية الجملة كلها بلهجة واحدة. ويبدأ البعض الآخر بلهجة
واحدة، ويشددون النبرة، في منتصف الصلاة، على كلمة يسوع، كما في جملة تعجبية،
وينهون الصلاة من ثم باللهجة ذاتها الموحدة، كما فعلوا في البداية. وآخرون غيرهم
يبدأون الجملة ويستمرون فيها من غير نبرة حتى الكلمة الأخيرة – ارحمني – حيث يرفعون
صوتهم بقوة. وأخيراً هنالك من يتلون الصلاة كلها (أيها الرب يسوع المسيح ابن الله
ارحمني أنا الخاطئ) بنبرة شديدة على عبارة (ابن الله) وحدها.
اسمع الآن. ثمة صلاة واحدة فقط. وللمسيحيين الأرثوذكسيين عقيدة واحدة فقط، وكلهم
يعلمون أن هذه الصلاة السامية أكثر من غيرها تحوي شيئين: الرب يسوع والنداء الموجه
إليه. والجميع يقرون بهذا. فلماذا ترى لا يتلفظون بها بالطريقة ذاتها، باللهجة
ذاتها؟ لماذا تصلي كل نفس بطريقتها الخاصة؟ لماذا تعبر النفس عن ذاتها بنبرة خاصة
لا في الموضع بذاته للجميع، بل في مكان بعينه بالنسبة إلى كل شخص؟ يقول كثيرون إن
هذا ربما كان وليد العادة أو المحاكاة، أو إن هذا رهن بتأويلات متباينة للكلمات
تبعاً لوجهات نظر فردية، أو - أخيراً – إنها الطريقة التي تأتي بأكبر سهولة، بصورة
طبيعية لكل واحد. لكن رأيي مختلف. بودي أن أجد سبباً أسمى، شيئاً يكون مجهولاً لا
لدى سامع الصلاة وحسب بل لدى المصلي نفسه أيضاً. إلا يكون ثمة احتثاث خفي من الروح
القدس الذي يتوسط من أجلنا بأنات لا يستطيع اختراعها الذين لا يعرفون لماذا ولا كيف
يصلون؟ وإن كان كل امرئ يذكر اسم يسوع بالروح القدس، حسب قول الرسول، فإن الروح
الفاعل في الخفاء، والمعطي الصلاة لمن يصلي، يهب هذا المرء عطية خاصة، بالرغم من
تخاذل قوته.
وهكذا فقد يمنح الروح القدس إنساناً خوفاً لله موقراً، ويمنح آخر المحبة، ويمنح
ثالثاً رسوخ الإيمان، وآخر التواضع المشع نعمة، وهكذا...
وإن كان الأمر كذلك، فإن الذي تقلى نعمة توقير قدرة الضابط الكل ومديحها سيسعد
بصورة خاصة بلفظ كلمة رب التي يشعر فيها بعظمة خالق العالم وقدرته. والذي أعطي سيل
الحب الخفي في قلبه يغتبط ويمتلئ سروراً إذ يتعجب قائلاً: يسوع المسيح، تماماً كذلك
الستارتس الذي ما كان يستطيع أن يسمع اسم يسوع، حتى في حديث عادي، من غير أن يشعر
بدفق خاص من المحبة والفرح. والذي يؤمن إيماناً لا يتزعزع في ألوهة يسوع المسيح،
المساوي للآب في الجوهر، يوهب إيماناً أحر لدى تلفظه بكلمتي ابن الله. ومن وُهب هبة
التواضع، وكان يعي ضعفه الخاص وعياً عميقاً يشعر بالتواضع والندامة عند قوله
ارحمني، وهو يفتح قلبه في خاتمة صلاة يسوع هذه. وهو يحب الأمل الذي يعقده على رحمة
الله المحب للبشر ويمقت سقوطه الشخصي في الخطيئة.
ورأيي أنه ينبغي، في هذا، البحث عن أسباب اللهجات المتباينة التي تنطق بها صلاة اسم
يسوع. ويمكنك أن تتعرف فيها، لدى الاستماع إليها، لما فيه مجد الله وعبرتك الخاصة،
إلى أي انفعال ينفعل به هذا أو ذاك من المصلين، وأية موهبة روحية أعطيت له. قال لي
كثيرون، بهذا الصدد: لماذا لا تظهر علامات هذه المواهب الروحية الخفية، لماذا لا
تظهر معاً، مجتمعة؟ عندئذ ستكون لا بعض كلمات الصلاة... بل كلها مشبعة بانجذاب روح
واحدة. أجبت بهذه الصورة: ما دامت نعمة الله تنثر مواهبها بحكمة على كل حسب قوته،
كما نرى في الكتاب المقدس، من تراه يستطيع أن يسعى، مع عقله المحدود، إلى الدخول في
حالات النعمة جميعاً؟ أليس الفخار في يد الخزاف بالكلية، أولا يمكنه أن يصنع منه أي
شيء يريد حسب مشتهاه؟
قضيت خمسة أيام مع هذا الستارتس، وبدأ يشعر بتحسن كبير. ولقد كان هذا الزمن مفيداً
لي كثيراً حتى أني لم أحس بالسرعة التي انقضى فيها. إذ أننا في تلك الغرفة الصغيرة،
في عزلتنا الساكنة لم يكن لنا من هم سوى ذكر اسم يسوع بصمت، أو الحديث في موضوع
واحد هو الصلاة الداخلية.
وفي ذات يوم أتى سائح يزورنا. كان يشكو بمرارة من اليهود ويشتمهم. فلقد مر في قراهم
وعانى، لا شك، من عداوتهم وحيلهم. وكانت مرارته كبيرة منهم إلى حد أنه كان يلعنهم،
حتى أنه قال إنهم لا يستحقون الحياة بسبب عنادهم وقلة إيمانهم. وأعلن، أخيراً، أن
كرهه لهم كبير بحيث لم يعد قادراً على السيطرة عليه.
فقال الستارتس: لا يحق لك، يا صاح، أن تشتم اليهود وتلعنهم بهذه الصورة. فقد خلقهم
الله كما خلقنا نحن، ويجب عليك أن تكن لهم الاحترام وأن تصلي من أجلهم لا أن
تلعنهم. صدقني، إن الاشمئزاز الذي تشعر به نحوهم يأتي من كونك غير متأصل في حب
الله، وأن ليس عندك الصلاة الداخلية. سأقرأ لك مقطعاً من كتابات آباء الكنيسة حول
هذا الموضوع. اسمع، هذا ما كتبه مرقس الزاهد: (إن النفس المتحدة داخلياً بالله
تصبح، بسبب فرحها الكبير، كطفل بسيط طيب، لا يدين أحداً لا يونانياً ولا وثنياً ولا
يهودياً ولا خاطئاً، لكنه يعتبرهم جميعاً بنظرة واحدة مطهرة. ويجد فرحاً في العالم
كله، ويشتهي أن يمجد الجميع الله – يونانيين ويهوداً ووثنيين). ويول مكاريوس الكبير
المصري إن المتأمل يحترق بحب كبير إلى حد أنه، لو كان من الممكن، لجعل من نفسه
مسكناً للجميع، من غير تمييز بين الأخيار والأشرار.
هذا، يا أخي العزيز، ما يفكر به الآباء بهذا الصدد. أوصيك إذن أن تتخلى عن عنفك وأن
تنظر إلى كل شيء تحت سمة العناية الإلهية العليمة بكل شيء، وعندما تشعر بالانزعاج
أدن نفسك بنفاد الصبر وبقلة التواضع.
أخيراً مضى أسبوع، وشفي صاحبي الستارتس، فشكرته من صميم القلب على كل التعاليم
المباركة التي لقنني، ثم ودع كل منا الآخر. انطلق هو في المسير بغية العودة إلى
بلده وتابعت أنا خط السير الذي كنت قد رسمته، فكنت أقترب من (بوشاياف). ولم أكن قد
اجتزت أكثر من المئة فرسخ حين لحق بي جندي. فسألته إلى أين هو ذاهب. فقال لي أنه
عائد إلى مسقط رأسه (كامينتسك بودولسك). وسرنا زهاء العشرة فراسخ من غير أن نتبادل
كلمة واحدة، ولاحظت أنه يتنهد تنهداً عميقاً، كما لو أن شيئاً يثقل صدره، وكانت
ملامح وجهه قاتمة. فسألته عما يحزنه إلى هذا الحد. قال: يا صاح ما دمت قد لاحظت
حزني، فإن أنت حلفت بأقدس ما عندك أنك لن تبوح به لأحد، فسأروي لك حكايتي كاملة.
فإني على وشك الموت، ولا أحد لدي أحدثه.
فطمأنته أني، كمسيحي، لم يكن بي أدنى حاجة إلى كشف الأمر لأي كان، وأني، بفعل
المحبة الأخوية، سيسعدني أن أسدي إليه أية نصيحة يمكنني إسداؤها.
فشرع يحكي قائلاً: إليك قصتي: جندت كجندي من بين فلاحي الدولة. وبعد زهاء الخمس
سنين باتت الخدمة لا تطاق، وبالفعل جلدت مراراً عديدة بسبب إهمالي والسكر. وصممت
على الفرار، وفررت، وقد عشت هذه السنين الأخيرة الخمس عشرة فاراً. خلال ست سنين،
اختبأت حيثما استطعت. وكنت أسرق من المزارع والعنابر والمستودعات. كنت أسرق الخيل.
وكنت أسطو على دكاكين. وتابعت هذا النوع من الأعمال على حسابي الخاص. وكنت أتخلص من
المسروقات بطرق مختلفة. وكنت أعاقر الخمرة بثمن المبيعات، وأعيش حياة منحلة وأرتكب
ما أمكن من الخطايا. لكن روحي وحدها لم تهلك. وكنت أتدبر أمري على خير ما يرم. لكن
الأمر انتهى بي إلى أن ألقيت في السجن بسبب التشرد من غير جواز سفر، غير أني هنا
أيضاً وجدت فرصة للهرب. ثم اجتمعت، من غير سابق موعد، بجندي مسرح من الخدمة، كان
عائداً إلى بيته في مقاطعة نائية. ولما كان مريضاً لا يمشي إلا بشق النفس، طلب مني
أن أوصله إلى أقرب قرية يمكنه أن يجد فيها مأوى. فأوصلته.
وسمحت لنا الشرطة أن نبيت ليلتنا في أهراء، فوق القش، واستلقينا هناك. وعند
استيقاظي، في صبيحة الغداة، ألقيت نظرة إلى صاحبي الجندي، فكان هذا جثة هامدة.
فبحثت بسرعة عن جواز سفره – أو بالأحرى عن وثيقة تسريحه – وبعد أن وجدتها مع مبلغ
محترم من المال، وفيما كان الجميع ما يزالون نياماً، غادرت الأهراء بأسرع ما
أمكنني، ودخلت الغابة وهربت. وعند قراءتي جواز السفر وجدت أنه في ذات سني تقريباً،
والعلامات الفارقة عينها. فاستبشرت بهذا وقصدت بقدم ثابتة مقاطعة (استراخان). هنا،
أخذت في التعقل قليلاً، وحصلت على عمل. كنت مع شخص مسن يملك بيتاً ويتعاطى تجارة
الماشية. وكان يعيش لوحده مع ابنته المترملة. بعد عام أمضيته عنده، تزوجت ابنته. ثم
توفي الشيخ. ولم يكن بوسعنا الاستمرار في أعماله. وعدت إلى معاقرة الخمرة، وزوجتي
كذلك، وبعد عام كنا قد بذرنا كل ما تركه الشيخ من مال. ثم مرضت زوجتي وتوفيت.
وعندئذ بعت كل ما تبقى مع البيت. وسرعان ما وجدت نفسي وقد نفد كل مالي. لم يكن لي
شيء أعتاش به، لا شيء آكله. فعدت إلى تجارتي القديمة: بيع المسروقات، بجرأة أكبر ما
دمت الآن أمتلك جواز سفر.
وهكذا عدت إلى حياتي السابقة مدة عام تقريباً. ثم جاءت فترة طويلة لم يكن فيها
النجاح قط حليفي. سرقت فرساً عجوزاً حقيراً لفلاح بلا أرض، وبعته إلى الحطاب بثمن
لقمة خبز. أخذت المال إلى المقهى وجعلت أشرب الخمر. كان في نيتي الذهاب إلى قرية
يحتفلون فيها بعرس، يحدوني الأمل بسرقة كل ما استطعت إليه سبيلاً، بعد أن ينام
الجميع عقب الاحتفال. ولما كانت الشمس لم تغب بعد، ذهبت إلى الغابة في انتظار
الليل. واستلقيت ونمت نوماً عميقاً.
فرأيت حلماً، رأيت فيه نفسي واقفاً في مرج كبير وجميل. وفجأة ارتفعت في السماء
سحابة مخيفة، ثم قصفة رعد رهيب إلى حد أن الأرض زلزلت تحت قدمي، وشعرت وكأن أحداً
يدفعني بضربة إلى كتفي في باطن الأرض التي كانت تحيط بي ضاغطة من كل الجهات. وكان
رأسي وحده مع يدي خارج التراب. وعندئذ رأيت وكأن تلك السحابة الرهيبة حطت على
الأرض، وخرج منها جدي المتوفي منذ عشرين سنة. لقد كان رجلاً مستقيماً جداً، وكان
وكيل الكنيسة طوال ثلاثين سنة في ضيعتنا. أتى إلي والغضب والوعيد يبدوان على
سيمائه، مما جعلني أرتعد. ورأيت حولي، في كوم متعددة، الأشياء التي سرقتها في فترات
مختلفة. فتضاعف رعبي. أتى جدي إلي، وأشار بإصبعه إلى الكومة الأولى قائلاً: ما هذا؟
هلم! فأخذت الأرض من حولي تضيق علي بشدة كبيرة بحيث لم أكن أستطيع تحمل الألم، ولا
أصابني الإغماء، رغم شدته. فأننت وهتفت: (ارحمني)، لكن عذابي استمر. وعندئذ أشار
جدي إلى كومة ثانية وقال أيضاً: وما هذا؟ اسحقيه سحقاً أقوى! فشعرت بألم وقل عنيفين
من الشدة بحيث لا يمكن أن يقارن بهما أي تعذيب على وجه الأرض. وأخيراً، ساق جدي
قريباً مني الحصان الذي سرقته في العشية وصرخ: وما هذا؟ هلم بأقوى ما تستطيعين. كان
ألمي شديداً في جسدي كله إلى حد لا يمكن وصفه. كان ألماً قاسياً مريعاً مدمراً! بدا
لي وكأن عضلاتي كلا تسحق سحقاً، وكان هذا الألم الفظيع يخنقني. وشعرت أن هذا العذاب
لو دام وقتاً أطول لفقدت الوعي. لكن الحصان رفسني وجرح خدي. وعند تلقي هذه الضربة،
استيقظت.
كنت في غاية الرعب وكانت الرعدة تنتاب جسدي كله. ورأيت أن النهار طلع وأن الشمس
كانت تشرق. وإذ رفعت يدي إلى خدي أحسست بالدم يسيل متدفقاً، وأجزاء بدني التي كانت
في الحلم مدفونة، كانت، ماذا أقول؟ ... متخدرة، موجوعة وبها دبيب النمل. وكان رعبي
شديداً بحيث صعب علي النهوض والعودة إلى منزلي. وآلمني خدي زمناً طويلاً. أنظر!
بوسعك أن ترى الندبة. لم تكن هنا من قبل. ومنذ ذلك اليوم، يستولي علي الخوف والذعر
في أحيان كثيرة لمجرد ذكرى ما قاسيت في ذلك الحلم، وهما من القوة بحيث لا أدري ما
أصنع بنفسي. وأنكى ما في الأمر أن هذه الفترات تزايدت، وصرت آخر الأمر أخاف الناس
وأشعر بالعار كما لو كان الجميع يعرفون ماضيّ المعيب. فقدت حب الشراب والأكل والنوم
بسبب هذا العذاب. وغدوت خرقة بالية. ولقد فكرت في العودة إلى كتيبتي في الجيش وفي
الاعتراف بكل ما في قلبي مخففاً. فلربما عفا الله عن خطاياي إن أنا تقبلت قصاصي.
لكن الخوف أصابني، والتفكير في إمكانية جلدي ثبطت عزيمتي. فنفذ صبري وأردت أن أشنق
نفسي. لكنه خطر ببالي أنني، في كل حال، لم يبق لي الكثير أعيشه، وسأموت عما قريب
لأني فقدت قواي كلها. ولذا أردت العودة إلى بلدتي لأودع الوداع الأخير وأموت. مازال
لي ابن أخ، وقد مضى علي إلى الآن ستة أشهر وأنا أسير. وفي كل حين أنوء بعبء العذاب
والخوف بصورة بائسة. ما قولك يا صاح؟ ماذا علي أن أفعل؟ حقاً أكاد أكون منتهياً.
عند سماعي هذا كله عرتني دهشة كبرى وحمدت حكمة الله وصلاحه إذ رأيت بأي السبل
يتلفان خاطئاً. وقلت له: يا أخي العزيز، كان عليك خلال هذا الخوف وهذا القلق أن
تصلي إلى الله. إنه العلاج الأعظم لكل مشقاتنا. فقال لي: أبداً! كان يبدو لي أني لو
أخذت في الصلاة، لحطمني الله فوراً. فقلت: لا معنى لقولك هذا، يا أخي، إن إبليس هو
الذي يدخل في رأسك أفكاراً كهذه. لا حد لرحمة الله، إنه يتحنن على الخاطئ ويسامح
بسرعة كل الذين يتندمون. ربما كنت تجهل صلاة يسوع: (أيها الرب يسوع المسيح، ارحمني
أنا الخاطئ)، هذه الصلاة التي يكررها المرء بلا انقطاع.
- أنا طبعاً أعرف هذه الصلاة! وكنت أتلوها أحياناً لأحافظ على شجاعتي إذ كنت على
وشك ارتكاب سرقة.
- اسمع إذن. لم يهلكك الله عندما كنت في سبيل عمل شرير إذ تلوت الصلاة. أتراه يفعل
إن جعلت تصلي وأنت في سبيل الندامة؟ إنك ترى تماماً أن أفكارك من الشيطان تأتي.
صدقني، يا أخي العزيز، إن أردت تلاوة الصلاة من غير أن تشغل بالك أبداً بالأفكار
التي تخطر لك أيما كانت، فستشفى بسرعة كبرى. سيزول كل خوف وكل قلق، وفي النهاية
ستعيش بسلام تام. وستصبح إنساناً تقياً، وستزول عنك كل الأهواء الآثمة. أؤكد لك ذلك
لأني رأيت أمثلة كثيرة عنه في حياتي. ثم حدثته عن عدة حالات تجلى فيها أثر صلاة
يسوع في الخطأة. وأخيراً أقنعته بمرافقتي إلى دير والدة الإله في (بوشاياف)، ملجأ
الخطأة، وبالاعتراف هناك وتناول القربان المقدس قبل العودة على بلده.
استمع الجندي إلى هذا كله بانتباه وفرح، على ما استطعت ملاحظته، وقبل كل ما عرضته
عليه. وذهبنا معاً إلى (بوشاياف)، بشرط ألا يوجه أحدنا الكلام إلى صاحبه وأن نتلو
صلاة يسوع طوال الوقت. مشينا بصمت نهاراً بكامله. وقال لي في الغداة أنه يشعر بتحسن
كبير، وكان من الواضح أن نفسه أهدأ من ذي قبل. وبلغنا (بوشاياف) في اليوم الثالث،
وحثثته أيضاً على عدم قطع الصلاة نهاراً وليلاً، مادام مستيقظاً، مؤكداً له أن اسم
يسوع الكلي القداسة، الذي لا يطيق أعداؤنا الروحيون سماعه سيكون له سلطان تخليصه.
وقرأت له في الفيلوكاليا أنه، بالرغم من أن علينا تلاوة الصلاة كل حين، فإنه من
الضروري، بصورة أخص، تلاوتها بأكبر ما يمكن من عناية حين نتهيأ للمناولة.
وهذا ما فعل، ثم اعترف وتناول. وبالرغم من أن أفكاره القديمة عادت إليه تعذبه بين
الحين والحين، فإنه لم يصعب عليه تبديدها بصلاة يسوع. ومساء الأحد نام أبكر من
عادته وهو يتابع تلاوة صلاة يسوع، وذلك حتى يستطيع النهوض بسهولة أكبر لصلاة السحر.
وبقيت جالساً في ركني، أقرأ فيلوكاليتي على ضوء شمعة. وانقضت ساعة. نام صاحبي،
وأخذت في تلاوة الصلاة. بعد عشرين دقيقة تقريباً، وفجأة أجفل وأفاق، وقفز بسرعة من
سريره، وأتى راكضاً إلي، دامعاً، وقال وهو في غاية السعادة: آه يا أخي، ليتك تعلم
ما رأيت لتوي! يا للسلام، يا للفرح! أعتقد أن الله رحيم للخطأة، وهو لا يعذبهم.
المجد لك يا رب، المجد لك!
فدهشت، وسعدت ورجوته أن يقص علي بدقة ما حدث له. فقال: إليك قصتي: ما كدت أنام حتى
وجدت نفسي مجدداً في ذلك المرج الذي عذبت فيه. وأصابني الرعب أول الأمر، ولكني رأيت
أن الشمس مشعة، بدل السحابة، وكانت تشرق، وأن نوراً رائعاً يتألق على المرج كله.
ورأيت أزهاراً جميلة وعشباً. وفجأة أتى إلي جدي، وهو أجمل ما يكون، وحياني بلطف
وقال لي: (اذهب إلى (جيتومير)، إلى كنيسة القديس جاورجيوس. وستأخذك الكنيسة تحت
حمايتها. امض فيها بقية عمرك وصل بلا انقطاع. وسيكون الله لك كثير الأفضال). وعلى
هذا رسم علي إشارة الصليب واختفى. لا يمكنني أن أعبر لك عن السعادة التي شعرت بها:
لكأن عبئاً أزيح عن كتفي، وكأني طرت محلقاً في السماء. وهنا أفقت، وقد حل السلام في
نفسي وقلبي، وامتلأت فرحاً إلى حد أني ما كنت أدري ما أنا فاعل. ماذا يجب أن أفعل
الآن؟ سأنطلق حالاً إلى (جيتومير)، كما قال لي جدي. وسيكون هذا سهلاً، برفقة صلاة
يسوع.
- لحظة، يا أخي، كيف يمكنك الذهاب في منتصف الليل؟ ابق حتى صلاة السحر، قل صلواتك
ثم اذهب يصحبك الله.
لم ننم بعد هذه المحادثة. ذهبنا إلى الكنيسة، فبقي لصلاة السحر بأكملها وصلى صادقاً
باكياً، وقال إنه يشعر بالسلام، وأنه سيتابع بفرح تلاوته لصلاة يسوع. وفي القداس،
تناول القربان، وعندما أفطر رافقته حتى طريق (جيتومير) حيث افترقنا وفي عينينا دموع
الفرح.
أخذت أفكر عندئذ في شؤوني الخاصة. إلى أين أذهب الآن؟ قررت آخر الأمر أن أرجع إلى
(كييف). جذبتني إليها تعاليم كاهني الحكيمة. أضف أنني لو بقيت معه فقد يجد صديقاً
للمسيح وللبشر يجعلني على طريق أورشليم أو على الأقل، جبل آثوس. وبقيت أسبوعاً آخر
في (بوشاياف)، أقضي وقتي في تذكر كل التعاليم التي تلقيتها في رحلتي هذه، وفي تدوين
ملحوظات حول عدد معين من الأشياء. ثم تهيأت للسفر، وأخذت جرابي وذهبت إلى الكنيسة
لأضع نفسي في رعاية والدة الإله. وبعد القداس تلوت صلواتي وبت مستعداً للانطلاق.
كنت أقف في أقصى الكنيسة عندما دخل رجل ذو ثياب وإن لم تكن ثمينة جداً على أنها تدل
على كونه من النبلاء، وسألني أين تباع الشموع. فأريته المكان. وبعد نهاية القداس،
بقيت أصلي أمام المذبح. وعند فراغي من صلواتي أخذت في المسير.
وبعد فترة رأيت، محاذياً الشارع، نافذة بيت مفتوحة ورجلاً يقرأ كتاباً. وكانت الدرب
تمر بالضبط بالقرب من هذه النافذة ورأيت أن الرجل كان ذاك الذي سألني عن الشموع في
الكنيسة. فرفعت قبعتي، إذ جزت به، وعندما رآني أشار إلي أن أذهب إليه وقال: أظن أنك
سائح. أجبت: نعم. فرجاني في الدخول وأراد أن يعرف من أنا وإلى أين أذهب. فقلت له كل
ما يتصل بي من غير أن أخفي شيئاً. وقدم لي الشاي وجعل يخاطبني، قال: اسمع، يا عزيزي
الصغير. أنصحك الذهاب إلى دير (سولوفيتسكي) الواقع في إحدى جزر (سولوفيتس) في البحر
الأبيض. فهناك منسك يخيم عليه الهدوء وشديد العزلة اسمه (آنزرسكي). إنه أشبه بآثوس
ثان، ويرحبون فيه بكل إنسان يذهب إليهم. وللمبتدئ فقط أن يقوم بهذا: أن يقرأ في
دوره كتاب المزامير في الكنيسة أربع ساعات من الأربع والعشرين ساعة. وأنا بنفسي
أذهب إلى هناك، ولقد نذرت أن أذهب مشياً على قدمي. وبوسعنا أن نذهب معاً. سيكون
الأمر آمن معك، إذ يقال أن الطريق خالية من المسافرين. وأنا، من جهة ثانية، أملك
المال، وبإمكاني تأمين معيشتك أثناء الرحلة. إني أعرض عليك هذه الشروط: سيسير
واحدنا على بعد عشرين خطوة من الآخر، وهكذا لن نضايق بعضنا بعضاً وسنتمكن من
القراءة أو التأمل طوال الطريق. فكر في الأمر، يا أخي، واقبل، أرجوك: فهو جدير
بالاهتمام والقبول.
اعتبرت هذه الدعوة غير المتوقعة كعلامة أرسلتها والدة الإله التي طلبت منها أن
ترشدني إلى طريق الغبطة. ومن غير أن أطيل التفكير قبلت. وانطلقنا في اليوم التالي.
وخلال أيام ثلاثة، سرنا كما اتفقنا: واحدنا وراء الآخر. كان يقرأ كتاباً طوال
الوقت، كتاباً ما فارق يده لا ليلاً ولا نهاراً. وكان حيناً ينصرف إلى التأمل.
ووصلنا أخيراً إلى مكان توقفنا فيه للعشاء. فتناول طعامه وكتابه مفتوح أمامه، ومن
غير أن تفارقه عيناه. ورأيت أن هذا الكتاب كان نسخة من الأناجيل فقلت له: أتسمح لي،
يا سيدي، بأن أسألك لماذا تحتفظ ليل نهار بالأناجيل في يدك؟ لماذا تأخذها وتحملها
معك دائماً؟
فأجاب: ذاك لأني أتعلم دون انقطاع منها، ومنها وحدها. فأضفت: وماذا تتعلم؟ فقال:
الحياة المسيحية التي تتلخص في الصلاة. إني أرى أن الصلاة أهم وسائل الخلاص وألحها،
وأنها الواجب الأول لكل مسيحي. والصلاة هي الخطوة الأولى في الحياة الروحية، وهي
أيضاً غايتها التي تتوجها، ولذا أمرنا الإنجيل بممارسة الصلاة الدائمة. وقد خصص وقت
معين لباقي أعمال التقوى، أما الصلاة فلا وقت إلا وهو مناسب لها. ويستحيل، من غير
صلاة، أن تفعل أي عمل صالح، كما يستحيل، من غير الأناجيل، تعلم كيف يحسن أن نصلي.
