مؤسسات نظام الشركة للقديس يوحنا كاسيان
ينقسم هذا العمل إلى جزئين:
ا. الجزء الأول يحوي أربعة كتب:
الكتاب الأول عن ملابس الراهب.
الكتاب الثاني عن الخدمة الليلية حسب الطقس المصري.
الكتاب الثالث عن الخدمة النهارية حسب طقس فلسطين وما بين النهرين.
الكتاب الرابع عن جاحدي العالم أو الحياة العامة للذين نبذوا العالم من أجل الله، والفضائل اللائقة بهم.
وقد قدمت موجزًا لما ورد في هذه الكتب الأربعة مع اقتباسات هامة تكشف عن مفاهيم الكنيسة الأولى للحياة الرهبانية، خاصة لنظام الشركة، ونظرتها للفضائل المسيحية. وإني اكتفي حاليًا بهذا الموجز[1].
ب. الجزء الثاني يحوي ثمانية كتب عن الثمانية خطايا الرئيسية.
الكتاب الخامس: عن روح النهم أو الشره.
الكتاب السادس: عن روح الزنا.
الكتاب السابع: عن روح الطمع.
الكتاب الثامن: عن روح الغضب.
الكتاب التاسع: عن روح الاكتئاب.
الكتاب العاشر: عن روح الضجر.
الكتاب الحادي عشر: عن روح المجد الباطل.
الكتاب الثاني عشر: عن روح الكبرياء.
منذ أكثر من 15 عامًا أرسل الراهب باسيليوس السرياني (السابق) ترجمة لخمسة كتب، وقد قامت كنيسة مارجرجس بإسبورتنج بنشرها بعد تبسيط اللغة حتى يمكن للشباب الانتفاع بها. كما قام اجتماع الشباب بتعريب كتابين.
[1] راجع القمص تادرس يعقوب ملطي: القديس يوحنا كاسيان، 1977.
كتاب في روح النهم
القديس يوحنا كاسيان
خطية النهم لا الأكل!
خلق الله الإنسان لكي يعمل في الجنة (تك15:2)، لا لينحني بكل كيانه الجسدي والنفسي تحت ثقل شهوة الأكل والشرب، فالطعام والشراب هما عطية وبركة من قبل الرب لكي يستطيع الإنسان أن يحيا ويعمل، متشبهًا بالله الذي يعمل دومًا بلا انقطاع (يو17:5).
القدرة على الأكل والشرب بركة من قبل الله الذي خلق النباتات بثمارها الشهية لكي يأكل الإنسان، لا ليُستعبد لشهوة الطعام.
شهوة الطعام المبالغ فيها أو خطية النهم، سواء بالرغبة في امتلاء البطن بلا شبع، أو الرغبة في الأكل في غير مواعيد الطعام، أو التلذذ بأنواعٍ معينة، تكشف عن فراغٍ داخليٍ. فالنهم هو ترمومتر غالبًا ما يشير إلى مرض لحق بالنفس، أفقدها فرحها وسلامها وشبعها، فأفسحت المجال للجسد لعلّه بكثرة الطعام بغير ضابط يمكن أن ينشغل الإنسان. لهذا فعلاج النهم ليس هو مجرد الامتناع عن الأطعمة، وإنما إشباع الأعماق الداخلية بالخبز النازل من السماء.
لقد أوضح القديس يوحنا كاسيان المبادئ التالية:
1. الصوم الروحي الحقيقي هو بداية طريق جهادنا.
"هذه هي بداية صراعنا، أول اختبار لنا في الألعاب الأوليمبية (الروحية) أن نخمد شهوة الحلق والبطن بالاشتياق إلي الكمال".
"لا يستطيع أحد أن يجاهد قانونيًا إلا إذا قهر جسده أولاً. ومن المؤكد أن من لا يجاهد قانونيًا لا يكون له نصيب في النضال، ولا أن يفوز بإكليل المجد ونعمة الغلبة".
2. لا يخضع كل الرهبان لقانون صوم واحد، إنما حسب صحة الراهب وسنه ظروفه.
"يجب على كل شخص أن يفرض علي نفسه قانونًا غذائيًا حسب ما تتطلبه الحرب ضد جهاده الجسدي".
3. ما يشغل ذهننا ليس مجرد الصوم عن الطعام، بل نقاوة القلب الداخلية، وإن كان الصوم عاملاً رئيسيًا في ذلك.
"ضبط النفس في الطعام لا يكفي وحده ما لم تتحد بقية الفضائل بالذهن".
"من لا يستطيع ضبط شهوة بطنه لن يمكنه إطفاء نار الشهوات الجسدية. فعفة الإنسان الداخلي تُقتني بكمال هذه الفضيلة. ولا يمكن التأكد من التغلب علي الحروب القوية إذا انهزم الشخص في الحروب الصغيرة".
"هكذا يحتقر الإنسان الأمور الزمنية بكونها وقتية حين يركز نظره علي الأمور الثابتة الأبدية، ويتأمل في قلبه في بركة الأمور الذاتية رغم أنه مازال في الجسد".
4. ضرورة الالتزام بفترة انقطاع عن الطعام تمامًا.
"لابد من تنفيذ طقس قانون الاصوام القيم، ولكن إن لم يليه فترات انقطاع عن الطعام لن يصل الشخص إلى هدف الكمال".
5. يمكن لضعيف البنية أن يبلغ إلى كمال الفضيلة على مستوى الشخص القوي البنية، مادام الإنسان يضبط شهوة النهم وفي نفس الوقت يعطي الجسد احتياجاته. بالقانون الأول لا يقوده إشباع الجسد إلى فخاخ الشهوات، وبالقانون الثاني لا يقوده حرمان الجسد من احتياجاته إلى إنهاك قوته وعجزه عن القيام بوجباته.
6. شهوة الجسد الناتجة عن الأصوام الطويلة والذي يليها ثورات الجسد تتسبب في الإرهاق لمدة من الزمن بدلاُ من أن ينتج عنها النقاوة والعفة.
7. يعتمد كمال الذهن كليًا علي ضبط شهوات المعدة، فالذي لا يضبط نفسه دائمًا بنظامٍ غذائيٍ معينٍ لا تدوم له النقاوة والعفة.
8. الصوم مهما بلغ من درجة النسك إن تلاه فترات من الاسترخاء والراحة يصير بلا فائدة، وبالتالي يقود إلى خطية النهم، فتناول الطعام اليومي بكمية معتدلة أفضل من أصوام نسكية كثيرة متقطعة، وقد عُرف أن الصوم الزائد عن حدوده يُفقد الذهن سلامه وأيضًا يُضعف من قوة الصلوات نتيجة لتعب الجسد.
في الفصل 23 يقول إن طبيعة النهم ثلاثية:
أولاً: يوجد من يعجّل بموعد الطعام قبل الوقت المناسب.
ثانيًا: من يُسر بامتلاء البطن والتهام كل أنواع الطعام.
ثالثًا: من يجد متعة في تناول أفضل أنواع الأطعمة وأفخر المآدب.
ومقابل هذا على الراهب أن يلاحظ ثلاثة أمور في طعامه:
أولاً: عليه أن ينتظر الوقت المناسب لكسر الصوم.
ثانيًا: ألا يُعطي مكانُا لتخمة البطن.
ثالثًا: عليه أن يرضى بأبسط أنواع الطعام، لأن تناول أي طعام غير المعتاد للجميع يحسبه تقليد الآباء على أنه دنس، مثل خطية البطالة، والافتخار أو التباهي.
القمص تادرس يعقوب ملطي
الفصل الأول
الانتقال من المبادئ الرهبانية إلى الجهاد ضد الأخطاء الرئيسية الثمانية
هذا هو الكتاب الخامس الذي بمعونة الرب القدير يظهر قريبًا، فبعد أن انتهينا من إعداد الكتب الأربعة الأولي الخاصة بالعادات الرهبانية نقدم الآن بنعمة الله المعطاة لنا بفضل صلواتكم من أجلنا مفهوم الجهاد ضد الخطايا الثمانية الرئيسية أي:
أولاً: النهم أو لذة الطعام. ثانيًا: الزنى.
ثالثًا: حب التملّك وتعريفه الحقيقي هو محبة المال.
رابعًا: الغضب. خامسًا: الاكتئاب.
سادسًا: الضجر، أي تواني القلب. سابعًا: المجد الباطل.
ثامنًا: الكبرياء.
نحتاج في بدء هذا العمل إلى صلوات قداسة البابا (الأسقف) كاستور كي ما نستحق أولاً أن ندرس بدقة أصل كل خطية وطبيعتها، مهما كانت صغيرة أو خفية أو غامضة، ثم نشرح بوضوح كامل مسببات كل خطية، وأخيرًا نعرض سُبل الشفاء والخلاص منها.
الفصل الثاني
انتشار هذه الخطايا بين الكثيرين، لكنهم يتجاهلونها.
والحاجة إلى معونة الرب لكي يكشفها لنا
يكتشف الجميع هذه الأهواء حينما تتحدث عنها تعاليم الآباء بوضوح. لكن قبل أن ندركها نسقط فيها، وهي كائنة في داخلنا، لكن لا يدرك أحد ذلك.
لنا ثقة أنه إلى حدٍ ما يمكننا شرحها حتى ينطبق علينا بفضل صلواتكم قول إشعياء النبي: "أنا أسير قدامك والهضاب أمهد، أكسر مصرعي النحاس ومغاليق الحديد أقصف، وأعطيك ذخائر الظلمة وكنوز المخابئ" (إش2:45، 3). وذلك كي ما تسير كلمة الرب أمامنا وتمهد أولاً أرضنا من كل الهضاب، أي من الأهواء الشريرة التي نشتاق إلى الانتصار عليها، والتي تدَّعي سيادتها وسلطانها الخفي في جسدنا المائت، فتستسلم بفضل البحث والشرح، وبالتالي تُكسر متاريس جهلنا، وتُقصف مغاليق شرورنا التي تحجبنا عن معرفة الحق، وتقودنا إلى كنوز المخابئ، وتكشف لنا وللذين نالوا الاستنارة حسب كلمة الرسول: "سينير خفايا الظلام ويُظهر آراء القلوب" (1 كو5:4). بالتالي تُمحص عيون الذهن النقية التي تُعاني من ظلمة الشرور، فنتمكن من محاصرة الذهن وجذبه بالقوة نحو النور.
نتمكن أيضًا من شرح إمكانية السقوط فيها بالنسبة لكل من المتحررين منها والذين لا زالوا تحت قيودها. وكقول داود النبي (مز 137: 12) نجتاز في أتون الخطايا التي تلهب عقولنا كي ما نتمكن من اجتياز ينابيع الفضائل التي تطفئ نيرانها، ونتمتع بندى الشفاء الروحي فنصل إلى نقاوة القلب ثم كمال التعزيات.
الفصل الثالث
كيف يكون الجهاد الأول ضد روح النهم، أي لذة الطعام
أول صراع نجتاز فيه هو ضد النهم الذي عرَّفناه بلذة الطعام.
نتحدث أولاً عن نظام الصوم ونوعية الطعام، ويليق بنا قي هذا الشأن أن نرجع إلى تقليد الآباء المصريين وعاداتهم، هؤلاء المعروف عنهم تقدمهم في تهذيب النفس وضبطها وأسلوبهم الكامل في التمييز.
الفصل الرابع
شهادة القديس أنطونيوس بأنه يجب السعي وراء الفضيلة
من الشخص الذي يقتنيها
من أقدم أقوال القديس أنطونيوس أنه حينما يحاول الراهب وضع خطة حياته الرهبانية للوصول إلى مستويات قريبة من الكمال، وقد تعلّم التمييز، ويستطيع أن يحكم علي نفسه، ويقترب من قمة الحياة النسكية، يلتزم ألا يسعى وراء كل أنواع الفضائل من شخصٍ واحدٍ مهما بلغ من كمال.
يوجد شخص يتحلى بالمعرفة، وآخر بضبط النفس، وآخر مكسو بنعمة البساطة. هذا يمتاز بالشهامة، وذاك بالشفقة، وآخر بالسهر، وآخر بالصمت، وآخر بحب العمل. بالتالي الراهب المشتاق إلى جمع العسل الروحي يسعى كالنحلة الحريصة دائمًا علي امتصاص رحيق كل فضيلة من الذي يمتلكها ويختزنها بحرصٍ شديدٍ في وعاء قلبه.
يجب علي الراهب ألا يفحص ما ينقص الآخرين، بل إلى كل فضيلة يجدها فيهم ويجمعها، لأننا لو أردنا أن نقتني كل الفضائل من شخصٍ واحدٍ، ربما لا نجد الأمثلة المناسبة لنا للاقتداء بها.
إننا لا نري أن المسيح نفسه صنع بعد الكل في الكل (1 كو28:15) كما يقول بولس الرسول حتى نكتشف المسيح شيئًا فشيئًا في الكل، لأنه قيل عنه: "ومنه أنتم بالمسيح يسوع الذي صار لنا حكمة من الله وبرًا وقداسةً وفداء" (1 كو30:1). بالتالي نجد فيه الحكمة، ومرة أخرى البر، وأخرى القداسة، ومرة أخرى الحنان، وأخرى الوداعة، وأخرى التواضع أو طول الأناة. فالمسيح (المُعلن في قديسيه) في وقتنا الحاضر مُقسَّم عضوًا بعضوٍ بين الآباء القديسين، لكن حينما تجد الجميع في وحدة الإيمان والفضيلة يكون "إنسانًا كاملاً" (أف13:4)، مكمِّلاً جسده الواحد بأوصال واختصاصات كل أعضائه. وسيأتي الوقت حينما يكون الله هو "الكل في الكل"، لأن الله الآن "في الكل" - كما سبق أن ذكرنا - بواسطة الفضائل، لكنه ليس الكل في الكل لأنهم ليسوا في ملء كمالهم.
بالرغم من أن ديانتنا لها هدف واحدة ونهاية واحدة، لكن توجد طرق متعددة للوصول إلى الله كما سنشرح بالتفصيل في مناظرات الآباء. لذلك لابد أن نسعى وراء مثال للتمييز وضبط النفس خاصة من هؤلاء الذين تنساب فضائلهم بوفرة بواسطة عمل الروح القدس، لأنه لا يمكن لأي شخص واحد أن يحصل علي تلك الفضائل المقسمة بين كثيرين، لكن من أجل تلك الفضائل التي يمكننا اقتنائها نستطيع أن نتقدم للاقتداء بهؤلاء الذين اقتنوها.
الفصل الخامس
لا يلتزم الجميع بقانون صوم واحد
لا يمكن تحديد قانون موحد لأسلوب الصوم بسهولة، لأن قوة الجميع ليست واحدة، ولا هو كبقية الفضائل التي تُقتني بتقويم الذهن فقط، بالتالي لا تعتمد فقط علي استقامة الذهن بل ترتبط بإمكانيات الجسد.
لقد حصلنا علي هذا التفسير الخاص بالصوم كما استلمناه، فهناك اختلاف من جهة الوقت والأسلوب ونوعية الطعام تنناسب مع اختلاف حالة الجسد والسن والجنس، لكن يوجد قانون واحد هو ضبط النفس يُطبق علي الجميع، خاص بضبط الذهن وفضائل الروح.
من المستحيل أن يمتد صوم كل شخص لمدة أسبوع أو أن يقف عند وجبة خفيفة كل يومين أو ثلاثة أيام، لأن كثيرين من كبار السن أو الذين أعياهم المرض لا يمكنهم تحمل الصوم حتى غروب الشمس بدون تعب وألم. فطعام البقول المبللة بالماء لا توافق الجميع، ولا الطعام الخفيف من الخضار يناسب الكل، وأيضًا لا توافق الوجبة الشحيحة من الخبز الجاف الجميع علي السواء. يوجد شخص لا يكفيه رطلين من الطعام، وآخر يعتبر الوجبة من رطلٍ واحدٍ أكثر مما يحتاجه. لكن يوجد أمر واحد مشترك وهو ألا يكثر الشخص فوق احتياجات طعامه إلى حد الشراهة، لأنه لا يهم نوعية الطعام بقدر أهمية الكمية التي تكسر شراهة الذهن، لكن حينما تفرط النفس والجسد في الطعام فإنهما يضرمان نيران الشهوة نحو الخطية.
الفصل السادس
لا تسكر النفس بالخمر وحده
حينما تمتلئ المعدة بكل أنواع الطعام تتولد بذور الشهوة، ولا يستطيع الذهن عندما يتثاقل بالطعام أن يحافظ علي ضبط أفكاره. فالذهن لا يسكر فقط بالخمر، لكن أيضًا بكثرة أنواع الأطعمة التي تضعفه وتسلبه من كل قوته وإمكانياته في التأمل النقي الطاهر.
السبب الرئيسي لشهوة الجسد في سدوم ليس السكر بالخمر، لكن الشبع الزائد بالطعام. لنسمع صوت الرب في توبيخه لأورشليم: "هذا كان إثم أختك سدوم …الشبع من الخبز…" (حز49:16). بسبب الشبع من الطعام احترقوا بنار شهوة الجسد التي لم يمكنهم ضبطها، واحترقوا بسببها بدينونة الله لهم بنار وكبريت من السماء. إن كان الإفراط في الطعام قادهم إلى هذا الحدّ من السقوط في الخطية بواسطة شهوة الطعام، فماذا يكون حال الذين لهم جسد قوي البنيان ويأكلون اللحم ويشربون الخمر بلا حساب، غير مكتفيين باحتياجات جسدهم، بل يتبعون ما تمليه عليهم شراهة شهوة ذهنهم؟!
الفصل السابع
لا يتعارض الضعف الجسدي مع نقاوة القلب
لا يعوق الضعف الجسدي نقاوة القلب إذا ما أعطينا الجسد احتياجه اللازم فقط، وليس ما يتلذذ به أو يشتهيه.
من الأسهل أن نجد أشخاصًا يمتنعون نهائيًا عن الأطعمة الشهية عن أن نجد من يستخدمون الطعام بنسبة معقولة لاحتياجات الجسد. يوجد من يحرمون أنفسهم من كل شيء من أجل حبهم لضبط النفس، بينما يحتفظ آخرون بسبب ضعف الجسد بالكمية المناسبة لاحتياجه.
فالضعف الجسدي مجده ضبط النفس، لأنه بالرغم من السماح بالأكل للجسد الضعيف، إلا أن الإنسان قد يمنع نفسه عن الوجبات الخفيفة بالرغم من احتياجه إليها. إنه يتناول الطعام اللازم بحسب ما يسمح له القانون الصارم للاعتدال لسد احتياجات الحياة، وليس حسب ما تشتهيه النفس وتطلبه.
يُؤخذ الطعام الشهي الذي يساعد علي صحة الجسد باعتدال حتى لا يؤثر علي نقاوة العفة. فالقوة المكتسبة من تناول الطعام تُستهلك في التعب مع الاحتراس، لذلك لا يوجد أي نوع من الحياة بدون فضيلة النسك، وبالتالي لا يُحرم أحد من إكليل الكمال.
الفصل الثامن
ارتباط تناول الطعام بضبط الشهوة
من أفضل أقوال الآباء وأكثرها حقيقة هو ارتباط الأسلوب الصحيح للصوم والنسك بالاعتدال والعفة الجسدية. هذا هو هدف كل الفضائل الأخرى علي السواء. فبالرغم من أننا لا نزال نشتهيها إلا أنه يجب علينا تدريب أنفسنا على ضبط الطعام الذي نتناوله لسد احتياجات الجسد حسب الضرورة. فالشخص الضعيف جسديًا يمكنه الوصول إلى كمال الفضيلة علي نفس مستوي الشخص القوي البنية والصحة، وذلك بالاحتراس الدائم من الشهوات التي تنتج عن ضعف الجسد. يقول بولس الرسول: "ولا تصنعوا تدبيرًا للجسد لأجل الشهوات" (رو14:13). إنه لا يلغي الاهتمام به من كل النواحي، لكن يجب أن لا يكون التدبير حسب أهواء وشهوات الجسد.
إنه يمنع عن الجسد رغبته في الرفاهية، لكنه لا يحرمه من ضروريات الحياة. يلتزم بالأولى لئلا يقود إشباع الجسد إلى فخاخ الشهوات، كما يلتزم بالقانون الثاني لئلا يُصاب الجسد بسبب خطأنا، فيفشل في القيام بواجباته الروحية والتزاماته الضرورية.
الفصل التاسع
الاعتدال في التأديب وقانون الصوم
لا تُقتني فضيلة ضبط الشهوة بحسابات الوقت فقط (أي تحديد فترات الصوم الانقطاع) أو بنوعية الطعام، بل بالإضافة إلى ذلك تُقتني بحكم الضمير. يجب على كل شخص أن يفرض علي نفسه قانونًا غذائيًا حسب ما تتطلبه الحرب ضد جهاده الجسدي. لابد من تنفيذ طقس قانون الأصوام القيم، لكن إن لم تكن هناك فترات انقطاع عن الطعام لن يصل الشخص إلى هدف الكمال.
شهوة الجسد الناتجة عن الأصوام الطويلة والذي يليها ثورات الجسد تتسبب في الإرهاق لمدة من الزمن بدلاُ من أن ينتج عنها النقاوة والعفة.
يعتمد كمال الذهن كليًا علي ضبط شهوات المعدة، فمن لا يضبط نفسه دائمًا بنظامٍ غذائيٍ معينٍ لا تدوم له النقاوة والعفة. والصوم مهما بلغ من درجة النسك إن تلاه فترات من الاسترخاء والراحة يصير بلا فائدة، وبالتالي يقود إلى خطية النهم، فتناول الطعام اليومي بكمية معتدلة أفضل من أصوام نسكية كثيرة متقطعة، وقد عُرف أن الصوم الزائد عن حدوده يُفقد الذهن سلامه وأيضًا يضعف من قوة الصلوات نتيجة لتعب الجسد.
الفصل العاشر
لا يكفي ضبط شهوة الطعام في حفظ نقاوة الجسد والذهن
من أجل حفظ الجسد والذهن في حالة كاملة، لا يكفي ضبط النفس في الطعام وحده ما لم تتحد ببقية الفضائل بالذهن.
لابد من اقتناء الاتضاع من خلال الطاعة والعمل الشاق والجهد الجسدي.
ويجب ليس فقط عدم اقتناء المال بل واقتلاع جذور شهوة حب المال. لأن شهوة محبة المال تهاجم الكثيرين في صورة الشعور بالاحتياج أو الضرورة، لذلك يجب التمسك بعدم الرغبة في اقتنائه.
ولابد من السيطرة علي مشاعر الغضب والتغلب علي روح الاكتئاب واحتقار المجد الباطل وسحق الكبرياء تحت الأقدام وكبح الأفكار الشاردة المراوغة للذهن بالتأمل الدائم في الله. ويجب إعادة شرود أهواء القلب إلى التأمل في الله كلما حاول عدونا المراوغ أسر عقلنا بعيدًا عن هذا الهدف والتسلل إلى أعماق القلب الداخلية.
الفصل الحادي عشر
لا تنطفئ الشهوات الجسدية إلا باقتلاع جذور الخطية
من المستحيل إطفاء الشهوات الجسدية قبل اقتلاع جذور الشرور الأخرى الرئيسية، والتي سنتحدث عنها بمعونة الله في كتب أخري لاحقة. والآن سنعالج قضية النهم أي شهوة الطعام والتي هي أول حروبنا.
من لا يستطيع ضبط شهوة بطنه لن يمكنه إطفاء نار الشهوات الجسدية. فعفة الإنسان الداخلي تُقتني بكمال هذه الفضيلة. لا يمكن التأكد من النصرة في الحروب القوية إذا انهزم الشخص في الحروب الصغيرة. فطبيعة أو جوهر الفضيلة هو واحد بالرغم من أنها تبدو منقسمة إلى أنواع بأسماء مختلفة، فمادة الذهب مثلاً تتفرع إلى أنواع مختلفة من المجوهرات والحليّ حسب مهارة الصانع.
من يكسر فضيلة معينة أو حتى جزءً منها لن يمكنه اقتناء أية فضيلة أخري كاملة، فكيف نصدق أن إنسانًا أطفأ نار الشهوة التي لا تضرم بتحريض الجسد فقط بل والذهن أيضًا وهو لم يستطع التحكم في حدة الغضب النابع من أهواء القلب وحده؟ وكيف نصدق أن إنسانًا يستطيع ضبط شهوات الجسد والنفس دون أن ينتصر علي خطية الكبرياء؟ وكيف نؤمن بأن إنسانًا سقط تحت أقدام الشهوة المتأصلة في الجسد ولم يستطع التجرد من حب المال الذي هو خارج تكويننا؟ وكيف ينتصر الإنسان في الحرب ضد الجسد والنفس وهو لم يُشفَ بعد من مرض الاكتئاب؟
مهما تحصنت مدينة بأسوار عالية حصينة وبأبواب مغلقة قوية، ما المنفعة من ذلك لو استسلم باب واحد مهما كان صغيرًا في أهميته؟ إذ ما الفرق لو اخترق العدو الخطير طريقه من خلال الأسوار العالية أو البوابات الواسعة أو عن طريق ممرات جانبية ضيقة؟!
الفصل الثاني عشر
لابد من أن نعطي مثلاً من الحروب الجسدية في جهادنا الروحي
"إن كان أحد يجاهد لا يكلل إن لم يجاهد قانونيًا" (2تي5:2). الإنسان المشتاق إلي إطفاء الرغبات الجسدية للطبيعة لابد أن يسرع وينتصر علي الشرور الخارجية عن طبيعتنا. وإذا أردنا اختبار قوة قول بولس الرسول لابد أولاً أن نتعلّم قوانين الجهاد في العالم وقواعده حتى نستطيع من خلال تلك القواعد التعرّف علي ما قاله الرسول بولس عن الفائز بإكليلٍ يفني (1 كو25:9)، فعلي المتسابق أن يعدَّ نفسه لإكليل المجد الزمني القابل للفناء.
لابد للمشتاق إلى الدخول إلي نهائيات السباق في دورة الألعاب الأوليمبية أولاً أن يقدم دليلاً علي إمكانياته كمتسابقٍ شاب قوي. لابد من اجتياز اختبار لكل المتسابقين لمعرفة مدي أهليتهم للمشاركة في السباق، وذلك من خلال حْكم رئيس الدورة والجماهير.
بعد اجتياز الاختبار الدقيق وإثبات أهليته وخلوه من أية إساءة لسمعته، يتأكدون من خلال القضاء أنه لم يسقط تحت نير العبودية لئلا يمنعه هذا السبب من مشاركة الآخرين في هذا السباق والتمرن عليه لعدم أهليته.
ثالثًا يعطي دليلاً كافيًا علي إمكانياته وبراعته، وذلك من خلال التسابق مع بقية الشباب الآخرين والمتنافسين الذين لديهم نفس مهارته وقوة الشباب. بعد الفحص الدقيق بواسطة رئيس الدورة ينتقل من منافسة الصبيان ويختلط بالرجال الناضجين الذين لهم خبرة، ويثبت ليس فقط مساواته لهم في القوة بالتسابق معهم، بل أيضًا لابد من فوزه عدة مرات بالجائزة وإثبات تفوقه عليهم. أخيرًا يصل إلي أهم سباق في الألعاب الذي لا يُسمح بها إلا لمن سبق له الفوز والحصول علي جوائز عديدة ونصرات سابقة.
إذا فهمنا هنا المثل من جهة السباق الجسدي يلزمنا معرفة نظم الجهاد الروحي وأساليبه بواسطة المقارنة بالمثل.
الفصل الثالث عشر
لن يمكننا الدخول في محاربة إنساننا الداخلي ما لم نتحرر من خطية النهم
لابد أن نُعطي دليلاً علي تحررنا من عبوية الجسد، "لأن ما انغلب منه أحد فهو له مستعبد أيضًا" (2بط19:2).
بعد الفحص الدقيق من رئيس السباق واكتشافه أننا أنقياء من الشهوات المشينة، وبعد إصدار حكمه أننا متحررون من عبودية الجسد، ومؤهلون ومستحقون للسباق الأوليمبي ضد أهوائنا، وبالتالي نستطيع الدخول في المنافسة ضد المساوين لنا، أي شهوات الجسد وتحركات النفس واضطراباتها. لأنه من المستحيل علي المعدة الممتلئة أن تسيطر على صراع الإنسان الداخلي، ومن لا يستطيع الانتصار في الصراعات الأقل فهو غير أهلٍ للدخول في الحروب القوية.
الفصل الرابع عشر
كيف نتغلب علي شهوة النهم؟
أولاً علينا أن نطأ تحت أقدامنا شهوة النهم، ولكي نبلغ هذا علينا أن نحول فكرنا عنها بالصوم والسهر والقراءة، وأيضًا بوخزات الضمير المتلاحقة، تارة بتذكر الخطية التي خدعتنا وغلبتنا، فنتنهد علي هذه الخطية المروعة، وتارة أخري بأن ننفث تنهداتنا الملتهبة اشتياقًا نحو الكمال والقداسة. هكذا يتشبع الفكر تمامًا بمثل هذه الاهتمامات والتأملات ويتطلع إلي الطعام ليس كأنه مصدر متعة، فيصير ثقلاً عليه، بل بالحري يعتبره ضرورة للجسد، وليس شهوة للنفس.
خلال ضبط الفكر هذا والندم المستمر علي الخطية نصير محفوظين، فنغلب شهوات الجسد (التي تتقد وتُثار بالطعام) وتحريضها الخطير، فننجح في إخماد لهيبها بدموع التوبة الغزيرة من أعماق قلوبنا. هذه الشهوات التي يوقدها الملك البابلي، الذي يمدنا دائمًا بأسباب الخطية والشرور التي تلهبها بأكثر ضراوة من اللهيب بالنفط والزفت حتى تخمد شهواتنا الجسدية وتموت تمامًا خلال نعم الله التي تقطر كالندي داخل قلوبنا بروحه القدوس.
هذه هي بداية صراعنا، أول اختبار لنا في الألعاب الأوليمبية (الروحية) أن نخمد شهوة الحلق والبطن بالاشتياق إلي الكمال. ذلك ليس بأن نطأ تحت أقدامنا كل شهوة غير ضرورية للطعام بالتأمل في الفضائل فحسب، بل ونتناول ما هو ضروري منها من أجل الطبيعة بهناءة قلب، وكأنها ليست ضد نقاوتنا. أخيرًا نستمر في مسيرة حياتنا بحيث لا نشعر في وقت ما أننا قد سُحبنا من دراستنا الروحية إلا بالقدر الضروري لإيفاء احتياجات ضعفنا الجسدي. وحين نتعرض لهذه الضرورة – ألا وهي إيفاء احتياجات الحياة وليس الشهوات – علينا أن نسرع بالانسحاب من هذا الاهتمام بأسرع ما يمكن، كأنها قد عاقتنا عن دراستنا الروحية الصحيحة لنا. فلا يمكننا ازدراء البهجة بالطعام المقدم لنا إلا عندما يكون الفكر مُركزًا علي التأمل في الأمور المقدسة، ومنحصرًا في حب الفضيلة والسرور بالأمور السماوية. هكذا يحتقر الإنسان الأمور الزمنية بكونها وقتية حين يركز نظره علي الأمور الثابتة الأبدية، ويتأمل في قلبه في بركة الأمور الذاتية رغم أنه مازال في الجسد.
الفصل الخامس عشر
كيف يكون الراهب دائم الحرص علي حفظ نقاوة قلبه؟
هكذا يكون الحال مثل شخصٍ يسعى نحو هدف ثمين لينال جائزة عظيمة. هذا الهدف موضوع علي مكان مرتفع وعليه أن يحققه بسهم ضئيل. يصوب السهم بدقة شديدة علي الهدف، واضعًا في اعتباره أن حصوله علي جائزةٍ عظيمةٍ ومجدٍ يعتمد علي إصابته للهدف. لذلك لا يعير اهتمامًا لأية اعتبارات أخري موجهًا بصره إلي حيث موضع الجائزة، متيقنًا أنه سيفقد مكافأة مهارته وجائزة بسالته إذا خاب بصره ولو قليلاً عن إصابة الهدف بدقة.
الفصل السادس عشر
لا يجوز للراهب أن يتقدم لأية صراعات روحية ما لم يغلب أولاً في الحروب الجسدية
(علي نمط الألعاب الأوليمبية)
هكذا إذا ما تغلبنا علي شهوة البطن والحلق بأخذ هذه الأمور في اعتبارنا، وأُعلن كما هو الحال في المسابقات الأوليمبية بأننا لسنا عبيدًا للجسد وليس لنا سمة الخطية المشينة، حينئذ نُحسب أهلاً للتقدم لصراعات علي مستوي أعلي، تاركين وراء ظهورنا مثل هذا النوع من الدروس الأولية. ونُحسب قادرين علي الدخول في قائمة المناضلين ضد قوات الشر الروحية التي لا يُحسب مستحقًا للخوض ضدها في صراع إلا من يسمح لهم من الباسلين المنتصرين. لأن هذا هو أقوي أساس صلب لخوض جميع الصراعات إن جاز القول، بمعني أن أول ما في الأمر لابد من قتل دوافع الشهوات الجسدية. ذلك أنه لا يستطيع أحد أن يجاهد قانونيًا إلا إذا قهر جسده أولاً. ومن المؤكد أن من لا يجاهد قانونيًا لا يكون له نصيب في النضال، ولا أن يفوز بإكليل المجد ونعمة الغلبة.
إن غلبتنا الشهوات الجسدية وصرنا عبيدًا لها في هذه المعركة لا نكون حاملين لعلامة الحرية، ولا لعلامة القوة، ونُستبعد من النضال ضد القوات الروحية كغير أهلٍ وكعبيدٍ بكل ما يسببه ذلك من ارتباك. لأن "كل من يفعل الخطية هو عبد للخطية" (يو 34:8). هكذا يصفنا الرسول بمثل هذه التسمية "زناة". "لم تصبكم تجربة إلا بشرية". (1كو13:10). لأننا إن لم نهدف لإدراك قوة الفكر لن نكون أهلاً للدخول في صراع أشد ضد الشر علي مستوي أعلى، إن كنا لم ننجح في إخضاع جسدنا الضعيف الذي يقاوم الروح.
يوجد من لم يتفهم شهادة الرسول هذه، فبدلاً من الصيغة الشرطية توضع الصيغة الدلالية: بمعني "لا تدع التجربة تغلبك إلا التجربة الجسدية". ولكن من الواضح أن الرسول قالها بمعني التوبيخ أو إعلان حقيقة الأمر ولم تأتِ بمعني التمني.
الفصل السابع عشر
يجب أن يُقام أساس المعركة الروحية علي الصراع ضد النهم
هل تود أن تسمع ما يقوله مناضل حقيقي للمسيح يجاهد حسب قواعد المعركة وقوانينها؟ "إذًا أنا أركض هكذا، كأنه ليس عن غير يقين. هكذا أضارب كأني لا أضرب الهواء، بل أقمع جسدي واستعبده حتى بعد ما كرزت للآخرين لا أصير أنا نفسي مرفوضًا" (1كو26:9، 27).
أترى كيف جعل الجزء الأساسي من النضال معتمدًا عليه، أي علي جسده، كما علي أكثر الأسس تأكيدًا، وجعل نتيجة المعركة مترتبة علي طهارة الجسد وقمع جسده.
"إذًا أنا أركض هكذا كـمن ليس عن غير يقين". إنه لا يركض عن غير يقين، لأنه فيما هو متطلع إلى أورشليم السمائية يجد علامة موضوعة أمامه يركض إليها قلبه بلا انحراف.
إنه لا يركض عن غير يقين، لأنه "ينسى ما هو وراء ويمتد إلي ما هو قدام، ساعيًا نحو الغرض لأجل جعالة دعوة الله العليا في المسيح يسوع" (في13:3،14). وقد أعلن بثقة، مثبتًا نظره نحو الغرض، ومسرعًا لإدراكه بكل سرعة، قائلاً: "قد جاهدت الجهاد الحسن، أكملت السعي، حفظت الإيمان" (2تي7:4).
ولأنه يعلم أنه سعى نحو رائحة دهن المسيح باستقامة قلب ولم يكل، وانتصر في المعركة الروحية بطهارة الجسد، ختم حديثه بجسارة قائلاً: "وأخيرًا قد وُضع لي إكليل البر الذي يهبه لي في ذلك اليوم الديان العادل". ولكي يفتح أمامنا باب الرجاء أيضًا لاقتناء مثل هذه المكافأة إذا ما رغبنا أن نحاكيه في مسيرة جهاده أضاف: "وليس لي فقط بل لجميع الذين يحبون ظهوره أيضًا" (2تي8:4)، معلنًا أننا سنكون شركاءه في الإكليل يوم الدينونة إذا كنا نحب ظهوره أيضًا. ليس أنه يظهر لنا بغير إرادتنا، بل يظهر لنا يوميًا في النفوس المقدسة، إن كنا ننال النصرة في المعركة بطهارة الجسد. عن هذا الظهور يقول السيد في الإنجيل: "ويحبه أبي وإليه نأتي وعنده نصنع منزلاً" (يو23:14). وأيضًا: "هأنذا واقف على الباب وأقرع، إن سمع أحد صوتي وفتح الباب أدخل إليه وأتعشى معه وهو معي" (رؤ20:3).
الفصل الثامن عشر
كم كان عدد المعارك والانتصارات التي اجتازها الرسول
لكي يستحق أن يرتفع لنوال إكليل المعركة العظمى
لا يعني الرسول أنه انتهى توًا من الصراع في السباق حين قال: "إذا أنا أركض هكذا كأنه ليس عن غير يقين". هذه العبارة تخص بالأكثر تفكيره وحرارة روحه اللذين بهما تبع المسيح بكل حماس، فصار يجري مع العروس، قائلاً: "لرائحة أدهانك الطيبة… اجذبني وراءك فنجري" (نش3:1،4). وأيضًا "تشتاق بل تتوق نفسي إليك" (مز9:62). لكنه أيضًا يشهد أنه قد انتصر في نوع آخر من المعارك قائلاً: "هكذا أُضارب كأني لا أضرب الهواء، بل أُقمع جسدي واستعبده". هذا يخص آلام التقشف والصوم الجسدي وآلام الجسد، إذ يعني بذلك أنه عامل جسده بحزم وليس برخاوة. لقد كبح شهواته الجسدية وغلب في معركة النصرة بإماتة جسده. لأنه حين يتطهر بكبح شهواته ويتهذب بالصوم يضمن لروحه الغالبة الإكليل الذي لا يفنى والمكافأة التي لا تفسد.
تأمل الأسلوب الأرثوذكسي في المعركة وقدر إنجازات المعارك الروحية، كيف أن المناضل المسيحي وقد انتصر على جسده الثائر ووضعه تحت وطأة قدميه يُحمل إلى الأمام كمنتصر في الأعالي. ولذلك فإنه لا يركض كأنه عن غير يقين، لأنه يثق بدخوله توًا إلى المدينة المقدسة، أورشليم السمائية.
هكذا يحارب بالأصوام وإذلال الجسد ليس كمن "يضارب الهواء"، أي يضرب في الفضاء بلكمات كبح الشهوات التي بها لا يضرب الهواء، بل يضرب الأرواح التي تسكن هناك بطهارة جسده. لأن الذي يقول "ليس كمن يُضارب الهواء" يعني أنه "لا يضرب الهواء والفضاء"، بل يضرب كائنات معينة في الهواء.
تعريب الدكتورة نورا العجمي ونانسي مجدى جرجس بكنيسة الشهيد مار جرجس باسبورتنج
كتاب في روح الطمع
القديس يوحنا كاسيان
في منهجه العملي تحدث القديس يوحنا كاسيان عن خطية الطمع بعد حديثه عن النهم أو الشره ثم الشهوات. فإن لم يُغلب الإنسان من بطنه أو شهوات جسده يقدم له عدو الخير إلهًا خطيرًا هو محبة المال.
سبق لنا أثناء حديثنا عن كتابات القديس يوحنا كاسيان أن تحدثنا عن هذا الكتاب، ورأينا أنه يقدم لنا ثلاثة أمثلة خطيرة للطمع هم جيحزى تلميذ إليشع النبي، وحنانيا وسفيرة اللذين كذبا علي الروح القدس بسبب الطمع، ويهوذا الذي خان سيده من أجل ثلاثين من الفضة.
في هذا المقال يوضح المبادئ التالية:
1. بالرغم من خطورة خطية الطمع، فقد استعبدت كثيرين، إلا أنه يسهل علاجها، لأنها ليست كالنهم والشهوات تصدر من داخلنا خلال صرخات البطن وحركات الجسد، بل هي من الخارج خلال الاغراءات. هي أصل كل الشرور، لكنها تحارب من خارج النفس حتى يفتح الإنسان لها قلبه فتملك وتستعبد.
2. يبقي العلاج من الطمع سهلاً للغاية ما دامت الخطية تحاربنا من الخارج، لكن إن ملكت بإرادتنا يَصُعب الخلاص منها.
3. تبدأ الحرب بالقلق والخوف علي المستقبل، فيفقد الإنسان ثقته في الله مدبر أموره ليحتل المال مركز الصدارة.
4. إذ يتسلل الطمع إلى القلب يحطم الكثير من الفضائل مثل الاتضاع والمحبة والطاعة والشكر، فيصير جاحدًا متذمرًا، جامدًا، أنانيًا، كما يُفقد النفس استقرارها الداخلي.
5. بالنسبة للراهب يدفعه الطمع إلى أخطاءٍ كثيرةٍ.
ا. الارتباط بصداقة مع الجنس الآخر، ربما للحفاظ علي ما يجمعه.
ب. الادخار.
ح. حب الامتلاك حتى للأمور التي سبق أن تخلي عنها.
د. فتور الذهن لارتباكه بالماديات، وفقدانه إيمانه بالله المهتم به.
ه. الانشغال بخدمات اجتماعية كثيرة تحت ستار "مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ"، فيفقد الراهب تأملاته الإلهية.
6. يليق بنا الاقتداء بالرسل الذين كانوا يعملون بأيديهم ليعيشوا ولا يجمعوا شيئًا، كما كان الشعب يقدم كل ما لديه ليعيش الكل بروح الشركة، لا يجمع أحد لنفسه شيئًا.
7. يحذرنا القديس يوحنا كاسيان من نبذ العالم وكل ما فيه من الخارج مع بقاء القلب ملتهبًا بشهوة الامتلاك، فخطية الطمع هي رغبة داخلية وأنانية وحب امتلاك.
8. إن كان جيحزى تلميذ إليشع قد أُصيب بالبرص بسبب طمعه، فإن من يصاب قلبه بهذا المرض يعاني من برص داخلي، وتصير نفسه دنسة.
هكذا يكشف المقال إلى حاجة النفس إلى الاتضاع لكي يشفيها المخلص من برص الطمع، واهبًا إياها روح الحب الحقيقي الباذل.
القمص تادرس يعقوب ملطي
الفصل الأول
كيف أن قتالنا مع الطمع أمر غريب علينا، وأن هذه
السقطة ليست فطرية في الإنسان، كغيرها من السقطات
أن ثالث معركة لنا هي التي نشنها ضد الطمع، الذي نستطيع أن نصفه على أنه "محبة المال"، وهي معركة غريبة عنا، وخارجة عن نطاق طبيعتنا. وهي بالنسبة لأي راهب لا تتولد إلا عن عقل فاسد متبلد، ومحاولة مزيفة لنبذ العالم، ومحبة لله فاترة من أساسها، وذلك لأن باقي مغريات الخطية المغروسة في الفطرة البشرية تبدو كما لو كانت بدايتها كائنة منذ ولادتنا، وجذورها عميقة في جسدنا، وتكاد أن تكون معاصرة لمولدنا. إنها تدرك مسبقًا مدى قدراتنا على التمييز بين الخير والشر، وعلى الرغم من أنها تهاجم المرء مبكرًا جدًا، فهو يصرعها بعد جهاد طويل.
الفصل الثاني
مدى خطورة مرض الطمع
لا يصيبنا هذا المرض إلا في مرحلة متأخرة، ويفد على النفس البشرية من الخارج، ولذلك يسهل على المرء أن يأخذ منه حذره ويقاومه. أما إن أُهمل وسُمح له بالولوج داخل القلب، يصير أشد خطرًا ويتعذر انتزاعه جدًا، إذ يصبح "أصلاً لكل الشرور" (1 تي 10:6)، ومن ثم يعمل على الإكثار من مغريات الخطيئة.
الفصل الثالث
ما هو جدوى تلك الرذائل الفطرية لنا
ألسنا نشاهد مثلاً أن نوازع الجسد الطبيعية ليست فقط في الأولاد الذين تساعدهم بساطتهم على التمييز بين الخير والشر، بل حتى في الأطفال الصغار والرضع البعيدين تمامًا عن شهوة الجنس، ولكن نوازع الجسد موجودة فيهم وعرضة للإثارة الفطرية؟
ألا نرى أيضًا أن وخزات الغضب المميتة موجودة بكامل عنفوانها في الأطفال الصغار؟ وقبل أن يتعلموا فضيلة الصبر والاحتمال، نجد أن المظالم تثيرهم، ويشعرون بالمهانة ولو كانت على سبيل الدعابة، وقد يعمدون إلى الانتقام، على الرغم من ضعفهم، حين يستبد بهم الغضب؟!
لست أسوق هذا كي أوجه اللوم إلى حالتهم الفطرية، إنما لكي يظهر أن بعضًا من هذه النزعات التي تصدر عنا مغروسة فينا لقصد مفيد، بينما البعض الآخر قد أُقحم من الخارج، بسبب الإهمال أو التراخي، وشهوة الإرادة الشريرة. لأن هذه النزعات الجسدية التي تكلمنا عنها آنفًا، غرسها الخالق بعنايته الإلهية في جوفنا لغرض نافع، مثل بقاء النوع وتنشئة الأطفال، وليس لارتكاب ضروب الزنى والخلاعة، التي تقع تحت طائلة كل من الناموس والقانون. كذلك أعطيت لنا وخزات الغضب بحكمة بالغة، حتى إذا ما غضبنا على خطايانا وأخطائنا يتيسر لنا أن نمارس الفضائل والرياضات الروحية، مظهرين كل حب الله ومترفقين باخوتنا.