ولذا فإن جميع الذين نالوا الخلاص عن طريق الحياة الروحية: القديسون الذين بشروا
بكلمة الله والنساك والمتوحدون، وفي الحقيقة كل المسيحيين المتقين الله، كلهم قد
تلقوا تعليمهم من انشغالهم الدائب الذي لا يمل في أعماق كلام الله، ومن قراءة
الإنجيل. وكان الكثيرون دائمي الحمل للأناجيل في يدهم، وفي تعليمهم عن الخلاص يسدون
هذه النصيحة: (اجلس في سكينة حجرتك واقرأ الإنجيل، وأعد قراءته). هذا هو السبب الذي
من أجله تراني متعلقاً بالإنجيل دون سواه.
فأعجبني تفكيره هذا كثيراً، كما أعجبتني حميته في الصلاة. ثم سألته في أي إنجيل،
على وجه التخصيص يجد تعاليم حول الصلاة. فأجاب: في الأربعة، من غير تمييز، في العهد
الجديد بأكمله، بقراءته على الترتيب. وأنا أقرأه منذ أمد مديد متشرباً معناه، وقد
دلني هذا أن ثمة تدرجاً وتسلسلاً منتظماً من التعاليم حول الصلاة في الإنجيل
المقدس، بدءاً بأول إنجيل، وبانتظام حتى الأخير، حسب منهج معين. ففي أولها، مثلاً،
تهيئة وتوطئة لدراسة الصلاة، ثم شكلها أو التعبير الخارجي عنها بكلمات. وفيما بعد،
نجد الشروط اللازمة لرفع الصلاة، والوسائل الكفيلة بتعلم هذا مع أمثلة. وأخيراً نقع
على العبرة الخفية للصلاة الداخلية والروحية الدائمة لاسم يسوع المسيح، وهي مبينة
كصلاة أسمى وأجدى للخلاص من الصلاة الخارجية. ثم يأتي بيان ضرورة تلاوتها وثمرها
المبارك، وهكذا... وبعبارة وجيزة، يجد المرء في الإنجيل معلومات وافية مفصلة عن
ممارسة الصلاة في نظام أو في تسلسل نهجي من بداية الإنجيل إلى نهايته.
دفعني هذا الجواب إلى أن أطلب منه إيضاح ذلك تفصيلاً، فقلت له: لما كنت أحب سماع
الحديث حول الصلاة أكثر من أي شيء آخر، فسيسعدني جداً أن ألمس سلسلة التعاليم هذه
الخفية حول الصلاة في كافة تفاصيلها. كرمى لله أرني ذلك كله في الإنجيل ذاته. فقبل
بطيب خاطر قائلاً: افتح إنجيلك، وأنظر فيه، ودون ما أقوله لك. وأعطاني قلماً.
قال: تجمل وأنظر هذه الملحوظات التي دونتها. والآن أنظر أولاً في إنجيل القديس متى،
الإصحاح السادس، واقرأ الآيات من الآية الخامسة إلى التاسعة. سترى أن لدينا هنا
الإعداد أو التوطئة التي تعلم أنه ينبغي علينا أن نباشر بالصلاة لا حباً بالظهور،
وبصورة صاخبة بل في مكان منعزل، وفي السكينة. وأنه إنما ينبغي لنا الصلاة طلباً
لمغفرة الخطايا وللاتحاد بالله وحسب، من غير أن نضيف عدداً من الطلبات بلا جدوى حول
أمور دنيوية مختلفة، كما يفعل الوثنيون. ثم تابع قراءة الإصحاح ذاته، واقرأ من
الآية التاسعة إلى الآية الرابعة عشرة. تجد هنا شكل الصلاة، بأي كلمات يجب أن نعبر
عنها، تجد هنا، مجموعة بغزير الحكمة، كل العناصر اللازمة والمرغوب فيها لحياتنا.
وبعد هذا، تابع قراءة الآيتين الرابعة عشرة والخامسة عشرة من الإصحاح ذاته، وستجد
الشروط اللازمة لكيما تكون الصلاة فعالة. إذ إننا لو كنا لا نغفر لمن أساء إلينا،
فلن يغفر الله لنا خطايانا. انتقل الآن إلى الإصحاح السابع، وستجد في الآيتين
السابعة والتاسعة كيفية الحصول على ثمرة الصلاة، كيفية الرجاء الشجاع: اطلب، ابحث،
اقرع. إن هذه العبارات القوية تصف تواتر الصلاة وضرورة ممارستها، بحيث لا نكتفي
بملازمة الصلاة لأعمالنا كلها، فتسبقها أيضاً. إنها الخاصة الأساسية للصلاة.
وأنت واجد تمثيلاً لذلك في الإصحاح الرابع عشر من إنجيل القديس مرقس، من الآية
الثانية والثلاثين إلى الآية الأربعين، حيث نرى يسوع نفسه يردد تكراراً عبارات
بعينها للصلاة.
والقديس لوقا، في الإصحاح الحادي عشر، من الآية الخامسة إلى الآية الرابعة عشرة،
يعطي مثلاً مشابهاً للصلاة المكررة في مثل صديق نصف الليل، وفي الطلب المتكرر
والملحاح للأرملة (لوقا 1:18- 8)، موضحاً بهذا وصية يسوع المسيح بأن علينا أن نصلي
دائماً، في كل زمان وكل مكان، وألا ننصرف إلى التقاعس أي الكسل.
وبعد هذا التعليم المفصل، نجد في إنجيل القديس يوحنا التعليم الأساسي حول صلاة
القلب السرية الداخلية. وفي المقام الأول، نجد هذا التعليم في الخبر العميق الذي
ينقل إلينا حديث المسيح مع السامرية، حيث يكشف لنا أمر العبادة الداخلية بالروح
والحق، تلك العبادة التي يريدها الله، والتي هي الصلاة الدائمة الحقيقية، كالماء
الحي النابع في الحياة الأبدية (يوحنا 5:4- 25). وبعد هذا، في الإصحاح الخامس عشر،
في الآيات من الرابعة إلى الثامنة، نقرأ وصفاً أكثر دقة لقدرة الصلاة الداخلية
وإمكانياتها ولزومها أي انتباه الروح الموجه إلى المسيح، وإلى ذكر الله الذي لا
ينقطع. واقرأ أخيراً الآيات من الثالثة والعشرين إلى الخامسة والعشرين، في الإصحاح
السادس عشر من الإنجيل ذاته. وأنظر أي سر هنا يكشف لنا عنه. ستلاحظ أن صلاة اسم
يسوع المسيح، المعروفة باسم صلاة يسوع أي (أيها الرب يسوع المسيح، ارحمني أنا
الخاطئ) إذا ما رددت مراراً هي ذات السلطان الأكبر، وتفتح القلب بسهولة وتقدسه.
يمكننا ملاحظة ذلك بوضوح كبير بصدد الرسل الذين كانوا تلاميذ يسوع خلال سنة
بكاملها، وقد كانوا تلقنوا منه الصلاة الربانية أي (أبانا الذي في السموات). وإننا
نعرف هذه الصلاة منهم. وعلى هذا، فإن يسوع المسيح، في نهاية حياته الأرضية، كشف لهم
السر الذي كان ما يزال ناقصاً من صلاتهم. فحتى تخطو الصلاة خطوة حاسمة إلى أمام،
قال لهم: (إلى الآن لم تطلبوا شيئاً باسمي... الحق الحق أقول لكم إن كل ما طلبتم من
الآب باسمي يعطيكم). وهذا ما حدث لهم. وعندما تعلم الرسل الصلاة باسم يسوع، ما أكثر
العجائب التي اجترحوها، وما أغزر النور الذي وُهبوا! الآن، هل ترى تسلسل التعليم
وملأه عن الصلاة مرتباً بالكثير من الحكمة في الإنجيل المقدس؟ وإن أنت تابعت بقراءة
الرسائل، فستجد أيضاً ذات التعليم المتدرج.
وحتى تكتمل الملحوظات التي سبق أن أعطيتك، سوف أدلك على مقاطع عديدة تتمثل فيها
صفات الصلاة. وهكذا تجد في أعمال الرسل وصفاً لممارستها، أي التمرس الجاد الدائب
للمسيحيين الأوائل الذين استناروا في إيمانهم بيسوع المسيح (الأعمال 31:4). وكذلك
ثمار الصلاة ونتائج الصلاة الدائمة مبينة وهي دفق الروح القدس ومواهبه للذين يصلون.
وسترى شيئاً مشابهاً في الإصحاح السادس عشر، في الآيتين الخامسة والعشرين والسادسة
والعشرين. ثم تتبع الرسائل على الترتيب وستجد:
1- شدة الحاجة إلى الصلاة في كل الظروف (يعقوب 13:5- 16).
2- كيف يساعدنا الروح القدس على الصلاة (يهوذا 20- 21 والرومانيين 26:8).
3- كيف أن علينا جميعاً أن نصلي بالروح (أفسس 18:6).
4- شدة الحاجة، مع الصلاة، إلى السكينة والسلام الداخلي (فيلبي 6:4- 7).
5- كم هو من الضروري أن نصلي بلا انقطاع (1 تسالونيكي 17:5).
6- ونلاحظ أخيراً أن على المرء ألا يصلي لذاته وحسب، بل لجميع الناس أيضاً
(1تيموثاوس 1:2- 5).
وهكذا، إن نحن خصصنا الكثير من الوقت، والعناية الكبرى، لاكتشاف معاني الآيات،
لأمكننا وجدان الكثير من الإيضاحات غير هذه للعلم السري الكامن في كلام الله، هذا
العلم الذي يفوتنا إن نحن لم نقرأه إلا نادراً أو متسرعين.
أتلاحظ، بعد ما أريتك لتوي، بأية حكمة وأية طريقة يبين العهد الجديد تعليم سيدنا
يسوع المسيح حول المسألة التي درسناها للتو؟ وبأي تسلسل رائع يعرض الإنجيليون
الأربعة لهذه المسألة؟ إن الأمر هكذا: في إنجيل القديس متى نجد التهيئة، المدخل إلى
الصلاة، وقوتها الحقيقية، وشروطها وما إليه. وبعد هذا، نجد في إنجيل القديس مرقس
أمثلة، وفي إنجيل لوقا أمثالاً، وفي إنجيل يوحنا الممارسة الخفية للصلاة الداخلية،
بالرغم من أن ثمة كلاماً عن هذه الممارسة في الأناجيل الأربعة، مع تفاصيل تكثر أو
تقل. وتصف لنا أعمال الرسل ممارسة الصلاة ونتائجها، وأما في الرسائل وحتى في
الرؤيا، فنجد مظاهر عديدة لممارسة الصلاة. ولهذا السبب كانت الأناجيل وحدها دليلاً
كافياً على دروب الخلاص كلها.
كنت، طوال الوقت الذي شرح لي فيه هذا وعلمني، أؤشر في الأناجيل، في كتابي المقدس كل
المواضيع التي عاينها لي. وبدا لي ما قال خليقاً بالملاحظة، وغزير الفائدة العلمية،
وشكرته كثيراً. ثم تابعنا طريقنا بصمت خلال زهاء الخمسة أيام. وبدأ رفيق سفري تؤلمه
رجلاه ألماً شديداً، وكان ذلك – لا شك – لعدم اعتياده السير المتواصل. ولذا استأجر
عربة وجوادين وأركبني معه. وهكذا وصلنا إلى الجوار، حيث بقينا أياماً ثلاثة، لكيما
نستطيع، بعد أن نستريح، أن ننطلق فوراً إلى (آنزرسكي)، وكان يرغب بحرارة أن يذهب
إليها.
الستارتس: إن صديقك رائع. وإن نحن نظرنا إلى تقواه، رأينا غزارة علمه. حبذا لو تيسر
لي لقاؤه.
السائح: نحن معاً. سأصطحبه إليك غداً. لقد تأخرت. وداعاً.
القصة السادسة
السائح: كما وعدتك أمس، طلبت من رفيق سفري الموقر الذي تفضل علي بأحاديثه الروحية،
والذي كنت تريد رؤيته، أن يصحبني إلى هنا.
الستارتس: سيكون من دواعي سروري، وسرور زائري الأكارم أيضاً، على ما آمله، أن
نراكما أنتما الاثنين، وأن ننعم بسماع رواية اختباراتكما. معي ههنا راهب محترم، هذا
هو، وكاهن كبير الورع، هذا هو. وحيث يجتمع اثنان أو ثلاثة باسم يسوع المسيح، فقد
وعد أنه سيكون هو فيما بينهم. ونحن الآن خمسة باسمه، فلا شك، لذا، إنه سيتكرم
بمباركتنا بغزارة أكبر. إن القصة التي رواها لي رفيق سفرك أمس مساء، يا أخي العزيز،
بشأن تعلقك الحار بالإنجيل المقدس تلفت النظر، وفيها الكثير من العبر، ومن المثير
جداً للاهتمام أن نعرف كيف كشف لك عن هذا السر المبارك.
الأستاذ: إن الله المنعم محبة، الذي يرغب لكل الناس أن يخلصوا ويتوصلوا إلى معرفة
الحق قد كشف لي ذلك، بصلاحه، بصورة رائعة ومن غير أي تدخل إنساني. كنت أستاذاً لمدة
خمس سنين، وكانت حياتي كئيبة مشتتة، وقد سحرتني فلسفة العالم الباطلة، لا المسيح.
ولربما كنت هلكت تماماً لو لم يساعدني، إلى حد، كوني كنت أعيش مع أمي الشديدة
التقوى وأختي، وهي فتاة ناضجة الذهن.
في ذات يوم، وقد كنت أتمشى في منتزه عام، تعرفت إلى شاب ممتاز قال لي أنه فرنسي،
وطالب، وقد وصل منذ قليل من باريس، وأنه يبحث عن عمل كمرب. فتنني ما كان عليه من
ثقافة عالية. ولما كان غريباً في هذا البلد، دعوته إلى بيتي، وصرنا صديقين. وطوال
شهرين، كان يأتي لزيارتي مراراً. وكنا نقوم معاً بنزهة، أحياناً، وكنا نتلهى، ونذهب
معاً إلى معاشرة أناس، أترك لكم تصور مدى انعدام أخلاقهم. وفي ذات يوم، أتى يراني
ويدعوني دعوة من هذا القبيل. لكيما يقنعني بصورة أسرع، جعل يمتدح المرح الخاص
والمتعة المنتظرة في صحبة القوم الذين يدعوني إليهم. وبعد أن تحدث في هذا فترة
قصيرة، طلب مني فجأة أن أخرج معه من مكتبي، حيث كنا، لنجلس في غرفة الاستقبال.
بدا لي الأمر في غاية الغرابة، وقلت له إنه لم يسبق لي قط أن لاحظت لديه أي مانع من
البقاء في مكتبي، وسألته ماذا جد الآن. وأضفت أن غرفة الاستقبال بجانب الغرفة التي
تشغلها أمي وأختي، وأنه من غير اللائق أن نتابع فيها حديثاً من هذا النوع. فأصر،
متذرعاً بذرائع مختلفة، واعترف – آخر الأمر - بهذا:
(بين كتبك، على الرفوف هنا، نسخة من الأناجيل. وأنا أكن لهذا الكتاب من الاحترام ما
يجعلني أشعر بشيء من الانزعاج إن تحدثت في قضايانا الطائشة في حضرته. ارفعه من هنا
حتى نستطيع الكلام بحرية).
فتبسمت، لخفتي، لدى سماعي هذه الكلمات. وأخرجت الإنجيل من الرف قائلاً: (كان ينبغي
أن تقول لي هذا من زمان). وناولته الكتاب قائلاً: (إليك هو، خذه بنفسك، وضعه حيثما
تريد، في الغرفة). وما إن لمسته بالإنجيل حتى أخذته الرعدة، وللحال اختفى.
فأذهلني هذا ذهولاً شديداً، بحيث سقطت، من الرعب، فاقد الوعي. عند سماع صوت سقوطي،
تراكض من في البيت، واستحال عليهم إنعاشي طوال نصف ساعة. وعندما عدت أخيراً إلى
الوعي، كنت مذعوراً مرتعداً، وكنت أشعر باضطراب كبير، لا تحس يداي ورجلاي بشيء، كما
كنت عاجزاً عن تحريكها. واستدعي الطبيب فشخص شللاً حصل على أثر صدمة أو خوف شديد.
وظللت طريح الفراش عاماً كاملاً بعد هذه الحادثة، ورغم العناية الفائقة التي قدمها
أطباء كثيرون لم يحصل لي أدنى تحسن، بحيث اضطررت، بسبب مرضي، إلى التخلي عن وظيفتي.
وطعنت أمي في السن وماتت في تلك الحقبة. وكانت أختي تستعد لدخول الدير. فكان من شأن
هذا كله أن يزيد في خطورة مرضي. ولم يكن لي في تلك الفترة إلا تعزية واحدة هي قراءة
الإنجيل الذي لم يفارق يدي لحظة منذ بداية مرضي. كان وكأنه نوع من الدليل على الحدث
الهائل الذي وقع لي. وفي ذات يوم أتى يزورني ناسك مجهول، كان يقوم بجمع التبرعات
لديره. وخاطبني بلهجة قوية الإقناع وقال إنه يجب عدم الاتكال على الأدوية وحدها،
وهي لا يمكنها التخفيف عني من غير عون الله، وأنه يجب علي أن أصلي إلى الله، وأن
أصلي بجد من أجل هذا الذي حصل بعينه، إذ إن الصلاة هي أقدر الوسائل على شفاء العلل
كلها، جسدية كانت أم روحية.
أجبته في حيرتي: كيف تريدني أن أصلي في هذه الحال، وأنا لا أقوى على القيام بأدنى
حركة للعبادة، بل لا أستطيع حتى رفع يدي لرسم إشارة الصليب؟
فكان رده: صل مهما كلفك الأمر، صل بأية طريقة. ولم يذهب أبعد من هذا في تفسيره، ولا
هو شرح لي حقاً كيف أصلي. وبعد أن تركني زائري، بدأت أفكر بالصلاة بصورة تكاد تكون
لا إرادية، وفي سلطانها وفي آثارها متذكراً التعليم الديني الذي تلقنته منذ أمد
طويل، إذ كنت لم أزل طالباً. فشغلني هذا انشغالاً رقيقاً، وجدد معلوماتي حول
الموضوعات الدينية، وبث في القلب دفئاً.
وفي الوقت ذاته بدأت أحس بشيء من التحسن في صحتي. ولما كان الإنجيل معي دائماً،
بسبب عظم إيماني فيه على أثر الأعجوبة، وإذ تذكرت أيضاً أن كامل الشرح عن الصلاة
الذي سمعته في الدروس يقوم أساساً على نص الأناجيل، فكرت أن أحسن ما أفعله سيكون
دراسة الصلاة والروحانية المسيحية تبعاً لتعليم الإنجيل وحسب. وإذ كنت أدأب لاجتناء
المعنى، كنت أنهل منه وكأنه نبع غزير. ووجدت فيه نهجاً كاملاً للحياة الروحية
وللصلاة الداخلية الحقيقية. وعلمت بحرارة المقاطع المتصلة بهذا الموضوع، وقد حاولت
بحمية منذ ذلك الحين تلقن هذا التعليم الإلهي، بكل ما أوتيت من قوة - ولم يكن ذاك
بلا عناء – وأن أضعه موضع العمل والممارسة.
وفيما كنت منشغلاً بهذه الصورة، تحسنت صحتي شيئاً فشيئاً، وانتهى بي الأمر إلى
البرء تماماً، كما يمكنكم أن تروا. وكنت ما أزال أعيش وحيداً. فقررت، شكراً لله على
عطفه الأبوي الذي أدين له بعودتي إلى العافية وباستنارة ذهني، أن أحذوا حذو أختي،
وأتبع ميل قلبي، فأكرس ذاتي لحياة متوحدة، لكيما أتمكن أن أتلقى من غير مانع، وأن
أجعل خاصتي، كلمات الحياة الأبدية هذه التي كان كلمة الله يعطيني.
وهاأنذا الآن، أمضي نحو المنسك المنعزل المسمى (آنزرسكي) بالقرب من دير (سولوفتسكي)
في البحر الأبيض. ولقد سمعت من مصدر ثقة أنه مكان مناسب جداً لحياة التأمل. يجب أن
أضيف هذا أيضاً: إن الإنجيل المقدس يوفر لي أكثر من تعزية في رحلتي هذه، وينشر
نوراً غزيراً في عقلي الجاهل ويدفئ قلبي الفاتر. ولكن الواقع هو أني، رغم كل هذا،
أقر بصراحة بضعفي، وأعترف تلقائياً أن الشروط المطلوبة للقيام بالعمل الروحي ولبلوغ
الخلاص: ضرورة التخلي الكلي عن الذات، والتجرد والتواضع اللذين يعرفهما الإنجيل،
تخيفني بعظمتها وبسبب ضعف قلبي. بحيث أني بت الآن ما بين الأمل واليأس. ولا أدري ما
سيحل بي في المستقبل.
الراهب: مع دليل بهذا الوضوح على رحمة الله، وبسبب ثقافتك، سيكون أمراً لا يغتفر لا
أن تدع مجالاً للتخاذل وحسب، بل حتى أن تسمح بالتسرب إلى نفسك لظل من الشك حول
رعاية الله وعونه. أتعرف ما يقول الذهبي الفم المستنير بالله بهذا الصدد؟ إنه يعلم
أن (ليس لأي كان أن يفقد الشجاعة، ويترك الانطباع الخاطئ بأن تعاليم الإنجيل
مستحيلة التطبيق أو الممارسة. فإن الله الذي سبق فقدر الخلاص للإنسان، لم يفرض –
وهذا أمر بديهي – وصايا على الإنسان مخالفتها بسبب عدم التمكن من العمل بها. كلا!
وإنما فعل لكيما تكون، بقداستها وضرورتها في حياة حقيقية، بركة لنا في هذه الحياة
كما في الحياة الأبدية). وواضح جداً أن التطبيق المنتظم والمتشدد لوصايا الله أمر
بالغ الصعوبة لطبيعتنا الساقطة، ولهذا لم يكن من السهل بلوغ الخلاص، لكن كلمة الله
ذاته الذي يفرض الوصايا ييسر سبل العمل بها بسهولة، بل أكثر: يجعلنا نجد فيها
الرضى. ولكن بدا لنا هذا الأمر، للوهلة الأولى، مختفياً وراء حجاب من السرية، فإنما
كان ذلك بالطبع لنكون أكثر تواضعاً، ولكي يقودنا بسهولة أكبر إلى الاتحاد بالله
بإرشادنا إلى اللجوء المباشر إليه في الصلاة وإلى طلب عونه الأبوي. هنا، هنا سر
الخلاص، لا في الاستعانة بجهودنا الخاصة.
السائح: كم كنت أحب، أنا الضعيف العاجز، أن يتسنى لي معرفة هذا السر حتى أتمكن –
ولو إلى حد، بالأقل – أن أقوِّم حياتي الخاملة لما فيه مجد الله وخلاصي.
الراهب: هذا السر تعرفه، أيها الأخ العزيز، من كتابك، الفيلوكاليا. وهو موجود في
هذه الصلاة الدائمة التي درستها دراسة راسخة والتي وضعت فيها الكثير من الحماس
ووجدت الغزير من الرضى.
السائح: إني أرتمي على قدميك، يا أبت، كرمى لله! أسمعني من شفتيك شيئاً فيه الخير
لي، عن هذا السر المخلص للصلاة المقدسة التي أشتاق إلى سماع الحديث عنها أكثر من
شوقي إلى أي شيء آخر، والتي أحب كثيراً أن أقرأ الشروح لها، حتى أعطي نفسي الخاطئة
القوة والعزاء.
الراهب: لا يمكنني أن أروي رغبتك بأفكاري الخاصة حول هذا الموضوع الخطير، لأن خبرتي
الشخصية فيه قليلة محدودة. لكن لدي حواشي واضحة الإنشاء كتبها كاتب ديني، وتتصل،
تحديداً، بهذا الموضوع. إن وافق أصحابنا، سآتي بها للحال، وبإذنكم، سأقرأها على
مسمعكم أجمعين.
الكل: تكرم، بهذا، أيها الأب، لا تخف عنا علماً جم الفائدة للخلاص.
القصة الخامسة: اعترافي يقود الإنسان الداخلي إلى التواضع
تحققت بالاختبار، وقد أدرت أنظاري بانتباه إلى ذاتي وتفحصت استعدادات ضميري، أني لا
أحب الله، وأني لا أحب أقربائي، وأن ليس لي بالإيمان وأنني ممتلئ بالتكبر والطمع.
كل هذا أجده حقاً في ذاتي، عقب امتحان مفصل لعواطفي وتصرفي. وهكذا:
1- أنا لا أحب الله
إذ لو كنت أحب الله، لفكرت باستمرار فيه بسرور عميق. وكانت كل فكرة بالله أعطتني
لذة ورغائد. وعلى العكس، فأنا أفكر بصورة غالبة وبحرارة في أمور الدنيا، والتفكير
بالله هو لي مجهود وجفاف. لو كنت أحب الله، لكان الكلام إليه، في الصلاة، غذائي
وسروري، وكان جرني إلى شركة معه لا تنقطع. ولكني، بالضد، ليس فقط أني لا أجد في
الصلاة أية متعة، بل أنا أجد أنها مجهود. وأنا أكافح بنفور، وقد أضعفني الكسل، وأنا
مستعد لأن أسارع إلى أي أمر تافه، بلا أهمية، إن كان فيه تقصير لفترة الصلاة وصرف
عنها. ويطير وقتي في مشاغل تافهة ولكني إذ أنشغل مع الله، إذ أضع نفسي في حضرته
تبدو لي كل ساعة سنة. إن من يحب أحداً يفكر فيه طوال اليوم دون توقف، ويتخيل صورته،
يعتني به، ولا يغيب المحبوب عن أفكاره في أي من الأحوال. أما أنا، فأني أكاد لا
أخصص حتى ساعة لأستغرق في ذكر الله، لألهب قلبي لأجله، فيما أنا أُبقي باستعجال
ثلاثاً وعشرين ساعة في قرابين حارة لأصنام أهوائي. ولا أطلب إلا الحديث في موضوعات
باطلة وفي أمور تفسد النفس. إن هذا يسرني. ولكن إن كانت القضية التأمل في الله،
فذلك هو القحط والضجر والكسل.
وحتى فيما لو جرني آخرون، بصورة لا إرادية، إلى موضوع روحاني، فإني أسعى بسرعة إلى
تغيير مجرى الحديث بحيث يوافق رغائبي. إن بي فضولاً لا يشبع إزاء الطرائف والأحداث
السياسية، وأسعى بحمية إلى إرواء حبي للمعرفة العلمية والفنية. لكن درس ناموس الله،
ومعرفة الله والإيمان قليلة الجاذبية لي ولا توافق حاجة في نفسي. وليس أني أعتبرها
كمشاغل غير جوهرية للمسيحي وحسب بل إني أعدها أيضاً أحياناً كأمر لا طائل فيه ربما
عنيت به في أوقات فراغي الضائعة. وفي النهاية، إن كان نعرف حب الله من العمل
بوصاياه (قال سيدنا يسوع المسيح: إن كنتم تحبوني، فاحفظوا وصاياي)، فإني لا أقتصر
على عدم العمل بها، بل إني لا أسعى جاداً إلا قليلاً للأخذ بها. والحق أنه يظهر من
هذا، بالنتيجة، أني لا أحب الله. هذا ما يقوله باسيليوس الكبير: (إن الدليل على أن
إنساناً لا يحب الله ومسيحه يكمن في أنه لا يعمل بوصاياه).