كذلك نعلم أن للحزن فائدة عظيمة، ومع ذلك فهو يُعد من الرذائل إذا استخدمناه بطريقة مضادة. فهو من ناحية، إذا جاء وفقًا لمخافة الرب، أصبحنا في مسيس الحاجة إليه، ومن ناحية أخرى، إذا جاء وفقًا لأباطيل العالم، أسفر عن شر مستطير، كما علمنا الرسول حين قال إن "الحزن الذي بحسب مشيئة الله ينشئ توبة لخلاص بلا ندامة، وأما حزن العالم فينشئ موتًا" (2كو10:7).
الفصل الرابع
في أنه باستطاعتنا أن نقول أن فينا بعض عيوب
فطرية دون الإساءة إلى الخالق
إن قلنا إذًا أن هذه النزعات قد غرسها الخالق فينا، فلا يعني هذا أن نوجه إليه اللوم، مادمنا قد أسأنا الاختيار بإساءة استخدامها، وانحرفنا بها لأغراض ضارة، ورحبنا بأحزان قايين المتمردة المهلكة وليس بالحزن الذي يقوِّم اعوجاجنا وينشئ توبة لخلاص بلا ندامة.
في حالات قليلةً عندما نغضب لا نوجه الغضب لأنفسنا (استهدافًا للفائدة) بل لاخوتنا، مخالفين بذلك وصية اللَّه. وما أشبهنا في ذلك باستخدامنا للحديد الذي أحرزناه للخير وللأغراض النافعة. فقد يستخدمه شخص منحرف في قتل الأبرياء، وهذا لا يدعونا أن نلوم صانع المعدن لأن شخصًا ما أُستخدم للإضرار بالآخرين ما أُعد للخير ولأغراض نافعة ولعيش سعيد.
الفصل الخامس
في العيوب التي تُقحم نفسها في داخلنا دون نزعات فطرية
لكننا نؤكد أن بعض العيوب تنمو بدون أن تتهيأ أية فرصة طبيعية لمولدها، إنما ببساطة تتم عن طريق الاختيار الحر لإرادة فاسدة شريرة، كالحسد، وبالذات خطية الطمع هذه. هاتان الخطيتان تفدان إلى القلب من الخارج، لعدم وجود أصل لهما في الغرائز الفطرية. ويتيسر للمرء أن يأخذ حذره منهما وأن يتجنبهما نسبيًا. إنهما يفسدان العقل الذي يتسلطان عليه ويستبدان به، ومن ثم يتعذر تهيئة الأدوية لشفائه منهما…
الفصل السادس
في تعذر استئصال آفة الطمع ما دامت دخلت القلب
لماذا لا تجعل هذه الآفة تصير كما لو كانت بلا وزن، أو تصير قليلة الأهمية، بالنسبة لأي إنسان؟ ذلك لأنه ما دام من السهل تحاشيها، فإنها بمجرد تسلطها عليه قلما تسمح له بتهيئة الأدوية لشفائه منها. فهي وكر دائم للخطايا، وهي "أصل لكل الشرور، وهي بالغة الإلحاح في إغوائها على الشر، كقول الرسول عن "الطمع"… أو بتعبير آخر محبة المال… "أصل لكل الشرور" (1تي 10:6).
الفصل السابع
في المصدر الذي ينبعث منه الطمع،
والشرور التي تتولد منه
عندما تستولي هذه الرذيلة على نفس فاترة خاملة لأحد الرهبان، تبدأ تجربه في مبلغ صغير من المال، مقدمة له أعذارًا رائعة يكاد العقل أن يقبلها، لتبرير احتفاظه لنفسه ببعض المال. فيشكو بأن ما يمده به الدير غير كافٍ، وبالكاد يمكن أن يسد حاجيات جسم سليم قوي... ماذا يفعل إذا اعتلت صحته، وليس لديه مدخرات خاصة لإعالته في حالة ضعفه؟... ويقول إن مرتبه من الدير ضئيل طفيف وأن المرضى بالدير لا يُعتنى بهم على الإطلاق، وأنه ما لم يقتنِ لنفسه شيئًا، حتى يتيسر له الاهتمام بجسده، فهو هالك لا محالة! والثوب الذي يُصرف له لا يكفي، اللهم إلا إذا كان قد أحرز شيئًا يحصل به على ثوب آخر... وأخيرًا يقول إنه من المحتمل ألا يستطيع البقاء طويلاً في نفس المكان أو الدير، وأنه ما لم يكن قد ادخر المال لرحلته وتكاليف انتقاله عبر البحر، فإنه لن يستطيع الانتقال حيث يشاء. وما دامت ستعطله الحاجة القاهرة عن هذا الانتقال، فستخيم على حياته التعاسة والملل، ويعجز عن إحراز أدنى تقدم، لشعوره بأنه لن يستطيع، دون إهدار لكرامته، أن يستمد العون من الآخرين، كما لو كان متسولاً أو من المعوزين. وهكذا بعد أن يخدع نفسه بمثل هذه الأفكار، يُجهد ذهنه كي يهتدي إلى وسيلة يستطيع بها أن يحصل ولو على قرش واحد، ثم يبحث في تلهف عن أي عملٍ مربحٍ يقوم به دون أن يعلم رئيس الدير، ويبيع سرًا ما ينتجه. بذلك يحصل على قطعة النقد التي اشتهاها، والتي بعد حصوله عليها لا يفتأ يُعذب نفسه، ويبالغ في تعذيبها، في سبيل مضاعفة مدخراته، وفي التفكير في المكان الذي يودعها فيه أو الشخص الذي يأتمنه عليها. بعد ذلك تؤرقه مشاغل أثقل تتعلق بما يحسن أن يشتريه بمدخراته، أو بالطريقة التي يستثمرها بها حتى يضاعفها، فإذا ما تحقق كل شيء وِفق ما يهوى ازدادت لهفته لاكتناز الذهب. وكلما زاد رصيده منه، ازدادت لهفته وانفعالاته، إذ أنه بزيادة الثروة يتفاقم جنون الطمع وحب المال، بعد ذلك تساوره أفكار مزعجة يتوقع معها أن يطول عمره، ويضعف بدنه كلما تقدم به السن، وتحل به الأمراض بكافة صنوفها، وبطول عهده بها حتى يعجز عن تحملها في شيخوخته ما لم يكن قد استعد لذلك بادخاره لمبلغ كبير في شبابه. وهكذا تتزعزع هذه النفس الشقية، ويلتف حولها تنين الطمع، فلا تستطيع فكاكًا، بينما تحاول جاهدة لمضاعفة كومة المال التي أحرزتها بطرق غير مشروعة واهتمام ممقوت، تصحبه كوارث لا تخفف من حدة طمع هذه النفس بل تزيده اشتعالاً، ويعميها عن كل شيء سوى الجري وراء الكسب والحصول على المال، والفرار من الإذعان لأنظمة الدير بأسرع وقت ممكن، والتجرد من الإيمان، كلما وجد بصيصًا من الأمل في إحراز المال. ولهذا فهو لن يتورع عن أن يرتكب جريمة الكذب، أو شهادة الزور، أو السرقة، أو كسر الوعد، أو الاسترسال مع نوبات الهياج الجارحة. أيضًا إذا فقد الأمل في الحصول على الكسب، فإنه لن يتورع عن أن يتجاوز حدود اللياقة والتواضع، وفي كل هذا يصبح الذهب ومحبة الربح القبيح إلهًا له، شأنه في ذلك شأن الذين يعبدون بطونهم، ولهذا فإن الرسول المطوب، إذ نظر إلى سم هذه الآفة المميت لم يقل فقط أنه أصل لكل الشرور، ولكن سمَّاه أيضًا "عبادة الأوثان"، قائلاً: "والطمع الذي هو عبادة الأوثان" (كو 5:3). فأنت ترى إذن قدر السقوط الذي يقود إليه هذا الجنون خطوة فخطوة، حتى أن الرسول يطلق الصيحة مدوية بأنه عبادة للأوثان المزيفة، ذلك لأنه بتخطيه صورة الله ومثاله (وهما اللذان يجب أن يحتفظ بهما كل من يعبد الله بالروح والحق في أعماق نفسه دون تزييف) قد آثر أن يحب ويتعلق بالصور المنقوشة على الذهب بدلاً من الله.
الفصل الثامن
كيف أن الطمع يعرقل جميع الفضائل
بمثل هذه الخطوات الكبيرة، منحدرًا إلى أسفل، ينساق من سيء إلى أسوأ، وأخيرًا لا يهتم بأن يحتفظ لنفسه، لا بفضائل التواضع والمحبة والطاعة بل ولا بظلها، إلى جانب أنه يصبح غير راضٍ عن أي شيء، ويتذمر ويشكو من كل عمل. عندئذ وقد ضرب بكل خشوع عرض الحائط فإنه، كحصان جامح، يندفع متهورًا مطلَق العنان، متأففًا من طعامه اليومي ولباسه المعتاد، معلنًا أنه قد ضاق بهما ذرعًا، وأن الله ليس في الدير فقط، وأن خلاصه غير قاصر على ذلك المكان الذي لابدّ من تركه سريعًا جدًا، وإلا حلّ الوقت الذي ينوح فيه على نفسه لأنها هالكة لا محالة.
الفصل التاسع
كيف أن الراهب الذي يحرز المال لا يستطيع البقاء في الدير
هكذا حين يقتنى المال الذي يهيئ له التجوال، متوهمًا أنه قد نبتت له أجنحة تساعده على التحليق، يصبح على تمام الأهبة للانتقال، ومن ثم يجيب على جميع الأوامر بطريقة جافة بعيدة عن الموضوع، ويسلك كما لو كان غريبًا أو زائرًا، ويتصرف إزاء كل ما يجده في حاجة إلى الإصلاح باستصغار واحتقار. وعلى الرغم من وجود مدخراته التي يحتفظ بها سرًا في مكان خفي، فإنه يشكو حاجته إلى حذاء وثياب، ويغضب لأنها تعطى له بعد عناء ووقت طويل. وإذا حدث أن أعطيت، بأمر من الرئيس، بعض هذه الحاجات لمن هو في مسيس الحاجة إليها قبله، اشتعلت فيه نيران الغضب، معتقدًا أنه قد عومل باحتقار كأنه غريب. كما أنه لا يرضى أن يمد يده لأي عملٍ، بل يتلمس الأخطاء في كل شيء تستدعى الضرورة أن يتم إنجازه في الدير. وأيضًا يتلمس، بناء على هدف مقصود، فرصًا للغضب على أنه أهين، لئلا يبدو أنه قد خرج على نظام الدير لسبب تافه، وإذ لا يقتنع بمفارقته للدير وحيدًا، حتى لا يُظن أنه قد خرج لخطأ ارتكبه، فإنه لا يكف عن تحريض وإفساد أكبر عدد ممكن من زملائه بمداولات في الخفاء... أما إذا عطلت رداءة الطقس رحلته وأسفاره، فأنه يظل طوال الوقت قلقًا مشغول البال، ولا يتوقف لحظة عن بذر الشقاق وإثارة التبرم والتذمر، متوهمًا أنه لن يجد السلوان عن عدم رحيله، والعذر عن تقلبه، ألا بأن يسند للدير النقص وسوء التدبير.
الفصل العاشر
في الأوجاع والتجارب التي يتعرض لها ناكث عهد الدير بسبب الطمع،
مع أنه أعتاد من قبل على التذمر لأتفه الأسباب
هكذا ينساق الراهب ويزداد تعلقه الجامح بالمال، الذي لن يدعه قط، بعد اقتنائه، راضيًا بالبقاء في الدير أو بالمعيشة في ظل أي نظام أو تحت سلطان. وحين يُفصل كحيوان وحشي، عن باقي القطيع يتحول، لحاجته إلى أصحابه إلى حيوان عرضة للافتراس، بل وبسهولة. ولحرمانه من زملاء مقيمين، يضطر، وهو الذي كان يترفع عن القيام بأخف مهام الدير، للكدح ليلاً ونهارًا دون توقف سعيًا وراء الكسب. هذا من شأنه أن يجعله عاجزًا عن الحفاظ على طقوس العبادة، أو نظام الصوم، أو قواعد السهر، بل ويباعد بينه وبين قواعد الشفاعة اللائقة مادام في استطاعته تلبية نداء جنون الجشع، وسد حاجاته اليومية. هذا يزيد نار الطمع اشتعالاً، في حين أنه يتوهم أنه يخمدها عن طريق الاقتناء.
الفصل الحادي عشر
في الزعم بأنه للمحافظة على المال وتدبيره
لابد من البحث عن النساء للإقامة معهن
ينساق كثيرون إلى الموت عن طريق منحدر وعر بسقطة لا قيامة منها. وإذ لا يكتفون بأن يمتلكوا المال الذي لم يسبق لهم قط أن حصلوا عليه، أو أنهم يحتجزوه ببداية رديئة، لكنهم يبحثون عن النساء ليقمن معهم، للمحافظة على ما جمعوه أو احتجزوه عن طريق غير مشروع، ويورطون أنفسهم في كثير من الأمور الخطرة الضارة، الأمر الذي يهوي بهم إلى أعماق الجحيم، بينما هم يرفضون الامتثال لقول الرسول: "إن كان لهم قوت وكسوة فليكتفوا بهما"، وهما ما كان يمدهم بهما الدير في حدود طاقته، ولكن لرغبتهم أن يكونوا أغنياء، يسقطون في تجربة وفخ وشهوات كثيرة غبية ومضرة تغرق الناس في العطب والهلاك، لأن محبة المال - بتعبير آخر "الطمع" - أصل لكل الشرور "الذي إذا ابتغاه قوم ضلوا عن الإيمان وطعنوا أنفسهم بأوجاع كثيرة" (1تي 6:8-10).
الفصل الثاني عشر
مثال لراهب فاتر سقط في شباك الطمع
أعرف شخصًا يظن في نفسه أنه راهب، والأسوأ من ذلك أنه يطري نفسه بالكمال، كان قد قُبل في دير. وحين وعظه رئيس الدير كي لا يعود بأفكاره صوب تلك الأشياء التي تخلى عنها ونبذها، بل يحرر نفسه من الطمع، أو محبة المال، التي هي أصل لكل الشرور، ومن الشراك الأرضية، وأنه إذا أراد أن يتطهر من نزعاته السالفة، التي وجد أنها كانت ترهقه وتكد نفسه من حين إلى آخر، فعليه أن يكف عن الاهتمام بتلك الأشياء، التي لم تكن ملكًا له حتى من قبل، ولكنه إذ كان ما يزال مقيدًا بالأغلال التي لم يستطع قطعًا تحطيمها لعجزه عن أن يحرز أي نجاح لتطهير نفسه من سقطاته، لم يتردد عن الرد وهو ساخط قائلاً: "إذا كنت أنت قد اقتنيت ما تستطيع أن تعول به الآخرين، فلماذا تحرم عليَّ أن أقتنيه مثلك؟"
الفصل الثالث عشر
ماذا يروي الشيوخ للأحداث عن موضوع الخطايا العادية
لكن لا تدع هذا يبدو أمرًا سطحيًا أو موضع اعتراض لدى شخص آخر. ذلك لأنه ما لم تُكشف أولاً مختلف أنواع الخطايا، وتستقصي أصول وأسباب الأمراض، فإنه لا يتيسر وصف الأدوية الشافية الصحيحة للمرضى، ولا يتيسر أيضًا للأصحاء أن يحافظوا على كمال سلامتهم. لأن كلا هذين الأمرين، وأمور أخرى كثيرة تقدم بوجه عام لإرشاد الاخوة الأحداث من الشيوخ في اجتماعاتهم، لما أحرزوه من خبرة في سقطات لا حصر لها، وفيما أصاب جميع صفوف الناس من دمار.
غالبًا ما كنا نفطن إلى الكثير من هذه الأمور في أنفسنا، هذه التي يظهرها الشيوخ ويوضحونها لنا، كرجال عانوا هم أنفسهم من نفس النزعات. كنا نعالج ونبرأ دون خجل أو ارتباك من جانبنا، ذلك لأننا دون أن نصرِّح بأيّ شيء كنا نتعلم ضروب العلاج، ونقف على أسباب الخطايا التي كانت ترهقنا، والتي أغفلناها ولم نقل عنها شيئًا، لا خوفًا من الاخوة، إنما خشية أن يقع هذا الكتاب في أيدي بعض ممن يعوزهم الإرشاد في هذا السبيل من الحياة. وقد يصرِّحون لغير المختبرين أنه ينبغي ألاّ يعلمه سوى أولئك الذين يجاهدون ويسعون للوصول إلى أعلى مراتب الكمال.
الفصل الرابع عشر
أمثلة تبين أن مرض الطمع مثلث المعالم
هذا المرض أو الحالة غير الصحية مثلثة المعالم، وقد نعته جميع الآباء بقدر مساوٍ من اللعنة والمقت.
لقد وصفنا فيما سبق الصورة الفاسدة لأحد هذه المعالم، وهي التي تخدع القطيع البائس وتحرضهم على الادخار، على الرغم من أنهم كانوا لا يمتلكون شيئًا حين كانوا في العالم.
والأخرى هي أن تدفعهم إلى اشتهاء وامتلاك تلك الأشياء التي تخلوا عنها في الأيام الأولى من تنسكهم وتركهم للعالم.
والصورة الثالثة تتم مع بداية ضارة خاطئة. اتسم أصحابها بفتور الذهن وتذبذب الرأي، ولذلك لم يستطيعوا أن ينبذوا جميع ممتلكاتهم الأرضية، خوفًا من الفقر ولعدم إيمانهم، وهؤلاء الذين يحتجزون الأموال والأملاك، التي كان ينبغي أن يتخلوا عنها ويهجروها، لا يمكن ان يبلغوا قط كمال الإنجيل.
وأننا لنجد في الأسفار المقدسة أمثلة لهذه الكوارث الثلاث، التي تقع عليها عقوبة غير هينة، فعندما أراد جيحزي - خادم اليشع النبي - أن يقتني ما لم يمتلك مثله قط من قبل، لم يفشل فقط في الحصول على عطية النبوة، التي كان من حقه أن يتسلمها من معلمه بالخلافة الوراثية، لكنه على العكس أصابته لعنة اليشع النبي ببرصٍ دائم.
أما يهوذا فإذ أراد أن يسترد امتلاكه للثروة التي سبق أن ألقي بها حين تبع المسيح، لم يسقط فقط في جريمة خيانة سيده، ويفقد رتبته الرسولية، لكنه أيضًا لم يتح له أن يختتم حياته بصورة عادية، بل أنهاها بميتة عنيفة.
أما حنانيا وسفيرة إذ احتجزا جزءً مما كان ملكهما من قبل، عوقبا بالموت وفقًا لكلمة الرسول.
الفصل الخامس عشر
في الفرق بين إنسان ينبذ العالم بطريقه رديئة
وآخر لا ينبذه على الإطلاق
إن ثمة اتهامًا موجهُا بطريقة خفية، في سفر التثنية، إلى أولئك الذين يقولون انهم قد نبذوا هذا العالم، وبعد ذلك ينهزمون بنقص الإيمان، إذ يخشون ضياع ممتلكاتهم الأرضية، ونصه كما يلي: "من هو الرجل الخائف والضعيف القلب، ليذهب ويرجع إلى بيته، لئلا تذوب قلوب اخوته مثل قلبه" (تث 8:20)... أية شهادة يحتاج إليها المرء أكثر وضوحًا من هذه؟... أليس من الواضح أن الكتاب المقدس يؤثر ألا يقدموا على هذا العهد، حتى في أول مراحله، أو أن يحملوا اسمه، لئلا يصبحوا قدوة سيئة تغري غيرهم على الانحراف عن كمال الإنجيل المقدس، ويضعفوهم بفزعهم الذي يعوزه الإيمان.
لهذا فالأمر موجه إليهم في صراحة بالانسحاب من القتال والعودة إلى منازلهم، لأنه ما من أحد يستطيع أن يشترك في معركة الرب وله رأيان، ذلك لأن "رجل ذو رأيين هو متقلقل في جميع طرقه" (يع 8:1). يلزم التفكير في المثل الذي ورد في الإنجيل (لو 30:14، 31). عن ذاك الذي يذهب بعشرة آلاف رجل ضد ملك يأتي بعشرين ألفًا، قد لا يستطيع مقاتلته، عليه - مادام ذلك بعيدًا أن يسأل ما هو للصالح. بمعنى انه من الأفضل لهم ألا يأخذوا حتى الخطوة الأولى في طريق ترك العالم، أفضل من أن يورطوا أنفسهم في أخطار أشد، بعد خروجهم إلى هذا الطريق متراخين غير متحمسين، لأنه "لا تنذر خير من أن تنذر ولا تفي" (جا 4:5 ). أدق نص هو الذي يصف من يأتي بعشرة آلاف لملاقاة آخر بعشرين ألفًا، لأن عدد الخطايا التي تهاجمنا أكثر من الفضائل التي تقاتل عنا. والواقع انه "لا يستطيع إنسان أن يخدم اللَّه والمال" (مت 24:6)، وكذلك "ليس أحد يضع يده على المحراث وينظر إلى الوراء يصلح لملكوت اللَّه" (لو 62:9).
الفصل السادس عشر
في السلطة التي تحمي تحتها أولئك الذين يعترضون على التخلي عن ممتلكاتهم
هؤلاء إذن يحاولون أن يفتعلوا قضية لجشعهم الأصيل، مستخدمين بعض نصوص الكتاب المقدس، التي يفسرونها ببراعة خبيثة. ولتحقيق رغباتهم الخاصة أن يطوِّعوا ويحرِّفوا قولاً للرسول أو آخر للرب نفسه، ولا يشكلون حياتهم وفهمهم للكتاب المقدس بل يجعلون معنى الكتاب يتشكل حسب رغبات شهواتهم، وموافقًا لوجهة نظرهم. يقولون بأنه مكتوب: "مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ" (أع35:20)، وبتفسير بالغ الخطأ لهذا النص يظنون أن في مقدورهم أن يضعفوا من قوة قول الرب: "إن أردت أن تكون كاملاً فاذهب وبع أملاكك وأعط الفقراء فيكون لك كنز في السماء وتعال اتبعني" (مت20:19). يظنون أنهم تحت هذا الظل لا يحتاجون أن يحرموا أنفسهم من غناهم، مصرحين بأنهم سيكونوا أكثر غبطة دون شك، إذ يعطون من فضلاتهم، مما هو أصلاً ملك لهم، متعالين على أن يقتنوا عملاً يدويًا، وأن يتناولوا طعام الدير المتواضع. مثل هؤلاء يجب ان يعلموا أنهم يخدعون أنفسهم. إنهم لم ينبذوا العالم حقًا، ماداموا لا يزالون متعلقين بغناهم. أما إذا كانوا يريدون حقًا وصدقًا أن يقوموا بممارسة الحياة الرهبانية، فعليهم أن يتخلوا ويهجروا جميع هذه الأشياء ولا يحتجزوا لأنفسهم أي شيء مما نبذوه فيتمجدون مع الرسول "في جوع وعطش وفي برد وعرى" (2 كو27:11).