2- إني لا أحب قريبي أيضاً
إذ ليس أني غير قادر على التضحية بحياتي من أجله فحسب (كما يطلب الإنجيل)، بل أني
لا أتخلى حتى عن سعادتي وراحتي ورفاه حالي لما فيه خير قريبي. ولو كنت أحبه كنفسي،
كما يأمر به الإنجيل، لأحزنتني مصائبه وأبهجتني سعادته. ولكني بالضد، أسمع عن قريبي
أخباراً مدهشة محزنة ولست أحزن. لا أتكدر لها قط، أو أني – وهذا أسوأ – أجد فيها
شيئاً من المتعة. وسوء تصرف أخي، بدلاً من أن أموهه بمحبة، أعلنه ناصباً نفسي
رقيباً عليه. وراحته وأفراحه لا تسرني كما لو كانت لي ولا أشعر لها بأية لذة كما لو
كانت غريبة عني كل الغربة. بل أكثر من هذا، إنها تثير فيّ الحسد أو الازدراء.
3- ليس لي أي إيمان ديني
لا بخلود النفس ولا بالإنجيل. لو كنت مقتنعاً قناعة راسخة لا شك فيها أن وراء القبر
الحياة الأبدية والجزاء على أعمال هذه الدنيا لفكرت بذلك دون انقطاع. بل إن فكرة
الأبدية كانت ملأتني خشية، وكنت أمضيت حياتي هذه كغريب يتهيأ للعودة إلى موطنه
الأصلي. وبالعكس، فأنا لا أفكر في الأبدية مجرد تفكير وأعتبر نهاية حياتي هذه على
الأرض كغاية وجودي. تولد فيّ هذه الفكرة سراً: من يدري ماذا يحصل ساعة الموت؟ وإن
قلت أني أؤمن بالخلود فإن هذا مجرد توكيد ذهني، وقلبي بعيد جداً عن أن يكون مقتنعاً
قناعة راسخة. يؤيد ذلك بوضوح تصرفي وهمي الدائب على إرضاء حياة الحواس. لو كان في
قلبي إيمان بالإنجيل المقدس، ككلمة الله، لعناني هذا باستمرار، ولكنت درست الإنجيل
ووجدت فيه ملذاتي، ولعلقت عليه انتباهي بورع عميق. إن الحكمة والنعمة والمحبة
مخبوءة فيه، ولجعلت فرحي ليل نهار دراسة شريعة الله. وبه تعالى كان يكون غذائي،
خبزي اليومي، ولحافظ قلبي تلقائياً على نواميسه. وأي شيء على الأرض ما كان له قدرة
على صرفي عنه. والأمر بالضد: إن أنا قرأت أو سمعت كلمة الله من حين لآخر، فليس ذلك
إلا لضرورة أو لما في النفس من حب للمعرفة. ومن جهة ثانية، أنا لا أوليها انتباهاً
شديداً وأجدها كالحة لا تسترعي الاهتمام. وأبلغ نهاية قراءتي – عامة – من غير أية
فائدة، وأنا على استعداد دائم لأن أبدلها بقراءة عالمية أجد فيها متعة أكبر
وموضوعات جديدة شيقة.
4- كلي تكبر وأنانية حواس
إن رأيت فيّ شيئاً صالحاً رغبت في إبرازه أو جعلت منه موضوع تكبري أمام الآخرين أو
في نفسي لكيما أنال الإعجاب على هذا الصلاح. ومع أني أظهر بمظهر التواضع، فإني
أعزوه بالكلية إلى استحقاقي الخاص وأعتبر نفسي فوق الآخرين، أو، في الأقل، أني لست
دونهم. إن لاحظت عيباً فيّ، أحاول معذرته وتمويهه قائلاً: (هكذا جبلت) أو (لست أنا
من يلام في ذلك). وأغضب على الذين لا يعاملوني باحترام وأقرر أنهم غير أهل على
تقدير الناس على حقيقة أمرهم. وأباهي بمواهبي، أما فشلي في عمل ما فأعتبره إهانة
شخصية. أجد متعة في مصيبة أعدائي. وإن أنا جهدت في عمل صالح فإن ذلك يكون بغية مجد
أناله، أو رضى روحي أو تعزية أرضية. وبعبارة موجزة، أجعل من نفسي صنماً أخدمه دون
انقطاع، ساعياً في كل شيء إلى ما يذكي أهوائي ورغائبي.
عند امتحان هذا كله، أرى أني متكبر فاسد، قليل الإيمان وبلا محبة لله وأني أكره
قريبي. فأي حال يمكن لها أن تكون مذنبة أكثر من هذه؟ إن وضع الأرواح الشريرة أفضل
من حالي. فإنها، بالرغم من عدم محبتها لله وكرهها وعيشها المتكبر تؤمن وترتعد
خوفاً. وأنا؟ أيمكن أن يكون ثمة مصير أرهب من المصير المعد لي، وأي قضاء تراه يكون
أقسى من القضاء الذي سيدين الحياة اللامبالية العابثة التي أعرف أنها حياتي؟
عند قراءتي نموذج الاعتراف هذا الذي أعطاني إياه الكاهن، من أوله إلى آخره، شعرت
بالهول وفكرت: (يا للسماء! أية خطايا قبيحة تكمن فيّ وأنا لم ألاحظها إلى الآن!).
ودفعتني الرغبة في التطهر منها إلى أن أطلب من هذا الأب الروحي الحق أن يطلعني على
أسباب هذه الآفات كلها وعلاجاتها. فأخذ في تعليمي. قال:
أو ترى، يا أخي العزيز، أن عدم محبة الله يأتي من قلة الإيمان، وسبب هذا النقص هو
الامتناع عن دراسة العلم الحقيقي والمقدس وعدم الاهتمام بشؤون الروح. وبكلمة موجزة،
لا يمكنك أن تحب إن لم يكن لك الإيمان. إن لم تكن مقتنعاً لا يمكنك أن تحب، ولكيما
تصل إلى الاقتناع ينبغي لك معرفة تامة دقيقة بالمسألة. وعليك، بالتأمل وبدراسة كلمة
الله وبملاحظتك لاختباراتك الخاصة، عليك أن تثير في نفسك الظمأ والشوق أو - كما
يسميه البعض – (الدهشة) التي تولِّد رغبة لا تروى في معرفة الأشياء، عن كثب وبصورة
أتم، وذلك للتوغل في طبيعتها توغلاً أعمق.
يتكلم كاتب روحاني عن هذا بقوله: (إن الحب ينمو، عامة، مع المعرفة، وكلما كان عمق
المعرفة ورقعتها أكبر، كان الحب أكبر، وخضع القلب بسهولة أكبر وانفتح على حب الله،
متأملاً بانتباه ملء عالم الله وجماله، وحب الله اللامتناهي للناس).
ترى، إذن، أن سبب هذه الخطايا هو رفضنا الكسول للتأمل في الأمور الروحية، وهو كسل
يخنق حتى الشعور بالحاجة إلى هذه التأملات. وإن كنت تريد أن تعرف كيف تتغلب على هذا
الخطأ، فاسع إلى إنارة الروح بكل ما في يدك من وسائل، وتوصل إلى ذلك بالدراسة
الدائبة لكلمة الله وآباء الكنيسة، وعن طريق التأمل والإرشادات الروحية وبأحاديث من
هم حكماء في المسيح. أواه يا أخي العزيز، يا لعظم شقائنا بسبب تكاسلنا وحده عن
البحث عن نور النفس في كلمة الحق. نحن لا ندرس شريعة الله ليل نهار، ولا نصلي
باجتهاد ودون توقف لمعرفتها. ولذا كان إنساننا الداخلي جائعاً وبردان. إنه يعاني
الحرمان إلى حد أنه لا يقوى على القيام بخطوة شجاعة في سبيل الفضيلة والخلاص!
وهكذا، أيها الحبيب، فلنعقد النية على استخدام هذه السبل ولنشغل ذهننا، ما أمكننا
ذلك، بالتفكير في الأشياء السماوية. وسيلتهب فينا الحب المنسكب في قلوبنا من عل.
سنفعل هذا، إذن، وسنصلي ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً، إذ إن الصلاة هي أولى الوسائل،
وأهمها، من أجل تجددنا وصلاح حالنا. سنصلي بالعبارات التي تعلمنا إياها الكنيسة
المقدسة: (يا الله، اجعلني قادراً على أن أحبك الآن كما أحببت الخطيئة في الماضي).
استمعت إلى هذا كله بانتباه. وطلبت إلى هذا الأب القديس، وقد تأثرت عميقاً، أن
يستمع إلى اعترافي ويناولني القربان المقدس. وفي صبيحة الغداة، بعد أن حصلت على
نعمة المناولة، عقدت النية على العودة إلى (كييف) بزادي المقدس هذا. لكن هذا الأب
البار، الذي كان ذاهباً إلى دير الاكهاف لقضاء يومين، تكرم بضيافة صومعته ولكيما
أتمكن من الانصراف بحرية، في سكينتها، إلى الصلاة. أمضيت هذين اليومين كما لو كنت
في الفردوس. كنت أنعم، أنا غير المستحق، بالسلام الكامل بفضل صلوات الستارتس. كانت
الصلاة تنبع في قلبي بيسر وسرور كبيرين إلى حد أني – في تلك الفترة – نسيت، على ما
أظن، كل شيء، ونفسي. لم يكن في فكري إلا يسوع المسيح، وإلاه وحده.
عاد الكاهن، آخر الأمر، وسألته نصحه وإرشاده: (إلى أين أمضي الآن في مسيرتي
كسائح؟)، فباركني قائلاً: اذهب إلى (بوشاياف) لتكرم هناك الأثر العجائبي لقدم والدة
الله الكلية الطهارة، ولسوف ترشد خطاك في درب السلام.
فأخذت بنصيحته، وانطلقت بعد ثلاثة أيام نحو (بوشاياف). كانت الطريق على مسافة زهاء
المئتي فرسخ، تقوم فيها بكثرة الفنادق والقرى اليهودية، ولم يقع لي إلا نادراً أن
أجد بيتاً مسيحياً. ولاحظت، في إحدى الدساكر، وجود نزل مسيحي. فدخلته لمبيت ليلة،
ولطلب زاد الطريق من الخبز، لأن مؤونتي شارفت على النفاد. ورأيت مضيفي، وهو شيخ
وسيم الوجه، وعرفت أنه في الأصل من مقاطعتي، مقاطعة (أورلوف). دخلت الغرفة مباشرة،
وكان أول أسئلته: ما ديانتك؟ فأجبت إني مسيحي أرثوذكسي. قال ضاحكاً: أرثوذكسي حقاً!
أنتم لستم أرثوذكسيين إلا قولاً، أما فعلاً فلستم إلا وثنيين. أنا أعرف كل شيء عن
دينك، يا أخ. أغراني كاهن مثقف، ذات مرة، وقد جربته. دخلت كنيستكم وبقيت أرثوذكسياً
ستة أشهر، عدت بعدها إلى عادات طائفتي. إن دخول كنيستكم مجرد وهم يغر به. فالقراء
يهمهمون الخدمة على هواهم، يحذفون أشياء، ويتلون أشياء لا تفهم. وليس الترتيل أفضل
مما يسمع في مقهى. ويقف الناس رجالاً ونساء معاً، وهم يتكلمون أثناء الخدمة،
ويتلفتون وينظرون حولهم، ويتمشون جيئة وذهاباً ولا يدعون لك هدوءاً أو سلاماً
لتصلي. أي أنواع العبادة هذه؟ إنها خطيئة، هذه ما هي. أما عندنا، فلأن الخدمة ورعة
فيمكنك سماع ما يقال، ولا يحذف شيء، والترتيل في غاية الروعة، فيما يبقى الشعب
هادئاً: الرجال من جهة والنساء من جهة ثانية. وكل يعرف الانحناءات التي يجب القيام
بها في الوقت المناسب وفقاً لتعاليم الكنيسة المقدسة. حقاً وصدقاً، يشعر المرء لدى
دخوله إحدى كنائسنا أن الله يُعبد فيها، أما في كنيسة من كنائسكم، فلا يعرف الإنسان
إن كان في الكنيسة أم في السوق.
فهمت من هذا كله أنه من أتباع (المؤمنين القدامى) المتشددين. لكن كلامه كان سديداً
بحيث لم يكن في وسعي لا مناقشته ولا هدايته. غير أني قلت في نفسي أنه سيكون من
المستحيل هداية المؤمنين القدامى إلى الإيمان الصحيح ما لم تنظم الطقوس لدينا
تنظيماً حسناً، وما لم يضرب رجال الدين المثل الصالح. فإن المؤمنين القدامى لا
يعرفوا شيئاً عن الحياة الروحية، وهم يعتمدون على الأشياء الخارجية، ونحن إنما نهمل
هذه.
ولذا قررت الذهاب، وصرت فعلاً في مدخل المكان وإذا بي أرى، بدهشة كبرى، خلال باب
غرفة خاصة، رجلاً تدل هيئته على أنه غير روسي، وكان يقرأ مستلقياً على سرير. أشار
إليّ إشارة، وسألني من أكون، فقلت له. فأخذ يحدثني. قال: اسمع يا صاح. ألن تقبل
العناية بمريض... فلنقل لأسبوع، إلى أن تتحسن حالي بعونه تعالى؟ أنا يوناني، راهب
من جبل آثوس. وأنا في روسيا بغية جمع صدقات لديري. وأصابني المرض وأنا في طريق
العودة. إن ساقيي تؤلماني إلى حد لا أستطيع السير معه. لا تقل لا يا عبد الله،
سأدفع لك أجرك. فقلت: لا حاجة بك إلى أن تدفع لي شيئاً. سأقوم بالعناية بك على أفضل
ما أستطيعه، لوجه الله.
فبقيت معه. وتعلمت منه أشياء كثيرة تتصل بخلاص نفوسنا. وحدثني عن آثوس، الجبل
المقدس، وعن كبار الزهاد فيه وعن النساك المتوحدين الكثيرين. وكان معه نسخة يونانية
من الفيلوكاليا وكتاب لاسحق السرياني. فقرأنا معاً وقارنا النص السلافوني الذي
ترجمه (باييسي فيليتشكوفسكي) {راهب روماني (1772- 1794) عاش في جبل آثوس حيث تدرب
على حياة الصلاة المستديمة. وبرجوعه إلى رومانيا ترجم الفيلوكاليا إلى السلافونية.
راجع المقدمة} بالنص اليوناني الأصلي. فأعلن أنه يستحيل تأدية الفيلوكاليا بدقة
وأمانة أكبر مما نقلت فيه إلى السلافونية بقلم باييسي.
لاحظت أنه كان في حالة صلاة دائمة، وحاذقاً جداً في صلاة القلب الداخلية، ولما كان
يتقن الروسية إتقاناً، سألته أسئلة في هذا الموضوع. فقال لي للحال الكثير فيه
واستمعت إليه بانتباه. بل إني دونت ملحوظات كثيرة خطياً. وهكذا، مثلاً، أطلعني على
امتياز صلاة يسوع وعظمتها بهذه الكلمات: (حتى شكل صلاة يسوع يظهر ما أعظم هذه
الصلاة. وهي في قسمين، في القسم الأول، (أيها الرب يسوع المسيح، يا ابن الله) توجه
أفكارنا نحو سر يسوع المسيح، وكما يقول الآباء القديسون، إنها خلاصة للإنجيل.
وفي القسم الثاني، (ارحمني، أنا الخاطئ) تضعنا الصلاة أمام واقع طبيعتنا الساقطة.
ومن الملاحظ أن رغبة نفس مسكينة متواضعة والتماسها لا يمكنهما أن يعبر عنهما بعبارة
أحكم وأوضح وأدق من هذه العبارة: (ارحمني). لن يمكن لأية صيغة غيرها أن تكون
بكمالها وبقدرتها على بعث الرضى. لو كنا نقول، مثلاً: (سامحني، امنح خطاياي، طهرني
من معاصي، تجاوز عن إهاناتي)، لكان هذا كله لا يعبر إلا عن التماس ليس هو إلا طلب
العفو من العقاب، وخوف نفس ضعيفة لا حول لها. أما قولنا: (ارحمني) فلا يعبر عن
الرغبة في العفو خوفاً وحسب، بل هو الصرخة الصادقة للمحبة البنوية التي جعلت أملها
في رحمة الله وأقرت بتواضع بكونها في غاية الضعف لتحطيم إرادتها الذاتية والسهر على
نفسها. إنه نداء رحمة – نداء نعمة إذن – سيتجلى بالقوة التي سيمنحنا الله ليجعلنا
قادرين على مقاومة التجربة والانتصار على ميلنا إلى الخطيئة. كما لو كان مدين عاجز
عن الدفع يطلب من دائنه – وهو صديقه – لا أن يؤجل له موعد الدفع وحسب، بل أن يشفق
أيضاً على فقره المدقع ويتكرم عليه بما تجود يده. هذا ما تعبر عنه هذه الكلمة
العميقة: (ارحمني). فكأنك تقول: (أيها السيد الرحيم اعف عن خطاياي وساعدني على
تقويم نفسي، أيقظ في نفسي رغبة حارة في إتباع وصيتك. أنثر نعمتك بمسامحتك خطاياي
الحاضرة، وبتوجيه أفكاري وإرادتي وقلبي اللامبالين نحوك وحدك).
وعلى هذا، عجبت لحكمة كلامه، وشكرته لتعليمه نفسي الخاطئة. وتابع يعلمني أشياء
رائعة. قال:
- إن أردت (وفهمت أنه عالم، إذ كان درس في أكاديمية أثينا) حدثتك الآن عن اللهجة
التي تقال بها صلاة يسوع. والواقع أني سمعت مسيحيين كثيرين يخافون الله يتلون هذه
الصلاة شفهياً، كما أمر كلمة الله ووفقاً لتقليد الكنيسة المقدسة. وهم يلجأون إليها
لا في صلواتهم الخاصة وحسب بل في الكنيسة. وإن أنت استمعت بانتباه وكصديق إلى
التلاوة الهادئة لهذه الصلاة، للاحظت، لفائدتك الروحية، أن لهجة الصوت المصلي تختلف
تبعاً للأشخاص. وهكذا نرى البعض يشددون النبرة على الكلمة الأولى ويقولون (أيها
الرب يسوع المسيح) ثم ينهون بقية الجملة كلها بلهجة واحدة. ويبدأ البعض الآخر بلهجة
واحدة، ويشددون النبرة، في منتصف الصلاة، على كلمة يسوع، كما في جملة تعجبية،
وينهون الصلاة من ثم باللهجة ذاتها الموحدة، كما فعلوا في البداية. وآخرون غيرهم
يبدأون الجملة ويستمرون فيها من غير نبرة حتى الكلمة الأخيرة – ارحمني – حيث يرفعون
صوتهم بقوة. وأخيراً هنالك من يتلون الصلاة كلها (أيها الرب يسوع المسيح ابن الله
ارحمني أنا الخاطئ) بنبرة شديدة على عبارة (ابن الله) وحدها.
اسمع الآن. ثمة صلاة واحدة فقط. وللمسيحيين الأرثوذكسيين عقيدة واحدة فقط، وكلهم
يعلمون أن هذه الصلاة السامية أكثر من غيرها تحوي شيئين: الرب يسوع والنداء الموجه
إليه. والجميع يقرون بهذا. فلماذا ترى لا يتلفظون بها بالطريقة ذاتها، باللهجة
ذاتها؟ لماذا تصلي كل نفس بطريقتها الخاصة؟ لماذا تعبر النفس عن ذاتها بنبرة خاصة
لا في الموضع بذاته للجميع، بل في مكان بعينه بالنسبة إلى كل شخص؟ يقول كثيرون إن
هذا ربما كان وليد العادة أو المحاكاة، أو إن هذا رهن بتأويلات متباينة للكلمات
تبعاً لوجهات نظر فردية، أو - أخيراً – إنها الطريقة التي تأتي بأكبر سهولة، بصورة
طبيعية لكل واحد. لكن رأيي مختلف. بودي أن أجد سبباً أسمى، شيئاً يكون مجهولاً لا
لدى سامع الصلاة وحسب بل لدى المصلي نفسه أيضاً. إلا يكون ثمة احتثاث خفي من الروح
القدس الذي يتوسط من أجلنا بأنات لا يستطيع اختراعها الذين لا يعرفون لماذا ولا كيف
يصلون؟ وإن كان كل امرئ يذكر اسم يسوع بالروح القدس، حسب قول الرسول، فإن الروح
الفاعل في الخفاء، والمعطي الصلاة لمن يصلي، يهب هذا المرء عطية خاصة، بالرغم من
تخاذل قوته.
وهكذا فقد يمنح الروح القدس إنساناً خوفاً لله موقراً، ويمنح آخر المحبة، ويمنح
ثالثاً رسوخ الإيمان، وآخر التواضع المشع نعمة، وهكذا...
وإن كان الأمر كذلك، فإن الذي تقلى نعمة توقير قدرة الضابط الكل ومديحها سيسعد
بصورة خاصة بلفظ كلمة رب التي يشعر فيها بعظمة خالق العالم وقدرته. والذي أعطي سيل
الحب الخفي في قلبه يغتبط ويمتلئ سروراً إذ يتعجب قائلاً: يسوع المسيح، تماماً كذلك
الستارتس الذي ما كان يستطيع أن يسمع اسم يسوع، حتى في حديث عادي، من غير أن يشعر
بدفق خاص من المحبة والفرح. والذي يؤمن إيماناً لا يتزعزع في ألوهة يسوع المسيح،
المساوي للآب في الجوهر، يوهب إيماناً أحر لدى تلفظه بكلمتي ابن الله. ومن وُهب هبة
التواضع، وكان يعي ضعفه الخاص وعياً عميقاً يشعر بالتواضع والندامة عند قوله
ارحمني، وهو يفتح قلبه في خاتمة صلاة يسوع هذه. وهو يحب الأمل الذي يعقده على رحمة
الله المحب للبشر ويمقت سقوطه الشخصي في الخطيئة.
ورأيي أنه ينبغي، في هذا، البحث عن أسباب اللهجات المتباينة التي تنطق بها صلاة اسم
يسوع. ويمكنك أن تتعرف فيها، لدى الاستماع إليها، لما فيه مجد الله وعبرتك الخاصة،
إلى أي انفعال ينفعل به هذا أو ذاك من المصلين، وأية موهبة روحية أعطيت له. قال لي
كثيرون، بهذا الصدد: لماذا لا تظهر علامات هذه المواهب الروحية الخفية، لماذا لا
تظهر معاً، مجتمعة؟ عندئذ ستكون لا بعض كلمات الصلاة... بل كلها مشبعة بانجذاب روح
واحدة. أجبت بهذه الصورة: ما دامت نعمة الله تنثر مواهبها بحكمة على كل حسب قوته،
كما نرى في الكتاب المقدس، من تراه يستطيع أن يسعى، مع عقله المحدود، إلى الدخول في
حالات النعمة جميعاً؟ أليس الفخار في يد الخزاف بالكلية، أولا يمكنه أن يصنع منه أي
شيء يريد حسب مشتهاه؟
قضيت خمسة أيام مع هذا الستارتس، وبدأ يشعر بتحسن كبير. ولقد كان هذا الزمن مفيداً
لي كثيراً حتى أني لم أحس بالسرعة التي انقضى فيها. إذ أننا في تلك الغرفة الصغيرة،
في عزلتنا الساكنة لم يكن لنا من هم سوى ذكر اسم يسوع بصمت، أو الحديث في موضوع
واحد هو الصلاة الداخلية.
وفي ذات يوم أتى سائح يزورنا. كان يشكو بمرارة من اليهود ويشتمهم. فلقد مر في قراهم
وعانى، لا شك، من عداوتهم وحيلهم. وكانت مرارته كبيرة منهم إلى حد أنه كان يلعنهم،
حتى أنه قال إنهم لا يستحقون الحياة بسبب عنادهم وقلة إيمانهم. وأعلن، أخيراً، أن
كرهه لهم كبير بحيث لم يعد قادراً على السيطرة عليه.
فقال الستارتس: لا يحق لك، يا صاح، أن تشتم اليهود وتلعنهم بهذه الصورة. فقد خلقهم
الله كما خلقنا نحن، ويجب عليك أن تكن لهم الاحترام وأن تصلي من أجلهم لا أن
تلعنهم. صدقني، إن الاشمئزاز الذي تشعر به نحوهم يأتي من كونك غير متأصل في حب
الله، وأن ليس عندك الصلاة الداخلية. سأقرأ لك مقطعاً من كتابات آباء الكنيسة حول
هذا الموضوع. اسمع، هذا ما كتبه مرقس الزاهد: (إن النفس المتحدة داخلياً بالله
تصبح، بسبب فرحها الكبير، كطفل بسيط طيب، لا يدين أحداً لا يونانياً ولا وثنياً ولا
يهودياً ولا خاطئاً، لكنه يعتبرهم جميعاً بنظرة واحدة مطهرة. ويجد فرحاً في العالم
كله، ويشتهي أن يمجد الجميع الله – يونانيين ويهوداً ووثنيين). ويول مكاريوس الكبير
المصري إن المتأمل يحترق بحب كبير إلى حد أنه، لو كان من الممكن، لجعل من نفسه
مسكناً للجميع، من غير تمييز بين الأخيار والأشرار.
هذا، يا أخي العزيز، ما يفكر به الآباء بهذا الصدد. أوصيك إذن أن تتخلى عن عنفك وأن
تنظر إلى كل شيء تحت سمة العناية الإلهية العليمة بكل شيء، وعندما تشعر بالانزعاج
أدن نفسك بنفاد الصبر وبقلة التواضع.
أخيراً مضى أسبوع، وشفي صاحبي الستارتس، فشكرته من صميم القلب على كل التعاليم
المباركة التي لقنني، ثم ودع كل منا الآخر. انطلق هو في المسير بغية العودة إلى
بلده وتابعت أنا خط السير الذي كنت قد رسمته، فكنت أقترب من (بوشاياف). ولم أكن قد
اجتزت أكثر من المئة فرسخ حين لحق بي جندي. فسألته إلى أين هو ذاهب. فقال لي أنه
عائد إلى مسقط رأسه (كامينتسك بودولسك). وسرنا زهاء العشرة فراسخ من غير أن نتبادل
كلمة واحدة، ولاحظت أنه يتنهد تنهداً عميقاً، كما لو أن شيئاً يثقل صدره، وكانت
ملامح وجهه قاتمة. فسألته عما يحزنه إلى هذا الحد. قال: يا صاح ما دمت قد لاحظت
حزني، فإن أنت حلفت بأقدس ما عندك أنك لن تبوح به لأحد، فسأروي لك حكايتي كاملة.
فإني على وشك الموت، ولا أحد لدي أحدثه.
فطمأنته أني، كمسيحي، لم يكن بي أدنى حاجة إلى كشف الأمر لأي كان، وأني، بفعل
المحبة الأخوية، سيسعدني أن أسدي إليه أية نصيحة يمكنني إسداؤها.
فشرع يحكي قائلاً: إليك قصتي: جندت كجندي من بين فلاحي الدولة. وبعد زهاء الخمس
سنين باتت الخدمة لا تطاق، وبالفعل جلدت مراراً عديدة بسبب إهمالي والسكر. وصممت
على الفرار، وفررت، وقد عشت هذه السنين الأخيرة الخمس عشرة فاراً. خلال ست سنين،
اختبأت حيثما استطعت. وكنت أسرق من المزارع والعنابر والمستودعات. كنت أسرق الخيل.
وكنت أسطو على دكاكين. وتابعت هذا النوع من الأعمال على حسابي الخاص. وكنت أتخلص من
المسروقات بطرق مختلفة. وكنت أعاقر الخمرة بثمن المبيعات، وأعيش حياة منحلة وأرتكب
ما أمكن من الخطايا. لكن روحي وحدها لم تهلك. وكنت أتدبر أمري على خير ما يرم. لكن
الأمر انتهى بي إلى أن ألقيت في السجن بسبب التشرد من غير جواز سفر، غير أني هنا
أيضاً وجدت فرصة للهرب. ثم اجتمعت، من غير سابق موعد، بجندي مسرح من الخدمة، كان
عائداً إلى بيته في مقاطعة نائية. ولما كان مريضاً لا يمشي إلا بشق النفس، طلب مني
أن أوصله إلى أقرب قرية يمكنه أن يجد فيها مأوى. فأوصلته.
وسمحت لنا الشرطة أن نبيت ليلتنا في أهراء، فوق القش، واستلقينا هناك. وعند
استيقاظي، في صبيحة الغداة، ألقيت نظرة إلى صاحبي الجندي، فكان هذا جثة هامدة.
فبحثت بسرعة عن جواز سفره – أو بالأحرى عن وثيقة تسريحه – وبعد أن وجدتها مع مبلغ
محترم من المال، وفيما كان الجميع ما يزالون نياماً، غادرت الأهراء بأسرع ما
أمكنني، ودخلت الغابة وهربت. وعند قراءتي جواز السفر وجدت أنه في ذات سني تقريباً،
والعلامات الفارقة عينها. فاستبشرت بهذا وقصدت بقدم ثابتة مقاطعة (استراخان). هنا،
أخذت في التعقل قليلاً، وحصلت على عمل. كنت مع شخص مسن يملك بيتاً ويتعاطى تجارة
الماشية. وكان يعيش لوحده مع ابنته المترملة. بعد عام أمضيته عنده، تزوجت ابنته. ثم
توفي الشيخ. ولم يكن بوسعنا الاستمرار في أعماله. وعدت إلى معاقرة الخمرة، وزوجتي
كذلك، وبعد عام كنا قد بذرنا كل ما تركه الشيخ من مال. ثم مرضت زوجتي وتوفيت.
وعندئذ بعت كل ما تبقى مع البيت. وسرعان ما وجدت نفسي وقد نفد كل مالي. لم يكن لي
شيء أعتاش به، لا شيء آكله. فعدت إلى تجارتي القديمة: بيع المسروقات، بجرأة أكبر ما
دمت الآن أمتلك جواز سفر.
وهكذا عدت إلى حياتي السابقة مدة عام تقريباً. ثم جاءت فترة طويلة لم يكن فيها
النجاح قط حليفي. سرقت فرساً عجوزاً حقيراً لفلاح بلا أرض، وبعته إلى الحطاب بثمن
لقمة خبز. أخذت المال إلى المقهى وجعلت أشرب الخمر. كان في نيتي الذهاب إلى قرية
يحتفلون فيها بعرس، يحدوني الأمل بسرقة كل ما استطعت إليه سبيلاً، بعد أن ينام
الجميع عقب الاحتفال. ولما كانت الشمس لم تغب بعد، ذهبت إلى الغابة في انتظار
الليل. واستلقيت ونمت نوماً عميقاً.
فرأيت حلماً، رأيت فيه نفسي واقفاً في مرج كبير وجميل. وفجأة ارتفعت في السماء
سحابة مخيفة، ثم قصفة رعد رهيب إلى حد أن الأرض زلزلت تحت قدمي، وشعرت وكأن أحداً
يدفعني بضربة إلى كتفي في باطن الأرض التي كانت تحيط بي ضاغطة من كل الجهات. وكان
رأسي وحده مع يدي خارج التراب. وعندئذ رأيت وكأن تلك السحابة الرهيبة حطت على
الأرض، وخرج منها جدي المتوفي منذ عشرين سنة. لقد كان رجلاً مستقيماً جداً، وكان
وكيل الكنيسة طوال ثلاثين سنة في ضيعتنا. أتى إلي والغضب والوعيد يبدوان على
سيمائه، مما جعلني أرتعد. ورأيت حولي، في كوم متعددة، الأشياء التي سرقتها في فترات
مختلفة. فتضاعف رعبي. أتى جدي إلي، وأشار بإصبعه إلى الكومة الأولى قائلاً: ما هذا؟
هلم! فأخذت الأرض من حولي تضيق علي بشدة كبيرة بحيث لم أكن أستطيع تحمل الألم، ولا
أصابني الإغماء، رغم شدته. فأننت وهتفت: (ارحمني)، لكن عذابي استمر. وعندئذ أشار
جدي إلى كومة ثانية وقال أيضاً: وما هذا؟ اسحقيه سحقاً أقوى! فشعرت بألم وقل عنيفين
من الشدة بحيث لا يمكن أن يقارن بهما أي تعذيب على وجه الأرض. وأخيراً، ساق جدي
قريباً مني الحصان الذي سرقته في العشية وصرخ: وما هذا؟ هلم بأقوى ما تستطيعين. كان
ألمي شديداً في جسدي كله إلى حد لا يمكن وصفه. كان ألماً قاسياً مريعاً مدمراً! بدا
لي وكأن عضلاتي كلا تسحق سحقاً، وكان هذا الألم الفظيع يخنقني. وشعرت أن هذا العذاب
لو دام وقتاً أطول لفقدت الوعي. لكن الحصان رفسني وجرح خدي. وعند تلقي هذه الضربة،
استيقظت.
كنت في غاية الرعب وكانت الرعدة تنتاب جسدي كله. ورأيت أن النهار طلع وأن الشمس
كانت تشرق. وإذ رفعت يدي إلى خدي أحسست بالدم يسيل متدفقاً، وأجزاء بدني التي كانت
في الحلم مدفونة، كانت، ماذا أقول؟ ... متخدرة، موجوعة وبها دبيب النمل. وكان رعبي
شديداً بحيث صعب علي النهوض والعودة إلى منزلي. وآلمني خدي زمناً طويلاً. أنظر!
بوسعك أن ترى الندبة. لم تكن هنا من قبل. ومنذ ذلك اليوم، يستولي علي الخوف والذعر
في أحيان كثيرة لمجرد ذكرى ما قاسيت في ذلك الحلم، وهما من القوة بحيث لا أدري ما
أصنع بنفسي. وأنكى ما في الأمر أن هذه الفترات تزايدت، وصرت آخر الأمر أخاف الناس
وأشعر بالعار كما لو كان الجميع يعرفون ماضيّ المعيب. فقدت حب الشراب والأكل والنوم
بسبب هذا العذاب. وغدوت خرقة بالية. ولقد فكرت في العودة إلى كتيبتي في الجيش وفي
الاعتراف بكل ما في قلبي مخففاً. فلربما عفا الله عن خطاياي إن أنا تقبلت قصاصي.
لكن الخوف أصابني، والتفكير في إمكانية جلدي ثبطت عزيمتي. فنفذ صبري وأردت أن أشنق
نفسي. لكنه خطر ببالي أنني، في كل حال، لم يبق لي الكثير أعيشه، وسأموت عما قريب
لأني فقدت قواي كلها. ولذا أردت العودة إلى بلدتي لأودع الوداع الأخير وأموت. مازال
لي ابن أخ، وقد مضى علي إلى الآن ستة أشهر وأنا أسير. وفي كل حين أنوء بعبء العذاب
والخوف بصورة بائسة. ما قولك يا صاح؟ ماذا علي أن أفعل؟ حقاً أكاد أكون منتهياً.
عند سماعي هذا كله عرتني دهشة كبرى وحمدت حكمة الله وصلاحه إذ رأيت بأي السبل
يتلفان خاطئاً. وقلت له: يا أخي العزيز، كان عليك خلال هذا الخوف وهذا القلق أن
تصلي إلى الله. إنه العلاج الأعظم لكل مشقاتنا. فقال لي: أبداً! كان يبدو لي أني لو
أخذت في الصلاة، لحطمني الله فوراً. فقلت: لا معنى لقولك هذا، يا أخي، إن إبليس هو
الذي يدخل في رأسك أفكاراً كهذه. لا حد لرحمة الله، إنه يتحنن على الخاطئ ويسامح
بسرعة كل الذين يتندمون. ربما كنت تجهل صلاة يسوع: (أيها الرب يسوع المسيح، ارحمني
أنا الخاطئ)، هذه الصلاة التي يكررها المرء بلا انقطاع.
- أنا طبعاً أعرف هذه الصلاة! وكنت أتلوها أحياناً لأحافظ على شجاعتي إذ كنت على
وشك ارتكاب سرقة.
- اسمع إذن. لم يهلكك الله عندما كنت في سبيل عمل شرير إذ تلوت الصلاة. أتراه يفعل
إن جعلت تصلي وأنت في سبيل الندامة؟ إنك ترى تماماً أن أفكارك من الشيطان تأتي.
صدقني، يا أخي العزيز، إن أردت تلاوة الصلاة من غير أن تشغل بالك أبداً بالأفكار
التي تخطر لك أيما كانت، فستشفى بسرعة كبرى. سيزول كل خوف وكل قلق، وفي النهاية
ستعيش بسلام تام. وستصبح إنساناً تقياً، وستزول عنك كل الأهواء الآثمة. أؤكد لك ذلك
لأني رأيت أمثلة كثيرة عنه في حياتي. ثم حدثته عن عدة حالات تجلى فيها أثر صلاة
يسوع في الخطأة. وأخيراً أقنعته بمرافقتي إلى دير والدة الإله في (بوشاياف)، ملجأ
الخطأة، وبالاعتراف هناك وتناول القربان المقدس قبل العودة على بلده.
استمع الجندي إلى هذا كله بانتباه وفرح، على ما استطعت ملاحظته، وقبل كل ما عرضته
عليه. وذهبنا معاً إلى (بوشاياف)، بشرط ألا يوجه أحدنا الكلام إلى صاحبه وأن نتلو
صلاة يسوع طوال الوقت. مشينا بصمت نهاراً بكامله. وقال لي في الغداة أنه يشعر بتحسن
كبير، وكان من الواضح أن نفسه أهدأ من ذي قبل. وبلغنا (بوشاياف) في اليوم الثالث،
وحثثته أيضاً على عدم قطع الصلاة نهاراً وليلاً، مادام مستيقظاً، مؤكداً له أن اسم
يسوع الكلي القداسة، الذي لا يطيق أعداؤنا الروحيون سماعه سيكون له سلطان تخليصه.
وقرأت له في الفيلوكاليا أنه، بالرغم من أن علينا تلاوة الصلاة كل حين، فإنه من
الضروري، بصورة أخص، تلاوتها بأكبر ما يمكن من عناية حين نتهيأ للمناولة.
وهذا ما فعل، ثم اعترف وتناول. وبالرغم من أن أفكاره القديمة عادت إليه تعذبه بين
الحين والحين، فإنه لم يصعب عليه تبديدها بصلاة يسوع. ومساء الأحد نام أبكر من
عادته وهو يتابع تلاوة صلاة يسوع، وذلك حتى يستطيع النهوض بسهولة أكبر لصلاة السحر.
وبقيت جالساً في ركني، أقرأ فيلوكاليتي على ضوء شمعة. وانقضت ساعة. نام صاحبي،
وأخذت في تلاوة الصلاة. بعد عشرين دقيقة تقريباً، وفجأة أجفل وأفاق، وقفز بسرعة من
سريره، وأتى راكضاً إلي، دامعاً، وقال وهو في غاية السعادة: آه يا أخي، ليتك تعلم
ما رأيت لتوي! يا للسلام، يا للفرح! أعتقد أن الله رحيم للخطأة، وهو لا يعذبهم.
المجد لك يا رب، المجد لك!
فدهشت، وسعدت ورجوته أن يقص علي بدقة ما حدث له. فقال: إليك قصتي: ما كدت أنام حتى
وجدت نفسي مجدداً في ذلك المرج الذي عذبت فيه. وأصابني الرعب أول الأمر، ولكني رأيت
أن الشمس مشعة، بدل السحابة، وكانت تشرق، وأن نوراً رائعاً يتألق على المرج كله.
ورأيت أزهاراً جميلة وعشباً. وفجأة أتى إلي جدي، وهو أجمل ما يكون، وحياني بلطف
وقال لي: (اذهب إلى (جيتومير)، إلى كنيسة القديس جاورجيوس. وستأخذك الكنيسة تحت
حمايتها. امض فيها بقية عمرك وصل بلا انقطاع. وسيكون الله لك كثير الأفضال). وعلى
هذا رسم علي إشارة الصليب واختفى. لا يمكنني أن أعبر لك عن السعادة التي شعرت بها:
لكأن عبئاً أزيح عن كتفي، وكأني طرت محلقاً في السماء. وهنا أفقت، وقد حل السلام في
نفسي وقلبي، وامتلأت فرحاً إلى حد أني ما كنت أدري ما أنا فاعل. ماذا يجب أن أفعل
الآن؟ سأنطلق حالاً إلى (جيتومير)، كما قال لي جدي. وسيكون هذا سهلاً، برفقة صلاة
يسوع.
- لحظة، يا أخي، كيف يمكنك الذهاب في منتصف الليل؟ ابق حتى صلاة السحر، قل صلواتك
ثم اذهب يصحبك الله.
لم ننم بعد هذه المحادثة. ذهبنا إلى الكنيسة، فبقي لصلاة السحر بأكملها وصلى صادقاً
باكياً، وقال إنه يشعر بالسلام، وأنه سيتابع بفرح تلاوته لصلاة يسوع. وفي القداس،
تناول القربان، وعندما أفطر رافقته حتى طريق (جيتومير) حيث افترقنا وفي عينينا دموع
الفرح.
أخذت أفكر عندئذ في شؤوني الخاصة. إلى أين أذهب الآن؟ قررت آخر الأمر أن أرجع إلى
(كييف). جذبتني إليها تعاليم كاهني الحكيمة. أضف أنني لو بقيت معه فقد يجد صديقاً
للمسيح وللبشر يجعلني على طريق أورشليم أو على الأقل، جبل آثوس. وبقيت أسبوعاً آخر
في (بوشاياف)، أقضي وقتي في تذكر كل التعاليم التي تلقيتها في رحلتي هذه، وفي تدوين
ملحوظات حول عدد معين من الأشياء. ثم تهيأت للسفر، وأخذت جرابي وذهبت إلى الكنيسة
لأضع نفسي في رعاية والدة الإله. وبعد القداس تلوت صلواتي وبت مستعداً للانطلاق.
كنت أقف في أقصى الكنيسة عندما دخل رجل ذو ثياب وإن لم تكن ثمينة جداً على أنها تدل
على كونه من النبلاء، وسألني أين تباع الشموع. فأريته المكان. وبعد نهاية القداس،
بقيت أصلي أمام المذبح. وعند فراغي من صلواتي أخذت في المسير.
وبعد فترة رأيت، محاذياً الشارع، نافذة بيت مفتوحة ورجلاً يقرأ كتاباً. وكانت الدرب
تمر بالضبط بالقرب من هذه النافذة ورأيت أن الرجل كان ذاك الذي سألني عن الشموع في
الكنيسة. فرفعت قبعتي، إذ جزت به، وعندما رآني أشار إلي أن أذهب إليه وقال: أظن أنك
سائح. أجبت: نعم. فرجاني في الدخول وأراد أن يعرف من أنا وإلى أين أذهب. فقلت له كل
ما يتصل بي من غير أن أخفي شيئاً. وقدم لي الشاي وجعل يخاطبني، قال: اسمع، يا عزيزي
الصغير. أنصحك الذهاب إلى دير (سولوفيتسكي) الواقع في إحدى جزر (سولوفيتس) في البحر
الأبيض. فهناك منسك يخيم عليه الهدوء وشديد العزلة اسمه (آنزرسكي). إنه أشبه بآثوس
ثان، ويرحبون فيه بكل إنسان يذهب إليهم. وللمبتدئ فقط أن يقوم بهذا: أن يقرأ في
دوره كتاب المزامير في الكنيسة أربع ساعات من الأربع والعشرين ساعة. وأنا بنفسي
أذهب إلى هناك، ولقد نذرت أن أذهب مشياً على قدمي. وبوسعنا أن نذهب معاً. سيكون
الأمر آمن معك، إذ يقال أن الطريق خالية من المسافرين. وأنا، من جهة ثانية، أملك
المال، وبإمكاني تأمين معيشتك أثناء الرحلة. إني أعرض عليك هذه الشروط: سيسير
واحدنا على بعد عشرين خطوة من الآخر، وهكذا لن نضايق بعضنا بعضاً وسنتمكن من
القراءة أو التأمل طوال الطريق. فكر في الأمر، يا أخي، واقبل، أرجوك: فهو جدير
بالاهتمام والقبول.
اعتبرت هذه الدعوة غير المتوقعة كعلامة أرسلتها والدة الإله التي طلبت منها أن
ترشدني إلى طريق الغبطة. ومن غير أن أطيل التفكير قبلت. وانطلقنا في اليوم التالي.
وخلال أيام ثلاثة، سرنا كما اتفقنا: واحدنا وراء الآخر. كان يقرأ كتاباً طوال
الوقت، كتاباً ما فارق يده لا ليلاً ولا نهاراً. وكان حيناً ينصرف إلى التأمل.
ووصلنا أخيراً إلى مكان توقفنا فيه للعشاء. فتناول طعامه وكتابه مفتوح أمامه، ومن
غير أن تفارقه عيناه. ورأيت أن هذا الكتاب كان نسخة من الأناجيل فقلت له: أتسمح لي،
يا سيدي، بأن أسألك لماذا تحتفظ ليل نهار بالأناجيل في يدك؟ لماذا تأخذها وتحملها
معك دائماً؟
فأجاب: ذاك لأني أتعلم دون انقطاع منها، ومنها وحدها. فأضفت: وماذا تتعلم؟ فقال:
الحياة المسيحية التي تتلخص في الصلاة. إني أرى أن الصلاة أهم وسائل الخلاص وألحها،
وأنها الواجب الأول لكل مسيحي. والصلاة هي الخطوة الأولى في الحياة الروحية، وهي
أيضاً غايتها التي تتوجها، ولذا أمرنا الإنجيل بممارسة الصلاة الدائمة. وقد خصص وقت
معين لباقي أعمال التقوى، أما الصلاة فلا وقت إلا وهو مناسب لها. ويستحيل، من غير
صلاة، أن تفعل أي عمل صالح، كما يستحيل، من غير الأناجيل، تعلم كيف يحسن أن نصلي.
ولذا فإن جميع الذين نالوا الخلاص عن طريق الحياة الروحية: القديسون الذين بشروا
بكلمة الله والنساك والمتوحدون، وفي الحقيقة كل المسيحيين المتقين الله، كلهم قد
تلقوا تعليمهم من انشغالهم الدائب الذي لا يمل في أعماق كلام الله، ومن قراءة
الإنجيل. وكان الكثيرون دائمي الحمل للأناجيل في يدهم، وفي تعليمهم عن الخلاص يسدون
هذه النصيحة: (اجلس في سكينة حجرتك واقرأ الإنجيل، وأعد قراءته). هذا هو السبب الذي
من أجله تراني متعلقاً بالإنجيل دون سواه.
فأعجبني تفكيره هذا كثيراً، كما أعجبتني حميته في الصلاة. ثم سألته في أي إنجيل،
على وجه التخصيص يجد تعاليم حول الصلاة. فأجاب: في الأربعة، من غير تمييز، في العهد
الجديد بأكمله، بقراءته على الترتيب. وأنا أقرأه منذ أمد مديد متشرباً معناه، وقد
دلني هذا أن ثمة تدرجاً وتسلسلاً منتظماً من التعاليم حول الصلاة في الإنجيل
المقدس، بدءاً بأول إنجيل، وبانتظام حتى الأخير، حسب منهج معين. ففي أولها، مثلاً،
تهيئة وتوطئة لدراسة الصلاة، ثم شكلها أو التعبير الخارجي عنها بكلمات. وفيما بعد،
نجد الشروط اللازمة لرفع الصلاة، والوسائل الكفيلة بتعلم هذا مع أمثلة. وأخيراً نقع
على العبرة الخفية للصلاة الداخلية والروحية الدائمة لاسم يسوع المسيح، وهي مبينة
كصلاة أسمى وأجدى للخلاص من الصلاة الخارجية. ثم يأتي بيان ضرورة تلاوتها وثمرها
المبارك، وهكذا... وبعبارة وجيزة، يجد المرء في الإنجيل معلومات وافية مفصلة عن
ممارسة الصلاة في نظام أو في تسلسل نهجي من بداية الإنجيل إلى نهايته.
دفعني هذا الجواب إلى أن أطلب منه إيضاح ذلك تفصيلاً، فقلت له: لما كنت أحب سماع
الحديث حول الصلاة أكثر من أي شيء آخر، فسيسعدني جداً أن ألمس سلسلة التعاليم هذه
الخفية حول الصلاة في كافة تفاصيلها. كرمى لله أرني ذلك كله في الإنجيل ذاته. فقبل
بطيب خاطر قائلاً: افتح إنجيلك، وأنظر فيه، ودون ما أقوله لك. وأعطاني قلماً.
قال: تجمل وأنظر هذه الملحوظات التي دونتها. والآن أنظر أولاً في إنجيل القديس متى،
الإصحاح السادس، واقرأ الآيات من الآية الخامسة إلى التاسعة. سترى أن لدينا هنا
الإعداد أو التوطئة التي تعلم أنه ينبغي علينا أن نباشر بالصلاة لا حباً بالظهور،
وبصورة صاخبة بل في مكان منعزل، وفي السكينة. وأنه إنما ينبغي لنا الصلاة طلباً
لمغفرة الخطايا وللاتحاد بالله وحسب، من غير أن نضيف عدداً من الطلبات بلا جدوى حول
أمور دنيوية مختلفة، كما يفعل الوثنيون. ثم تابع قراءة الإصحاح ذاته، واقرأ من
الآية التاسعة إلى الآية الرابعة عشرة. تجد هنا شكل الصلاة، بأي كلمات يجب أن نعبر
عنها، تجد هنا، مجموعة بغزير الحكمة، كل العناصر اللازمة والمرغوب فيها لحياتنا.
وبعد هذا، تابع قراءة الآيتين الرابعة عشرة والخامسة عشرة من الإصحاح ذاته، وستجد
الشروط اللازمة لكيما تكون الصلاة فعالة. إذ إننا لو كنا لا نغفر لمن أساء إلينا،
فلن يغفر الله لنا خطايانا. انتقل الآن إلى الإصحاح السابع، وستجد في الآيتين
السابعة والتاسعة كيفية الحصول على ثمرة الصلاة، كيفية الرجاء الشجاع: اطلب، ابحث،
اقرع. إن هذه العبارات القوية تصف تواتر الصلاة وضرورة ممارستها، بحيث لا نكتفي
بملازمة الصلاة لأعمالنا كلها، فتسبقها أيضاً. إنها الخاصة الأساسية للصلاة.
وأنت واجد تمثيلاً لذلك في الإصحاح الرابع عشر من إنجيل القديس مرقس، من الآية
الثانية والثلاثين إلى الآية الأربعين، حيث نرى يسوع نفسه يردد تكراراً عبارات
بعينها للصلاة.
والقديس لوقا، في الإصحاح الحادي عشر، من الآية الخامسة إلى الآية الرابعة عشرة،
يعطي مثلاً مشابهاً للصلاة المكررة في مثل صديق نصف الليل، وفي الطلب المتكرر
والملحاح للأرملة (لوقا 1:18- 8)، موضحاً بهذا وصية يسوع المسيح بأن علينا أن نصلي
دائماً، في كل زمان وكل مكان، وألا ننصرف إلى التقاعس أي الكسل.
وبعد هذا التعليم المفصل، نجد في إنجيل القديس يوحنا التعليم الأساسي حول صلاة
القلب السرية الداخلية. وفي المقام الأول، نجد هذا التعليم في الخبر العميق الذي
ينقل إلينا حديث المسيح مع السامرية، حيث يكشف لنا أمر العبادة الداخلية بالروح
والحق، تلك العبادة التي يريدها الله، والتي هي الصلاة الدائمة الحقيقية، كالماء
الحي النابع في الحياة الأبدية (يوحنا 5:4- 25). وبعد هذا، في الإصحاح الخامس عشر،
في الآيات من الرابعة إلى الثامنة، نقرأ وصفاً أكثر دقة لقدرة الصلاة الداخلية
وإمكانياتها ولزومها أي انتباه الروح الموجه إلى المسيح، وإلى ذكر الله الذي لا
ينقطع. واقرأ أخيراً الآيات من الثالثة والعشرين إلى الخامسة والعشرين، في الإصحاح
السادس عشر من الإنجيل ذاته. وأنظر أي سر هنا يكشف لنا عنه. ستلاحظ أن صلاة اسم
يسوع المسيح، المعروفة باسم صلاة يسوع أي (أيها الرب يسوع المسيح، ارحمني أنا
الخاطئ) إذا ما رددت مراراً هي ذات السلطان الأكبر، وتفتح القلب بسهولة وتقدسه.
يمكننا ملاحظة ذلك بوضوح كبير بصدد الرسل الذين كانوا تلاميذ يسوع خلال سنة
بكاملها، وقد كانوا تلقنوا منه الصلاة الربانية أي (أبانا الذي في السموات). وإننا
نعرف هذه الصلاة منهم. وعلى هذا، فإن يسوع المسيح، في نهاية حياته الأرضية، كشف لهم
السر الذي كان ما يزال ناقصاً من صلاتهم. فحتى تخطو الصلاة خطوة حاسمة إلى أمام،
قال لهم: (إلى الآن لم تطلبوا شيئاً باسمي... الحق الحق أقول لكم إن كل ما طلبتم من
الآب باسمي يعطيكم). وهذا ما حدث لهم. وعندما تعلم الرسل الصلاة باسم يسوع، ما أكثر
العجائب التي اجترحوها، وما أغزر النور الذي وُهبوا! الآن، هل ترى تسلسل التعليم
وملأه عن الصلاة مرتباً بالكثير من الحكمة في الإنجيل المقدس؟ وإن أنت تابعت بقراءة
الرسائل، فستجد أيضاً ذات التعليم المتدرج.
وحتى تكتمل الملحوظات التي سبق أن أعطيتك، سوف أدلك على مقاطع عديدة تتمثل فيها
صفات الصلاة. وهكذا تجد في أعمال الرسل وصفاً لممارستها، أي التمرس الجاد الدائب
للمسيحيين الأوائل الذين استناروا في إيمانهم بيسوع المسيح (الأعمال 31:4). وكذلك
ثمار الصلاة ونتائج الصلاة الدائمة مبينة وهي دفق الروح القدس ومواهبه للذين يصلون.
وسترى شيئاً مشابهاً في الإصحاح السادس عشر، في الآيتين الخامسة والعشرين والسادسة
والعشرين. ثم تتبع الرسائل على الترتيب وستجد:
1- شدة الحاجة إلى الصلاة في كل الظروف (يعقوب 13:5- 16).
2- كيف يساعدنا الروح القدس على الصلاة (يهوذا 20- 21 والرومانيين 26:8).
3- كيف أن علينا جميعاً أن نصلي بالروح (أفسس 18:6).
4- شدة الحاجة، مع الصلاة، إلى السكينة والسلام الداخلي (فيلبي 6:4- 7).
5- كم هو من الضروري أن نصلي بلا انقطاع (1 تسالونيكي 17:5).
6- ونلاحظ أخيراً أن على المرء ألا يصلي لذاته وحسب، بل لجميع الناس أيضاً
(1تيموثاوس 1:2- 5).
وهكذا، إن نحن خصصنا الكثير من الوقت، والعناية الكبرى، لاكتشاف معاني الآيات،
لأمكننا وجدان الكثير من الإيضاحات غير هذه للعلم السري الكامن في كلام الله، هذا
العلم الذي يفوتنا إن نحن لم نقرأه إلا نادراً أو متسرعين.