الفصل السابع عشر
في ترك الرسل والكنيسة الاولى لأباطيل العالم
يبدو ذاك (الذي بتأكيده أنه حاصل على امتيازات مواطن روماني منذ مولده، يشهد بأنه لم يكن شخصًا وضيعًا وفقًا لأوضاع هذا العالم) أنه لم يكن قادرًا على أن يتزود من الأملاك التي كانت له من قبل!... وكان أولئك الذين كانوا مُلاكًا لأراضٍ وبيوت في أورشليم وباعوا كل شيء دون أن يستبقوا لأنفسهم شيئًا على الإطلاق، واحضروا الثمن ووضعوه عند أقدام الرسل لم يكن بمقدورهم أن يسدوا مطالب أجسادهم من أملاكهم!...
لكن الواقع أن الرسل اعتبروا أن هذه هي الخطة المثلى للحياة، وآثروها على كل شيء عداها، وقد تخلوا عن جميع ممتلكاتهم في الحال، وآثروا أن يعولوا أنفسهم من ثمار عملهم، ومن إعانات الأمميين، الذين تكلم الرسول القديس عن جمعهم لها، في رسالته إلى أهل رومية، مفصحًا لهم عن موقفه من هذا الأمر. فقد حثهم على القيام بهذا الجمع، قائلاً: "ولكن الآن أنا ذاهب إلى أورشليم لأخدم القديسين، لأن أهل مقدونية واخائية استحسنوا أن يصنعوا توزيعا لفقراء القديسين الذين في أورشليم، استحسنوا ذلك وأنهم مدينون لهم لأنه إن كان الأمم قد اشتركوا (مع مؤمني أورشليم) في روحياتهم، فيجب عليهم أن يخدموهم في الجسديات" (رو 25:15-27).
وهو يبدي نفس الاهتمام مع أهل كورنثوس، ويحثهم بأكثر اجتهاد كي يعدوا قبل وصوله ما يجمعونه وهو ما كان ينوى إرساله لسد حاجاتهم قائلاً: "أما من جهة الجمع لأجل القديسين فكما أوصيت كنائس غلاطية هكذا افعلوا أنتم أيضًا، في كل أول أسبوع ليضع كل واحد منكم عنده خازنًا ما تيسر حتى إذا جئت لا يكون جمع حينئذ، ومتى حضرت فالذين تستحسنونهم أرسلهم برسائل ليحملوا إحسانكم إلى أورشليم" (1 كو1:16-4). ولكي يشجعهم على زيادة الجمع يضيف قائلاً: "وإن كان يستحق أن أذهب أنا أيضًا فسيذهبون معي"، يقصد القول بأنه مستعد للاشتراك في حمل تقدمتهم والسفر بها مع الوفد المرافق إذا كانت من الوفرة بحيث تستدعى ذلك.
وكذلك يشهد للغلاطيين بأنه عندما راح يقتسم خدمة الكرازة مع الرسل، رتب الأمر مع يعقوب وبطرس ويوحنا على أن يقوم بالكرازة بين الأمم، ولكن ينبغي ألا يغفل العناية بالفقراء بأورشليم وتدبير أمورهم، أولئك الذين تخلوا عن جميع ممتلكاتهم واختاروا الفقر الاختياري من أجل المسيح. وقد قال في رسالته إلى أهل غلاطية بهذا الصدد: "فإذ علم بالنعمة المعطاة لي يعقوب وصفا ويوحنا المعتبرون انهم أعمدة أعطوني وبرنابا يمين الشركة لنكون نحن للأمم، وأما هم فللختان، غير أن نذكر الفقراء، وهذا أيضًا كنت اعتنيت أن أفعله" (غل2:9-10)...
من هم إذن أكثر استحقاقًا للنعمة، أولئك الذين لم يجمعوا من بين الوثنيين إلا متأخرا ولعجزهم عن الارتقاء إلى مراتب كمال الإنجيل، فتشبثوا بممتلكاتهم واكتفي الرسول بنهيهم عن عبادة الأوثان والامتناع عن الزنى والدم والمخنوق (أع20:15). واعتنقوا الإيمان بالمسيح مع احتفاظهم بكافة ممتلكاتهم، أم أولئك الذين يعيشون وفقًا لوصايا الإنجيل، ويحملون صليب الرب كل يوم، ولا يريدون أن يستبقوا أيضًا شيء من ممتلكاتهم لنفعهم الخاص؟…
إذا كان الرسول الطوباوي مقيدًا بالسلاسل والأصفاد، أو عاقته مشاق السفر، ولهذه الأسباب لم يتيسر له أن يعول نفسه بيديه، كما كان يصنع دائمًا، فصرّح أنه تسلم ما يسد احتياجاته من الاخوة الذين قدموا من مقدونية. قائلاً: "لأن احتياجي سدّه الاخوة الذين قدِموا من مقدونية" (2كو9:11). كما يقول لأهل فيلبي: "وأنتم أيضًا تعلمون أيها الفيليبيون أنه في بداءة الإنجيل لما خرجت من مقدونية لم تشاركني كنيسة واحدة في حساب العطاء والأخذ إلا أنتم وحدكم، فإنكم في تسالونيكي أيضًا أرسلتم إليَّ مرة ومرتين لحاجتي" (في15:4-16). (وما دام الأمر كذلك) فإذن وفقًا لفكرة هؤلاء الرجال، التي كوّنوها في برودة قلوبهم، يصبح أولئك القوم أكثر استحقاقًا للنعمة من الرسول العظيم، لأنه قد اتضح أنهم خدموه بمالهم! ما من أحد يتجاسر على هذا القول ولو كان مفرطًا في حماقته!
الفصل الثامن عشر
في أننا لو رغبنا في أن نحاكي الرسل
ينبغي علينا ألا نحيا وفقًا لمواهبنا الخاصة بل نحذو حذوهم
لو أردنا أن نطيع وصايا الإنجيل، وأن نظهر أنفسنا كأتباع للرسول والكنيسة الأولى بأكملها، أو للآباء الذين في أيامنا قد وصلوا إلى فضائلهم وكمالهم، علينا ألا نستسلم لتصوراتنا، واعدين أنفسنا بالكمال من هذه الحالة الفاترة الشقية التي لنا، بل إذ نقتفي آثارهم، ينبغي علينا ألا نستهدف الاهتمام بفكرنا بأية حال من الأحوال، إنما نتمسك بأنظمة الدير وأوامره، كي يتيسر لنا حقًا نبذ أباطيل هذا العالم، غير محتفظين بأي شيء من تلك الأشياء التي احتقرناها، غير مستسلمين في ذلك لتجرية نقص الإيمان، بل نسعى في الحصول على طعامنا اليومي، لا من مالنا المكتنز، بل من كد أيدينا.
الفصل التاسع عشر
قول القديس الأسقف باسيليوس موجه ضد سنكليتوس
يوجد قول مأثور ورد على لسان القديس باسيليوس أسقف قيصارية ضد شخص يدعى سنكليتوس، كان آخذًا في عدم المبالاة مع ضرب من الفتور، الذي تكلمنا عنه. على الرغم من تأكيده أنه نبذ أباطيل هذا العالم فقد استبقى لنفسه بعض ممتلكاته، غير راغبٍ في أن يعول نفسه من عمل يديه، وأن يحوز التواضع الحقيقي بتجرده وجهاده الشاق وخضوعه للدير. ومن ثم قال له القديس: "لقد فسدت يا سنكليتوس، ولم تصبح راهبًا.
الفصل العشرون
مدى حقارة من يغلبه الطمع
لو أردنا أن نجاهد بطريقة قانونية في صراعنا الروحي، علينا أن نطرد أيضًا هذا العدو الخطر من قلوبنا، ذلك لأن انتصارنا عليه ليس فيه من الفضيلة قدر ما في انتصاره علينا من عار ومهانة. لأنه إذا انتصر عليك شخص قوي فإنه على الرغم مما يسفر عن الهزيمة من أسى، وما يسببه ضياع النصرة من ألم، فثمة بعض عزاء قد تجده في شعورك بأن من غلبك قوي. أما إذا كان العدو هزيلاً، والصراع تافهًا ضئيلاً، فبجانب الأسى الذي تخلقه الهزيمة، فهناك خزي أشد مهانة، وعار أسوأ من الخسارة.
الفصل الحادي والعشرون
كيف يمكن قهر الطمع
تتم أعظم نصرة وأخلد ظفر إذا لم يتدنس ضمير الراهب، كما يقال، بامتلاك أصغر قطعة نقد. ذلك لأن من تقهره أقل ملكية يسمح لجذور شهوة شريرة أن تخترق قلبه. ويستحيل على مثل هذا الشخص ألا يشتعل بعد ذلك بنيران شهوة أشد. فجندي المسيح ينتصر وينعم بالأمن والطمأنينة، والتحرر من كل هجمات الاشتهاء، ما دامت هذه الروح الممعنة في الشر لا تغرس في قلبه بذرة هذه الشهوة. هكذا بينما نحن مطالبون عادة في كل الخطايا، أن نراقب رأس التنين (تك15:3)، فكل ما يلزمنا فعله إزاء هذه الخطية هو أن نكون أكثر حذرًا وأشد حيطة، لأننا إذا قبلناها نمت إذ تغذي نفسها، وتوقد لذاتها نارًا أشد خطرًا. من ثمة ينبغي علينا ليس فقط أن نأخذ حذرنا من حيازة المال، بل ننتزع أيضًا من نفوسنا تلهفنا عليه، إذ من واجبنا، لا أن نتحاشى نتائج الطمع، إنما بالأكثر أن نستأصل جذور كل نزوع إليه، إذ أن عدم امتلاكنا للمال لا يفيدنا ما دامت فينا شهوة الحصول عليه.
الفصل الثاني والعشرون
في أنه قد يوصم بالطمع من لا مال عنده
من المحتمل أن إنسانًا لا يملك شيئًا يكون مستعبدًا لعلة الطمع، ولا تنفعه نعمة الفقر المدقع، لأنه لم يستطع أن يستأصل من نفسه جذور خطية الشراهة، متقبلاً مزايا الفقر لا لحسن فضائله، وراضيًا بثقل الحاجة إنما في فتور القلب. ذلك لأنه كما أن كلمة الإنجيل تعلن أن الذين لا يتدنسون بالجسد قد يزنون في القلب، وأن من المحتمل أن أولئك الذين لا يثقل كاهلهم عبء المال تلحقهم لعنة نزعة الطمع وقصده لأن ما كان يعوزهم هي "فرصة" الامتلاك وليست "إرادته"، لأن الثانية هي التي يُتوجها اللَّه دون الجبر، لهذا يلزمنا أن نستخدم كل حصانة، لئلا تتبدد ثمار جهادنا في غير ما يجدي. لأنه من المحزن أن يتحمل المرء أثار الفقر أو العوز، ولكنه يفقد ثماره، بسبب سقوط الإرادة المزعزعة.
الفصل الثالث والعشرون
مثل مأخوذ من حالة يهوذا
أتريد أن تعلم مدى خطورة هذه الغواية وأضرارها، ما لم تُقتلع بحذر، على صاحبها والدمار الذي تلحقه به، وما يتشعب منها من فروع شتى الخطايا؟ انظر إلى يهوذا، المعدود من بين التلاميذ، وتأمل كيف بسبب إقدامه على سحق رأس هذا التنين القاتل، قُضي عليه بِسمُه، وكيف أنه لما وقع في شباك هذه الشهوة ألقت به في الخطية وفي سقطة عاجلة، حتى أنها أغوته على بيع فادي الأنام، ومنشئ خلاص الإنسان بثلاثين من الفضة، وأنه لم يكن من المستطاع دفعه إلى هذه الخطية المنكرة، خطية خيانة سيده، ما لم يكن قد لطخته خطية الطمع. كذلك ما كان لينساق إلى الإجرام في حق سيده بهذه الصورة البشعة، ما لم يكن قد عوّد نفسه على السرقة من الكيس المودع لديه.
الفصل الرابع والعشرون
في أنه لا يمكن قهر الطمع إلا إذًا جرد المرء نفسه من كل شيء
هذا مثل واضح فظيع لهذا الطغيان الذي إذا وقع العقل في أسره خرج عن كل قواعد الأمانة، ولا يقنع بأي مزيد من الأرباح. ذلك لأنه لزام علينا أن نحسم هذا الجنون، ليس بالثراء إنما بتجريد أنفسنا منه. أخيرًا فإن يهوذا عندما تسلم الكيس المخصص للتوزيع على الفقراء، والمودع في ذمته لهذا الغرض، كي يتيسر له على الأقل أن يرضي نفسه بالمال الكثير، ويضع حدًا لجشعه، دفعه هذا الكثير الذي تحت يده إلى مزيد من الطمع والجشع، حتى أنه لم يعد يقتصر على السرقة سرًا من الكيس، بل باع سيده بالفعل، لأن جنون هذا الجشع لا يقنع بأي قدر من الثراء.
الفصل الخامس والعشرون
في الميتات التي حلّت بحنانيا وسفيرة ويهوذا بسبب شهوة الطمع
وأخيرًا فإن العظيم في الرسل، إذ تعلم من هذه الأمثلة، ولعلمه أن المصاب بأي قدر من الطمع لا يستطيع كبح جماحه، وأنه غير ميسور وضع حد له بمبلغ من المال كبيرًا كان أو صغيرًا، إنما بفضيلة نبذ كل شيء، عاقب حنانيا وسفيرة بالموت، لأنهما استبقيا جزءً من ثمنه لملكهما، حتى أن الموت الذي لاقاه يهوذا طائعًا لارتكابه خطية خيانة سيده، لابد أن يلحقهما لوقوعهما في خطية الكذب بسبب طمعهما، فما أقوى الصلة القائمة بين الخطية والعقوبة في كل من الحالتين! وهكذا كانت نتيجة الطمع في الحالة الأولى هي الخيانة، وفي الحالة الثانية الكذب؛ في الحالة الأولى أُهدر الحق وتمت خيانة، وفي الحالة الثانية ارتكبت خطية الكذب، فمع أن نتائج أعمالهما قد تبدو مختلفة، إلا أنهما يتفقان في وحدة الهدف وتماثله. فواحد إذ أراد الفرار من الفقر رغب في أن يسترد ما سبق أن تخلى عنه، بينما الآخران إذ خشيا أن يصبحا فقيرين حاولا استبقاء جزءٍ من ثمن مِلكهما الذي باعاه، والذي كان من واجبهما إما أن يسلماه للرسول في إيمان ثابت ونيّة صافية، أو أن يهباه للاخوة بأكمله. هكذا في كل من الحالين جاءت عقوبة الموت في الأعقاب، لأن كل خطية منهما نبتت من جذور الطمع. وإذا كانت مثل هذه العقوبة الشديدة قد وقعت على أولئك الذين لم يطمعوا في ممتلكات الآخرين إنما الذين حاولوا فقط الحرص على ما يملكون، والذين لم يستهدفوا الحيازة والاقتناء بل مجرد الاحتجاز والاستبقاء، فماذا نظن في مصير أولئك الذين يرغبون في جمع الثروة واكتنازها، دون أن يكون لهم فيها درهم أو دينار، والذين يتظاهرون بالفقر أمام الناس، ولكنهم أمام اللَّه مدانون بالغنى الزائف بسبب شهوة الطمع؟
الفصل السادس والعشرون
في أن الطمع يصيب النفس ببرصٍ روحي
والذين يتراءون مجزومين في الروح والقلب، مثل جيحزي الذي إذ اشتهى غنى هذا العالم غير اليقيني، دهمه مرض البرص البغيض، وبهذا ترك لنا مثلاً واضحًا في أن كل نفس مدنسة بوصمة الشراهة يصيبها برص الخطية الروحي وتعتبر أمام اللَّه مدنسة بصفة دائمة.
الفصل السابع والعشرون
إن كنت بدافع من رغبتك في الكمال قد هجرت جميع الأشياء وتبعت المسيح الذي يقول لك: "اذهب وبع أملاكك أعط الفقراء فيكون لك كنز في السماء وتعال اتبعني" (مت 21:19)... لماذا بعد أن وضعت يدك على المحراث تنظر إلى الوراء، حتى يعلن الرب نفسه عنك أنك غير صالح لملكوت السموات؟ (لو 62:9)… ولماذا بعد أن كنت آمنًا على قمة سقف الإنجيل، نزلت إلى البيت لتحمل بعض ما فيه من تلك الأشياء التي سبق أن احتقرتها؟... ولماذا بعد أن خرجت إلى الحقل ورحت تشتغل بالفضائل عُدت مسرعًا وحاولت أن تلبس ثانية ثياب هذا العالم التي خلعتها عنك حين نبذته؟ (لو31:17)... ولكن إذ قد عاقك الفقر عن امتلاك شيء تتخلى عنه، فبالأحرى ينبغي ألا تكتنز ما لم يكن لك قط من قبل، لأنك بنعمة الرب كنت معدًا لهذا الغرض كي ما تُسارع إليه وأنت أكثر استعدادًا مادامت لا تعوقك ِشباك الغنى. ليته لا يغتم إنسان ويفشل لأنه يعوزه شِئ يتخلى عنه، لأنه ما من أحد إلا ولديه شيء يتخلى عنه.
لقد نبذ جميع مقتنيات هذا العالم، أي إنسان استأصل تمامًا من قلبه الرغبة في حيازتها وامتلاكها.
الفصل الثامن والعشرون
في أن الانتصار على الطمع لا يمكن تحقيقه إلا إذا جرد الإنسان نفسه من كل شيء
هذا إذن هو الانتصار التام على الطمع، لا نسمح لومضة من أصغر فضلاته أن تبقى في قلوبنا، إذ نعلم أنه لن يكون لدينا أية قدرة على إخماده إن احتفظنا في أعماقنا بأصغر شرارة منه.
الفصل التاسع والعشرون
كيف يستطيع راهب أن يحتفظ بفقره
نستطيع أن نحافظ على هذه الفضيلة دون مساس إذا مكثنا مقيمين في دير، وكما يقول الرسول: "فإن كان لنا قوت وكسوة فلنكتف بهما" (1تي8:6).
الفصل الثلاثون
طرق الوقاية من مرض الطمع
إذ نذكر دائمًا مصير حنانيا وسفيرة، لابد أن نجزع ونتحاشى استبقاء أيضًا شيء مما تخلينا عنه ونذرنا أن نهجره. فلنتعظ من مثال جيحزي السيئ، فبسبب خطية الطمع عوقب بالبرص الدائم جزاءً وفاقًا. لهذا فلنحترس من اقتناء ثروة لم نمتلكها قط من قبل. أضف إلى هذا علينا أن نرهب سقطة يهوذا وموته، ومن ثمة نتجنب بكل قوانا استرداد أي جزء من تلك الثروة التي سبق أن تخلصنا منها، وفوق كل هذا، علينا ونحن نرقب طبيعتنا الضعيفة المتغيرة فنتحرر لئلا يأتي يوم الرب علينا كلص في الليل (1تس4:5). ويجد ضميرنا مدنسًا ولو بقرش واحد، لان ذلك يحرمنا من كل ثمار نبذنا للعالم، ويوجه إلينا كلمات الرب للغني، التي جاءت في الإنجيل:"يا غبي هذه الليلة تطلب نفسك منك، فهذه التي أعددتها لمن تكون؟!" (لو20:12) وإذ لا نهتم بالغد علينا ألا نسمح قط لأنفسنا بإغوائنا عن قواعد التجرد والنسك.
الفصل الحادي والثلاثون
في أنه ما من أحد يستطيع أن يغلب الطمع
إلا إذا أقام في خلوة الدير، وكيف يستطيع الإقامة هناك
لكن من المؤكد انه لن يُسمح لنا بهذا، أو حتى بالبقاء تحت سلطة نظام، إلا إذا تأسست فينا أولاً وتدعمت فضيلة الصبر والاحتمال، التي لا يمكن انبعاثها إلا من التواضع كمصدر لها، لأن الواحدة تعلمنا ألا نزعج أي شخص آخر، والأخرى تعلمنا ان نحتمل في سماحة واتساع صدر إهانات الآخرين لنا.
ترجمة: الراهب باسيليوس السرياني (السابق).
كتاب في روح الغضب
القديس يوحنا كاسيان
يفتتح القديس يوحنا كاسيان كتابه "في روح الغضب" بالكشف عن خطورة الغضب، إذ يصيب البصيرة الداخلية، فيفقدنا قدرتنا على رؤية الأمور كما ينبغي:
• لا نستطيع أن نحرز الحكمة، ولا يكون لنا الحكم السليم على الأمور، لأن "الغضب مستقر في حضن الجهال" (جا 10:7 ).
• لن نستطيع أن نكون شركاء في الحياة، أو داعين للبرّ، أو حتى يكون لنا قدرة على تلقي نور الروح الحقيقي، لأن أعيننا يربكها ظلام الغضب.
• لا نستطيع إدراك الحياة الأبدية، لأن "الغضب يهلك ذوي الحصافة" (أم 2:15).
• لن يتيسر لنا إحراز قوة البرّ، حتى إن كنا كاملين وطاهرين في نظر الجميع، لأن "غضب الإنسان لا يصنع برّ الله" (يع 20:1).
• لن نستطيع أن ننال التقدير والإجلال اللذين كثيرًا ما نشاهدهما حتى في أبناء العالم، ولو كنا بمولدنا من طبقة الأشراف والنبلاء، لأن "الإنسان الغاضب مُحتقر" (أم 23:11).
• لن نستطيع إحراز الفكر الناضج حتى إن توهم الناس أننا ذوو أهمية بالغة، لأن "السريع الغضب يعمل بالحمق" (أم 27:4).
• لا نستطيع التخلص من القلاقل الخطرة أو ننجو من الخطية حتى ولو لم تحل بنا أية قلاقل من الآخرين، لأن الرجل الغضوب يهيج الخصام والرجل السخوط كثير المعاصي" (أم 29:22).
يبرر البعض غضبهم بما ورد في الكتاب المقدس أن الله نفسه "يغضب"، وهم يخطئون إذ يفسرون مثل تلك العبارات حرفيًا، بينما لا يحمل الله انفعالات بشرية، إذ هو "حب"!
هل يجوز علاج أخطاء الغير بالغضب؟
يقول القديس يوحنا كاسيان: [ينبغي على من يريد أن يشفي جرح شخصٍ ما أن يكون سليمًا معافى لا يشكو من أي ضعف، لئلا توجه إليه عبارة الإنجيل: "أيها الطبيب اشف نفسك" (لو 23:6)، ولئلا وهو يرى القذى في عين أخيه لا يرى الخشبة التي في عينه. إذ كيف سيرى حتى يخرج القذى من عين أخيه، ذاك الذي في عينه خشبة الغضب؟ (مت 7: 3-5).]