أتلاحظ، بعد ما أريتك لتوي، بأية حكمة وأية طريقة يبين العهد الجديد تعليم سيدنا
يسوع المسيح حول المسألة التي درسناها للتو؟ وبأي تسلسل رائع يعرض الإنجيليون
الأربعة لهذه المسألة؟ إن الأمر هكذا: في إنجيل القديس متى نجد التهيئة، المدخل إلى
الصلاة، وقوتها الحقيقية، وشروطها وما إليه. وبعد هذا، نجد في إنجيل القديس مرقس
أمثلة، وفي إنجيل لوقا أمثالاً، وفي إنجيل يوحنا الممارسة الخفية للصلاة الداخلية،
بالرغم من أن ثمة كلاماً عن هذه الممارسة في الأناجيل الأربعة، مع تفاصيل تكثر أو
تقل. وتصف لنا أعمال الرسل ممارسة الصلاة ونتائجها، وأما في الرسائل وحتى في
الرؤيا، فنجد مظاهر عديدة لممارسة الصلاة. ولهذا السبب كانت الأناجيل وحدها دليلاً
كافياً على دروب الخلاص كلها.
كنت، طوال الوقت الذي شرح لي فيه هذا وعلمني، أؤشر في الأناجيل، في كتابي المقدس كل
المواضيع التي عاينها لي. وبدا لي ما قال خليقاً بالملاحظة، وغزير الفائدة العلمية،
وشكرته كثيراً. ثم تابعنا طريقنا بصمت خلال زهاء الخمسة أيام. وبدأ رفيق سفري تؤلمه
رجلاه ألماً شديداً، وكان ذلك – لا شك – لعدم اعتياده السير المتواصل. ولذا استأجر
عربة وجوادين وأركبني معه. وهكذا وصلنا إلى الجوار، حيث بقينا أياماً ثلاثة، لكيما
نستطيع، بعد أن نستريح، أن ننطلق فوراً إلى (آنزرسكي)، وكان يرغب بحرارة أن يذهب
إليها.
الستارتس: إن صديقك رائع. وإن نحن نظرنا إلى تقواه، رأينا غزارة علمه. حبذا لو تيسر
لي لقاؤه.
السائح: نحن معاً. سأصطحبه إليك غداً. لقد تأخرت. وداعاً.
القصة السادسة
السائح: كما وعدتك أمس، طلبت من رفيق سفري الموقر الذي تفضل علي بأحاديثه الروحية،
والذي كنت تريد رؤيته، أن يصحبني إلى هنا.
الستارتس: سيكون من دواعي سروري، وسرور زائري الأكارم أيضاً، على ما آمله، أن
نراكما أنتما الاثنين، وأن ننعم بسماع رواية اختباراتكما. معي ههنا راهب محترم، هذا
هو، وكاهن كبير الورع، هذا هو. وحيث يجتمع اثنان أو ثلاثة باسم يسوع المسيح، فقد
وعد أنه سيكون هو فيما بينهم. ونحن الآن خمسة باسمه، فلا شك، لذا، إنه سيتكرم
بمباركتنا بغزارة أكبر. إن القصة التي رواها لي رفيق سفرك أمس مساء، يا أخي العزيز،
بشأن تعلقك الحار بالإنجيل المقدس تلفت النظر، وفيها الكثير من العبر، ومن المثير
جداً للاهتمام أن نعرف كيف كشف لك عن هذا السر المبارك.
الأستاذ: إن الله المنعم محبة، الذي يرغب لكل الناس أن يخلصوا ويتوصلوا إلى معرفة
الحق قد كشف لي ذلك، بصلاحه، بصورة رائعة ومن غير أي تدخل إنساني. كنت أستاذاً لمدة
خمس سنين، وكانت حياتي كئيبة مشتتة، وقد سحرتني فلسفة العالم الباطلة، لا المسيح.
ولربما كنت هلكت تماماً لو لم يساعدني، إلى حد، كوني كنت أعيش مع أمي الشديدة
التقوى وأختي، وهي فتاة ناضجة الذهن.
في ذات يوم، وقد كنت أتمشى في منتزه عام، تعرفت إلى شاب ممتاز قال لي أنه فرنسي،
وطالب، وقد وصل منذ قليل من باريس، وأنه يبحث عن عمل كمرب. فتنني ما كان عليه من
ثقافة عالية. ولما كان غريباً في هذا البلد، دعوته إلى بيتي، وصرنا صديقين. وطوال
شهرين، كان يأتي لزيارتي مراراً. وكنا نقوم معاً بنزهة، أحياناً، وكنا نتلهى، ونذهب
معاً إلى معاشرة أناس، أترك لكم تصور مدى انعدام أخلاقهم. وفي ذات يوم، أتى يراني
ويدعوني دعوة من هذا القبيل. لكيما يقنعني بصورة أسرع، جعل يمتدح المرح الخاص
والمتعة المنتظرة في صحبة القوم الذين يدعوني إليهم. وبعد أن تحدث في هذا فترة
قصيرة، طلب مني فجأة أن أخرج معه من مكتبي، حيث كنا، لنجلس في غرفة الاستقبال.
بدا لي الأمر في غاية الغرابة، وقلت له إنه لم يسبق لي قط أن لاحظت لديه أي مانع من
البقاء في مكتبي، وسألته ماذا جد الآن. وأضفت أن غرفة الاستقبال بجانب الغرفة التي
تشغلها أمي وأختي، وأنه من غير اللائق أن نتابع فيها حديثاً من هذا النوع. فأصر،
متذرعاً بذرائع مختلفة، واعترف – آخر الأمر - بهذا:
(بين كتبك، على الرفوف هنا، نسخة من الأناجيل. وأنا أكن لهذا الكتاب من الاحترام ما
يجعلني أشعر بشيء من الانزعاج إن تحدثت في قضايانا الطائشة في حضرته. ارفعه من هنا
حتى نستطيع الكلام بحرية).
فتبسمت، لخفتي، لدى سماعي هذه الكلمات. وأخرجت الإنجيل من الرف قائلاً: (كان ينبغي
أن تقول لي هذا من زمان). وناولته الكتاب قائلاً: (إليك هو، خذه بنفسك، وضعه حيثما
تريد، في الغرفة). وما إن لمسته بالإنجيل حتى أخذته الرعدة، وللحال اختفى.
فأذهلني هذا ذهولاً شديداً، بحيث سقطت، من الرعب، فاقد الوعي. عند سماع صوت سقوطي،
تراكض من في البيت، واستحال عليهم إنعاشي طوال نصف ساعة. وعندما عدت أخيراً إلى
الوعي، كنت مذعوراً مرتعداً، وكنت أشعر باضطراب كبير، لا تحس يداي ورجلاي بشيء، كما
كنت عاجزاً عن تحريكها. واستدعي الطبيب فشخص شللاً حصل على أثر صدمة أو خوف شديد.
وظللت طريح الفراش عاماً كاملاً بعد هذه الحادثة، ورغم العناية الفائقة التي قدمها
أطباء كثيرون لم يحصل لي أدنى تحسن، بحيث اضطررت، بسبب مرضي، إلى التخلي عن وظيفتي.
وطعنت أمي في السن وماتت في تلك الحقبة. وكانت أختي تستعد لدخول الدير. فكان من شأن
هذا كله أن يزيد في خطورة مرضي. ولم يكن لي في تلك الفترة إلا تعزية واحدة هي قراءة
الإنجيل الذي لم يفارق يدي لحظة منذ بداية مرضي. كان وكأنه نوع من الدليل على الحدث
الهائل الذي وقع لي. وفي ذات يوم أتى يزورني ناسك مجهول، كان يقوم بجمع التبرعات
لديره. وخاطبني بلهجة قوية الإقناع وقال إنه يجب عدم الاتكال على الأدوية وحدها،
وهي لا يمكنها التخفيف عني من غير عون الله، وأنه يجب علي أن أصلي إلى الله، وأن
أصلي بجد من أجل هذا الذي حصل بعينه، إذ إن الصلاة هي أقدر الوسائل على شفاء العلل
كلها، جسدية كانت أم روحية.
أجبته في حيرتي: كيف تريدني أن أصلي في هذه الحال، وأنا لا أقوى على القيام بأدنى
حركة للعبادة، بل لا أستطيع حتى رفع يدي لرسم إشارة الصليب؟
فكان رده: صل مهما كلفك الأمر، صل بأية طريقة. ولم يذهب أبعد من هذا في تفسيره، ولا
هو شرح لي حقاً كيف أصلي. وبعد أن تركني زائري، بدأت أفكر بالصلاة بصورة تكاد تكون
لا إرادية، وفي سلطانها وفي آثارها متذكراً التعليم الديني الذي تلقنته منذ أمد
طويل، إذ كنت لم أزل طالباً. فشغلني هذا انشغالاً رقيقاً، وجدد معلوماتي حول
الموضوعات الدينية، وبث في القلب دفئاً.
وفي الوقت ذاته بدأت أحس بشيء من التحسن في صحتي. ولما كان الإنجيل معي دائماً،
بسبب عظم إيماني فيه على أثر الأعجوبة، وإذ تذكرت أيضاً أن كامل الشرح عن الصلاة
الذي سمعته في الدروس يقوم أساساً على نص الأناجيل، فكرت أن أحسن ما أفعله سيكون
دراسة الصلاة والروحانية المسيحية تبعاً لتعليم الإنجيل وحسب. وإذ كنت أدأب لاجتناء
المعنى، كنت أنهل منه وكأنه نبع غزير. ووجدت فيه نهجاً كاملاً للحياة الروحية
وللصلاة الداخلية الحقيقية. وعلمت بحرارة المقاطع المتصلة بهذا الموضوع، وقد حاولت
بحمية منذ ذلك الحين تلقن هذا التعليم الإلهي، بكل ما أوتيت من قوة - ولم يكن ذاك
بلا عناء – وأن أضعه موضع العمل والممارسة.
وفيما كنت منشغلاً بهذه الصورة، تحسنت صحتي شيئاً فشيئاً، وانتهى بي الأمر إلى
البرء تماماً، كما يمكنكم أن تروا. وكنت ما أزال أعيش وحيداً. فقررت، شكراً لله على
عطفه الأبوي الذي أدين له بعودتي إلى العافية وباستنارة ذهني، أن أحذوا حذو أختي،
وأتبع ميل قلبي، فأكرس ذاتي لحياة متوحدة، لكيما أتمكن أن أتلقى من غير مانع، وأن
أجعل خاصتي، كلمات الحياة الأبدية هذه التي كان كلمة الله يعطيني.
وهاأنذا الآن، أمضي نحو المنسك المنعزل المسمى (آنزرسكي) بالقرب من دير (سولوفتسكي)
في البحر الأبيض. ولقد سمعت من مصدر ثقة أنه مكان مناسب جداً لحياة التأمل. يجب أن
أضيف هذا أيضاً: إن الإنجيل المقدس يوفر لي أكثر من تعزية في رحلتي هذه، وينشر
نوراً غزيراً في عقلي الجاهل ويدفئ قلبي الفاتر. ولكن الواقع هو أني، رغم كل هذا،
أقر بصراحة بضعفي، وأعترف تلقائياً أن الشروط المطلوبة للقيام بالعمل الروحي ولبلوغ
الخلاص: ضرورة التخلي الكلي عن الذات، والتجرد والتواضع اللذين يعرفهما الإنجيل،
تخيفني بعظمتها وبسبب ضعف قلبي. بحيث أني بت الآن ما بين الأمل واليأس. ولا أدري ما
سيحل بي في المستقبل.
الراهب: مع دليل بهذا الوضوح على رحمة الله، وبسبب ثقافتك، سيكون أمراً لا يغتفر لا
أن تدع مجالاً للتخاذل وحسب، بل حتى أن تسمح بالتسرب إلى نفسك لظل من الشك حول
رعاية الله وعونه. أتعرف ما يقول الذهبي الفم المستنير بالله بهذا الصدد؟ إنه يعلم
أن (ليس لأي كان أن يفقد الشجاعة، ويترك الانطباع الخاطئ بأن تعاليم الإنجيل
مستحيلة التطبيق أو الممارسة. فإن الله الذي سبق فقدر الخلاص للإنسان، لم يفرض –
وهذا أمر بديهي – وصايا على الإنسان مخالفتها بسبب عدم التمكن من العمل بها. كلا!
وإنما فعل لكيما تكون، بقداستها وضرورتها في حياة حقيقية، بركة لنا في هذه الحياة
كما في الحياة الأبدية). وواضح جداً أن التطبيق المنتظم والمتشدد لوصايا الله أمر
بالغ الصعوبة لطبيعتنا الساقطة، ولهذا لم يكن من السهل بلوغ الخلاص، لكن كلمة الله
ذاته الذي يفرض الوصايا ييسر سبل العمل بها بسهولة، بل أكثر: يجعلنا نجد فيها
الرضى. ولكن بدا لنا هذا الأمر، للوهلة الأولى، مختفياً وراء حجاب من السرية، فإنما
كان ذلك بالطبع لنكون أكثر تواضعاً، ولكي يقودنا بسهولة أكبر إلى الاتحاد بالله
بإرشادنا إلى اللجوء المباشر إليه في الصلاة وإلى طلب عونه الأبوي. هنا، هنا سر
الخلاص، لا في الاستعانة بجهودنا الخاصة.
السائح: كم كنت أحب، أنا الضعيف العاجز، أن يتسنى لي معرفة هذا السر حتى أتمكن –
ولو إلى حد، بالأقل – أن أقوِّم حياتي الخاملة لما فيه مجد الله وخلاصي.
الراهب: هذا السر تعرفه، أيها الأخ العزيز، من كتابك، الفيلوكاليا. وهو موجود في
هذه الصلاة الدائمة التي درستها دراسة راسخة والتي وضعت فيها الكثير من الحماس
ووجدت الغزير من الرضى.
السائح: إني أرتمي على قدميك، يا أبت، كرمى لله! أسمعني من شفتيك شيئاً فيه الخير
لي، عن هذا السر المخلص للصلاة المقدسة التي أشتاق إلى سماع الحديث عنها أكثر من
شوقي إلى أي شيء آخر، والتي أحب كثيراً أن أقرأ الشروح لها، حتى أعطي نفسي الخاطئة
القوة والعزاء.
الراهب: لا يمكنني أن أروي رغبتك بأفكاري الخاصة حول هذا الموضوع الخطير، لأن خبرتي
الشخصية فيه قليلة محدودة. لكن لدي حواشي واضحة الإنشاء كتبها كاتب ديني، وتتصل،
تحديداً، بهذا الموضوع. إن وافق أصحابنا، سآتي بها للحال، وبإذنكم، سأقرأها على
مسمعكم أجمعين.
الكل: تكرم، بهذا، أيها الأب، لا تخف عنا علماً جم الفائدة للخلاص.
القصة السادسة: سر الخلاص المعلن بالصلاة الدائمة
(كيف أنال الخلاص؟ إن هذا السؤال الورع يطرح بصورة طبيعية في ذهن كل مسيحي يعي جراح
الطبيعة البشرية وسقوطها، كما يعي ما بقي لها من ميلها الأصلي إلى الحق والفضيلة.
وكل من كان له أدنى إيمان في الحياة الأبدية وفيما سيحصل في الدهر الآتي، يفكر
بصورة لا إرادية هكذا: (كيف يمكنني أن أنال الخلاص؟). وعندما يحاول وجدان جواب لهذه
المسألة، يتوجه إلى الحكماء وإلى العلماء. ثم يقرأ، بإرشادهم، مؤلفات كتبت في هذا
الموضوع، كتبها مؤلفون دينيون، ويأخذ بالتطبيق الصارم للقواعد التي سمعها وقرأها.
وفي هذه التعاليم كلها، يجد على الدوام أن ما يفرض من شروط ضرورية للخلاص هي الحياة
في الإيمان، وحروب بطولية ضد ذاته تنتهي بالضرورة، إلى انقلاب حاسم. من شأن كل هذا
أن يقوده إلى ممارسة أعمال الإيمان، وإلى العمل باستمرار بوصايا المسيح، وأن يدل،
بهذا، على إيمان راسخ لا يتزعزع. ويعلمونه، فوق هذا، أن شروط الخلاص هذه كلها
ينبغي، بالضرورة، أن تنفذ بأعمق التواضع، وأن يعمل بها مجموعة معاً. إذ إن الفضائل
كلها تتعلق ببعضها بعض، وبالتالي: يجب أن تقوي بعضها بعضاً، وأن تتكامل، فتشجع
إحداها الأخرى، كما أن أشعة الشمس لا تبرز قوتها ولا توقد شعلة، ما لم تكن مركزة
على نقطة واحدة، بواسطة العدسة. وأن (الذي يكون أميناً في القليل يقام على الكثير).
يضاف أنه، لكي يغرس في ذاته أقوى فرض لهذه الفضيلة المركبة والموحدة، يستمع إلى
أسمى المدائح لجمال الفضيلة، ويسمع ذم انحلال الرذيلة وبؤسها. كل ذلك منقوش في ذهنه
بالوعود الصادقة بالأجر الرائع، أو الوعيد بالعقابات المريعة في الحياة الثانية.
هذه هي سمة الوعظ في العصر الحديث. فيتهيأ الإنسان الراغب في الخلاص بلهفة، وقد
أرشد بهذه الصورة، ويتهيأ بسرور إلى تطبيق ما تعلمه وإلى اختبار ما قرأ وسمع. لكنه
يا للأسف! يتحقق، منذ الخطوة الأولى، إنه يتعذر عليه العمل بنواياه. وهو يرى
مسبقاً، بل يلاحظ بعد الاختبار، أن طبيعته المعطوبة والمضعفة أقوى من قناعات عقله،
وأن حريته مستعبدة، وأن نزعاته مفسدة وأن قوته الروحية ليست إلا ضعفاً. فتخطر بباله
هذه الفكرة بصورة طبيعية: أليس هناك وسيلة ما تسمح له بالقيام بما يفرضه ناموس الله
عليه، ما تطلبه التقوى المسيحية، وسيلة توسلها كل الذين توصلوا إلى الخلاص
والقداسة؟ ونتيجة لذلك، ولكي يوفق في نفسه بين مقتضيات ضميره وتخاذل قواه عن العمل
بها، يرجع مجدداً إلى المبشرين بالخلاص، طارحاً هذا السؤال: (كيف أكتسب خلاصي؟ كيف
أبرز عجزي عن تنفيذ هذه الشروط؟ والذين وعظوا بكل ما تعلمت، هل هم أنفسهم، على قدرة
تسمح لهم بتطبيقه بصرامة؟).
اطلب من الله. تضرع إلى الله. صل لكي تحصل على معونته. فيستنتج الباحث: (أو ما كان
أجدى من البداية وفيما بعد أن أدرس الصلاة التي تعطي وحدها القوة على إنجاز كل ما
تتطلبه الحياة الروحية؟). وينصرف إلى دراسة الصلاة: يقرأ، ويتأمل، ويدرس تعاليم
الذين كتبوا في هذا الموضوع. الحق أنه يجد لديهم الكثير من الأفكار النيرة، والكثير
من المعارف العميقة، كما يجد كلمات ذات قوة عظيمة. يعالج أحدهم، بصورة رائعة، موضوع
ضرورة الصلاة. ويكتب ثان باحثاً في ما لها من قدرة وأثر مفيد أو في اعتبارها واجباً
أو في كونها تقتضي الحمية والانتباه وحرارة قلب، وطهارة النفس، والمصالحة مع
الأعداء، والتواضع والندامة وشروطاً غيرها، ضرورية.
ولكن ما الصلاة بحد ذاتها؟ كيف يفعل المرء – واقعاً – لكي يصلي؟ من النادر جداً أن
تجد عن هذين السؤالين الرئيسيين الملحين جداً جواباً دقيقاً يمكن لكل إنسان أن
يفهمه. بحيث أن الذي يستعلم بحرارة عن الصلاة، يُترك كما أمام حجاب السر. وما قرأه،
على وجه العموم، لا يطلعه إلا على وجه واحد للصلاة، يبقى – على كونه تقياً –
خارجياً. ويتوصل إلى هذا الاستنتاج: إن الصلاة هي الذهاب إلى الكنيسة، ورسم إشارة
الصليب والانحناء والسجود وقراءة المزامير والقوانين والمدائح.
هذه هي الفكرة التي كثيراً ما يتصورها عن الصلاة الذين لا يعرفون كتابات آباء
الكنيسة حول الصلاة الداخلية والتأمل. وعلى الزمن، ينتهي الباحث إلى وجدان كتاب
اسمه الفيلوكاليا، يعرض فيه خمسة وعشرون من الآباء الغزيري الحكمة، بصورة ميسرة،
لمعرفة الحقيقة العلمية، ولجوهر صلاة القلب. وفي هذا بداية لنزع الحجاب الذي كان
يخفي سر الخلاص والصلاة. ويرى أن الصلاة حقاً تعني توجيه الفكر والانتباه بدأب إلى
الله، والسير في حضرته، وأن نستثير في ذواتنا محبته بواسطة التفكير فيه، وأن نشرك
اسم الله في تنفسنا وفي خفقات القلب. ويرشد الإنسان، في ذلك كله، الترداد بالشفتين
لاسم يسوع المسيح الكلي القداسة، أو تلاوة صلاة يسوع في كل حين وفي كل مكان وخلال
أي عمل، من غير توقف. إن هذه الحقائق المشرقة، بإنارتها ذهن الباحث، وبشقها طريق
دراسة الصلاة وتطبيقها، تساعده على أن يتابع مباشرة تطبيق هذه التعاليم الحكيمة
عملاً. إلا أنه، عندما يقوم بمحاولاته الأولى، يصطدم أيضاً بصعاب جمة حتى يريه معلم
ذو خبرة (في الكتاب ذاته) الحقيقة كلها. أي إن الصلاة الدائمة وحدها هي المجدية في
السير بالصلاة الداخلية نحو الكمال، ولخلاص النفس على حد سواء. إن الأساس الذي يقوم
عليه مجمل طريقة العمل الخلاصي إنما هو تواتر الصلاة. كما يقول سمعان اللاهوتي
الجديد: (إن الذي يصلي بلا انقطاع يجمع كل خير في هذا العمل وحده). ولكيما يبين هذه
الحقيقة في ملئها، نراه يوسعها هكذا:
(لا بد، قبل كل شيء، لخلاص النفس، من الإيمان الحقيقي. يقول الكتاب المقدس: (وبغير
إيمان لا يستطيع أحد أن يرضي الله) (عبر6:11). ومن كان بدون إيمان سيدان. ولكنا نجد
في الكتاب المقدس ذاته أن ليس في استطاعة الإنسان من تلقاء ذاته أن يجعل الإيمان
يولد فيه، حتى ولا بحجم حبة خردل. وأن الإيمان لا يأتي منا، ما دام هبة من الله.
وأن الإيمان موهبة روحية، يهبها الروح القدس. ومادام الأمر هكذا، فماذا يجب أن
نفعل؟ كيف نوفق بين حاجة الإنسان إلى الإيمان واستحالة توليده بشرياً؟ إن السبيل
إلى ذلك مبين في الكتاب المقدس ذاته: (اطلبوا تعطوا). لم يكن باستطاعة الرسل أن
يصلوا إلى كمال الإيمان من ذواتهم، لكنهم توسلوا يسوع المسيح قائلين: (يا سيد، قو
إيماننا). بهذه الصورة يحصل المرء على الإيمان. يبين هذا المثل أننا نبلغ الإيمان
بالصلاة. ولخلاص النفس، بالإضافة إلى الإيمان الحقيقي، يقتضي أيضاً الأعمال
الصالحة، إذ إن (الإيمان بلا أعمال ميت). سيدان الإنسان على أعماله لا على إيمانه
وحده. (إن أردت أن تدخل ملكوت السموات فاحفظ الوصايا: لا تقتل، لا تزن، لا تسرق، لا
تشهد بالزور، أكرم أباك وأمك وأحبب قريبك كنفسك). والمهم أن نحفظ هذه الوصايا كلها
معاً (لأن من حفظ الناموس كله وعثر في أمر واحد فقد صار مجرماً في الكل) (يعقوب
10:2). هذا ما يعلمه يعقوب الرسول. ويقول بولس الرسول، واصفاً الضعف البشري: (إذ لا
يبرر بأعمال الناموس أحد من ذوي الجسد أمامه...
لأنا نعلم أن الناموس روحي، لكني أنا جسدي مبيع تحت الخطيئة...
لأن الإرادة حاضرة لي وأما فعل الخير فلا أجده...
وما لا أريده من الشر إياه أعمل...
فأنا إذن بالروح عبد لناموس الله، وبالجسد عبد لناموس الخطيئة) (رومية 20:3 و14:7،
18، 19 و25).
كيف نقوم بالأعمال المفروضة في ناموس الله، والإنسان بلا قوة ولا قدرة له على حفظ
الوصايا؟ لا إمكانية له على هذا إلى أن يطلبه، إلى أن يصلي لكي يناله: (ليس لكم شيء
لأنكم لا تسألون) (يعقوب 2:4). هذا هو التفسير الذي يعطيه الرسول. ويسوع المسيح
نفسه يقول: (بدوني لا تستطيعون أن تفعلوا شيئاً). أما فيما يتصل بالعمل معه، فهذا
تعليمه: (اثبتوا في وأنا فيكم... الذي يثبت في وأنا فيه هذا يأتي بثمر كثير). ولكن
أن نكون معه يعني أن نشعر دائماً بحضوره، أن نذكر اسمه بصورة مستديمة. (إن سألتم
شيئاً باسمي فإني أفعله). وهكذا، فإن إمكانية فعل الخير تيسرها الصلاة ذاتها. ونحن
نجد مثالاً لهذا لدى بولس الرسول نفسه: صلى ثلاثاً ليتغلب على التجربة، وقد حنى
ركبته أمام الله الآب لكيما يعطيه القوة في إنسانه الداخلي وأُمر عندئذ أن يصلي،
قبل كل شيء، وأن يصلي كل حين وفي كل مناسبة).
وحاصل ما قيل أن خلاص الإنسان كله رهن بالصلاة ولذا كانت ذات الأهمية الأولى، ولابد
منها، إذ إن الإيمان ينتعش بها ويحيا، وبها تنجز الأعمال الصالحة. وبكلام موجز، مع
الصلاة يسير كل شيء بنجاح. وبغير الصلاة لا يمكن القيام بأي من أعمال البر
المسيحية. وهكذا فإن ضرورة بذل ذواتنا بلا انقطاع ودوماً، تنبع من الصلاة، بصورة
حصرية. أما باقي الفضائل، فإن لكل منها وقتها الخاص. وأما بالنسبة إلى الصلاة،
فيطلب منا عمل لا ينقطع: (صلوا بلا انقطاع). من الحق ومن المناسب أن نصلي دائماً،
وأن نصلي في كل مكان. وللصلاة الحقيقية شروطها. ينبغي أن تُرفع بذهن وقلب طاهرين،
وبغيرة متقدة، وبانتباه شديد، بخوف واحترام وبأعمق تواضع ممكن. ولكن، أي إنسان ذي
ضمير لا يقر أنه بعيد عن أن يتقيد بهذه الشروط، وأنه يرفع صلاته لا بنازع منه،
وتلذذ بالصلاة وحب لها، بل – على الأرجح – سداً لحاجة، ورغماً عنه؟ يقول الكتاب
المقدس بهذا الصدد أيضاً أنه ليس بمقدرة الإنسان أن يحافظ على فكره غير متزعزع، وأن
ينقيه من الأفكار الشريرة، إذ إن (أفكار الإنسان شريرة منذ صباه)، وإن الله وحده هو
الذي يعطينا قلباً غير قلبنا وفكراً جديداً (حيث إن الإرادة والعمل هما من الله).
ويقول بولس الرسول نفسه: (إن كنت أصلي بلساني فنفسي (أي صوتي) يصلي أما عقلي فهو
بلا ثمر) (1كورنثوس14:14). ويؤكد أيضاً: ( لا نعلم ماذا نصلي) (رومية 26:8). ينتج
من هذا أننا غير قادرين، من تلقاء ذاتنا على رفع الصلاة الحقيقية. نحن لا نستطيع،
في صلواتنا، أن نبرز الخواص الأساسية للصلاة الحقيقية.