تقديم القرابين والغضب
[إذ كنا كثيرًا ما نمتهن اخوتنا الذين نؤذيهم ونحزنهم ونستصغر شأنهم، ونقول إننا لم نضرهم بأي خطأ من جانبنا، فإن شافي النفوس، المطّلع على جميع أسرارنا، لرغبته الكاملة في أن يبدد من قلوبنا كل أثرٍ للغضب، لا يوصينا فقط بأن نغفر لمن يسيئون إلينا، ونصالح اخوتنا، وألا نحتفظ في ذاكرتنا بأية إساءة أو تعديات ارتكبوها ضدنا، إنما يكلفنا أيضًا بأننا إذا شعرنا بأن لهم أيّ شيء ضدنا، سواء كانوا على حق أو على غير حق، أن نترك قرباننا. بمعنى أن نرجئ صلواتنا ونسارع أولاً لاسترضائهم ومصالحتهم، وعندما يتم علاج هذا الأخ نستطيع عندئذ أن نقدم قربان صلواتنا دون عيب، لأن الرب إله الجميع لا يعنيه كثيرًا قرابيننا قدر ما يعنيه فقده شخصٍ ما، بسبب تركنا للسخط يتحكم فينا. لأن خسارة أيّ إنسان يصيب الله، إذ هو يريد ويبحث عن خلاص جميع خدامه بخط واحد لا يتغير.]
اعتزال الناس ليس علاجًا للغضب
في معالجته للخطايا يوجه القديس يوحنا كاسيان أنظارنا، لا إلى التصرفات الظاهرة، بل إلى جذور الخطية الكامنة في أعماق القلب، حتى نهتم بملء الفراغ الداخلي خلال الحب الإلهي. يقول:
[مادمنا نحَّمل الآخرين وزر خطأنا، لن نستطيع قط أن نبلغ بغيتنا في الكمال والقدرة على الاحتمال.]
[هكذا في حالة الذين يبتغون الكمال، لا يكفي ألا يغضبوا من الناس، فإننا نذكر أننا حين كنا نعيش في عزلة، كان يتسلل إلى نفوسنا شعور الغضب ضد القلم الذي نستعمله لزيادة طوله أو زيادة قصره، أو ضد المطواة لعدم حدتها، أو ضد حجر القداحة إذا طارت منه شراره تعطلنا عن المطالعة. فلا نتخلص من اضطراب ذهننا بسبب مادة جامدة أو الشيطان. وهكذا باطلاً نظن بلوغ الكمال لعدم وجود من يثيرون غضبنا. فمادام لم يتم نوال الصبر فإن مشاعر السخط التي مازالت كامنة في قلوبنا يمكن إطلاق العنان لها ضد جماد أو شيء تافه، ولا تتيح لنا بلوغ حالة دائمة من السلام، أو التخلص من رواسب سقطاتنا، اللهم إلا إذا اعتقدنا أننا قد نحرز بعض النفع، ونحقق لونًا من الشفاء من انفعالاتنا، إزاء الواقع من أن الأشياء العديمة النطق والحياة لا تستطيع الرد على سبنا لها وسخطنا عليها أو أن تدفع نوبات غضبنا المطلقة العنان لأن تنفجر في ثورة عارمة مخبولة أسوأ وأنكي.]
يقول القديس أوغريس:
[عندما يثار الجزء القابل للإثارة في النفس، لسبب أو آخر، تقدم لنا الشياطين "التوحد" كنصيحة نافعة، لكي به ننزع عنا أسباب الضيق، لكننا لا نكون قد تحررنا (داخليًا) من دافع الغضب.
وبالعكس عندما تلتهب الشهوة فينا، تحركنا الشياطين نحو حب الناس (حب الاختلاط بهم)، وتصوّر لنا الانعزال عنهم بربرية وقسوة، وذلك لكي نلتقي بأجساد أخرى فنشتهيها.
فليتنا لا نصدق الشياطين في شىء، مجاهدين بكل طاقتنا ضد ما تمليه علينا[2].]
الغضب المقدس والغضب الشرير
يقول القديس يوحنا كاسيان:
[لابد من التسليم بأنه ثمة فائدة للغضب قد غرست ببراعة فينا، وهي وحدها التي تستطيع أن توفر لنا النفع والإفادة، ذلك مثلاً عندما نغضب ونسخط على نجاسات قلوبنا، وعندما نتضايق جدًا لأن الأشياء التي نخجل من فعلها أو ذكرها أمام الناس قد أخذت لها من حنايا قلوبنا بؤرة ووكرًا، إذ نرتعد عند حضور الملائكة وفي حضرة الله نفسه، الذي يخترق أستار كل شئ في كل مكان، ويشتد فزعه لعلمه أن أسرار قلوبنا لا يمكن أن تُخفى عليه.]
["لا تغرب الشمس على غيظكم ولا تُعطوا إبليس مكانًا" (أف26:4). فإن كان من الخطر أن تغرب شمس البر على غيظنا، وإذا كنا حينما نغضب نُعطى مكانًا لإبليس في قلوبنا، فكيف إذن يطلب إلينا أن نغضب قائلاً: "اغضبوا ولا تخطئوا"؟ أليس من الواضح أنه يعني "اغضبوا على سقطاتكم وحدّة طباعكم"؟ لئلا إذا استسلمتم لها يشرع المسيح شمس البر في الغروب عن عقولكم المظلمة، وحين ينصرف عنكم تصبح قلوبكم مرتعًا لإبليس؟]
ويقول القديس أوغريس:
[عمل الغضب الطبيعي هو شن الحرب ضد الشياطين والصراع ضد كل نوع من أنواع اللذة الشريرة.
فالملائكة تحثنا نحو اللذة الروحية، وتجعلنا نتذوق بركاتها، وتوجّه غضبنا ضد الشياطين.
وأما الشياطين فتجذبنا نحو الشهوات الأرضية، حتى تجعلنا نستخدم الغضب ضد الناس، الأمر الذي يخالف الطبيعة، وهكذا إذ تختل الطبيعة يظلّم (القلب) ويصير مستهينًا خائنًا للفضائل[3].]
[الغضب أسرع كل أنواع الشهوات. فإن الإنسان يثور ويلتهب ضد من أساء إليه أو من يبدو كمن قد أساء إليه.
(أ) الغضب يقسي النفس شيئًا فشيئًا.
(ب) والغضب يأسر العقل أثناء الصلاة ويورد حالاً للذاكرة صورة المعتدى.
(ج) وفي بعض الأحيان يتباطأ الغضب في النفس فينشأ عنه عداوة في القلب.
(د) والغضب يسبب الأحلام (المقلقة)، فيصور له العذابات الجسيمة ومخاوف الموت وهجمات الحيات السامة والوحوش.
هذه المظاهر الأربعة تصاحب ميلاد العداء، وتجلب أفكارًا كثيرة كما يلاحظ كل إنسان واعٍ لنفسه[4].]
القمص تادرس يعقوب ملطي
الفصل الأول
كيف أن رابع صراع لنا موجه ضد خطية الغضب،
وكيف أنها تلد شرورًا كثيرة
في رابع قتال لنا لابد من استئصال سم الغضب القاتل من أعماق نفوسنا. فإنه مادام له وجود في قلوبنا، طامسًا بظلامه المؤذي عيون نفوسنا، لا نستطيع أن نحرز الحكمة، ولا يكون لنا الحكم السليم على الأمور. ولا ننال البصيرة النفّاذة التي تنبعث من التفرس الأمين أو المشورة الصالحة المختبرة.
كما أننا لن نستطيع أن نكون شركاء في الحياة، أو داعين للبر، أو حتى يكون لنا قدرة على تلقي نور الروح الحقيقي، لأن أعيننا، على حد قول أحد الناس، يربكها ظلام الغضب.
كذلك لن نستطيع أن نكون شركاء في الحكمة، حتى إن أجمع الناس على اعتبارنا حكماء، لأن "الغضب مستقر في حضن الجهال" (جا : 10:7 ).
ولا نستطيع إدراك الحياة الخالدة على الرغم من اشتهارنا بالحصافة بين الناس، لأن "الغضب يهلك ذوي الحصافة" (أم 2:15).
أيضًا لن يتيسر لنا بعدالة القلب الصافية إحراز قوة البر الضابطة حتى ولو كنا كاملين طاهرين في نظر الجميع، لأن "غضب الإنسان لا يصنع برّ الله" (يع 20:1).
كذلك لن نستطيع على أي وجه أن ننال التقدير والإجلال اللذين نشاهدهما كثيرًا حتى في أبناء العالم، إن كنا بمولدنا من طبقة الأشراف والنبلاء، لأن "الإنسان الغاضب محتقر" (أم 23:11).
أيضًا لن نستطيع إحراز الفكر الناضج حتى لو توهم الناس أننا ذوو أهمية بالغة، لأن "السريع الغضب يعمل بالحمق" (أم 27:4). كما لا نستطيع التخلص من القلاقل الخطرة أو ننجو من الخطية حتى إن لم تحل بنا أية قلاقل من الآخرين، لأن الرجل الغضوب يهيج الخصام والرجل السخوط كثير المعاصي" (أم 29:22).
الفصل الثاني
فيمن يقولون أن الغضب غير مؤذٍ إذا غضبنا على المخطئين،
مادام الغضب قد ينسب إلى الله ذاته
لقد سمعنا البعض يحاولون تبرير هذا المرض البالغ الضرر الذي يلحق بالنفس، ملتجئين إلى طريقة منفّرة في تفسير الكتاب المقدس لهذا التبرير، كقولهم بأنه ليس من الضرر في شيء أن نغضب على إخوتنا الذين يخطئون، مادام الله ذاته، على حد قولهم، قد ذُكر عنه أنه يسخط ويغضب على أولئك الذين لم يعرفوه أو عرفوه ثم رفضوه، وفقًا للنص: "فحمي غضب الرب على شعبه، وكره ميراثه"، أو وفقًا لكلمات النبي وهو يصلي قائلاً: "يا رب لا توبخني بغضبك، ولا تؤدبني بغيظك" (مز 6: 1)، غير مدركين أنهم إذ يريدون تلمس الأعذار لارتكاب خطية بالغة الأذية، ينسبون إلى العزة الإلهية ومصدر كل نقاء إحدى وصمات الانفعال البشري.
الفصل الثالث
في تلك الأشياء التي نسبت إلى الله كتشبيه بالإنسان
لأن هذه الأشياء التي تُقال عن الله إذا فُسرت حرفيًا بصورة مادية يمكننا القول أيضًا أنه ينام وفقًا للنص: "استيقظ يارب لماذا تتغافى" (مز 23:44)، مع أنه قيل عنه في مكان آخر: "إنه لا ينعس ولا ينام حافظ إسرائيل" (مز 121: 4). وأنه يقف ويجلس إذ يقول: "السموات كرسيَّ والأرض موطئ قدميّ" (إش 1:66)، مع أنه "كال بكفه المياه وقاس السموات بالشبر". وهو "معيط من الخمر" حسب قوله "واستيقظ الرب كنائم، كجبار معيط من الخمر" (مز 65:78)، في حين أنه هو "الذي وحده له عدم الموت، ساكنُا في نور لا يُدنى منه" (1 تي 16:6). ولا داعي لذكر "الجهل" و"النسيان" اللذين كثيرًا ما يرد ذكرهما في الكتاب المقدس. وأخيرًا وصف أعضاء الجسد التي نُسبت إليه كما لو كان إنسانًا، كالشعر والرأس والأنف والعينين والوجه واليدين والذراعين والأصابع والبطن والقدمين. إذا عمدنا إلى أخذها جميعًا وفق معناها الحرفي العادي، فيلزمنا أن نفكر في الله بما يتفق مع صورة الأعضاء وشكل الجسم، وهذا أمر بشع حقًا حتى مجرد الكلام عنه، ويتحتم أن نستبعده تمامًا عن أفكارنا.
الفصل الرابع
بأي معنى ينبغي أن ندرك العواطف والأعضاء البشرية
المسندة إلى الله غير المتجسد ولا متغير
لا يمكن - دون تجديف - تفسير هذه الأشياء حرفيًا عنه، وهو الذي أعلن، بنص الكتاب المقدس، أنه غير مرئي، لا يُعبر عنه، غير مدرَك، غير مفحوص، بسيط، غير مركب. إذن لا يمكن إسناد نزعة الغضب والسخط إلى تلك الطبيعة غير المتغيرة دون تجديف فظيع، إذ علينا أن ندرك أن الأعضاء تعني قدرات الله وأعماله غير المحدودة، التي لا يمكن تمثيلها لنا إلا بالوصف المعتاد للأعضاء. فينبغي أن ندرك أن الفم معناه منطوقاته التي، من رحمته علينا، تنسكب دائمًا في حواس النفس الخفية، أو التي تكلم بها بفم الآباء والأنبياء. وأن العينين يعنيان الطبيعة غير المحدودة لبصره الذي يرى ويخترق به أستار كل شيء، ولهذا لا يُخفي عليه شيء صنعناه أو يمكن أن نصنعه أو حتى ما يُساورنا من أفكار. وأن اليدين ترمزان لعنايته وعمله اللذين بهما خلق جميع الأشياء وأبدعها. وأن الذراعين يرمزان لقدرته وسلطته، بهما يرفع ويحكم ويضبط جميع الأشياء. ناهيك بأشياء أخرى، كشعر رأسه الأشيب مثلاً، الذي لا يعني سوى خلود الله ودوامه، فهو أزلي لا بداية لوجوده، إذ هو قبل كل الأزمان، وهو يعلو جميع المخلوقات.
حين نقرأ عن غضب الرب وسخطه، ينبغي ألا نفهم اللفظ وفق معنى العاطفة البشرية غير الكريمة. إنما بمعنى يليق بالله، المنزه عن كل انفعال أو شائبة. ومن ثم ينبغي أن ندرك من هذا أنه الديان والمنتقم عن كل الأشياء الظالمة التي ترتكب في هذا العالم. وبمنطق هذه المصطلحات ومعناها ينبغي أن نخشاه بكونه المجازي المخوف عن أعمالنا، وإن نخشى عمل أي شيء ضد إرادته. لأن الطبيعة البشرية قد ألفت أن تخشى أولئك الذين تعرف أنهم ساخطون، وتفزع من الإساءة إليهم، كما هو الحال مع بعض القضاة البالغين ذروة العدالة.
فالغضب المنتقم يخشاه عادة أولئك الذين يعذبهم اتهام ضمائرهم لهم. بالطبع ليس لوجود هذه النزعة في عقول هؤلاء الذين سيلتزمون تمام الإنصاف في أحكامهم، ولكن بينما هم في غمرة من هذا الخوف، فإن ميول القاضي نحوهم تتسم بالعدالة وعدم التحيز واحترام القانون الذي ينفذه. وهذا مهما سلك بالرفق واللطف، موصوم بأقسى نعوت السخط والغضب الشديد من أولئك الذين عوقبوا بحق وإنصاف.
سيكون مبعثا للملل وخارجًا عن نطاق عملنا الحاضر، لو أننا شرحنا جميع الأشياء التي قيلت مجازًا عن الله في الكتاب المقدس بصورٍ بشرية، لهذا نكتفي لتحقيق غرضنا الحاضر الموجَّه ضد خطية الغضب بما قلناه من أنه ما من أحدٍ، بسبب الجهل، ينتزع لنفسه سببًا لهذا الشر والموت الأبدي من تلك الأسفار المقدسة، التي ينبغي أن يُبحث فيها عن القداسة والخلود كأدوية شافية لنوال الحياة والخلاص.
الفصل الخامس
كيف ينبغي أن يكون الراهب هادئًا
يجب على كل راهب ينشد الكمال ويرغب في أن يجاهد قانونيًا في قتاله الروحي، أن يتخلص من خطية الغضب والسخط بأكملها، وأن ينصت للتحذير الذي يُوجهه إليه "الإناء المختار"، قائلاً: "ليُرفع من بينكم كل مرارة وسخط وغضب وصياح وتجديف مع كل خبث" (أف 31:4). وحين يقول: "ليُرفع من بينكم كل غضب" لا يستثني أحدًا مهما كان، لما تقتضيه الضرورة أو لما هو نافع لنا، وإذا احتاج الأمر، فينبغي فورًا أن يُعالج أي أخ مخطئ بطريقة لا يكون من شأنها أن تجعله شبيهًا بشخصٍ راح يعالج مريضًا بحمى خفيفة فورط نفسه بغضبه وسخطه فيما أدى به إلى فقد بصره وبصيرته. ذلك لأنه ينبغي على من يريد أن يشفي جرح شخصٍ ما أن يكون سليمًا مُعافى لا يشكو من أي ضعف، لئلا توجه إليه عبارة الإنجيل: "أيها الطبيب اشف نفسك" (لو 23:6)، ولئلا وهو يرى القذى في عين أخيه لا يرى الخشبة التي في عينه. إذ كيف سيرى حتى يخرج القذى من عين أخيه، ذاك الذي في عينه خشبة الغضب؟ (مت 7: 3-5).
الفصل السادس
في نزَعتي الغضب البارة والأثيمة
تنبعث عاطفة الغضب هائجة من كل سبب تقريبًا، فتطمس عينيْ النفس، وإذ تصيب بصرنا بخشبة مميتة لمرض أشد سوءً، تمنعنا من رؤية شمس البرّ. ليس ثمة فارق في أن يكون لوح من رصاص أو ذهب أو أي معدن تشاء هو الموضوع فوق جفوننا، لأن قيمة المعدن لا تختلف في تأثيرها على ما يصيبنا من عمى.
الفصل السابع
في الحالة الوحيدة التي يكون فيها الغضب نافعًا لنا
لابد من التسليم بأنه ثمة فائدة للغضب قد غرست ببراعة فينا، وهي وحدها التي تستطيع أن توفر لنا النفع والإفادة، ذلك مثلاً عندما نغضب ونسخط على نجاسات قلوبنا، وعندما نتضايق جدًا لأن الأشياء التي نخجل من فعلها أو ذكرها أمام الناس قد أخذت لها من حنايا قلوبنا بؤرة ووكرًا، إذ نرتعد عند حضور الملائكة وفي حضرة الله نفسه، الذي يخترق أستار كل شئ في كل مكان، ويشتد فزعه لعلمه أن أسرار قلوبنا لا يمكن أن تُخفى عليه.
الفصل الثامن
أمثلة من حياة داود الطوباوي كان فيها شعور الغضب مبررًا
على أي وجه (هذا هو الحال) حين ننفعل ضد هذا الغضب ذاته، لأنه تسلل إلينا ضد أحد اخوتنا، وحين ننتزع ضروب إثارته المميتة ونحن ساخطون، ولا نسمح له أن يتخذ من حنايا قلوبنا وكرًا له. يعلمنا ذاك النبي أن يكون غضبنا على هذا النمط، ولذلك أبعده تمامًا عن قلبه، ومن ثم لم يرد أن يثأر من أعدائه الذين أوقعهم الرب في يده، حيث يقول: "اغضبوا ولا تخطئوا" (مز5:4). لأنه حين اشتاق إلى الماء من بئر بيت لحم، واستحضره له رجاله الأشداء والذين أتوا به مخترقين ربوات جيش العدو، سكبه فورًا على الأرض، وهكذا في غضبه أخمد شعور شهوته للذة، وأراقها من أجل الرب، دون أن يشبع لهفته، التي كان قد أفصح عنها قائلاً: "حاشا لي يا رب أن أفعل ذلك، هذا دم الرجال الذين خاطروا بأنفسهم" (2صم17:23)...
وحين رشق شمعي بالحجارة داود، وسبَّه على مسمع منه أمام الجميع. وأراد أبيشاي بن صروية قائد الجيش أن يقطع رأسه ويثأر عن سبِّه للملك، ثار داود الطوباوي في سخط ورع ضد هذا الاقتراح البشع، وفي تواضعٍ جمٍ وصبرٍ حازمٍ قال وهو هادئ رابط الجأش: "مالي ولكم يا بني صروية، دعوه يسب، لأن الرب قال له سب داود، ومن يقول لا تفعل هكذا؟! هوذا ابني الذي خرج من أحشائي يطلب نفسي فكم بالحري بنياميني؟ دعوه يسب لأن الرب قال له. لعل الرب ينظر إلى مذلتي ويكافئني الرب خيرًا عوض سبته بهذا اليوم" (2صم10:16-12).
الفصل التاسع
في الغضب الذي ينبغي أن يوجه ضد أنفسنا
الوصية موجهة للبعض بأن "يغضبوا" على نمط سليم، بمعنى أن يوجهوا الغضب إلى أنفسهم وإلى أفكارهم الشريرة التي تبرز، "وألا يخطئوا"، بأن يوجهوها مثلاً وجهة رديئة. وأخيرًا فالآية التالية تفسر هذا المعنى بكل وضوح "الذي تقولونه في قلوبكم اندموا عليه في مضاجعكم" (مز5:4)، أي أن كل ما تفكرون فيه بقلوبكم، عندما تداهمكم الانفعالات المتوترة المفاجئة أصلحوها بالحزن النافع، ثم ارقدوا على فراش الراحة، وطاردوا بتأثير المشورة الصالحة كل صخب السخط وعجيجه. وأخيرًا فإن الرسول المبارك حين استشهد بهذه الآية قائلاً: "اغضبوا ولا تخطئوا" أضاف إليها: "لا تغرب الشمس على غيظكم ولا تُعطوا إبليس مكانًا" (أف26:4). فإن كان من الخطر أن تغرب شمس البر على غيظنا، وإذا كنا حينما نغضب نُعطى مكانًا لإبليس في قلوبنا، فكيف إذن يطلب إلينا أن نغضب قائلاً: "اغضبوا ولا تخطئوا"؟ أليس من الواضح أنه يعني "اغضبوا على سقطاتكم وحدّة طباعكم"؟ لئلا إذا استسلمتم لها يشرع المسيح شمس البر في الغروب عن عقولكم المظلمة، وحين ينصرف عنكم تصبح قلوبكم مرتعًا لإبليس؟
الفصل العاشر
في الشمس التي قيل أنه ينبغي ألا تغرب على غيظكم
عن هذه الشمس نطق الوحيّ الإلهي على لسان النبي قائلاً: "ولكن أيها المتّقون اسمي، تشرق شمس البرّ والشفاء في أجنحتها" (مل 2:4). أيضًا يُقال أنها "تضرب" في منتصف النهار على الخطاة والأنبياء الكذبة وأولئك الذين يغضبون حين يقول النبي: "إني أغيب شمسهم في الظهر" (عا 9:8). على أية حال فإن العقل أو القوة العاقلة، التي تسمى بحق الشمس، لأنها تشرق على جميع الأفكار وإشراقات القلب، يجب عدم إطفائها بخطية الغضب، لئلا عند "غروبها" تتسلل ظلال الانزعاج في صحبة إبليس منشئها، إلى قلوبنا وتملأ حناياها، وإذ تطمسها ظلال الغضب كأنها ظلام الليل الحالك لا نعلم ماذا ينبغي أن نفعل. هذا المعنى هو الذي دعانا أن نقدم هذه الفقرة من أقوال الرسول، التي تسلمناها من تعاليم الآباء، لأن الحاجة كانت تدعو، ولو بالتعرض لبحث مطول، لبيان مدى شعورهم فيما يتعلق بالغضب، لأنهم لا يصرحون، ولو إلى لحظة واحدة أن نجعله يلج إلى قلوبنا، ملتزمين بعناية بالغة قول الإنجيل المقدس: "كل من يغضب على أخيه يكون مستوجب الحكم" (مت22:5). أما إذا كان الغضب حتى الغروب مباحًا، فإن فيض سخطنا وانتقام غضبنا سيتمكنان من إطلاق عنان انفعال عارمٍ خطر قبل أن تميل تلك الشمس نحو الغروب.
الفصل الحادي عشر
فيمن لا يضع غروب الشمس ذاته حدًا لسخطهم
ماذا أقول عن الذين لا يضع غروب الشمس ذاته حدًا لحقدهم، بل يطيلونه بضعة أيام، ويغذون شعور الغل والكراهية في أنفسهم ضد الذين أثاروهم، وعلى الرغم من ذلك يقولون أنهم غير غاضبين، لكنهم في الواقع وبالفعل مضطربون إلى حد الإسراف؟ (لا أستطيع ذكر ذلك دون أن أشعر بالعار من جانبي)... لأنهم لا يتكلمون معهم بلطفٍ ولا يلتزمون بأبسط قواعد المجاملة عند مخاطبتهم لهم، ويظنون أنهم لا يخطئون بهذا التصرف. لأنهم لا ينشدون الأخذ بالثأر عن مضايقتهم. إن كانوا لا يتجاسرون على ذلك، أو على أي وجهٍ لا يقدرون على الإفصاح عن غضبهم، وإطلاقه من محبسه، فإنهم يمتصون سم الغضب ويرعونه سرًا داخل قلوبهم، مسيئين إلى أنفسهم أبلغ إساءة، دون محاولة لتنقية عقولهم من هذه النزعة العابسة المتبرمة، لكنهم بمرور الأيام يهضمونها في أحشائهم، وبعد حين تتلطف حدتها نوعًا ما.
الفصل الثاني عشر
كيف أن خاتمة المطاف فيما يتعلق بنوبات الغضب
هي ان تستبد بالمرء فيطلق لها العنان
يبدو أن هذا ليس هو خاتمة المطاف لكل إنسانٍ، لكن البعض يستطيعون فقط إشباع سخطهم واستيائهم إذا هم أفصحوا عن ثورة الغضب ما استطاعوا. وهذه كما نعلم هي حالة الذين يكبتون مشاعرهم، لا بغية تهدئتها، إنما لعدم سنوح فرصة الانتقام، ذلك لأنهم غير قادرين أن يفعلوا شيئًا للساخطين عليهم سوي إغفال قواعد المجاملة المعتادة عندما يخاطبونهم، أو يبدو أن الغضب لا يتيسر تلطيفه إلا بالفعل فحسب، دون استئصاله من مكمنه الخفي في صدورنا. هكذا في قتام ظلاله السوداء نعجز ليس فقط عن تقبل النصيحة الرشيدة والمعرفة الصحيحة، بل نخفق أيضًا عن أن نكون هيكلاً للروح القدس، مادام روح الغضب ساكنًا فينا، ولكن السخط الذي يتربع ويتغذى داخل القلب، مع أنه قد لا يؤذي الواقفين عن كثب، فإنه يطمس بهاء تألق الروح القدس، كالسخط الذي يطلق له العنان سواء بسواء.
الفصل الثالث عشر
في أنه من واجبنا ألا نستبقي غضبنا حتى ولو لحظة واحدة
كيف يمكننا الاعتقاد أن الرب قد يسمح باستبقائه ولو إلى لحظة واحدة، في حين أنه لا يأذن لنا أن نقدم قرابين صلواتنا الروحية إذا تذكرنا أن ثمة أحدًا يشعر بمرارة من نحونا قائلاً: "فإن قدمت قربانك إلى المذبح، وهناك تذكرت أن لأخيك شيئًا عليك، فاترك هناك قربانك قدام المذبح، واذهب أولاً: اصطلح مع أخيك، وحينئذ تعال وقدم قربانك" (مت23:5،24). كيف إذن نظل مخاصمين أخًا لنا؟ لن أقول لبضعة أيام، بل حتى إلى غروب الشمس، مادم غير مصرح لنا برفع صلواتنا إلى الله بينما يوجد من له شيء علينا؟ ومع ذلك فالرسول يوصينا قائلاً: "صلوا بلا انقطاع" (1تس17:5). وأيضًا: "في كل مكان رافعين أيادي طاهرة بدون غضب ولا جدال" (1تي8:2). إذن إما أننا لا نصلي على الإطلاق، محتفظين بهذا السم في قلوبنا، ونصبح مذنبين فيما يتعلق بهذه الوصية الرسولية أو الإنجيلية التي أُمرنا بها أن نصلي في كل مكان ودون انقطاع، وإلا إن تجاسرنا على تقديم صلواتنا، خادعين أنفسنا، وغير آبهين بوصيته، فلزامًا علينا إدراك أننا لا نقدم أية صلوات لله، إنما نقدم سلوكًا عنيدًا بروح متمردة.
الفصل الرابع عشر
في مصالحة اخوتنا
إذ كنا كثيرًا ما نمتهن اخوتنا الذين نؤذيهم ونحزنهم ونستصغر شأنهم، ونقول إننا لم نضرهم بأي خطأ من جانبنا، فإن شافي النفوس، المطّلع على جميع أسرارنا، لرغبته الكاملة في أن يبدد من قلوبنا كل أثرٍ للغضب، لا يوصينا فقط بأن نغفر لمن يسيئون إلينا، ونصالح اخوتنا، وألا نحتفظ في ذاكرتنا بأية إساءة أو تعديات ارتكبوها ضدنا، إنما يكلفنا أيضًا بأننا إذا شعرنا بأن لهم أيّ شيء ضدنا، سواء كانوا على حق أو على غير حق، أن نترك قرباننا. بمعنى أن نرجئ صلواتنا ونسارع أولاً لاسترضائهم ومصالحتهم، وعندما يتم علاج هذا الأخ نستطيع عندئذ أن نقدم قربان صلواتنا دون عيب، لأن الرب إله الجميع لا يعنيه كثيرًا قرابيننا قدر ما يعنيه فقده شخصٍ ما، بسبب تركنا للسخط يتحكم فينا. لأن خسارة أيّ إنسان يصيب الله، إذ هو يريد ويبحث عن خلاص جميع خدامه بخط واحد لا يتغير. ومن ثمَّ فإن صلاتنا ستفقد أثرها إذا كان لأخينا أيّ شيء علينا. بالضبط كما لو رحنا نغذي مشاعر المرارة ضده بروح ساخطة متعالية.
الفصل الخامس عشر
تنص الشريعة القديمة على استئصال الغضب
ليس من الأفعال فقط بل ومن الأفكار أيضًا
لماذا نصرف مزيدًا من الوقت في الاستشهاد بالوصايا الرسولية والإنجيلية، في حين أن الناموس القديم الذي يُظن أنه متساهل بعض الشيء يحذر من نفس الشيء، حين يقول: "لا تبغض أخاك في قلبك"، وأيضًا: "لا تحتد على أبناء شعبك" (لا 17: ، 18 19). وكذلك يقول: "طرق الذين يحتدون تؤدي إلى الموت" (أم 28:12). هكذا ترى أن الشر منهي عنه ليس بالفعل فقط، بل ومن خفايا الفكر أيضًا، وفقًا للوصية التي تنص على استئصال الشر من القلب، لا الانتقام عن الإساءة إلينا فحسب، بل ومجرد التفكير فيها.
الفصل السادس عشر
لا جدوى من خلوة أولئك الذي لا يتخلون عن سلوكهم الرديء
في بعض الأحيان عندما نقع فريسة للكبرياء ونفاذ الصبر، ونريد إصلاح سلوكنا الجاف البغيض، نشكو بأننا في حاجة إلى العزلة، كما لو كنا سنجد فضيلة الصبر والاحتمال هناك حيث لا يثيرنا أحد. ونعتذر عن إهمالنا قائلين أن علة اضطرابنا لا تصدر من نفاذ صبرنا ولكن من خطأ اخوتنا. مادمنا نحّمل الآخرين وزر خطأنا، لن نستطيع قط أن نبلغ بغيتنا في الكمال والقدرة على الاحتمال.
الفصل السابع عشر
لا يعتمد سلام قلوبنا على إرادة الآخرين، بل في ضبطنا لعواطفنا
لزامًا علينا ألا نغلق الجزء الأكبر من إصلاح تفكيرنا وهدوء أنفسنا على إرادة أيّ شخص آخر، الأمر الذي لا يمكن بحال أن يكون خاضعًا لسلطاننا. إذ هو يكمن بالأحرى في ضبطنا لعواطفنا. وهكذا ينبغي ألا يكون عدم غضبنا نتيجة لكمال الآخرين، بل بسبب فضيلتنا الخاصة التي نحرزها لا عن طريق احتمال أيّ إنسان آخر لنا، ولكن لطول أناتنا وقدرتنا على الاحتمال.
الفصل الثامن عشر
في الحماسة التي ينبغي أن ننشد بها
الصحراء والأشياء التي نحرز فيها تقدمنا هناك
إن الكاملين والمتطهِّرين من جميع الأخطاء هم الذين ينبغي أن ينشدوا الصحراء. عندما يستأصلون تمامًا كل هفواتهم وهم وسط اخوتهم، عليهم أن يدخلوها ليس بدافع من الفرار والجبن، إنما بغية التأمل المقدس. ورغبة في إحراز بصيرة أكثر عمقًا للتغلغل بها في الأمور الإلهية، التي لا يتيسر إلا للكاملين أن يحصلوا عليها في العزلة والانفراد بأنفسهم. ذلك لأن أية سقطات نأتي بها إلى الصحراء قبل شفائنا منها نجد أنها باقية خفية فينا وليس بوسعنا التخلص منها. فعندما تصلح طباعنا، عندئذ فقط تفتح لنا العزلة أبوابًا أنقى لضروب التأمل على مصراعيها، وتلهم معرفة الأسرار الروحية لدى النظرة الصافية. العزلة لا تستبقى فقط، بل وتقوي أخطاء أولئك الذين لم يصلحوا أنفسهم من قبل. فالواقع أن المرء يبدو لنفسه صبورًا متواضعًا مادام بعيدًا عن الاحتكاك بأي شخص آخر، لكن سرعان ما يرتد إلى طبيعته الأولى كلما وقع ما يستدعي الإثارة من أي نوع، أعني أن تلك الأخطاء تطفو إلى السطح فورًا بعد أن ظلت مختفية. وكخيل مطلقة العنان، معنيٌ بإطعامها خلال فترة طويلة جدًا من البطالة، تنطلق متخطية الحواجز بمزيد من اللهفة والشراسة لتحطم سائق المركبة التي تجرها.
عندما تزول فرصة ممارسة أخطائنا بين الناس، تتزايد في أعماقنا أكثر فأكثر، ما لم نكن قد تطهرنا منها قبل ذلك. إن مجرد ظلال الصبر الذي يبدو حين نختلط باخوتنا كأننا نمتلكه، في القليل بدافع من الاحترام لهم وحسن السمعة، نفقده بالكامل بسبب الكسل والإهمال اللذين كانا علة ترك العالم.
الفصل التاسع عشر
مثال يساعد على تكوين فكرة عن
الذين يصبرون فقط إذا لم يُثرهم أحد
هذا يشبه كل أنواع الأفاعي السامة والوحوش الضارية التي لا تؤذي مادامت وحيدة داخل أوجرتها. ذلك لأنه لا يمكن في الواقع الزعم بأنها غير مؤذية لأنها لا تؤذي بالفعل أحدًا. لأن هذا ناتج لا عن أيّ شعور بالخير، إنما بسبب ما تفرضه العزلة. وحين تتهيأ لها الفرصة لإيقاع الضرر بأي أحد، سرعان ما تنفث السم المختزن فيها، وتكشف عن شراسة طبعها.
هكذا في حالة الذين يبتغون الكمال، لا يكفي ألا يغضبوا من الناس، فإننا نذكر أننا حين كنا نعيش في عزلة، كان يتسلل إلى نفوسنا شعور الغضب ضد القلم الذي نستعمله لزيادة طوله أو زيادة قصره، أو ضد المطواة لعدم حدتها، أو ضد حجر القداحة إذا طارت منه شراره تعطلنا عن المطالعة. فلا نتخلص من اضطراب ذهننا بسبب مادة جامدة أو الشيطان. وهكذا باطلاً نظن بلوغ الكمال لعدم وجود من يثيرون غضبنا. فمادام لم يتم نوال الصبر فإن مشاعر السخط التي مازالت كامنة في قلوبنا يمكن إطلاق العنان لها ضد جماد أو شيء تافه، ولا تتيح لنا بلوغ حالة دائمة من السلام، أو التخلص من رواسب سقطاتنا، اللهم إلا إذا اعتقدنا أننا قد نحرز بعض النفع، ونحقق لونًا من الشفاء من انفعالاتنا، إزاء الواقع من أن الأشياء العديمة النطق والحياة لا تستطيع الرد على سبنا لها وسخطنا عليها أو أن تدفع نوبات غضبنا المطلقة العنان لأن تنفجر في ثورة عارمة مخبولة أسوأ وأنكي.
الفصل العشرون
الطريقة التي ينبغي أن نسبعد بها الغضب وفقًا للكتاب المقدس
لو رغبنا في إحراز جوهر الجائزة الإلهية التي قيل بصددها: "طوبى للأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله" (مت8:5)، علينا ليس فقط أن نستبعد الغضب عن أفعالنا، بل وأن نقتلعه تمامًا من أعماق نفوسنا. ذلك لأنه لن يجدي فتيلاً أن نكبت الغضب في ألفاظنا ولا نظهره في أفعالنا، مادام الله الذي لا تُخفى عنه أسرار القلوب يرى أنه مازال باقيًا في خفايا صدورنا. إذ أن كلمة الإنجيل تأمرنا ان نستأصل جذور سقطاتنا وليس ثمارها. لأن هذه عند إزالة جميع الجذور لن تنبت من جديد دون شك. ومن ثم فإن العقل يستطيع الاستمرار في الصبر والقداسة عند إزالة هذا الغضب، ليس من سطح الأفعال والأعمال، إنما من أعماق الأفكار. فلتجنُب ارتكاب جريمة القتل يُنزع الغضب والكراهية اللذين بدونهما لا يمكن أن تُرتكب جريمة القتل، لأن "من يغضب على أخيه يكون مستوجب الحكم، وكل من يبغض أخاه فهو قاتل نفس" (1يو15:3). لأنه في قلبه يود أن يقتل ذاك الذي نعلم تمامًا أنه لم يسفك دمه بين الناس بيديه أو بسلاحٍ ما. ومع ذلك فبحكم انفجار غضبه يُعلن الله أنه قاتل. فالله يحاسب كل إنسان، ليس فقط وفق نتيجة أعماله، ولكن وفق قصده ورغباته وأمنياته، إما ثوابًا أو عقابًا. حسب قوله على لسان النبي: "أنا أجازي أعمالهم وأفكارهم" (إش18:66). وأيضًا قوله: "وأفكارهم فيما بينها مشتكية أو محتجة، في اليوم الذي فيه يدين الله سرائر الناس" (رو15:2،16)…
الفصل الثاني والعشرون
ضروب العلاج التي نستطيع أن نستأصل بها الغضب من قلوبنا
ينبغي على المجاهد من أجل المسيح قانونيًا أن يستأصل شعور السخط. والعلاج الناجح لهذا المرض هو أن نعتزم بالدرجة الأولى على ألا نغضب إطلاقًا، لا باطلاً ولا على غير باطل، لعلمنا أننا سرعان ما نفقد نور البصيرة وحسن التمييز، وأمن المشورة الحكيمة، مع استقامة الرأي، وسلامة التقدير عندما تحجب ظلال الغضب وهج الضوء الأساسي في قلوبنا. وثانيَا لأن نقاء نفوسنا سرعان ما يتبدد ويختفي، ومن ثم لا تستطيع هذه النفوس أن تظل هيكلاً للروح القدس، مادام روح الغضب كامنة فيها. وأخيرًا فإننا سنشعر أنه لا ينبغي أن نصلي قط، ولا أن نسكب ابتهالاتنا أمام الله مادمنا غاضبين. وفوق كل هذا، إذ أمام أنظارنا حالة الجنس البشري المتقلبة. ينبغي ألا نغفل أننا في أيّ يوم لابد سنفارق الجسد سريعًا، وأن عفافنا وكبح شهواتنا، وتخلينا عن جميع أملاكنا واحتقارنا للثروة، وجهودنا في الأصوام والأسهار، لن ينفعنا بشيء على الإطلاق، مادام قاضي الأنام سيجازينا بالعقاب الأبدي جزاء وفاقًا على ما يستبد بنفوسنا من سخط وحقد.
ترجمة: الراهب باسيليوس السرياني (السابق).
________________________________________
[2] القديس أوغريس: توجيهات إلى أنالوتيس عن الحياة العاملة، 13.
[3] القديس أوغريس: توجيهات إلى أنالوتيس عن الحياة العاملة، 15.
[4] القديس أوغريس: إلى أنالوتيس عن الأفكار الثمانية، 15.
كتاب في روح الاكتئاب
القديس يوحنا كاسيان
حياة متهللة سماوية!
مع صغر الكتاب الذي سجله لنا القديس يوحنا كاسيان في مقاومته لخطية الكآبة، إلا أن تخصيص كتابٍ رهبانيٍ يُهاجم الكآبة كأحد الخطايا الرئيسية، إن صح التعبير، له معناه الخاص في الفكر المسيحي الأول.
في حديثنا عن هذا الكتاب في الفصل الخاص بكتابات القديس يوحنا كاسيان رأينا أن المسيحية هي دعوة للتمتع بالفرح السمائي لا للكآبة القاتلة. وقد حذرنا القديس يوحنا كاسيان من هذه الخطية المرة، مؤكدًا أن علتها ليس أخطاء من هم حولنا، بل فراغ القلب الداخلي. فقد جاء مسيحنا يطلب منا دموع التوبة، الحزن البنّاء، المملوء رجاءً، يفتح عينيْ النفس على أبواب السماء لتفرح ويفرح معها السمائيون.
لعله من أخطر الخطايا التي يسقط فيها كثيرون في العصر الحديث هو اليأس وصغر النفس وفقدان الهدف مما يدفع النفس إلى حالة من الكآبة تهدم كيان الإنسان الداخلي، وتُحطم رجاءه في الرب.
بُهر القديس كاسيان وغيره من رجال الغرب الذين جاءوا إلى مصر ورأوا البراري قد تحولت إلى فراديس مملوءة فرحًا. عبّر عن ذلك بقوله إنه إذ عبرَ من الإسكندرية حتى أقصى جنوب مصر، كان يسمع صوت التهليل يصدر عن الأديرة والقلالي والمغاير حتى تساءل: تُرى هل هؤلاء ملائكة نزلوا على الأرض أم أُناس ارتفعوا إلى السماء؟!
إذ انجذب القديس يوحنا الذهبي الفم إلىروح الفرح الذي عمّ الرهبنة، قال في إحدى عظاته على إنجيل القديس متى: ["هلموا إلى برية مصر لتروها أفضل من كل فردوس! ريوات الطغمات الملائكية في شكل بشري… لقد تهدم طغيان الشيطان وأشرق ملكوت المسيح ببهائه!…السماء بكل خوارسها ليست في بهاء برية مصر الممتلئة من قلالي النساك![2]]
تحتاج مفاهيمنا إلى مراجعة، فالحديث المستمر عن الخطية يُحطم الرجاء، لكن الكنيسة الأولى مع دعوتها المستمرة للتوبة ركزت أنظارها على الصليب، لتردد مع داود التائب: "ردّ لي بهجة خلاصك!"
في هذا الكتاب يسجل لنا القديس كاسيان.
1.الكآبة هي عدو النفس، كالعث المفسد للثياب، والسوس الذي يفسد الخشب (فصل 3).
2. كثيرًا ما نسقط في هذه الخطية كثمرة لشعورنا بالفشل والإهمال، وعجزنا عن النمو الروحي (فصول 4،6-8).
3. وراء الكآبة فراغ النفس لا أخطاء الآخرين التي نحاول أن نتعلل بها (فصل 5).
4. يليق بنا التمييز بين الحزن المفرط المفترس للنفس والحزن الروحي الذي يملأ النفس سلامًا داخليًا (فصول 10-12).
5. التأمل في المجد الأبدي المُعد لنا والبهجة الإلهية المرتقبة هما دواء النفس للشفاء من الكآبة (فصل 13).
القمص تادرس يعقوب ملطي
الفصل الأول
خامس صراع لنا موجه ضد روح الاكتئاب
وما يصيب به النفس من أضرار
في خامس صراع لنا، علينا أن نقاوم نوبات الاكتئاب المهلكة: ذلك لأنه لو أُتيحت لهذه النوبات، عن طريق هجمات متفرقة طائشة، وتغيرات عشوائية غير متوقعة، فرصة التسلط على تفكيرنا، لإعاقتنا باستمرار، عن كل استرسال حكيم في التأمل الإلهي، ولدمرت تمامًا وأحبطت العقل الذي ينحدر من حالة نقائه الكامل. ومن ثمَّ يتعذر عليه أن يمارس صلواته كما اعتاد ببهجة قلب، أو أن ينتفع بما تُضفيه مطالعة الأسفار المقدسة من تعزية، أو أن يعامل الاخوة بالهدوء والرفق، بل تجعله عنيفًا، ضيق الصدر في إتمام جميع الواجبات المتعلقة بالعمل والعبادة، وما دامت كل مشورة صالحة قد صارت هباءً، وسلامة القلب تبددت، فإن المشاعر قد تنهار حتى تصل إلى حافة الخبل والسفه، ويستبد بها القنوط جزاءً لها.
الفصل الثاني
في العناية اللازمة لشفاء مرض الاكتئاب
لماذا ينبغي علينا، إن كنا جادين في إتمام الجهاد القانوني بمعركة قتالنا الروحي، أن نسعى لعلاج هذا المرض أيضًا، بعناية ليست بقليلة؛… ذلك لأنه كما أن "العث يفسد الثياب، والسوس يفسد الخشب، هكذا فإن الاكتئاب يفسد قلب الإنسان" (أم 0:25"الترجمة السبعينية")… وهكذا في وفرة من وضوح تام ودقة المعنى عبَّر الروح القدس عن عنف هذه السقطة الخطرة الممعنة في الضرر.