إن كان هذا مدى عجز كل كائن بشري، فماذا يبقى ممكناً لإرادة الإنسان وقوته من أجل
خلاص النفس؟ لا يستطيع الإنسان الحصول على الإيمان بلا صلاة، وهذا يصدق أيضاً على
الأعمال الصالحة. لكن الصلاة الحقيقية ذاتها ليست في يده. فماذا يبقى له أن يعمل؟
ما المدى المتبقي لممارسة حريته وقوته لكي يتمكن من ألا يهلك بل يخلص؟
لكل عمل ميزته وهذه الميزة قد احتفظ الله بحرية منحها. ولكيما يتجلى ارتباط الإنسان
بالله، بمشيئة الله، بصورة أوضح، ولكي يستطيع أن يغمسه في التواضع بصورة أعمق، لم
يخص الله إرادة الإنسان وقوته إلا (بكمية) الصلاة. أوصى أن نصلي بلا انقطاع،
دائماً، في كل حين وفي كل مكان. هنا يتم الكشف عن الطريقة السرية للصلاة الحقيقية،
وفي آن معاً، للإيمان ولإنجاز وصايا الله. فوض إذن للإنسان أمر (كمية الصلاة). يعود
إليه شأن تواتر الصلاة وهو تابع لإرادته. هذا ما يعلّمه آباء الكنيسة.
يقول القديس مكاريوس الكبير إن الصلاة، في الحق، موهبة النعمة. ويقول القديس ازنيك
إن الصلاة المتواترة تصبح عادة، ثم طبيعة ثانية، وأنه من غير ذكر كثير لاسم يسوع
المسيح يستحيل تطهير القلب. وينصح كاليستوس واغناطيوس بالذكر المتواتر المستمر لاسم
يسوع، قبل كل تقشف وعمل، إذ إن التواتر الكثير يسير بالصلاة الناقصة إلى الكمال.
ويؤكد الطوباوي ديادوكس أنه إذا ذكر إنسان اسم الله بالكثرة التي يستطيع، فلن يسقط
في الخطيئة.
يا لها من خبرة، ويا للحكمة الكامنة هنا، وما أقرب هذه التعاليم العملية للآباء من
القلب! فبخبرة الآباء وبساطتهم يلقون ضوءاً ساطعاً على وسائل السير بالنفس إلى
الكمال. وما أشد التباين بين هذه التعاليم، والتعاليم الأخلاقية للعقل النظري! هكذا
يتكلم العقل: اصنعوا هذه الأعمال الصالحة وتلك، تسلحوا بالشجاعة، استعملوا قوة
إرادتكم، اقنعوا أنفسكم باعتبار الثمار الطيبة للفضيلة مثلاً: طهروا فكركم وقلبكم
من أوهام العالم، استبدلوها بتأملات مفيدة. افعلوا الخير، ستكونون محترمين وتجدون
السلام. عيشوا وفقاً للعقل والضمير. ولكن، يا للآسف! فإن هذا التفكير، بالرغم من كل
ما فيه من قوة، لن يصيب هدفه من غير الصلاة الدائمة، من غير طلب عون الله.
فلننتقل الآن إلى بعض التعاليم الأخرى للآباء، وسنرى ماذا تقول في تطهير النفس،
مثلاً. كتب القديس يوحنا السلمي: (عندما يظلم العقل بأفكار شريرة تغلبوا على العدو
بتكرار اسم يسوع. لن تجدوا في السماء أو على الأرض سلاحاً أقوى وأجدى من هذا).
ويعلمنا القديس غريغوريوس السينائي: (اعلموا هذا، إنه لا يستطيع أحد أن يسيطر على
فكره بنفسه، ولذلك، فمتى برزت أفكار شريرة، اذكروا اسم يسوع مراراً، وعلى فترات
متواترة، وستسكن هذه الأفكار). يا لها من طريقة بسيطة وسهلة! وعلى هذا، فإن
الاختبار يثبت جدواها. وما أشد التباين بينها وبين إرشادات العقل النظري، الذي
يسعى، بغرور، للوصول إلى الطهارة بمجهوداته الخاصة.
وإذ نلحظ هذه التعاليم القائمة أساساً على خبرة آباء الكنيسة، نصل إلى استنتاج راسخ
هو:
إن الطريقة الرئيسية، الوحيدة والبسيطة جداً، لبلوغ الخلاص والكمال الروحي هي في
دوام الصلاة، وعدم انقطاعها، مهما كانت ضعيفة. أيتها النفس المسيحية، إن لم تجدي في
ذاتك المقدرة على عبادة الله بالروح والحق، إن لم يكن قلبك يشعر بدفء الصلاة
الداخلية وعذوبتها، فات بما تستطيعين إلى ذبيحة الصلاة، بما يرتهن بإرادتك، بما هو
في حدود مقدرتك. فلتألف، قبل كل شيء، شفتاك، وهما تلك الأداة الوضيعة، لفظ الصلاة
المستمر المستديم، ولتذكر اسم يسوع ذكراً كثيراً بلا انقطاع. وما هذا بالعمل
الجبار، وهو في حدود قدرة كل إنسان. وهذا أيضاً ما تأمر به وصية الرسول القديس هذه:
(فلنقرب به إذن ذبيحة الحمد لله كل حين وهي ثمر الشفاه المعترفة لاسمه) (عبر15:13).
من المؤكد أن دوام الصلاة يشكل عادة ويصير طبيعة ثانية. وهو يأتي بالفكر والقلب،
بين الحين والحين، إلى حال مناسبة. فلنفرض أن إنساناً يطبق على الدوام وصية الله
هذه وحدها عن الصلاة الدائمة. إنه يكون بهذا قد أتم الوصايا كلها. فالواقع أنه إذا
رفع الصلاة بلا انقطاع في كل زمان وفي كل الظروف، ذاكراً بالسر اسم يسوع المسيح
الأقدس (وبالرغم من أنه يفعل هذا أول الأمر دون حماس روحي ولا غيرة، وحتى بجهد
النفس) فلن يكون له من الوقت متسع للأفكار الباطلة، لإدانة قريبه أو لتبذير وقته في
متعة الحواس. كل فكرة شريرة ستجد فيه عقبة لانتشارها. وكل عمل آثم يجرب به، لن
يمكنه من التمام، كما لو كان ذهنه خالياً. والإفراط في الكلام، والكلام البطال
ينبذان، وكل غلطة تمحى فوراً من النفس بالقدرة الرحيمة للذكر المستديم للاسم
الإلهي. وغالباً ما ستحول الممارسة المستديمة للصلاة دون ارتكاب الإنسان مأثمة،
وتعيده إلى مصيره الأصلي: الاتحاد بالله.
أرأيتم الآن أهمية (كمية) الصلاة وضرورتها؟ إن استمرار الصلاة هو الطريقة الوحيدة
للوصول إلى الصلاة الطاهرة الصحيحة. إنها التهيئة الأفضل والأجدى للصلاة، وأضمن
وسيلة لبلوغ غاية الصلاة والخلاص.
ولإقناعكم، بصورة حاسمة، بضرورة الصلاة المستديمة وخصبها، لاحظوا:
- إن كل رغبة وكل فكرة في الصلاة هي من عمل الروح القدس، وهي صوت ملاككم الحارس.
- إن اسم يسوع المسيح المذكور في الصلاة يحوي قدرة خلاصية قائمة وفاعلة بذاتها،
ولذا: لا تضطربوا لعدم الكمال أو للجفاف في صلاتكم، وانتظروا بصبر ثمر الذكر
المستديم للاسم الإلهي. لا تصغوا إلى تلميحات لأناس لا خبرة لهم، وقد أعميت قلوبهم،
حين يقولون إن الذكر الفاتر تكرار عديم الجدوى، بل ممل. كلا: إن قوة الاسم الإلهي
وذكره المستديم سيأتي ثمرهما في الوقت المناسب.
تحدث كاتب ديني بصورة رائعة في هذا الموضوع، قائلاً: (إني أعلم أن بالنسبة لكثيرين
من مدعي الروحانية أو الحكمة الفلسفية، الساعين دائماً إلى العظمة الزائفة وإلى
الممارسة المغرية للعقل وللكبر، إن مجرد التلاوة الصوتية، وإن مستديمة، لصلاة يبدو
قليل المعنى، أو كانشغال أدنى، بل حتى مجرد مزحة. لكن هؤلاء المساكين يخطئون وينسون
وصية يسوع المسيح القائلة: (إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد فلن تدخلوا ملكوت
السموات) (متى 3:18). إنهم ينظمون لذواتهم شبه علم في الصلوات، يقوم على أسس واهية
من العقل الطبيعي. أنحن بحاجة إلى الكثير من البحث والعلم والتفكير لنقول، بقلب
متلهف: (يا يسوع ابن الله، ارحمني)؟ أفلا يمتدح معلمنا الإلهي نفسه هذه الصلاة
المستديمة؟ ألم يجب أجوبة رائعة، أولم تنجز أعمال رائعة بهذه الصلاة القصيرة
والمستديمة؟
أيتها النفس المسيحية، شددي العزم ولا تكفي عن تلاوة صلاتك اللامنقطعة، حتى ولو أتى
نداؤك من قلب مازال في حرب ضد نفسه، من قلب نصفه ملآن بحب العالم. ما هم! ثابري، لا
تدعي مجالاً لأن تصمتي ولا تضطربي. إن صلاتك ستتطهر من ذاتها، بفعل التكرار. ولتحفظ
ذاكرتك هذا أبداً: (إن الذي فيكم أعظم من الذي في العالم) (1يوحنا 4:4). ويقول
الرسول أيضاً: (إن الله أعظم من قلبنا ويعلم كل شيء).
بعد هذه التأكيدات المقنعة بأن الصلاة القديرة على مساعدة الضعف البشري، لفي متناول
الإنسان، وهي رهن إرادته الخاصة، صمم، حاول، ولو ليوم واحد، في أول الأمر. راقب
ذاتك واجعل تواتر الصلاة كبيراً، بحيث يستغرق ذكر اسم يسوع في الأربع والعشرين ساعة
وقتاً أطول بكثير مما تستغرقه مشاغل أخرى. وسيريك انتصار الصلاة على المشاغل
الدنيوية، في الوقت المناسب، إن نهارك لم يذهب سدى بل أنقذ للخلاص. وإن الصلاة
الدائمة، بمقياس الدينونة الإلهية، تكافئ وزناً ضعفك وأعمالك الشريرة وتمحو خطايا
هذا اليوم في ضميرك. وإنها تضع قدمك على سلم الفضيلة وتهبك الرجاء بتقديس ذاتك).
السائح: من كل قلبي، أشكرك، أيها الأب البار، فبقراءتك هذا النص، أعطيت نفسي
الخاطئة فرحاً. كرمى لله، تفضل بالسماح لي بنسخ ما قرأت. يمكنني هذا بساعة أو
ساعتين. إن كل ما قرأت في غاية الجمال وباعث على التعزية، ويبدو مفهوماً في غاية
الوضوح لعقلي الغبي، تماماً كالفيلوكاليا، حيث يعالج الآباء الموضوع ذاته. هنا،
مثلاً، في الجزء الرابع من الفيلوكاليا يكتب يوحنا الكرباتي: (إن لم يكن لكم القوة
اللازمة للسيطرة على الذات وللقيام بأعمال الزهد، فاعلموا أن الله يرغب خلاصكم
بالصلاة). ولكن ما أروع، ما أفصح هذا في دفترك، وما أوضحه! أشكر الله أولاً، وأشكرك
ثانياً، على أنه أعطي لي سماعه.
الأستاذ: لقد استمعت أيضاً إلى قراءتك بالكثير من الانتباه والمتعة، يا أبت. وكل
الحجج، إذ تقوم على المنطق الصارم، هي بالنسبة لي متعة ولذة. ولكن يبدو لي، في آن
معاً، أن هذه الحجج تربط إمكانية الصلاة المستديمة بشروط ملائمة، وبعزلة ساكنة
هادئة. أقر بأن الصلاة الدائمة اللامنقطعة وسيلة قديرة وفريدة للحصول على معونة
النعمة الإلهية في أعمال التقديس كلها، وأنها في حدود الإمكانيات الإنسانية. لكنه
منهج غير قابل للتطبيق إلا للذي ينعم بالعزلة والهدوء. فإذا ما ابتعد عن الأعمال
والهموم والملاهي، أمكنه أن يصلي كثيراً، بل من غير انقطاع. وليس عليه ما يخشاه إلا
تكاسله أو ما في أفكاره الخاصة من عقبات. لكنه إن هو ارتبط بواجباته وبأعماله
دائماً، وإن هو وجد بالضرورة في مجلس صاخب، فلن يتمكن من تحقيق رغبته في الصلاة
كثيراً بسبب تشتيت للذهن لا بد منه. وبالتالي، فإن هذه الطريقة للصلاة المتواترة،
ما دامت مرتبطة بظروف ملائمة، لا يمكن للجميع استعمالها، ولا تعني كل الناس إذن.
الراهب: لا حاجة بنا إلى الوصول إلى هذه النتيجة. إن القلب الذي تعلم الصلاة
الداخلية يمكنه دوماً أن يذكر اسم الله من غير أن يمنعه عنها أي شاغل جسدي أو عقلي،
وبرغم كل ضجة (والذين يعرفون هذا يعرفونه بالخبرة، والذين لا يعرفونه عليهم تعلمه
بالتمرين المتدرج). وببساطة أكبر، يمكننا القول بتأكيد أن أياً من المشاغل الخارجية
لا يمكنه قطع الصلاة في من يرغب الصلاة، إذ إن الفكر الداخلي في الإنسان لا يرتبط
بالظروف الخارجية ويبقى حراً حرية تامة، في ذاته. يمكن، في كل حين، أن ننبهه وأن
نوجهه نحو الصلاة. ويمكن حتى للسان أن يقوم بالصلاة سراً، من غير توليد أي صوت،
بحضور أشخاص كثيرين وأثناء أي من أنواع المشاغل.
ومن جهة ثانية، ليست أعمالنا، بالتأكيد على أهمية كبرى، وأحاديثنا على درجة من
الفائدة يستحيل معها أن نجد وسيلة لذكر اسم يسوع، في فترات، حتى ولو لم يكن الذهن
قد تمرس بعد بالصلاة المستديمة. وبالرغم من أن العزلة والهرب من الحياة الطائشة
تشكلان ظرفاً مناسباً للصلاة الواعية والمستديمة، فيجب أن نخجل من ندرة صلاتنا، لأن
(الكمية) والتواتر في متناول الجميع، مهما كان المرء ضعيفاً ومنشغلاً، نجد أمثلة
مقنعة عن الصلاة لدى أناس تكاثرت عليهم الالتزامات الواجبات الشاغلة وهموم العمل.
بيد أنهم لم يكتفوا بالمثابرة على ذكر اسم يسوع الإلهي باستمرار بل قد توصلوا بهذه
الطريقة إلى صلاة القلب الداخلية واللامنقطعة.
هكذا كان أمر البطريرك فوتيوس {القديس فوتيوس الكبير (توفي عام 891) بطريرك
القسطنطينية ومن ألمع رجال الدين في عصره. كان ذا ثقافة واسعة جداً وقد دافع بشدة
عن عقيدة انبثاق الروح القدس من الآب وهاجم زيادة كلمات (والابن) (Filioque) التي
ظهرت في عهده في الغرب}، الذي ترقى من مرتبة عضو في مجلس الشيوخ إلى سدة
البطريركية، والذي كان، أثناء إدارته لبطريركية القسطنطينية الشاسعة، يثابر
باستمرار على ذكر اسم الله، وتوصل إلى صلاة القلب اللامنقطعة. وشأن كاليستوس الذي
تعلم، في جبل آثوس، الصلاة المستديمة في حين كان يتابع عمله كطباخ. وكذلك لعازر،
البسيط القلب، الذي كان مكلفاً بعمل مستمر في الدير، فكان يردد بلا انقطاع، في زحمة
أشغاله الصاخبة، صلاة يسوع فيبقى في سلام. وكثيرون غيرهم مارسوا بصورة مشابهة ذكر
اسم الله المستديم.
لو كان من المستحيل فعلاً أن نصلي في زحمة أعمال شاغلة أو في حضرة الآخرين فمن
البديهي أنه ما كنا تلقينا الوصية بذلك. يتكلم القديس يوحنا الذهبي الفم هكذا في
تعاليمه عن الصلاة: ينبغي ألا يجيب أحد أنه يستحيل على الإنسان الذي تشغله هموم
العالم والذي لا يستطيع الذهاب إلى الكنيسة أن يصلي دائماً. ففي كل مكان، حيثما
كنتم، يمكنكم أن ترفعوا بالفكر مذبحاً لله. وهكذا فمن المناسب الصلاة في أعمالكم،
أثناء السفر، واقفين وراء مائدة البيع أو جالسين إلى عمل يدوي. من الممكن الصلاة في
كل مكان، في أي موضع. والحق أن الإنسان إن وجه انتباهه بهمة إلى ذاته، لقي في كل
مكان ظروفاً ملائمة للصلاة. هذا إن كان مقتنعاً أن الصلاة يجب أن تكون شاغله
الأساسي، وتحل قبل أي واجب آخر. وبديهي أنه، في هذه الحال، سيرتب أعماله بتصميم
أكبر، وفي الأحاديث الضرورية مع الآخرين يلزم جانب الإيجاز، ويميل إلى الصمت ولا
يحب الكلام البطال، ولن يتعلق بجنون بالأشياء المضجرة. وبهذه الوسائل جميعاً سيجد
دروب الصلاة والسلام. في حياة منظمة بهذه الصورة، ستكون هذه الأعمال كلها، بقوة ذكر
اسم الله، موسومة بسمة النجاح، وسيتدرب آخر الأمر على الذكر المتواصل لاسم يسوع.
وسيعرف بالخبرة أن تواتر الصلاة، هذه الوسيلة الفريدة للخلاص، هو في متناول الإرادة
البشرية. وأنه من الممكن أن نصلي في كل حين، في كل الأحوال وفي كل الأمكنة. وسيتوصل
بسهولة إلى الارتقاء من الصلاة الصوتية المتواترة إلى الصلاة الذهنية ومنها إلى
صلاة القلب التي تفتح، فينا، ملكوت الله.
الأستاذ: أقر أنه من الممكن، بل من السهل أيضاً، أثناء لمشاغل الآلية أن نصلي
كثيراً، بل باستمرار، إذ إن العمل الآلي الذي يقوم به البدن لا يقتضي تأنياً ذهنياً
عميقاً، ولا تفكيراً عميقاً، ولذا يمكن للعقل، أثناء القيام بهذا العمل، أن يستغرق
في الصلاة المستمرة وتتبعه الشفتان. ولكن إن كان علي القيام بعمل ذهني محض:
كالقراءة بإمعان، مثلاً أو التأمل في مسألة خطيرة، أو التأليف الأدبي، فكيف يمكنني
أن أصلي، في هذه الحال، بالذهن والشفتين؟ ما دامت الصلاة عملاً ذهنياً، في المقام
الأول، فكيف يمكنني في آن واحد أن أعطي ذهناً واحداً بعينه أموراً مختلفة ليفعلها؟
الراهب: ليس حل مسألتك بصعب، ونحن نعتبر أن الذين يصلون باستمرار يقعون في فئة من
ثلاث فئات: فئة المبتدئين، أولاً، وثانياً فئة الذين تقدموا بعض التقدم، وثالثاً
فئة الذين تمرسوا كثيراً. وبوسع المبتدئين أن يشعروا، من حين إلى حين، باندفاع
الفكر والقلب نحو الله، وأن يرددوا صلوات قصيرة بالشفتين، حتى أثناء عمل ذهني.
والذين تقدموا وبلغوا شيئاً من الاستقرار الذهني يمكنهم التدرب على التأمل أو
الكتابة في حضرة الله المستمرة. إليك صورة ستوضح الأمر لك: أفرض أن ملكاً قاسياً
متطلباً أمرك أن تؤلف رسالة في موضوع عسير في حضرته، على أقدام عرشه. فبالرغم من
إمكان انشغالك الكلي في عملك، لن يسمح لك وجود الملك، ذي السلطان عليك، والذي حياتك
في يديه، لن يسمح لك بأن تنسى، ولو لحظة واحدة، أنك تفكر، أنك تمعن الفكر، وأنك
تكتب، لا في العزلة، بل في مكان يقتضيك انتباهاً واحتراماً خاصين. وعيك هذا قرب
الملك يبين بوضوح تام إمكانية الانصراف إلى الصلاة الداخلية المستديمة حتى في أثناء
القيام بعمل ذهني. أما الذين تقدموا بفضل اعتياد طويل أو بنعمة الله، فانتقلوا من
الصلاة الذهنية إلى صلاة القلب، فهم لا يقطعون صلاتهم أثناء نشاطاتهم الذهنية مهما
كانت دائبة ولا حتى أثناء النوم كما قال لنا الكلي الحكمة: (أنا نائمة لكن قلبي
مستيقظ) (نشيد 2:5). والذين بلغوا تلقائية القلب هذه يكتسبون مقدرة كبرى على ذكر
الاسم الإلهي بحيث أن الصلاة تسهر بذاتها وأن الذهن كله ينجرف في تيار صلاة لا
تنقطع، مهما كانت حال الذي يصلي، ومهما كانت مشاغله في ذلك الحين مجردة وذهنية.
الكاهن: اسمح لي يا أبت أن أقول ما أفكر فيه. أعطني الكلام لأقول كلمة أو كلمتين.
كان في النص الذي قرأته ما يبين بصورة رائعة أن الوسيلة الوحيدة لبلوغ الخلاص
والكمال هو تواتر الصلاة، أياً تكن. لكني لا أفهم هذا جيداً. وهذا ما يلوح لي: أية
فائدة قد يكون لي في ذكر اسم الله باستمرار باللسان وحده ولكن من غير انتباه ومن
غير أن أفهم ما أقول؟ لن يكون هذا إلا تكراراً لا طائل تحته. والنتيجة الوحيدة هي
أن اللسان سيتابع ثرثرته، وأن عمل الذهن سيختل توازنه وقد أزعجه هذا في تفكيره. إن
الله لا يطلب كلمات، بل روحاً منتبهاً وقلباً نقياً. أو ليس من الأفضل رفع صلاة،
وإن كانت قصيرة، بل نادرة أو فقط في أوقات معينة، ولكن بانتباه وغيرة وحرارة، ومع
الفهم الواجب؟ وإلا فبالرغم من تلاوة الصلاة ليلاً ونهاراً، من غير طهارة الذهن،
فليس هذا من أعمال العبادة، ولن يكون المرء قد فعل شيئاً في سبيل الخلاص. ولا يتوكأ
الإنسان عندئذ إلا على ثرثرة خارجية لا يجنى منها إلا التعب والملل، بحيث أنه – في
نهاية المطاف – تفتر الثقة بالصلاة تماماً وينبذ الإنسان هذه الطريقة العقيمة. ومن
جهة ثانية، يستدل على عدم جدوى صلاة الشفتين وحدهما مما هو مبين لنا في الكتب
المقدسة، كهذا مثلاً: (هذا الشعب يكرمني بشفتيه وأما قلوبهم فبعيدة عني) (متى8:15)،
أو (ليس كل من يقول لي يا رب يا رب يدخل ملكوت السموات) (متى 21:7)، أو (أوثر أن
أقول خمس كلمات بعقلي... على أن أقول عشرة آلاف كلمة بلسان مجهول) (1كور19:14). إن
هذا كله يبين عقم الصلاة الخارجية التي يرددها الفم بلا انتباه.
الراهب: يكون في وجهة نظرك بعض الحق لو لم يضف إلى وصية الصلاة بالفم ضرورة فعل هذا
باستمرار، ولو لم يكن لذكر اسم يسوع المسيح سلطان خاص يعطي بذاته، من جراء ممارسته
المتواصلة، ثمرة الانتباه والهمة. ولكن، ما دامت المسألة المطروحة الآن هي تواتر
الصلاة، مدتها وطابعها اللامنقطع (بالرغم من أنها في البداية قد تتلى بعدم انتباه
أو بصورة جافة) فإن الاستنتاجات التي توصلت إليها خطأ تسقط تلقائياً. فلندرس القضية
عن كثب أكثر. ينتهي أحد الكتاب الروحيين – بعد أن يثبت القيمة الكبرى والكسب الناتج
عن الصلاة المتكررة المتلوة بصيغة لا تتغير – إلى القول:
إن كثيرين من مدعي الثقافة يعتبرون هذه التقدمة الكثيرة لصلاة واحدة لا تتغير عديمة
الجدوى، بل باطلة. يحسبونها عملاً آلياً وشغل جهال عميت قلوبهم. لكنهم يجهلون السر
المعلن عنه بهذه الممارسة الآلية في الظاهر. هم لا يعرفون أن حركة الشفتين
المتواصلة تصبح، من حيث لا يشعر المرء، نداء صادقاً للقلب، وتتسلل إلى الحياة
الداخلية، وتصبح فرحاً، وتصير وكأنها طبيعية للنفس، جالبة لها النور والغذاء،
وقائدة إياها إلى الاتحاد بالله. إن هؤلاء الناقدين يذكروني بأولاد كانوا يعلَّمون
الألف باء والقراءة. لما تعبوا من هذا هتفوا: (أليس من الأفضل مئة مرة أن نصطاد
السمك، كوالدنا، من أن نمضي النهار كله مرددين: أ- ب- ت-، أو من أن نخرطش على قطعة
ورق بريشة؟). إن فائدة معرفة القراءة والمعارف الناتجة عنها، والتي لا يمكن أن تكون
إلا ثمرة هذه الدراسة الشاقة للأحرف تحفظ غيباً، كانت بالنسبة لهم سراً غامضاً.
وكذلك شأن الذكر البسيط والمتكرر لاسم الله: إنه سر محجوب بالنسبة للناس غير
المقتنعين بنتائجه وبقيمته الكبرى. إنهم يقيسون إثبات الإيمان وفقاً لقوة عقلهم
الخاص القصير النظر والعادم الخبرة، وينسون أن للإنسان طبيعتين، تؤثر كل منهما في
الثانية تأثيراً مباشراً.
إن الإنسان مجبول من جسد وروح. لماذا. مثلاً، إن أنت رغبت في تطهير نفسك، بدأت
بالاهتمام بالجسد، بأن تجعله يصوم، بحرمانه من الأطعمة والأغذية المقوية؟ إنما
تفعل، بالتأكيد، لكيلا يصير عقبة، أو بكلام أفضل، لكي يمكنه أن يصبح الوسيلة
الميسرة لطهارة النفس وللتمييز الروحي، ولكي يذكرك الإحساس المستمر بجوع الجسد
تصميمك على السعي إلى الكمال الداخلي والأشياء التي ترضي الله، والتي تنسى بسهولة
قصوى. ويتعلم المرء بالخبرة أنه، عبر فعل خارجي، كالصيام الجسدي، يحقق التنقية
الداخلية للذهن، وسلام القلب، ويجد أداة لترويض الأهواء ومنحاً يحث المجهود الروحي.