الفصل الثالث
بماذا تُقارن النفس التي تقع فريسة لنوبات الاكتئاب
كما أن الثوب الذي يفسده العث لا يعود ذا قيمة تجارية أو ذا نفع على الإطلاق، وكذلك الحال مع الخشب الذي يفسده السوس لا يعود صالحًا للاستعمال حتى في بناء عادي، بل يلزم أن يصبح طعامًا للنار، كذلك أيضًا النفس التي تقع فريسة لنوبات الاكتئاب الملحة المهلكة، تصبح غير أهل لذلك الثوب الكهنوتي الذي هو وفقًا لنبوة داود البار، طيب الروح القدس النازل من السماء، أولاً على لحية هارون، ثم على هُدب ثوبه، كما جاء بالمزمور: "مثل الطيب على الرأس النازل على اللحية، لحية هارون النازل إلى طرف ثوبه" (مزمور 133: 2).
كذلك لا يمكن أن يكون لنا نصيب في تشييد أو تجميل ذلك الهيكل الروحي الذي وضع القديس بولس أساساته، كبناء حكيم قائلاً: "أنتم هيكل الله وروح الله يسكن فيكم" (1كو 16:3، 1كو 19:6). وما هي الألواح الخشبية التي لهذا إلاكما تقول العروس في نشيد الأناشيد: "جوائز بيتنا أرز وروافدنا سرو" (نشيد 16:1)، وهكذا فان هذه الأنواع المنتقاة من الخشب لهيكل الله ذات رائحة ذكية وغير معرضة لأن تتآكل أو تبلى من طول الزمن أو نخر السوس.
الفصل الرابع
من أين يبرز الاكتئاب؟ وعلى أي وجه؟
أحيانًا يتضح أنه ناتج عن سقطة غضب سابق، أو عن رغبة في بعض الكسب الذي لم يتحقق، حين يجد إنسان ما أنه عجز عن تحقيق أمله في نوال تلك الأشياء التي استهدفها وخطط لها.
وأحيانًا أخرى، دون أي سبب ظاهر في استدراجنا للوقوع في هذه المحنة تحل علينا فجأة بغواية العدو الخبيث كآبة بالغة لا نستطيع معها أن نستقبل، في أدب لائق، زيارات أقرب الناس وأعزهم إلينا، حتى لنعتبر أن أي موضوع للحديث يطرقونه جاء سقطًا وفي غير موضعه! كذلك نعجز عن الرد المهذب بسبب المرارة التي تستولي على كل ركن من أركان قلوبنا.
الفصل الخامس
تقع علينا الاضطرابات ليست بسبب أخطاء الآخرين بل بسبب أخطائنا
حيث ثبت في وضوح أن أوجاع الاضطرابات لا تحدث فينا دائمًا عن طريق أخطاء الآخرين، إنما عن طريق أخطائنا، لأننا اختزنا في أنفسنا بواعث التعدي، وبذور السقطات، التي ما يكاد رذاذ من التجربة يبلل نفوسنا، حتى تبرز فورًا في نبت وثمر.
الفصل السادس
ليس ثمة أحد يقع في الحزن بسبب سقطة مفاجئــة،
لكنه يتحطم لسقوطه في سلسلة طويلة من ضروب الإهمال
ما من أحد ينساق إلى الخطية مُثارًا بخطأ شخص آخر ما لم يكن لديه وقود الشر مختزنًا في قلبه، كذلك ينبغي ألا نتوهم أن رجلا تتم غوايته فجأة حين يتطلع إلى امرأة فيقع في هوة الشهوة المشينة، إذ الواقع ان فرصة رؤيته لها جذبت إلى السطح أعراض المرض التي كانت مخفية ومخبأة في أعماق نفسه.
الفصل السابع
ينبغي ألا نتخلى عن التعامل مع اخوتنا سعيًا وراء الكمال،
لكن يحسن أن نزرع على الدوام فضيلة الصبر والاحتمال
هكذا فإن الله، خالق جميع الأشياء لاهتمامه فوق كل شيء بكمال وحسن صنعه، ولأن جذور سقطاتنا وأسبابها لا علاقة لها بالآخرين إذ هي داخل نفوسنا، تعطى لنا الوصية بألا نتخلى عن الاتصال باخوتنا، وألا نتجنب أولئك الذين نظن أننا أسأنا إليهم، أو هم أساءوا إلينا، بل يلزمنا مصالحتهم وتهدئه نفوسهم، عالمين أن كمال القلب لا يحرزه الإنسان بالابتعاد عن الناس واعتزالهم قدر ما يحرزه عن طريق فضيلة الاحتمال والصبر، التي إذا تمسكنا بها حقًا وفرت لنا أسباب السلام حتى مع أولئك الذين يبغضون السلام. لذلك إن لم نحرزها، نصبح على الدوام غير نظراء للكاملين ومن هم أفضل منا، ذلك لأن الرغبة في الابتعاد عن من تربطنا بهم أواصر الوداد لا تدوم طويلاً ما دمنا نعيش بين الناس، لذلك لن نحظى بكامل الفرار والنجاة إنما يلزم أن نغير بواعث الاكتئاب التي من أجلها افترقنا عن أصدقائنا الأولين.
الفصل الثامن
إن أحسنا سلوكنا تيسر لنا التفاهم مع جميع الناس
لزم علينا أن نسعى جاهدين لإصلاح أخطائنا ومعالجة سلوكنا، فإذا ما وُفّقنا في ذلك توفرت لنا أسباب السلام دون أدنى شك، ليس مع البشر فحسب، بل وحتى مع الحيوانات والوحوش، مصدقين ما جاء في سفر أيوب المطوَّب: "لأن وحوش البرية تسالمك" (أى :5-23). لأننا لن نخشى أية ضروب للإثارة تأتى إلينا من الخارج، ولا أية فرصة للسقوط تزعجنا، مادامت لا تلج أو تغرس داخل نفوسنا: لأن "سلامة جزيلة لمحبي شريعتك وليس لهم معثرة" (مز 165:119).
الفصل التاسع
نوع أخر من الاكتئاب يؤدى إلي القنوط من الخلاص
يوجد أيضا نوع بغيض من الاكتئاب، الذي لا يولد في النفس المذنبة عزمًا على تطهير الحياة من الشر أو إصلاح الأخطاء، إنما يغذيها باليأس المؤدى للهلاك، كما حدث مع قايين الذي لم يندم ويتب بعد قتله لأخيه، ومع يهوذا الاسخريوطي، بعد خيانته، فإن يأسه لم يدفعه لترك الشر بل أدى به إلى شنق نفسه.
الفصل العاشر
الشيء الوحيد الذي ينفعنا به الحزن
علينا أن نعلم أن الحزن يفيدنا في حالة واحدة فقط، حين نذعن له إما في الندم علي الخطيئة، أو يدفعنا للتعطش نحو الرغبة في الكمال، أو التأمل في متعة العطف الإلهي، وعن هذا يقول الرسول المطوَّب: "لأن الحزن الذي بحسب مشيئة الله ينشئ لخلاص بلا ندامة، وأما حزن العالم فينشئ موتًا" (2كو :7-10).
الفصل الحادي عشر
كيف نميز بيت الحزن النافع الذي هو حسب مشيئة الله،
والحزن المهلك الذي يوحي به إبليس؟
الاكتئاب أو الحزن الذي "ينشئ توبة لخلاص بلا ندامة" يجعل الإنسان مطيعًا، مهذبًا، متواضعًا، عطوفًا، لطيفًا، طويل الأناة، ذلك لأنه نابع من محبة الله. وهو ينبعث دون ملل أو كلل، من رغبة في الكمال، ممتدًا إلى كل أسى جسدي أو حزن روحي، بطريقة أو بأخرى، إذ يبتهج ويتغذى على رجاء لنفعه الخاص، يحتفظ بلطف معاملته وطول أناته، ذلك لأن في ذاتها كل ثمار الروح القدس، التي قدم الرسول نفسه قائمة بها: "وأما ثمر الروح فهو محبة، فرح، سلام، طول أناة، لطف، صلاح، إيمان، وداعة، تعفف" (غل 5:22-23).
أما النوع الآخر من الحزن فهو عنيف، ضيق الصدر، قاس، مفعم بالحقد، والأسى الذي بلا نفع، واليأس القاتل، لهذا فهو يحطم الشخص الذي يتعلق به، ويُعوّقه عن الحزن السليم الصحي، لأنه غير معقول، ويُفقده طاقته. فهو لا يعطل الثمار المرجوة من صلاته فحسب، لكنه إلى جانب ذلك يهلك فعلاً كل ثمار الروح القدس التي عددناها، والتي يعرف النوع الأول من الحزن كيف ينتجها.
الفصل الثاني عشر
فيما عدا ذلك الحزن السليم الصحي الذي يبرز في ثلاثة طرق،
ينبغي مقاومة كل حزن أو اكتئاب يسفر عنه ضرر
أجل، فإنه فيما عدا الحزن الذي يُقبل لأجل توبة الخلاص، سعيًا وراء الكمال، أو إيثارًا للحياة القادمة، لا مناص من مقاومة كل حزن واكتئاب يتعلق بهذا العالم، ومادام كذلك "مؤديًا إلى الموت" فلابد من استئصاله من قلوبنا كروح الزنى والطمع والغضب.
الفصل الثالث عشر
الوسائل التي بها نستطيع أن نقتلع جذور الاكتئاب من قلوبنا
ينبغي علينا إذن أن نكون قادرين على أن ننتزع من قلوبنا هذه النزعة المفرطة في الضرر، كي نستطيع بالتأملات الروحية أن نجعل عقولنا مشغولة دائمًا بالرجاء في المستقبل وتدبر وعودالبهجة الإلهية المرتقبة. فبهذه الوسيلة يتيسر لنا الإفادة من كل أنواع هذا الاكتئاب، سواء في ذلك ما نشعر به بسبب العجز عن الكسب، أو ضياع شئٍ ما أو الإساءة إلينا، أو لإثارة طائشة تستبد بالعقل.
أولاً، ذلك النوع الذي يملأنا قنوطًا مميتًا ومن ثمَّ نبتهج بالتغلغل روحيًا إلى أعماق الأمور الخالدة والمستقبلية، والاستمرار في الكف عن عدم الاستقرار، فلا نكتئب لما يصيبنا في الحاضر من كوارث، أو نسرف في الابتهاج بالنجاح والازدهار، إنما نرنو بأبصارنا إلى كل حالة منها باعتبار أنها غير ثابتة ومن المحتمل زوالها سريعًا.
ترجمة: الراهب باسيليوس السرياني (السابق).
________________________________________
[2] In Matt. Hom 8:6. PG 58:87.
كتاب في روح الضجر أو الملل
القديس يوحنا كاسيان
مقاومة الضجر بالعمل لا بالهروب!
يقدم لنا القديس يوحنا كاسيان عرضًا عمليًا عن مشكلة "الضجر" الذي يُصيب الراهب في الظهيرة، ويدعوه "شيطان الظهيرة".
علامات الضجر هي:
1-) شعور الراهب أنه ليس في الموضع اللائق به، فإنه كان يمكنه أن يلتحق بدير آخر ينتفع منه، وينفع هو كثيرين.
2-) يصارع مع أفكار النقد اللاذعة ضد الدير ورئاسته وروحانيته، ويسيطر عليه روح الملل.
3-) يشعر بإرهاقٍ جسديٍ شديدٍ مع جوعٍ.
4-) يظن أنه لن يتخلص من الضجر إلا بزيارة أحد الاخوة إليه، إذ يشعر أنه لا يوجد من يهتم به ويُقدره؛ أو باللجوء إلى النوم؛ أو الخروج لتقديم خدمة، خاصة للجنس الآخر.
أما علاج الضجر فيكمن في تدريبين هامين:
التدريب الأول: هو العمل الدائم لإشباع احتياجاته واحتياجات الآخرين، فلا يكون عالة على الغير. وإن كان الدير غير محتاج فإنه يعمل لأجل بنيانه الروحي. وإن كان في عزلة بعيدة جداً ولا يوجد نفع مادي من العمل… يعمل ويحرق ما قد أنتجه.
التدريب الثاني: عدم الخروج من القلاية، حتى للذهاب إلى أب الاعتراف، فإن شيطان الضجر يذل الإنسان الهارب من موضعه ويستعبده. ليصمد الراهب في قلايته كما في معركة روحية، ولا يلقي بسلاحه ويهرب!
يقدم لنا القديس يوحنا كاسيان في شيء من الإطالة اهتمام الرسول بولس بالعمل اليدوي، إذ يقدم نفسه قدوة، كما يوصى بروح الأبوة الحانية مع الحزم الصارم بخصوص التزام المؤمن بالعمل والهروب من التراخي والكسل.
ويحدثنا القديس أوغريس عن الضجر، قائلاً:
[في وقت التجربة لا تغادر قلايتك، منتحلاً لنفسك أعذارًا تبدو لك أنها صحيحة، خاصة إن هاجمك شيطان الضجر، الذي هو بالحقيقة أشر جميع الشياطين، لكنه الوحيد من بينهم الذي يقدم للنفس خبرة.
إذا ما هربت أو تحاشيت المعركة، يظل عقلك عديم الخبرة، جبانًا، يهرب بسهولة[2].]
ويتحدث عن شيطان الظهيرة، قائلاً:
[تقف الشياطين التي تثير النفس بإلحاح وتُزعجها حتى الموت، أما الشياطين التي تثير حركة شهوة الجسد فتتقهقر بأكثر سهولة من الأولى.
أضف إلى هذا أن بعض الشياطين تشبه الشمس المشرقة أو التي تغرب، تلمس جانبًا واحدًا من النفس أو آخر، أما "شيطان الظهيرة" فقد اعتاد أن يُغلّف النفس كلها ويُغرق الذهن[3].]
أخيرًا فإن هذه الحرب ليست خاصة بالرهبان وحدهم بل هي قائمة ضد كل نفس تود أن تتقدس للرب وأن تفعم بالتأمل في أسراره والتمتع بشركة الطبيعة الإلهية.الرب قادر أن يهبنا روح الجهاد الحيّ.
القمص تادرس يعقوب ملطي
الفصل الأول
كيف أن سادس صراع لنا موجه ضد روح الضجر، وما هي صفته
أما سادس صراع لنا فهو موجه ضد ما يسميه اليونانيون بالضجر، أو ما يصح لنا ان ندعوه بالملل أو تعب القلب، وهو وثيق الصلة بالاكتئاب. يلاحق النساك بوجه خاص، وهو عدو خطر كثير التردد على سكان الصحراء. لا يزعج الراهب عادة إلا في الساعة السادسة، مثل الحُمى التي يقع المرء فريسة لنوباتها، وما تسببه من ارتفاع شديد في حرارة المريض، خلال ساعات معينة منتظمة. وأخيرًا فثمة شيوخ يُعلنون أن هذه الروح هي "شيطان الظهيرة" الذي ورد ذكره في المزمور التسعين.
الفصل الثاني
وصف الضجر، والطريقة التي يتسلل بها إلى قلب الراهب،
والضرر الذي يلحق بالنفس
حين يستولي هذا على نفس تعيسة يسفر عنه كراهية للمكان، واشمئزاز من القلاية، واستصغار واحتقار للاخوة الذين يعيشون معه أو بالقرب منه، كما لو كانوا متهاونين أو غير حارين بالروح.
الضجر يجعل الإنسان أيضًا كسولاً متراخيًا في كل ضروب العمل الذي يلزم إنجازه حيث يقطن وينام، فلا يحتمل البقاء في قلايته، ولا يهتم بالمطالعة.
كما يجعله يُكثر من الشكوى، فيظن أنه لا يستطيع أن يعمل حسنًا مادام مقيمًا هناك، فيتنهد ويتأوه لأنه لا يستطيع الإثمار مادام منضمًا إلى هذه الجماعة. ويتبرم من المكان الذي فيه، متحسرًا أنه لا يجتني منه أيّ نفع روحي، ويُظن أنه في استطاعته أن يقود الآخرين ويسدي النفع إلى عدد كبير من الناس، لأجل تثقيفهم أو إفادتهم بتعاليمه وإرشاداته.
يبالغ في إطرائه على الأديرة المختلفة والبعيدة، ويصف مثل هذه الأماكن بأنها أكثر نفعًا، وأشد ملاءمة للخلاص. إلى جانب ذلك يمتدح العلاقة بين الاخوة هناك وينعتها بالعذوبة وحرارة الروح. ومن ناحية أخرى يزعم أن كل شيء حوله جاف، وأنه ليس ثمة ما يعمل على تثقيف الاخوة المقيمين معه، بل أن طعام البدن ذاته لا يمكن الحصول عليه إلا بكل مشقة.
أخيرًا يتصور أن أحواله لن تتحسن أبدًا مادام مقيمًا في ذلك المكان، إلا إذا ترك قلايته وابتعد عنها بأسرع ما استطاع (إذ يعتقد أنه إذا بقي فيها يصير ميتًا لا محالة).
بعد ذلك في الساعة الخامسة أو السادسة يحل به تعب جسماني مع اشتياق للطعام، فيتخيل أنه مرهق كمن جاء من رحلة طويلة أو من قام بعملٍ شاقٍ مضنٍ، أو كمن مارس صومًا انقطاعيًا لمدة يومين أو ثلاثة.
إلى جانب هذا يتطلع حواليه هنا وهناك، ويتحسر أنه ليس أحد من اخوته من يأتي لرؤيته. ولا يكف عن دخول قلايته والخروج منها، متطلعًا إلى الشمس بين الفينة والفينة، كما لو كانت متباطئة جدًا في الغروب. ومن ثمَّ فإن ضربًا من الارتباك الذي لا مبرر له يستبد بعقله، كقتامٍ دامسٍ يشلّه تمامًا عن كل الإنجازات الروحية، الأمر الذي يجعله يتخيل أنه لا نجاة له من هذه النوبة العارمة إلا بزيارة أحد الاخوة أو اللجوء إلى النوم وحده.
ثم يوحي إليه هذا المرض أن من واجبه أن يكون مجاملاً ودودًا نحو الاخوة، وأن يزور المرضى البعيدين عنه والذين عن قرب.
أيضًا يتحدث عن بعض المسئوليات تبدو له أنها واجبات دينية يلتزم بها، كأن يستفسر عن أحوال أقربائه بالجسد، وأن يذهب لزيارتهم من حين إلى آخر. ويرى أن من أعمال البرّ حقًا أن يكثر من زيارة تلك المرأة التقية التي كرَّست حياتها لخدمة الرب، والمحرومة من كل عون أو قريب. وأنه من أروع الأعمال أن يسد احتياجات مثل هذه المرأة التي أهملها أهلها واستصغروا شأنها. وأن من واجباته الدينية أن يكّرس وقته لهذه الأمور بدلاً من أن يظل مقيمًا في قلايته دون نفع أو إفادة.
الفصل الثالث
الطرق المختلفة التي يقهر بها الضجر راهبًا
حين ترتبك النفس التعسة بمثل هذه الحيَل من العدو، يستبد بها الانزعاج، حتى إذا ما أنهكها الضجر كهدفٍ أُطلق عليه قذيفة، فتشعر أنها إما أن تتعلم أن تستغرق في النوم، أو أن تتعود أن تخرج من حبس القلاية، على أن تنشد السلوى ضد هذه الهجمات بزيارة أحد الاخوة، الأمر الذي يزيد من ضعفها بهذا العلاج الوقتي. ذلك لأن العدو يضاعف هجماته ويشتد ضد من لاذ بالفرار من القتال، دون أن ينشد السلامة في الصمود والانتصار. وشيئًا فشيئًا يبتعد الإنسان تمامًا عن قلايته، ويبدأ في نسيان هدف نذره، وهو أن يقصر تفكيره وتأملاته على ذلك النقاء الإلهي الذي يفوق جميع الأشياء، والذي لا يمكن إحرازه إلا بالصمت والبقاء الدائم في القلاية والتأمل. هكذا يصبح جندي المسيح هاربًا من خدمة سيده ومن ميدان جهاده، ويشغل نفسه بالأمور الدنيوية دون إرضاء الرب الذي سبق أن كرس له نفسه.
الفصل الرابع
يعطل الضجر العقل عن كل تفكير في الفضائل
عبّر داود عن جميع متاعب هذا المرض أجمل تعبير في آية واحدة، حيث يقول: "نعست نفسي من التعب"، يقصد بذلك الضجر. وهو على حق إذ يقول أن نفسه لا بدنه، هي التي نعست، إذ الواقع أن النفس التي تصيبها حربة الضجر لابد أن تنام وتغفو عن كل تأمل واستغراق في الحواس الروحية.
الفصل الخامس
نوبة الضجر ثنائية
ينبغي على المجاهد المسيحي الأمين الذي يبغي أن يجاهد قانونيًا في قوائم الكمال أن يُسارع إلى طرد هذا المرض من خفايا نفسه، وأن يُقاتل روح الضجر هذه، الممعنة في الشر، في كلا الاتجاهين، لكي لا يقع صريعًا بحربة النوم، أو يُستبعد من حياة النسك بالدير، حتى إن كان بعذرٍ أو بذريعةٍ من التقوى، فيرحل كالآبق الهارب.
الفصل السادس
مدى ما يسفر عن الضجر من أضرارٍ
حين يبدأ الضجر في هزيمة أي شخص بأي قسط، وعلى أي نحو، إما أن يدفعه للبقاء في قلايته عاطلاً كسولاً، دون تحقيق أيّ نجاح روحي، أو يبعده عنها، ويجعله قلقًا شاردًا، ليس له استقرار، متراخيًا في كل ضروب العمل، ودوَّارًا لا يكف عن الذهاب إلى قلايات اخوته، والتردد على مختلف الأديرة.
يصير غير مهتم إلا بأن يتلمس الأعذار لكي ينتعش بطعامٍ أو شرابٍ، ذلك لأن الكسلان العاطل لا يستطيع التفكير في أيّ شيء سوى الطعام والملذات.
إنه يحاول أن يحظى بصحبة رجل أو امرأة يكون أو تكون مثله في التبلد وعدم المبالاة، فيضّيع وقته في شئونه ومشاغله. ومن ثمَّ شيئًا فشيئًا يقع في حبائل التزامات خطيرة لا يستطيع الفكاك منها، وكأن ثعبانًا قد التف حوله، وشل حركته، فلم يعد في مقدوره العودة إلى كمال نذره السابق.
الفصل السابع
أحاديث للرسول تتعلق بروح الضجر
إن الرسول المبارك، كطبيب حقيقي للروح، إما عن طريق رؤيته لهذا المرض الذي انبعث من روح الضجر، وتسلل فعلاً (في أيامه)، أو عن طريق إدراكه مسبقًا بواسطة إلهام الروح القدس أن هذا المرض سيظهر بين الرهبان، أظهر بوضوح ما وصفه من أدوية شافية في إرشاداته.