وهكذا، بوساطة أشياء خارجية ومادية، يتلقى الإنسان العون والفائدة الداخلية
والروحية. وعليك أن تتصور أن هذا شأن صلاة الشفتين المتواترة، التي تجتذب، مع
المداومة، صلاة القلب الداخلية وتساعد لاتحاد الروح بالله. من الباطل تصور اللسان،
وقد مل التكرار وغياب الفهم هذا القاحل، مضطراً إلى التخلي التام عن مجهود الصلاة
هذا الخارجي، على اعتباره عديم الجدوى. كلا! إن الاختبار العلمي يثبت لنا هنا العكس
تماماً. والذين مارسوا الصلاة الدائمة يؤكدون لنا أن هذا ما يحصل: الذي صمم على أن
يذكر اسم يسوع بلا انقطاع، أو أن يتلو صلاة يسوع باستمرار – والأمران سيان – يشعر
أول الأمر – وهذا بديهي – ببعض الصعوبة، وعليه محاربة الكسل. ولكنه كلما طالت مدة
العمل على هذا بعزم، ازدادت ألفته بمهمته من حيث لا يشعر. حتى أنه، في نهاية الأمر،
تكتسب الشفتان واللسان مقدرة كبرى على التحرك. إنها تعمل بصورة لا رادّ لها – حتى
من أي مجهود من قبله – وتتلو صلاة يسوع بلا أي صوت. وفي آن معاً، تكون حركة عضلات
الحنجرة قد انساقت وتدربت بحيث أنه يبدأ – أثناء صلاته – بالإحساس بأن التلفظ
بالصلاة أصبح خاصة من خواصها الدائمة والجوهرية. بل إنه يشعر، كلما توقف مرة، بأن
ثمة شيئاً في الظاهر ينقصه. وينتج عن هذا عندئذ أن الذهن بدوره يأخذ في الاستسلام،
في أن يصيخ السمع لعمل الشفتين هذا اللإرادي، وبه يتفتح للانتباه، مما يقود إلى
ينبوع من المسرات للقلب، وإلى الصلاة الحقيقية.
إنك تجد هنا إذن المفعول الحقيقي النافع للصلاة الشفوية الكثيرة أو المستمرة. وهو
النقيض تماماً لما يتصوره أولئك الذين لم يجربوها ولا هم فهموها. أما في ما يتصل
بفقرات الكتاب المقدس التي تستشهد بها دعماً لاعتراضك، فلسوف يتضح معناها إن نحن
درسناها بإمعان. إن عبادة الله المرائية بالفم، وحب الظهور أو انعدام الصدق عند من
يهتف ( يا رب، يا رب!)، كل هذا استنكره يسوع المسيح، إذ إن إيمان الفريسيين
المتكبرين لم يكن إلا في فهمهم، ولم يكن في وجدانهم ما يبرره بأية درجة، وما كانوا
يعتنقونه في القلب. وإنما قيلت هذه الأشياء لهم، ولا صلة لها بأمر تلاوة صلاة قد
أعطى المسيح بصددها تعاليم مباشرة، وصريحة ودقيقة. (على الناس أن يصلوا دائماً من
غير أن يضعفوا). وكذلك بولس الرسول، إذ يقول إنه يفضل خمس كلمات تقال بالذهن على
الكثير من الكلمات بلا تفكير، أو بلغة مجهولة، فهو يتحدث في التعليم على وجه
العموم، لا في الصلاة بصورة خاصة، وهو موضوع قال فيه بحزم، (فأريد أن الرجال يصلون
في كل مكان...) (1تيموثاوس 8:2). وهذا التعليم الأساسي: (صلوا بلا انقطاع)
(1تسالونيكي 17:5) إنما هو منه. أترى الآن كيف أن الصلاة الكثيرة، خصبة على ما فيها
من بساطة، ومدى ما يقتضيه الفهم الصحيح للكتاب المقدس من اعتبار ممعن؟
السائح: ما أصدق هذا يا أبت! إني رأيت كثيرين من الناس، ببساطة كلية، من غير أي نوع
من الثقافة والعلم، حتى أنهم لا يعرفون ما هو الانتباه، يرفعون صلاة يسوع بفمهم ومن
غير توقف. ولقد رأيتهم يبلغون ما لا تستطيع عنده شفتاهم ولسانهم أن تتوقف عن تلاوة
الصلاة. وكانت تجلب إليهم الفرح والنور، ومن أناس مهملين ضعفاء كانت تحولهم إلى
زهاد مكتملين وإلى قدوات للفضيلة.
الراهب: إن الصلاة تقود الإنسان إلى ولادة جديدة، إن جاز القول. ولها من القدرة ما
يستحيل معه على أي شيء، على أية درجة من الألم أن تقاومها. لو سمحتم، يا إخوتي،
قرأت لكم، بمثابة وداع، مقطعاً قصيراً، ولكنه شيق، معي هنا.
الجميع: سنستمع إليه بكل سرور.
القصة السادسة: في ما للصلاة من قدرة
الراهب: إن للصلاة سلطاناً وقدرة عظيمين بحيث يمكننا القول: (صل، وافعل ما تشاء)،
فالصلاة سترشدك إلى العمل الصالح والبار. ولا نحتاج، لكي نرضي الله، إلا إلى
المحبة: (أحب، وافعل ما تشاء)، هذا ما يقوله المغبوط أوغسطين {توفي عام 430، أسف
ايبونا في إفريقيا الشمالية، من كبار آباء الكنيسة الغربية}، (إذ إن الذي يحب حقاً
لا يمكنه أن يرغب فعل شيء لا يرضي المحبوب). وما دامت الصلاة وفق المحبة وفعلها،
يمكننا حقاً أن نقول عنها قياساً: (إن الصلاة المستمرة تكفي للخلاص). (صل وافعل ما
تشاء)، وستبلغ غاية الصلاة. إنها ستنيرك.
لكي نفهم هذه القضية بتفصيل أكبر نضرب بعض الأمثلة:
1- (صل، وفكر ما تشاء)، إن الصلاة ستطهر أفكارك. ستعطيك الصلاة حسن التمييز. وهي
تبطل وتطرد كل الأفكار الزائفة. هذا ما يؤكده القديس غريغوريوس السينائي. إن رغبت
طرد الأفكار وتنقية الذهن، فهذه نصيحته: (أطردها بالصلاة). إذ لا يمكن لأي شيء أن
يتحكم بالأفكار كما تتحكم بها الصلاة. ويقول أيضاً القديس يوحنا السلمي في الموضوع
ذاته: (اقهر باسم يسوع الأعداء الممسكين بزمام فكرك. لن تجد سلاحاً غير هذا).
2- (صل وافعل ما تشاء)، سترضي أعمالك الله وستكون مفيدة وخلاصية. إن الصلاة
الكثيرة، بصدد أي موضوع، لا تبقى أبداً من غير ثمر، إذ إن فيها مقدرة النعمة. (إن
كل من يدعو باسم الرب يخلص) (أعمال 21:2). مثال: كان رجل قد صلى بلا جدوى ومن غير
حمية، فحصل بهذه الصلاة على حسن التمييز وعلى الرغبة في التوبة. صلت فتاة كانت تحب
المتعة، فدلتها صلاتها هذه على طريق الحياة البتولية، والطاعة لتعليم المسيح.
3- (صل ولا تتحمل كبير عناء لقهر أهوائك بقوتك الخاصة). ستهدمها الصلاة فيك، (لأن
الذي فيكم أعظم من الذي في العالم) (1يوحنا 4:4). هذا ما يقوله الكتاب المقدس.
ويعلم القديس يوحنا الكرباتي أنك إذا كنت وليس لك موهبة ضبط النفس فينبغي لك ألا
تحزن لهذا، بل أن تعلم أن الله يطلب منك الجد في الصلاة، والصلاة ستخلصك. لنا مثال
حاسم عن هذا في الستارتس الذي يقول لنا عنه كتاب (حياة الآباء): إنه لما سقط في
الخطيئة، لم يستسلم لليأس بل لجأ إلى الصلاة، وبها عاد إلى ما كان عليه من سابق
توازن.
4- (صل، ولا تخش شيئاً). لا تخش عثرات الحظ ولا تخش الكوارث. ستحميك الصلاة وتبعدها
عنك. تذكر القديس بطرس الذي كان قليل الإيمان فأشرف على الغرق والقديس بولس الذي
كان يصلي في سجنه، والراهب الذي نجته الصلاة من هجمات التجارب، والفتاة التي أنقذت
من نوايا عاطلة لجندي إزاءها بسبب الصلاة، واذكر الحالات المشابهة التي توضح سلطان
صلاة اسم يسوع، وقدرتها وشموليتها.
5- (صل بالطريقة التي تريد، ولكن صل دائماً، ولا تدع شيئاً يصرفك عن الصلاة). كن
مرحاً وهادئاً. إن الصلاة ستدبر كل أمورك وتعلمك. تذكر كلام القديسين يوحنا الذهبي
الفم ومرقس الناسك في سلطان الصلاة. يعلن ذاك أن الصلاة، حتى إن رفعناها نحن
الكثيري الخطايا، تطهرنا على هذه للحال. ويقول هذا: (للصلاة بطريقة ما في مقدرتنا،
لكن الصلاة بطهارة موهبة النعمة). قدم إذن لله ما في وسعك تقديمه. ارفع إليه أولاً
(الكمية) وحدها، وذلك باستطاعتك، وسيسكب الله قوته في ضعفك. قد تكون الصلاة جافة
ولا منتبهة، ولكن مستمرة، وستولِّد عادة، وتصبح طبيعة ثانية وتتحول إلى صلاة نقية،
نيرة، إلى صلاة رائعة من لهيب نار.
6- ومن المهم أن تلاحظ، ختاماً، أنه إن طال وقت تيقظك في الصلاة، فإنه لن يبقى لك
من الوقت متسع للقيام بأعمال شريرة، ولا حتى بمجرد التفكير فيها.
فهل ترى الآن أية أفكار عميقة تجدها ملخصة في هذا التوكيد الحكيم: (أحب وافعل ما
تشاء)، (صل وافعل ما تشاء). يا للسلوى ويا للتعزية للخاطئ المثقل بأعباء ضعفه والذي
يئن تحت أهوائه الهائجة!
الصلاة. هذا ما أعطيناه كوسيلة عامة كلية للخلاص، لكي تتعاظم النفس كمالاً. هذا كل
شيء. ولكنا عندما نلفظ اسم الصلاة، يضاف إليه شرط: (صلوا بلا انقطاع). هذه وصية
كلمة الله. وبالتالي فإن الصلاة يبرز أغزر جدواها وثمارها كلها عندما ترفع بكثرة،
باستمرار. إذ إن تواتر الصلاة رهن – بلا شك – بإرادتنا، أما الحمية وكمال الصلاة
فهما – تماماً كالطهارة – هبتا النعمة.
ولذا فإننا سنصلي قدر ما نستطيع. سنكرس حياتنا كلها للصلاة، حتى ولو تعرضت، في
البداية، إلى شرود الذهن. إن الممارسة الطويلة ستعلمنا الانتباه. والكمية ستقود،
تأكيداً، إلى النوعية. يقول أحد الكتاب الدينيين من ذوي الخبرة: (إن أردتم أن
تتعلموا القيام بأي عمل بصورة متقنة، فعليكم الإكثار من فعله قدر المستطاع).
الأستاذ: الحق إن الصلاة قضية كبرى، وتكرارها باندفاع وهمة هو المفتاح الذي يفتح
كنز النعمة. ولكن ما أكثر ما أجد نفسي في صراع مع نفسي بين الحماس والكسل! وما أشد
ما سيسعدني وجدان طريق النصر، أن أصمم وأستيقظ على ممارسة الصلاة بصورة مستمرة!
الراهب: كثير من الكتاب الروحيين يقدمون لنا وسائل عدة مرساة على تفكير منطقي للحث
على الجد في الصلاة. مثلاً:
1- إنهم ينصحونك بأن يتشرب ذهنك بأفكار ضرورة الصلاة وامتيازها وجدواها، لخلاص
النفس.
2- فليحصل لك قناعة راسخة بأن الله يفرض علينا الصلاة فرضاً وأن كلامه يأمر بها في
كل موضع.
3- تذكر دائماً أنك إذا كنت متكاسلاً ومهملاً للصلاة، فلن تستطيع تحقيق أي تقدم في
أعمال البر ولا في الحصول على السلام والخلاص، وأنك، بالتالي، ستقاسي بالضرورة
العذاب على الأرض وفي الحياة العتيدة في آن معاً.
4- أثر تصميمك الاقتداء بقدوة القديسين الذين بلغوا جميعاً القداسة والخلاص عن طريق
الصلاة الدائمة.
بالرغم من أن لهذه الطرائق جميعاً قيمتها، ومن أنها وليدة تفكير سليم، فإن النفس
المحبة للمتعة والمستسلمة للامبالاة – حتى في حال تقبلها هذه الطرائق وتوسلها –
نادراً ما تتفهم مراميها البعيدة للسبب الآتي: إن هذه العلاجات مرة الطعم لمذاقها
المضعف وضعيفة جداً بالنسبة لطبيعتها المنفسدة في صميمها. فهل هنالك مسيحي لا يعرف
أن عليه أن يصلي بكثرة وبجد، وأنه واجب يفرضه الله، وأننا متضررون من الكسل في
الصلاة، وأن القديسين كلهم قد صلوا بحمية ومثابرة؟ ولكن على هذا، فمن النادر جداً
أن تكون هذه المعرفة قد آتت ثمارها. وكل من يراقب ذاته يلاحظ بوضوح أنه قليلاً
ونادراً ما يعمل بهذه الوصايا، وأنه بالرغم من تذكرها النادر يعيش كل الوقت حياته
ذاتها الفاسدة والخاملة. ولذا، فإن آباء الكنيسة، في خبرتهم وحكمتهم الإلهية،
ولمعرفتهم ضعف الإرادة والميل المفرط إلى المتعة في القلب البشري، يتخذون احتياطات
خاصة، ويخففون لذا المهمة، ويحلون بالعسل حافة الكأس المرة. وهم يبينون أن أنجع
الوسائل وأسهلها للتخلص من الكسل واللامبالاة إزاء الصلاة يكمن في اكتشاف حلاوة
الحب الإلهي وغزارته، ذلك الحب الذي ستسمح الصلاة بتبادله، بعون الله.
إنهم ينصحونك بأن تتأمل ما استطعت في حال روحك، وبأن تقرأ بإمعان كتابات الآباء
بهذا الصدد. وهم يؤكدون هذا التوكيد المشجع: إن هذه المشاعر الداخلية اللذيذة يمكن
بلوغها بسرعة وسهولة في الصلاة، ويبينون كم هي مرغوب فيها. إن فرح القلب دفق
الحرارة الداخلية والنور، والحماس الذي لا يوصف، وخفة القلب والسلام العميق وجوهر
الغبطة ذاتها تنتج كلها عن صلاة القلب. والنفس الضعيفة والفاترة، إذ تستغرق في
أفكار من هذا القبيل، تلتهب وتتقوى، وحرارتها في الصلاة تشجعها، فكأنها تغرى بأن
تأخذ في ممارسة الصلاة. وكما يقول اسحق السرياني: (إن الفرح جاذب للروح، هذا الفرح
المتولد من ازهرار الرجاء في القلب، والتأمل في هذا الرجاء هو هناء القلب). ويقول
المؤلف نفسه أيضاً: (إن هذا العمل، من أوله إلى آخره يفترض منهجاً والأمل في نجاحه.
وهذا يحدو بالنفس إلى إرساء أساس للمهمة المطلوب إنجازها. كما يجد التعزية، في آن
معاً، في رؤيا الهدف الذي تجهد لإصابته). وكذلك القديس ازنيك، بعد أن يصف كيف يكون
الكسل عقبة في سبيل الصلاة، ويدفع بعض الأوهام حول طريقة إذكاء جذور الحماس لها،
يقول خاتماً بوضوح: (إن نحن لم نكن مستعدين على رغبة صمت القلب لأي سبب فليكن هذا
طلباً للذة تشعر بها النفس منها، وللفرح الذي يأتي به هذا الصمت).
نرى إذن أن هذا الأب يصور الشعور بالفرح هذا كمشجع على صلاة دائبة. ويعلم مكاريوس
الكبير، بالطريقة ذاتها أن جهودنا الروحية (الصلاة) يجب أن تبذل بقصد جني ثمرها –
أي نعيم القلب. وبإمكاننا أن نجد أمثلة واضحة عن هذه الطريقة في مقاطع عدة من
الفيلوكاليا، تصف بالتفصيل مناعم الصلاة. والذي يصارع الكسل أو الجفاف عليه أن
يقرأها كلما استطاع، على أن يعتبر نفسه غير جدير بهذا الفرح، مؤنباً نفسه دوماً على
إهماله في الصلاة.
الكاهن: ألن يقود تأمل كهذا إنساناً غير مجرب إلى (التلذذ الروحي)، تبعاً للاسم
الذي يطلقه اللاهوتيون على ذلك الميل للروح المتعطشة إلى تعزيات مفرطة وحلاوات
والتي لا ترضى بإنجاز أعمال الإيمان كغرض مجرد، من غير أن تحلم بالمكافأة؟
الأستاذ: يبدو لي أن اللاهوتيين، في هذه الحالة، يحذرون من الإفراط في المتعة
الروحية أو الطمع فيها، لكنهم لا ينبذون قط الفرح والتعزية. إذ إن الرغبة في
المكافأة إن لم تكن الكمال، فإن الله على هذا لم يمنع الإنسان من التفكير بالفرح
والتعزية، وهو تعالى يستعمل فكرة الثواب ليحض الناس على إتمام الوصايا وعلى بلوغ
الكمال. (أكرم أباك وأمك): إنها الوصية، وترى أن المكافأة تتبع، وكأنها المنخس الذي
يحث على الطاعة: (وتطول أيامك على الأرض). (إن أردت أن تكون كاملاً، فاذهب وبع كل
ما تملك وتعال اتبعني). هذا ما يقتضيه الكمال، ويأتي بعده مباشرة المكافأة، كدافع
لبلوغ الكمال: (فيكون لك كنز في السموات). (طوبى لكم إذا أبغضكم الناس ونفوكم
وعيروكم ونبذوا اسمكم نبذ شرير من أجل ابن البشر) (لوقا 22:6)، هذا ما يقتضيه
التكامل الروحي: إنه يفرض قوة روحية غير عادية، وصبراً جميلاً مثابراً. ولذا كانت
المكافأة والتعزية كبيرتين، قادرتين على توليد قوة الروح هذه وإذكائها: (إن أجركم
عظيم في السموات). أنا أعتقد إذن أن بعض الرغبة في الملء، في صلاة القلب، ضروري
ويشكل وسيلة بلوغ الجد والنتيجة في آن معاً. بحيث أن هذا كله – لا شك – يؤيد
التعاليم العملية التي سمعناها لتونا من قدس الأب بهذا الصدد.
الراهب: كتب لاهوتي حقيقي – وأعني به القديس مكاريوس المصري – في هذا الموضوع بأوضح
بيان، قال: (عندما تغرس كرمة تركز فيها أفكارك وأتعابك بغية جني العنب، وإلا فإن
تعبك كله سيكون سدى. وكذلك أمر الصلاة: إن أنت لم تطلب الثمر الروحي – أي المحبة،
والسلام والفرح الخ... – فإن تعبك سيكون سدى. ولذا فإن علينا إتمام واجباتنا
الروحية (الصلاة) على أمل جني ثمارها، وقصد جنيها، أي التعزية ومسرة القلب). أنظر
كيف أجاب بوضوح، هذا الأب البار، عن سؤالك حول ضرورة الفرح في الصلاة! والواقع، إنه
يحضرني رأي قرأته لكاتب ديني منذ زمن غير طويل. قال على وجه التقريب: (إن كون
الصلاة طبيعية في الإنسان هو السبب الأول لميله إليها). إن دراسة هذه الميزة
الطبيعية يمكنها – في نظري – أن تكون وسيلة فعالة جداً للحث على الجهد في الصلاة،
هذه الوسيلة التي يبحث عنها الأستاذ بكل غيرة.
اسمحوا لي بأن ألخص بسرعة البضع نقاط التي لفت إليها الانتباه في هذا الدفتر. يقول
الكاتب مثلاً إن العقل والطبيعة يقودان الإنسان إلى معرفة الله. والعقل يثبت
النظرية القائلة إن لا عمل بلا سبب، وبارتقائه سلم الأشياء الحسية من الأدنى إلى
الأسمى يصل إلى السبب الأول: الله. وأما الطبيعة فتبرز في كل الخطوات روائع حكمة
وتناغم ونظام، وتصبح بذا نقطة ارتكاز السلم الموصلة من الأشياء المتناهية إلى
اللامتناهي. بحيث أن الإنسان الطبيعي يتوصل بصورة طبيعية إلى معرفة الله. ولهذا
السبب لا يوجد، ولم يوجد قط شعب أو قبيلة همجية مجردة عن كل معرفة لله. وبسبب من
هذه المعرفة، يوجه ساكن الجزر مهما كان متوحشاً، ومن غير أي دافع خارجي، وكأنه يفعل
بصورة لا إرادية، يوجه انتباهه نحو السموات، ويركع، ويتنهد تنهداً لا يفهمه ويخامره
شعور واضح أن هناك شيئاً ما يجذبه نحو العلاء، شيئاً يدفع به نحو المجهول. إنه أساس
كل الديانات الطبيعية. ومن الجدير جداً بالملاحظة، بهذا الصدد، أن جوهر كل ديانة أو
روحها لدى كل شعوب الأرض، يقوم في الصلاة السرية، التي تتجلى بشكل من أشكال عمل
الذهن، وكنوع من الذبيحة، مع أنها تكون مشوهة شيئاً ما بسبب الظلمة التي يتخبط فيها
عقل الشعوب الوثنية. ولما كان هذا مدهشاً كثيراً في نظر العقل، كان يهمنا، بالنسبة
ذاتها اكتشاف السبب الخفي لهذا الشيء الرائع المتجلي بميل طبيعي نحو الصلاة.
ليس من الصعب أن نجد الجواب السيكولوجي عن هذا. إن جذور الأهواء والأعمال البشرية
كلها وقوتها، في الحب الفطري للبقاء. يؤيد هذا غريزة حفظ البقاء المتأصلة في
الأعماق والتي تعم الناس جميعاً. وغاية كل شهوة بشرية، وكل تحرك وعمل إرواء حب
البقاء هذا، وسعي الإنسان إلى الملء. وإرواء هذه الحاجة يرافق الإنسان الطبيعي طوال
حياته. لكن الذهن الإنساني لا يكتفي بما يرضي الحواس. وحب البقاء الفطري لا يتوقف
أبداً. وهذا الحب يتعاظم باطراد دائم. ويتنامى الجهد الرامي إلى بلوغ الملء، ويملأ
المخيلة ويدفع بالشعور نحو غاية ثانية. ومد هذا الشعور وهذا الميل الداخلي، في
تطوره، هو المذكي الطبيعي للصلاة. إنه لزوم حب البقاء ذاته حينما يتضخم إلى
اللانهاية. وكلما قل نجاح الإنسان الطبيعي في بلوغ السعادة ازداد سعيه إليها وتزايد
ميله ووجدانه في الصلاة منفذاً لهذا الميل. ويلجأ لطلب ما يشتهي إلى السبب المجهول
لكل ما هو كائن. وهكذا فإن حب البقاء هذا الفطري، وهو من العناصر الأولى للحياة، هو
حتى لدى الإنسان الطبيعي مذكي الصلاة. إن باري الأشياء جميعاً، اللامتناهية حكمته،
قد جعل في طبيعة الإنسان قدرة حب البقاء (كشاغل) تماماً، حسب تعبير الآباء، سيسمو
بالكائن الإنساني الساقط حتى ملامسة الأشياء السماوية. حبذا لو لم يكن الإنسان قد
انحدر بهذه القدرة! ليته حافظ عليها في امتيازها وفقاً لدعوته مع طبيعته الروحية!
إذن لكان لديه وسيلة ناجعة تقوده على طريق الكمال الروحي. ولكن وا أسفاه! كثيراً ما
يحول هذه القدرة النبيلة إلى هوى أناني عندما يجعل منها أداة لطبيعته الحيوانية.
الستارتس: أشكركم من صميم القلب، يا زائري الأعزاء. لقد كان لي حديثكم الخلاصي خير
تعزية، وعلمني أنا قليل الخبرة الكثير من الأشياء المفيدة. فيلهبكم الله نعمته جزاء
محبتكم.
(يفترقون).
القصة السابعة
السائح: لم نستطع، صديقي التقي الأستاذ وأنا، أن نقاوم رغبة البدء في رحلتنا،
والقيام قبلها بزيارة قصيرة لك لنودعك ونطلب منك أن تصلي من أجلنا.
الأستاذ: نعم، كان في الاجتماع إليك خير كبير لنا، وكذلك كان قي الأحاديث الروحية
التي أفدنا منها عندك بصحبة أصدقائك. سنحفظ في قلبنا ذكرى هذا كله كعربون صداقة
ومحبة مسيحية في ذلك البلد البعيد الذي نحث الخطى نحوه.
الستارتس: أشكركما لتفكيركما في. وما أنسب وقت وصولكما! إن عندي مسافرين، راهباً
مولدافياً وناسكاً عاش في الصمت خمس وعشرين سنة في قلب الغابة. وهما يريدان
رؤيتكما. سأناديهما حالاً. ها هما آتيان.
السائح: آه! إن الحياة في العزلة لبركة حقاً! وما أنسبها للسير بالنفس إلى الاتحاد
الدائم بالله! إن الغابة الصامتة شبيهة بجنة عدن تنمو فيها شجرة الحياة في قلب
المتوحد. أعتقد أنه لو كان ذلك في وسعي لما ردني شيء عن ممارسة الحياة النسكية!
الأستاذ: كل شيء، إذا ما نظرنا إليه من بعيد، يبدو لنا شهياً. لكننا نتعلم بالخبرة
أن لكل حال، على حسناتها، مساوئ أيضاً. لا شك في أن حياة التوحد، لمن كان سوداوي
المزاج، وميالاً إلى الصمت هي تعزية، ولكن ما أكثر المخاطر على هذه الطريق! وتاريخ
حياة الزهد يعطينا الأمثلة الكثيرة التي تبين أن متوحدين ونساكاً عديدين، قد نبذوا
كلياً صحبة الناس، كانوا ضحايا الأوهام والمغريات الخطيرة.
الناسك: يدهشني أن يسمع في روسيا، سواء في الأديرة أو بين العلمانيين خائفي الله،
أن الكثيرين ممن يرغبون في حياة النسك أو في ممارسة الصلاة الداخلية يصرفهم الوهم
عن هذا الميل خشية المغريات. وهذا، في رأيي متأت عن سببين: إما عدم فهم المهمة
الواجب إنجازها، ونقص في الثقافة الروحية، وإما لا مبالاتنا الخاصة للإنجاز التأملي
والخوف الغيور من أن يتقدم علينا آخرون، نعتبرهم دوننا مستوى، في هذه المعرفة
السامية. ومن المؤسف جداً أن الذين لديهم هذه القناعة لا يدرسون تعليم الآباء
القديسين في هذا الموضوع. فإن الآباء، في الواقع، يعلمون ملحين أن على المرء ألا
يخاف ولا يشك عندما يدعو الله. ولئن كان البعض حقاً ضحايا أوهام، فالسبب في هذا كان
التكبر أو عدم وجود أب روحي، أو أخذ المظاهر والخيال مأخذ الحقيقة. ويقول الآباء
بدقة إنه إذا ما حلت فترة امتحان كهذه فيجب أن تقود إلى اختبار أشد وعياً وإلى
إكليل المجد، إذ إن الله يسرع في النجدة عندما يسمح بمثل هذا.
كونوا شجعاناً، يقول يسوع المسيح: (أنا معكم فلا تخافوا أبداً). ولذا كان من الباطل
أن نخشى ونتخوف على الصلاة الداخلية بذريعة أن هناك خطر التوهم. إذ إن وعياً
متواضعاً للخطايا، وصدق الروح إزاء الأب الروحي وغياب التصورات من الصلاة، كل هذه
تشكل دفاعاً قوياً حصيناً ضد هذه الأوهام التي يخافها الكثيرون خوفاً شديداً حتى
أنهم لا يتجرأون على خوض غمار النشاط الروحي. ومن جهة ثانية، فإن هؤلاء الناس
معرضون للتجربة، كما تبينه هذه الكلمات الحكيمة التي قالها فيلوثاوس السينائي:
(هنالك رهبان كثيرون لا يفهمون توهمهم العقلي الخاص ويحتملون كونهم في أيدي
الشياطين – أي إنهم يكرسون النفس جادين لشكل واحد من أشكال النشاط: أعمال البر
الخارجية – أما النشاط الروحي، أي التأمل الداخلي، فهم لا يعنون به قط، لأنهم في
هذا الموضوع غير مثقفين وجهالاً). ويقول أيضاً القديس غريغوريوس السينائي: (فحتى لو
سمعوا آخرين يقلون إن النعمة تحولهم داخلياً، لا يرون في هذا – حسداً – إلا وهماً).
الأستاذ: اسمح لي أن أطرح عليك سؤالاً: إن وعي الخطايا – لا شك – يحصل لكل من كان
منتبهاً إلى ذاته. ولكن ما العمل عندما لا يكون لنا أب روحي قادر على الإرشاد، حسب
خبرته الخاصة في سبيل الحياة الداخلية، عندما نفتح له قلبنا، وعلى تلقيننا معرفة
صحيحة جديرة بالثقة حول الحياة الروحية؟ في هذه الحال، لا شك أنه يكون من الأفضل
عدم المباشرة في التأمل بدل الشروع في تجربته بوسائلنا الخاصة، من غير دليل؟ أضف
أنه، فيما يخصني، لا أفهم بسهولة كيف يمكن، إن صار الإنسان في حضرة الله، أن يحافظ
على غياب تام للتخيلات. ليس هذا طبيعياً، إذ إن نفسنا أو عاقلتنا لا يمكنها تصور
شيء يكون بلا شكل، في فراغ مطلق. ولماذا حقاً، لا يتوجب علينا، حين تكون النفس
مستغرقة في الله، أن نتصور يسوع المسيح أو الثالوث القدوس وهلم جرا؟
الناسك: إن نصائح أب روحي أو ستارتس مجرب في الأمور الروحية، يمكن للمرء أن يفتح له
القلب كل يوم بلا تحفظ، بثقة ومنفعة، وأن يبوح بأفكاره وكل ما لاقاه على درب التثقف
الداخلي، هو الشرط الأولي لممارسة صلاة القلب عندما يكون المرء قد شرع في سلوك طريق
الصمت. غير أنه، في الأحوال حيث يستحيل وجدان مرشد، يرى الآباء الذين رسموا هذه
الطريقة حالة استثنائية. يعطي نبكفورس الراهب بهذا الصدد إرشادات دقيقة، هكذا:
(أثناء ممارسة نشاط القلب الداخلي، لا بد من وجود أب روحي أصيل وجرب. وإن كنت لا
تعرف أباً هذه صفته فينبغي لك البحث عنه بجد. ولكنك إن لم تجده، فتوسل بانسحاق قلب
عون الله وانهل التعاليم والنصائح في وصايا الآباء الأبرار، وتثبت منها بمقارنتها
بكلام الله الوارد في الكتاب المقدس).
يجب أيضاً أن يؤخذ بعين الاعتبار هذا الأمر: إن الباحث الحسن النية والمفعم غيرة
يمكنه الحصول على معلومات مفيدة من قبل أناس عاديين. إذ إن الآباء الأبرار يؤكدون
لنا أنه إذا استعلمنا، حتى لدى كافر، بإيمان، وبقصد شريف، فقد يقول لنا كلاماً فيه
فائدة. وبالمقابل، إن نحن طلبنا النصح من نبي ولكن بلا إيمان وبلا قصد شريف، فلن
يكون في وسع النبي ذاته أن يجيبنا على طلبنا. ولنا مثال عن هذا في قصة مكاريوس
الكبير المصري، الذي أعطاه، ذات يوم، فلاح بسيط تفسيراً وضع حداً ليأسه.
أما فيما يتصل بغياب الصور – أي عدم استعمال المخيلة وعدم قبول رؤيا أثناء التأمل
سواء كانت نوراً أو ملاكاً أو المسيح أو أياً من القديسين، والانصراف عن كل بحران
في أحلام اليقظة – فإن هذا، طبعاً، أوصى به الآباء المجربون للسبب الآتي: إن
للمخيلة القدرة على أن تجسد بسهولة، أو قل تعطي الحياة للتصورات الذهنية، بحيث أن
قليلي الخبرة من الناس قد تجتذبهم هذه التخيلات بسهولة، ويحسبونها رؤيا النعمة.
فيقعون بذا في الوهم، من غير اعتبار لتحذيرات الكتاب المقدس الذي يقول إن إبليس
ذاته يمكنه أن يتخذ شكل ملاك نور. إن يستطيع العقل بالطبع وبسهولة أن يكون في حالة
انعدام الصور وأن يبقى في هذه الحالة، أمر نراه جيداً ما دامت قوة المخيلة قادرة
على تصوير شيء بصورة محسوسة في هذا الفراغ، فتعطي هذا التصور قواماً ظاهراً. كمثل
تصوير النفس أو الهواء أو الحرارة أو البرودة. عندما تكون بردان، يمكنك أن تكوِّن
ذهنياً فكرة حية عن الحرارة، بالرغم من أنه ليس للحرارة حد، وأنها لا يمكن أن تكون
موضوع رؤية وأنها لا تقاس بالإحساس المادي المعرض للبرد. وكذلك أيضاً الحضور
الروحي، والذي يستعصي فهمه، لله: يمكن أن يعرفه العقل ويتحقق القلب من هويته في
فراغ من الأشكال مطلق.
السائح: خلال الأسفار، التقيت أناساً أتقياء يسعون إلى الخلاص قالوا لي إنهم يخشون
الحياة الداخلية، التي وصفوها كوهم محض. قرأت لكثيرين منهم، مما كان فيه بعض
الفائدة، تعليم القديس غريغوريوس السينائي في الفيلوكاليا. قال إن (عمل القلب لا
يمكن أن يكون وهماً (على نقيض عمل العقل)، إذ لو أراد الشرير تحويل حرارة القلب إلى
ناره المتأججة، أو تبديل فرح القلب بالمتع الخابية للقلب، فإن الزمن والتجربة
والشعور ذاته، كلها ستكشف قناع حيلته ومخادعته، حتى للذين لم يصبوا علماً كثيراً).
وقد اتفق لي أن التقيت آخرين كانوا، للأسف الشديد، بعد أن عرفوا طريق الصمت وصلاة
القلب، قد اصطدموا بعقبة ما، أو بضعف ذميم فاستسلموا للتخاذل وتخلوا عن العمل
الداخلي للقلب، وقد كانوا عرفوه.
الأستاذ: نعم، وهذا أمر طبيعي جداً. فلقد شعرت شخصياً، في بعض الأحيان، بالشيء عينه
في إحدى المناسبات حينما فقدت توازني الداخلي أو ارتكبت هفوة ما. إذ إن الصلاة
الداخلية ما دامت شيئاً مقدساً، اتحاداً بالله، أو ليس انتهاكاً لحرمة، أو ليس
تجرؤاً يجب تحاشيه، أن نأتي بشيء مقدس لنضعه في قلب لوثته الخطيئة، من غير أن يسبق
لنا تطهيره بندامة وانسحاق قلب صامت أو من غير استعداد مناسب للعودة إلى الله؟
الأفضل أن نكون صامتين بين يدي الله من أن نرفع إليه تعالى كلمات مهملة تصدر من قلب
غارق في الظلمات والهيجان.
الرهب: من المؤسف جداً أن تفكر هكذا. إنه تثبيط للعزائم، أي أسوأ الخطايا، والسلاح
الرئيسي في يد عالم الظلمات ضدنا. وتعليم الآباء المجربين، بهذا الصدد، مخالف جداً.
يقول نيسيتاس ستيثاتوس إنك حتى لو سقطت وغرقت في أعماق الشر الشيطانية، حتى عندئذ
يجب ألا تيأس، بل أن تتجه بسرعة نحو الله، وهو تعالى ينهض قلبك سريعاً من عثاره
ويعطيك من القوة أكثر مما كان لك من ذي قبل. يجب، بعد كل سقطة وكل جرح قلب
بالخطيئة، أن يضع الإنسان حالاً قلبه في حضرة الله لكيما يشفيه ويطهره. تماماً
كالأشياء العفنة، إن نحن عرضناها بعض الوقت لقوة أشعة الشمس، فقدت حدة التعفن. كتاب
دينيون كثيرون يبدون رأيهم بصورة قاطعة حول هذا النزاع الداخلي ضد أعداء الخلاص
الذين هم أهوائنا. فحتى لو جرحت ألف مرة، لا ينبغي لك بأية صورة أن تتخلى عن النشاط
المعطي الحياة، والذي هو ذكر يسوع المسيح الحاضر في القلب. وخطايانا، ليس أنها يجب
ألا تصرفنا عن السير في حضرة الله والقيام بالصلاة الداخلية وحسب، إذ لن يكون وقتها
فينا سوى القلق والخيبة والحزن، بل يجب، بالضد، أن تسوقنا إلى الالتفات حالاً نحو
الله. كالطفل تقوده أمه، عندما يبدأ بالمشي، يلتفت سريعاً نحوها ويتشبث بها حين
يشرف على الوقوع.
الناسك: أنا، من جهتي، اعتبر أن ضعف العزيمة والأفكار المقلقة والشكوك يوقظها
بسهولة كبرى شرود الذهن والعجز عن صيانة صمت كياننا الداخلي. إن الآباء القدامى، في
حكمتهم الإلهية، قد انتصروا على عزيمة تخور وتلقوا الاستنارة والقوة برجاء بالله لا
يتزعزع، بالصمت الهادئ والوحدة، وأعطونا هذه النصيحة السديدة الثمينة: (أقعد بصمت
في قلايتك وستعلمك كل شيء).
الأستاذ: إن ثقتي بك كبيرة بحيث يسعدني جداً أن استمع إلى نقدك لآرائي حول الصمت،
الذي تمتدحه مدحاً كثيراً، وحول محاسن حياة التوحد التي يقدرها الناسك تقديراً.
ولكن إليك ما أفكر: ما دام كل الناس، بحكم ناموس الطبيعة التي أعطاها الباري تعالى،
في وضع التعلق الضروري بعضهم ببعض، وعليهم، منذئذ، أن يتعاونوا في الحياة، أن يعمل
بعضهم لبعض ويتبادلوا الخدمات، فإن هذه الروح الاجتماعية تساهم في هناء الجنس
البشري وتبرز حب القريب. لكن الناسك الصامت الذي اعتزل المجتمع الإنساني، كيف
يمكنه، في عدم نشاطه، أن يخدم القريب؟ وما حظه من المساهمة في تحقيق رفاه المجتمع
الإنساني؟ إنه يهدم كلياً في ذاته ناموس الخالق هذا الذي يقتضي اتحاد البشرية في
المحبة والعمل الخير من أجل أخوّة كلية.
الناسك: لديك فكرة خاطئة عن الصمت، والنتائج التي تنتهي إليها ليست صائبة. فلنر ذلك
تفصيلاً:
1- إن الإنسان الذي يعيش في صمت الوحدة، ليس أنه لا يحيا بلا عمل وفي خمول وحسب، بل
هو نشيط إلى أعلى درجة، حتى أكثر ممن ينخرط في حياة المجتمع. هو يعمل بلا ملل حسب
أعلى درجات ذكائه. إنه يسهر، إنه يتأمل، إنه يركز انتباهه على حالة روحه وتقدمها،
وهذا هو الهدف الحق للصمت. وبمقدار ما يؤاتي هذا الوضع سيره الخاص نحو الكمال، فهو
يفيد الذين لا يستطيعون ممارسة التركيز الداخلي لتطور حياتهم الروحية. إذ إن الذي
يسهر بصمت ويبلغ اختباراته الداخلية إما كلاما (في حالات استثنائية) وإما بتدوينها
كتابة، يساعد لما فيه خير إخوته الروحي وخلاصهم. هو يفعل أكثر، وعلى مستوى أعلى من
المحسن العادي، إذ إن الإحسان العاطفي البسيط، في العالم، محدود، يحده العدد القليل
من الإحسانات الممنوحة. أما الذي يهب إحسانات باختباره داخلياً وسائل مقنعة للنجاز
الروحي فهو يصبح المحسن إلى شعوب بأسرها. وينتقل تعليمه وخبرته من جيل إلى جيل. كما
نرى بأنفسنا، وقد أفدنا من تعاليم وخبرة ترقى من الأزمنة الماضية حتى يومنا الحاضر.
وهذا لا يختلف بشيء عن المحبة المسيحية، بل يفوقها من حيث النتائج.
2- إن الأثر الثمين الخير يؤثره الإنسان المعاني الصمت في قريبه لا يتجلى بتبليغه
ملاحظاته عن الحياة الداخلية وحسب، بل بالمثل الصالح أيضاً وإشعاع حياته الذي قد
يوقظ الدنيويين على معرفة ذاتهم فيولد فيهم شعوراً بالاحترام. إن الإنسان الذي يعيش
في العالم والذي يسمع حديثاً عن متوحد ورع، أو يمر أمام باب منسكه، يحس بنداء إلى
الحياة الروحية، ويتذكر ما يمكن أن يكون الإنسان على الأرض، وأن باستطاعته الرجوع
إلى تلك الحالة التأملية الأصيلة التي خرج فيها من يدي الباري تعالى. إن الصامت
يعلِّم حتى بصمته. وبحياته الخاصة يصنع الخير ويهدي ويقنع بالسعي إلى الله.
يتغنى القديس اسحق السرياني بأهمية الصمت قائلاً: (إن وضعنا في كفة أعمال الحياة
الأرضية، وفي الكفة الثانية الصمت، لوجدنا أن هذه الكفة هي الراجحة. لا تعتبروا
متساوين الذين يجترحون المعجزات والعجائب في العالم والذين يصمتون بملء إرادتهم.
أحبوا الصمت أكثر من شبع الجائعين إلى هذا العالم. لأن تتحرروا من قيود الخطيئة
أفضل لكم من أن تعتقوا عبيداً من عبوديتهم). ولقد اعترف بقيمة الصمت حتى الحكماء
غير المسيحيين. جعلت مدرسة الأفلاطونيين المحدثين، التي ضمت أتباعاً كثيرين كان
أفلوطين معلمهم، جعلت لتطور الحياة التأملية مقاماً رفيعاً، ويوصل إليها بصورة أخص
عن طريق الصمت. قال أحد الكتاب الدينيين إن الدولة، لو بلغت أعلى الدرجات في كمال
الأخلاق والتربية، فلا تزال ثمة حاجة إلى وجدان أناس للتأمل، بغض النظر عن نشاطات
المواطنين الاعتيادية، وذلك لكي يصان روح الحق، ولكي ننقله إلى الأجيال الآتية وقد
تلقيناه من القرون الماضية. هؤلاء الناس، في الكنيسة، هم النساك والمتوحدون
والزهاد.
السائح: أظن أنه لم يمتدح أحد فضيلة الصمت بمثل الأصالة التي امتدحها بها القديس
يوحنا السلمي. قال: (إن الصمت أم الصلاة، عودة من الخطيئة، والتقدم الخفي في طريق
الفضيلة، وصعود مستمر نحو السماء). أجل! ويسوع ذاته، حتى يرينا فضل الانزواء في
الصمت، وضرورته كثيراً ما ترك تبشيره العام وذهب إلى أماكن منعزلة كي يصلي فيها
ويستريح. إن الذين يتأملون صامتين يشبهون الأعمدة التي تدعم الكنيسة بصلاتهم
الصامتة والمتواصلة. منذ الماضي السحيق الغابر ونحن نرى أن كثيرين من العلمانيين
الورعين، وحتى من الملوك ورجال حاشيتهم، يزورون نساكاً ورجالاً يعيشون بصمت لكيما
يطلبوا منهم صلواتهم حتى يتقووا ويخلصوا. وهكذا يمكن للمتوحد الصامت أن يخدم قريبه
ويعمل لما فيه خير الجماعة وسعادتها بالصلاة في العزلة.
الأستاذ: هذه أيضاً فكرة يصعب علي فهمها. أنها عادة منتشرة بصورة عامة لدى
المسيحيين جميعاً إن يطلب واحدنا من الآخر أن يصلي لأجله. أن أريد أن يصلي غيري من
أجلي وأن يكون لنا ثقة خاصة بأحد أعضاء الكنيسة، أليس هذا مجرد طلب يطلبه المرء
حباً بذاته؟ أوليس الأمر أيضاً أننا قد تعودنا أن نقول ما سمعنا غيرنا يقوله؟ أليس
هذا كنزوة لا تقوم على أي أساس رصين؟ هل يحتاج الله إلى شفاعة البشر مادام تعالى
يتدارك كل شيء ويتصرف وفق عنايته الفائقة القداسة لا وفق رغبتنا، عالماً بكل شيء،
يقرره من قبل أن نطلبه، كما يقول الإنجيل المقدس؟ أمن الممكن أن تكون صلاة كثيرين
أقوى، لترجح قراراته تعالى، من صلاة شخص واحد ؟ في هذه الحالة يكون الله محابياً
للوجوه. هل يمكن لصلوات إنسان غيري أن تخلصني حقاً في حين أن كل إنسان يمدح أو يلام
تبعاً لأعماله الشخصية؟ لهذا كان طلب الصلوات من شخص آخر، في رأيي، مجرد تعبير عن
التأدب الروحي، وهو يشمل مظاهر التواضع والرغبة في نيل الرضى بطلب الصلاة المتبادل
ليس إلا.
الراهب: إن نحن لم نأخذ بعين الاعتبار إلا المظاهر الخارجية، وكانت فلسفتنا بدائية
فقد يجوز أن نرى الأمر هكذا. لكن الرشاد الروحي، الذي قدسه نور الوحي وعمقته
اختبارات الحياة الروحية يرى ما هو أبعد، ويميز بصورة أعمق ويبين سرياً شيئاً يختلف
جداً عما عرضت. ولكي نتمكن من فهم الأمر بصورة أسرع وأوضح، فلنأخذ مثالاً، ولنتحقق
بعدئذ من صحته بعرضه على محك كلام الله. فلنفرض أن تلميذاً أتى إلى معلم مدرسة
ليتعلم. تحول إمكانياته الضعيفة، ويحول – أكثر – كسله وعدم تركيزه دون نجاحه في
دروسه، مما جعل تصنيفه في فئة الكسالى، فئة الذين لا يحرزون أي تقدم، لا يدري هذا
التلميذ ما ينبغي عمله، وقد تأثر شديداً بفشله المتكرر، ولا كيف يحارب نواقصه.
عندئذ يلتقي تلميذاً ثانياً، أحد رفاق صفه، وهو أذكى منه وأكثر اجتهاداً، ناجحاً في
دراسته أكثر، ويعرض له متاعبه. فيهتم هذا له ويعرض عليه العمل معه قائلاً (فلنعمل
معاً، سيكون اجتهادنا أكبر، وفرحنا أشد، وسنحصل على نتائج أفضل). فيأخذان في
الدراسة معاً وكل منهما يطلع الآخر على ما يفهمه. وعملهما واحد. ماذا يحدث بعد حين؟
أصبح اللامبالي مجتهداً. وأخذ يحب عمله، وتبدل إهماله اندفاعاً، وتفتح ذهنه، مما
كان له أفضل الأثر في إرادته وسلوكه. أما الذي كان أذكى، فقد بات هو الآخر أقدر
وأشد اجتهاداً. بهذا التأثير المتبادل أحرز فوائد مشتركة.
وهذا أمر جد طبيعي، فإن الإنسان وُلد اجتماعياً. وهو إنما ينمي ذكاءه ويحسن أخلاقه
وثقافته وإرادته بواسطة الآخرين. وبكلام موجز، إنه يتلقى كل شيء من تواصله
بالآخرين. فما دامت حياة الناس تقوم على صلات وثيقة جداً وعلى تأثيرات قوية جداً
للبعض في بعض، فإن الذي يعايش فئة من الناس يشترك في عاداتهم وتصرفهم وأخلاقهم.
فيصبح الفائزون ذوي حمية، ويحتد ذكاء الأغبياء، وينساق الخاملون إلى النشاط بفعل
الاهتمام البالغ الذين يولونه محيطهم. إن بإمكان الروح أن يبذل للروح، أن تفعل
إيجابياً في روح ثانية، أن تجتذبها إلى الصلاة والتيقظ. يمكن لها أن تقويها إذا ما
تخاذلت، وأن تصرفها عن الرذيلة، وأن تفتح عينيها على القداسة. وهكذا يصبح الناس
بالتعاضد أشد ورعاً وأنشط روحياً وأكثر تواضعاً. هذا هو سر الصلاة من أجل الآخرين.
وهو يفسر عادة المسيحيين الصالحة للصلاة بعضهم من أجل بعض وطلب الإنسان صلوات
إخوته.
إن هذا يسمح لنا بأن نرى لا أنها ترضي الله كما ترضي الالتماسات والوساطات الكثيرة
ذوي السلطان العالمي، بل إن الصلاة، بجوهرها وقدرتها، تطهر روح الذي قدمت من أجله
وتسمو بها، وتهيئها للاتحاد بالله. وإن كانت الصلاة المتبادلة، يرفعها الذين يعيشون
على الأرض، شديدة النفع إلى هذا الحد، فيمكننا أن نستنتج من هذا قياساً أن الصلاة
من أجل المتوفين ذات نفع متبادل أيضاً، بحكم الروابط الوثيقة جداً التي تجمع ما بين
عالمنا وعالم السماء. وهكذا يمكن لأعضاء الكنيسة الأرضية أن يتحدوا بأعضاء الكنيسة
السماوية، أو – والأمران واحد – يمكن للأحياء أن يتحدوا بالموتى في وحدة الكنيسة.
إن كل ما قلته برهنة سيكولوجية، ولكن حسبنا أن نفتح الكتاب المقدس حتى نتحقق من
صوابه:
1- يقول يسوع المسيح إلى بطرس الرسول: (صليت من أجلك لكي لا يفنى إيمانك). ترى هنا
أن صلاة السيد المسيح، بما لها من قدرة، تشدد روح القديس بطرس وعزمه وتشجعه حينما
يتعرض إيمانه للامتحان.
2- عندما كان بطرس الرسول في السجن، (كانت الكنيسة تصير منها صلاة بلجاجة إلى الله
من أجله) (أعمال 5:12). يوضح لنا هذا مدى العون الذي تسديه الصلاة الأخوية في
الشدائد والضيقات.
3- لكن أوضح وصية في الصلاة من أجل الآخرين يعطيها القديس يعقوب الرسول: (اعترفوا
بعضكم لبعض بالزلات وصلوا بعضكم لأجل بعض لكي تشفوا. طلبة البار تقدر كثيراً في
فعلها). (يعقوب16:5). هذا هو الإثبات الواضح للحجج السيكولوجية التي سبق عرضها.
وماذا نقول في مثال القديس بولس الرسول؟ يلاحظ أحد الكتاب أن مثله يجب أن يعلمنا ما
أشد الحاجة إلى الصلوات المتبادلة، ما دام أحد بهذه القداسة وهذه القوة يعترف بنفسه
أنه بحاجة إلى هذا العون الروحي. إليك كيف يصوغ طلبه في الرسالة إلى العبرانيين:
(صلوا من أجلنا فإن لنا ثقة بأن ضميرنا صالح، وإنا نرغب أن نحسن التصرف في كل شيء)
(عبر18:13).
إذا ما اعتبرنا هذا، فما أشد ما يبدو لنا من غير المعقول أن نعتمد على صلواتنا
وحدها، في حين أن إنساناً بهذه القداسة، قد حظي بالنعمة هكذا، يطلب في تواضعه، أن
تقترن صلوات القريب – وهو هنا العبرانيون – بصلواته. ولهذا كان علينا – من قبيل
التواضع وشركة المحبة – ألا نرفض أو نستهين بالصلوات التي تأتي حتى من أضعف الناس
إيماناً، في حين أن الرسول بولس المستنير لم يبد أي تردد بهذا الصدد. إنه يطلب
صلوات الجميع على وجه العموم، عالماً أن قوة الله بالضعف تكمل، وتكمل بالمحبة. وقد
تجد كمالها – أحياناً – لدى الذين يبدون غير قادرين إلا على الصلاة بضعف. وإذا
استوعبنا قوة هذا المثال نلاحظ أيضاً أن الصلاة المتبادلة تشدد وحدة المحبة
المسيحية تلك التي يأمر بها الله، وأنها تشهد بالتواضع الروحي للذي يقدم الطلب،
وأنها تسوق – إن جاز القول – الذي يصلي. هذا ما يشجع الشفاعة المتبادلة.
الأستاذ: تحليلك وبراهينك رائعة وصحيحة، لكنه يكون من الشيق لو أطلعتنا على طريق
الصلاة من أجل الآخرين وعلى شكلها. إن كان خصب هذه الصلاة نتيجة اهتمامنا الحثيث
بقريبنا ونتيجة التأثير المستمر بنفس الذي يصلي في نفس الذي طلب الصلاة، أفلا يخشى
أن تكون هذه الحلة النفسية سبباً في إلهاء الذهن عن حضور الله اللامنقطع وعن بوح
النفس بخلجاتها بين يديه تعالى؟ إذا فكرنا في قريبنا مرة أو مرتين في اليوم برحمة،
طالبين له معونة الله، أفلا يكون هذا كافياً للتأثير في روحه وتقويتها؟ بودي –
باختصار – لو أعرف بالضبط كيف أصلي من أجل الآخرين.
الراهب: إن الصلاة نرفعها لله لأي سبب كان لا ينبغي لها، ولا يمكن لها أن تبعدنا عن
حضرة الله، إذ إنها حين ترفع لله، يجب أن يكون هذا – بداهة – في حضرته تعالى. أما
بالنسبة للطريقة، فعلينا أن نلاحظ أن ما لهذه الصلاة من قدرة يكمن في عطف المسيحي
الحق على قريبه، وأنها لا تؤثر في نفسه إلا في حدود هذا العطف وحسب. ولذا، فإن اتفق
لنا أن نتذكر قريبنا، أو في الوقت المحدد لهذا التذكر، يكون من المناسب أن نستدعي
حضوره إلى حضرة الله، وأن نرفع الصلاة بهذه العبارات: (أيها الإله الرحيم، فلتكن
مشيئتك التي تريد أن يخلص الناس أجمعون وأن يبلغوا معرفة الحق، خلص وارحم عبدك
(فلان) . اعتبر اللهم هذه الرغبة التي أعبر عنها نداء حب أمَرتَ به).
في الأحوال العادية، عليك بتكرار هذه الصلاة كلما شعرت نفسك بالرغبة فيها، أو يمكنك
تلاوتها على سبحتك. علمتني التجربة أنها جزيلة الفائدة للذين ترفع من أجلهم.
الأستاذ: إن آراءك وحججك والحديث الهادئ والأفكار التي يستثيرها، هذه كلها على قيمة
تجعلني أشعر بضرورة حفظها في الذاكرة كذخر ثمين، وبواجب التعبير لك عن جزيل
الاحترام وشكر القلب العارف بجميل فضلك.
السائح والأستاذ: آن أوان الرحيل. من صميم القلب نطلب صلواتك من أجل رحلتنا
وصداقتنا.
الستارتس: فليجعل إله السلام، الذي أعاد من بين الأموات راعي الخراف العظيم بدم
العهد الأبدي ربنا يسوع المسيح، ليجعلكما قادرين على كل عمل صالح حتى تعملا بمشيئته
ما حسن لديه بيسوع المسيح الذي له المجد إلى دهر الداهرين. آمين. (عبر20:13- 21).