ففي رسالته إلى أهل تسالونيكي، في مبدأ الأمر كطبيبٍ بارعٍ قدم لمرضاه دواء كلماته الرقيقة الملطفة، مبتدئًا بالمحبة وممتدحًا إياها في تلك النقطة. فإن هذا الجرح المميت إذا عولج بدواء لطيف مقبول يتخلص الإنسان من حدة قروحه، ويسهل أن يحتمل علاجًا أشد وأقسى. يقول: "وأما المحبة الأخوية فلا حاجة لكم أن أكتب إليكم عنه، لأنكم أنفسكم متعلمون من الله أن يحب بعضكم بعضًا، فإنكم تفعلون ذلك أيضًا لجميع الاخوة الذين في مكدونية كلها" (1تس9:4،10).
ابتدأ أولاً باستخدام الثناء الملطف، وجعل آذانهم خاضعة ومستعدة لعلاج الكلمات الشافية. ثم استطرد قائلاً: "إنما أطلب إليكم أيها الاخوة أن تزدادوا أكثر" وهكذا يبالغ في الترفق بهم بعبارات لطيفة طيبة، خشية أن يجدهم غير مستعدين لتقبُّل علاجهم التام.
ما الداعي أيها الرسول أن تطلب منهم أن يزدادوا في المحبة، التي تكلمت عنها آنفًا: "وأما المحبة الأخوية فلا حاجة لكم أن أكتب إليكم عنها"؟… وما الذي يُلزمك أن تقول لهم: "وإنما أطلب إليكم أن تزدادوا أكثر" ما داموا ليسوا في حاجة للكتابة إليهم عن هذا الموضع على الإطلاق؟ بخاصة أنك تضيف علة عدم حاجتهم قائلاً: "لأنكم أنفسكم متعلمون من الله أن يحب بعضكم بعضًا"، ثم تضيف شيئًا ثالثًا أكثر أهمية وهو أنهم ليسوا متعلمين من الله فقط، بل إنهم أيضًا ينفذون بالفعل ما قد تعلموه… "لأنكم تفعلون هذا". يقول لا لواحد أو اثنين بل "لجميع الاخوة"… "في مكدونية كلها"… حبذا لو أخبرتنا إذن لماذا تعمدت هذا الاستهلال؟ مرة أخرى يستطرد قائلاً: "وإنما أطلب إليكم أيها الاخوة أن تزدادوا أكثر".
أخيرًا يُصرح في تردد وتثاقل بما كان يرمي إليه من قبل قائلاً: "وأن تحرصوا على أن تكونوا هادئين"، هكذا كشف عن الغرض الأول.
ثم يضيف غرضًا آخر قائلاً: "وتُمارسوا أموركم الخاصة".
ثم يضيف غرضًا ثالثًا: "وتشتغلوا بأيدكم أنتم كما أوصيناكم"،
وغرضًا رابعًا: "وتسلكوا بلياقة عند الذين هم من خارج"،
وغرضًا خامسًا: "ولا تكون لكم حاجة إلى أحد".
الواقع أنه في استطاعتنا أن نقدم عذرًا لعرض هذه المقدمات وإرجاء التفوه بما كان يملأ ذهنه: "وإن تحرصوا على أن تكونوا هادئين"، بمعنى أن تقيموا في قلاياتكم ولا تنزعجوا بالإشاعات التي تنبعث عادة من رغبات وثرثرة الكسالى، وهكذا تتسببون أنتم أنفسكم في إزعاج الآخرين...
كي "تمارسوا أموركم الخاصة"؛ ينبغي ألا تكونوا فضوليين تستطلعون شئون العالم، وتدسّون أنوفكم في شئون الآخرين وحياتهم، فتبددون قواكم لا في اصلاح أنفسكم ونشد الفضيلة، إنما في انتقاص قدر اخوتكم.
"وتشتغلوا بأيديكم أنتم كما أوصيناكم"، ليضمن بذلك ألا يفعلوا ما سبق أن حذرهم منه، بمعنى أن من واجبهم ألا يكونوا قلقين ولا فضوليين يدسون أنوفهم في شئون غيرهم من الناس، أو أن يسلكوا بغير لياقة عند الذين هم من خارج، أو أن تكون لهم حاجة إلى أحد.
الآن يضيف قائلاً: "وتشتغلوا بأيديكم أنتم كما أوصيناكم"، ذلك لأنه أوضح في جلاء أن وقت الفراغ هو علّة حدوث تلك الأشياء التي وجّه اللوم بخصوصها آنفًا. فما من أحد يمكن أن يكون قلقًا أو فضوليًا إلا إذا كان غير راغبٍ في العكوف على عمله الخاص.
يضيف أيضًا عاقبة وخيمة رابعة تنبعث هي الأخرى من هذا الفراغ، إذ ينبغي ألا يسلكوا بغير لياقة، حين يقول: "وتسلكوا بلياقة عند الذين هم من الخارج". الواقع إنه لا يستطيع أن يسلك بلياقة، حتى بين الذين من هذا العالم، من لا يرضى أن يتمسك بالعزلة في قلايته، وبعمل يديه. إذ ما من شك أنه سيسلك بغير لياقة حين يبحث عما يحتاجه من الطعام، ويلجأ إلى النفاق، والجري وراء التعرف على الأخبار، وإثارة الإشاعات، وتلمس الفرص للثرثرة، ورواية القصص التي قد تهيئ له دخول منازل الآخرين والترحيب به فيها.
"ولا تكون لكم حاجة إلى أحد"... إنه متأكد أن من لا يهتم بأن يوفر لنفسه قوت يومه عاملاً بيديه في هدوء وشعور بواجبه... ينظر إلى مواهب الآخرين وخبراتهم بعين الحسد… ها أنت ترى أية ملابسات تنجم عن مرض البطالة والفراغ ومدى خطورتها ومهانتها معًا.
أخيرًا فإن هؤلاء الذين استخدم معهم في رسالته الأولى أرق العبارات عمد في رسالته الثانية إلى علاجهم بوسائل أشد صرامة وقسوة، إذ لم ينتفعوا من علاجه اللطيف المترفق. بدلاً من أن يستخدم عبارة رقيقة مثل: "أطلب إليكم أيها الاخوة" قال: "ثم نوصيكم أيها الاخوة باسم ربنا يسوع المسيح أن تتجنبوا كل أخ يسلك بلا ترتيب" (2تس6:3). هناك يطلب، وهنا يوصي ويستحلف. هناك نجد ترفقًا إذ يحث، وهنا نجد صرامة إذ يعترض ويهدد.
"نوصيكم أيها الاخوة"، لأننا عندما "طلبنا منكم" في بداية الأمر سخرتم بنا ولم تنصتوا، فالآن لا أقل من أن تطيعوا تهديدنا. إنه يلقي نوعًا من الرعب على هذه الوصية الآمرة مع استخدام اسم ربنا يسوع المسيح، مُحذرًا من غضبه، خشية أن يسخروا من كلامه مرة أخرى ظانين أنه مجرد قول بشري، ويتوهمون أنه قليل الأهمية. ومن ثمَّ فكطبيب مختبر ماهر يحاول العلاج بإجراء جراحة بسلاح روحي قائلاً: "أن تتجنبوا كل أخ يسلك بلا ترتيب وليس حسب التعليم الذي أخذه منا" (2تس6:3). هكذا يأمرهم أن يتجنبوا أولئك الذين لا يُكرسون وقتًا للعمل، وبترهم كأعضاء من البدن شوّهتها قروح البطالة والفراغ، خشية أن ينتقل مرض التراخي والكسل تدريجيًا إلى الأجزاء السليمة من الجسم، مثل بعض الأمراض المعدية المميتة.
حين يتكلم الرسول عن أولئك الذين لا يعملون بأيديهم، ويأكلون خبزهم في هدوء، يحثنا على تجنبهم. استمع إلى ما يدفعهم به من ضروب الملامة والتوبيخ عند استهلاله. فهو أولاً: يدعوهم "بلا ترتيب"، وأيضًا: "لا يسلكون حسب التعليم". وبعبارة أخرى يصفهم بالعناد لأنهم لا يسلكون وفق توجيهه، وبعدم اللياقة لأنهم لا يلتزمون بالأوقات اللائقة المضبوطة في خروجهم وزياراتهم وأحاديثهم. لأن الشخص غير المرتب يتعرض بالتأكيد لكل هذه الأخطاء.
"وليس حسب التعليم الذي أخذوه منا"، بهذا يوبخهم على أنهم على نحوٍ ما متمردون، ومستهزئون، قد استخفوا بالتعليم الذي أخذوه منه ولم يحرصوا عليه، ولم يتبعوا ما تذكروا أنه قد علمهم به لا باللفظ فحسب بل ومارسه بالفعل أيضًا... "إذ أنتم تعرفون كيف يجب أن يُتمثَّل بنا" (2تس7:3).
يحشد الرسول كومة هائلة من التقريع واللوم حين يؤكد أنهم لم يراعوا ما لا يزال عالقًا بذاكرتهم. والذين تعلموه ليس فقط بالإرشاد الشفوي، بل تسلموه أيضًا في شخصه كقدوة في العمل لابد أن تُحتذى.
الفصل الثامن
الإنسان الذي لا يشتغل بيديه لابد أن يصبح قلقًا
"لأننا لم نكن قلقين بينكم"، أراد الرسول التدليل بأنه بممارسته العمل لم يكن قلقًا بينهم، مظهرًا تمامًا أن الذين لا يشتغلون يكونون دائمًا قلقين بسبب رذيلة الكسل...
"ولا أكلنا خبزًا مجانًا من أحد"... هكذا يتقدم رسول الأمم في كل مرة خطوة جديدة في التوبيخ. فكارز الإنجيل يقول إنه لم يأكل خبزًا مجانًا من أحد، مع أنه يعلم أن الرب أوصى "أن الذين ينادون بالإنجيل، من الإنجيل يعيشون" (1كو14:9)، وأيضًا "الفاعل مستحق أجرته" (مت10:110).
مادام كارز الإنجيل وهو يقوم بعملٍ على هذا القدر من السمو والروحانية لم يرد أن يستغل وصية الرب بأن يأكل خبزه مجانًا، كم بالأحرى يعوزنا بالحق ليس فقط أن نكرز بالكلمة بل وإلى جانب هذا لا نداوي أية نفوس سوى نفوسنا (بالاهتمام بالعمل بغير كسل).
كيف تجرؤ أن تأكل خبزك مجانًا في حين أن "الإناء المختار"، وهو مقيد باهتمامه بالإنجيل وعمله في الكرازة، لم يجسر أن يأكل خبزه دون أن يشتغل بيديه...، فيقول: "بل كنا نشتغل بتعب وكدّّ ليلاً ونهارًا لكي لا نثقل على أحد منكم" (2تس8:3)؟!
هكذا فإنه حتى هذه النقطة يتمنع عن التوبيخ ولا يُكثر منه، لأنه لم يقتصر على أن يقول: "ولو أكلنا خبزنا مجانًا من أحد منكم"، ذلك لأنه كان من المحتمل أن يظن البعض أنه كان يتزود من دخلٍ خاصٍ به ومن مالٍ ادخره، أو عن طريق أشخاصٍ آخرين، دون الاستعانة بعطاياهم أو بما يجمعون. فهو يقول: "لكن كنا نشتغل بتعب وكدّ ليلاً ونهارًا". يعني أنه كان يتزود من شغل يديه. ويستطرد الرسول قائلاً: إنه لم يفعل ذلك بدافعٍ من الرغبة في الاستمتاع بضرب من الرياضة البدنية، بل تحت ضغط من الحاجة إلى التزود بالطعام. وأن هذا كان يكلفه الكثير من الكدّ والتعب، ذلك لأنه ليس طوال النهار بأكمله، بل وأيضًا أثناء الليل، وهو الوقت المكرس لراحة البدن، يواصل العمل بيديه ليوفر لنفسه الطعام.
الفصل التاسع
ليس الرسول وحده بل والاثنان
اللذان معه كانوا جميعهم يشتغلون بـأيديهم
يشهد أنه ليس وحده الذي عاش على هذا النمط بينهم ، لئلا يظن الناس إذا اقتصر هذا النمط من العيش على الرسول وحده، أنه أمر غير هام أو ليس عامًا. ومن ثمَّ فهو يعلن أن جميع الذين عُينوا لخدمة الإنجيل مثل سلوانس وتيموثاوس، الذين شاركوا في كتابة هذه، كانوا يعيشون مثله تمامًا. إذ يقول "لكي لا أثقل على أحد منكم" يلحق بهم قدرًا كبيرًا من الخزي والعار، ذلك لأنه إذا كان ذلك الذي كرز بالإنجيل ورفعه عاليًا بأقواله وأعماله العظيمة، لم يجسر أن يأكل خبزه مجانًا، لئلا يثقل على أحد، فكيف يستطيع أولئك الذين يتناولونه كل يوم في الكسل والبطالة ألا يشعروا أنهم عبء ثقيل على الآخرين.
الفصل العاشر
اشتغل الرسول بيديه كي يضع لنا قدوة في العمل
يبسط الرسول بطريقة غير مخفية السبب الذي من أجله أسند إلى نفسه هذا العمل قائلاً: "ليس أن لا سلطان لنا بل لكي نعطيكم أنفسنا قدرة حتى تتمثلوا بنا". فإذا نسيتم دون قصد كلماتنا التي طالما وقعت على مسامعكم، لا تنسوا قدوة معيشتي بينكم التي كانت مكشوفة أمام بصائركم. هنا يوبخهم بقدر غير قليل، حيث مارس عمله في كدّ وتعب خلال النهار والليل، لا لسبب إلا لكي يقدم لهم قدوة حسنة، على الرغم من أنه لم يكن مُلزمًا بذلك. ثم يستطرد قائلاً بأنه ما من شك أنه على الرغم من أن لدينا السلطان لكنني أخشى أن يتحول ما أفعله أنا شرعًا وحقًا إلى مثال سيئ في البطالة الوخيمة العواقب عند الآخرين. لهذا آثرت عند كرازتي بالإنجيل أن أقوت نفسي بعمل يدي، كي أقدم طريق الكمال أمامكم أنتم الذين تريدون السير في طريق الفضيلة ولكي أضع بعملي قدوة للحياة الطيبة.
الفصل الحادي عشر
وعَظ الناس وعلَّمهم أن يشتغلوا
ليس بالاقتداء فحسب بل وبالكلام أيضًا
لكن خشية أن يتبادر إلى الذهن أنه حين كان يعمل في صمت ويحاول تعليمهم عن طريق الاقتداء لم يحذرهم ويرشدهم إلى قواعد السلوك المستقيم، استطرد قائلاً: "فإننا أيضًا حين كنا عندكم أوصيناكم بهذا أنه إن كان أحد لا يريد أن يشتغل فلا يأكل أيضًا".
مع ذلك فهو يبرز كسلهم للعيان أكثر وضوحًا، لأنهم وهم يعلمون أنه كمعلم صالح كان يشتغل بيديه من أجل تعليمهم لكي يحسن إرشادهم وتهذيبهم، فإنهم كانوا يخجلون من الاقتداء به. وهو أيضًا يثبتنا في الكد والاهتمام بقوله إنه لم يعطهم هذا كمثال يقتدون به، حال وجوده فحسب، بل ونادى به على الدوام بالألفاظ قائلاً: أنه إن كان أحد لا يريد أن يشتغل فلا يأكل أيضًا.
الفصل الثاني عشر
"إن كان أحد لا يريد أن يشتغل فلا يأكل أيضًا"
الآن لا يقدم إليهم نصيحة معلم أو طبيب، بل يوجه حكمًا قضائيًا صارمًا. ضدهم كمستهزئين، مستعيدًا سلطته الرسولية التي صرح بها حين كتب إلى أهل كورنثوس منذرًا إياهم، أن الرب قد منحها له، حين أوصى أولئك الذين سقطوا في الخطية، أن يسارعوا إلى إصلاح حياتهم قبل مجيئه قائلاً: "ولكن أطلب أن لا أتجاسر وأنا حاضر بالسلطة التي مُنحت لي عليكم" وأيضًا: "فإني وإن افتخرت شيئًا أكثر بسلطاننا الذي أعطانا إياه الرب لبنيانكم لا لهدمكم لا أخجل" (2كو2:10،8). وهو إذ يعاقبهم لا بسيف دنيوي بل بسلطان الروح القدس، مُحرمًا عليهم مشتهيات هذا العالم، حتى إذا لم يفكروا إلا قليلاً في عقاب الموت القادم، وظلوا سائرين في عنادهم إيثارًا للحياة الناعمة، فإنهم في آخر المطاف، تحت ضغط مطالب الطبيعة والفزع من الموت المفاجئ، يضطرون لإطاعة هذه الوصية النافعة.
الفصل الثالث عشر
"لقد سمعنا أن بعضًا منكم يسلكون بغير ترتيب"
بعد كل هذه الصرامة البادية في نص الإنجيل، يوضح الرسول السبب في غير جفاء السبب الذي من أجله بسط كل هذه الأمور قائلاً: "لأننا نسمع أن قومًا يسلكون بينكم بلا ترتيب، لا يشتغلون شيئًا بل هم فضوليون"… وهو لا يقنع بأن يقول عن أولئك الذين لا يقبلون العمل بكل قلوبهم أنهم ضحايا آفة واحدة، إنما يصفهم بأنهم "يسلكون بغير ترتيب" وأنهم "لا يسلكون حسب التعاليم التي تسلموها منه"، ويؤكد إلى جانب ذلك أنهم "قلقون" وأنهم "يأكلون خبزهم مجّانًا". ثم يقول هنا: "لأننا نسمع أن قومًا يسلكون بينكم بلا ترتيب" وفي الحال يشفع هذا بسقطة أخرى، هي أصل هذا القلق فيقول: "لا يشتغلون شيئًا قط" ثم يضيف آفة ثالثة تبرز من هذه الأخيرة كأنها البرعم: "بل هم فضوليون".
الفصل الرابع عشر
العمل اليدوي يقي المرء من سقطات كثيرة
هكذا لا يضيع الرسول وقتًا إذ سرعان ما يستخدم علاجًا ناجحًا لهذه السقطات الكثيرة، متغاضيًا عن سلطانه الرسولي الذي استخدمه قبل ذلك بقليل ليتصرف مرة أخرى في رفق الوالد الطيب أو الطبيب العطوف، كما لو كانوا أبناءه أو مرضاه. يستخدم معهم أدوية نصائحه الشافية في علاجهم قائلاً: "فمثل هؤلاء نوصيهم ونعظهم بربنا يسوع المسيح أن يشتغلوا بهدوء ويأكلوا خبز أنفسهم". إنه يعالج علّة جميع هذه البلايا التي تصدر عن البطالة والكسل كطبيب موفور الخبرة بوصية نافعة فريدة للعمل، لعلمه أن جميع الأعراض المَرَضية الرديئة الأخرى تنبعث كما من منبعٍ واحدٍ لابد ستختفي سريعًا حالما يزول سبب المرض الأصلي.
الفصل الخامس عشر
ينبغي ألا يُحرم حتى الكسالى والمهملون من العطف
على الرغم من هذا، فهو كطبيب يقظ بعيد النظر لا يهتم فقط بشفاء جراحات المرضى، لكنه أيضًا يمد الأصحاء بإرشادات نافعة للمحافظة دائمًا على صحتهم فيقول: "ولكن لا تكفوا عن عمل ما هو حسن". أنتم الذين تقتدون بنا في عملنا وسلوكنا، لا تجارونهم في خمولهم وتكاسلهم "لا تكفوا عن عمل ما هو حسن"، بمعنى أن تعاملوهم بالرفق إذا حدث أن قصّروا في مراعاة ما قلناه. وإذ كان قد عامل أولئك الضعفاء بصرامة، فإنه يخشى لئلا إذا أوهنهم الكسل يسيطر عليهم القلق والفضول، ينصح الأصحاء ألا يحرموهم من العطف الذي أوصى الرب أن نضفيه على الأخيار والأشرار. حتى إن انحرف بعض الناس الأردياء عن التعاليم القديمة، ألا يكفوا عن فعل الخير لهم ونصحهم بعبارات التشجيع والتقريع، إلى جانب ما ألفه الناس من رفق ولطف.
الفصل السادس عشر
ينبغي أن نوجه اللوم لمن يخطئون
بدافع من الحب لا البغض
يعود مرة أخرى، بعدما شجع هذا السلوك الرقيق خشي لئلا يلجأ البعض إلى الاستهزاء بوصاياه وعدم إطاعتها، عاد إلى الاعتصام بالصرامة فيقول: "ولكن إن كان أحد لا يطيع كلامنا بالرسالة فسِموا هذا ولا تخالطوه لكي يخجل" وفي إنذاره لهم بما ينبغي عليهم أن يراعوه بدافع من اهتمامهم به ولصالح الجميع، والاهتمام الواجب أن يحرصوا على إبدائه نحو الوصايا الرسولية.
سرعان ما يمزج الإنذار بشفقة الوالد الممعن في السماحة والتسامح، ويعلمهم كما لو كانوا أبناء له ما ينبغي أن يغرسوه نحو الآنف ذكرهم من ميل أخوي، بدافع من المحبة. فيقول: "ولكن لا تحسبوه كعدو بل أنذروه كأخ". هكذا يمزج صرامة القاضي بعطف الوالد. ويخفف وطأة الحكم الرسولي الشديد بقدر كبير من اللطف والرفق. ذلك لأنه يأمرهم أن يلاحظوا ذلك مع الذي يستخف بوصاياه ولا يطيعها فيطلب منهم ألا يخالطوه، لكنه يطلب إليهم ألا يفعلوا ذلك بدافع من شعور الكراهية غير القويم، بل بحافز من العطف الأخوي، والتفكير في إصلاحه، فيقول: "لا تخالطوه لكي يخجل". ومن ثمَّ فإنه حتى وإن لم ينصلح بتوجيهاتي الرقيقة، ينصلح أخيرًا بأن يخجل بفصله علانية منكم جميعًا. بذلك يحتمل أن يعود يومًا ما إلى طريق الخلاص.
الفصل السابع عشر
فقرات شتى يُعلن فيها الرسول أنه يجب علينا أن نعمل،
أو يُظهر فيها أنه هو بنفسه كان يقوم بالعمل
هكذا يوصي أيضًا في رسالته إلى أهل أفسس، بموضوع هذا العمل فيقول: "لا يسرق السارق فيما بعد، بل بالحري يتعب عاملاً الصالح بيديه، ليكون له أن يعطي ما له احتياج" (أف28:4). وفي سفر أعمال الرسل أيضًا نجد أنه لم يعلم هذا فحسب لكنه مارسه بنفسه. لأنه حين قَدم إلى كورنثوس لم يسمح لنفسه بالإقامة في أيّ مكان سوى مع أكيلا وبريسكلا، لأنهما كانا يمارسان ذات الحرفة التي اعتاد هو بنفسه على ممارستها. إذ نقرأ ما يلي: "وبعد هذا مضى بولس من أثينا وجاء إلى كورنثوس، فوجد يهوديًا اسمه أكيلا بنطي الجنس. كان قد جاء حديثُا من إيطاليا وبريسكلا امرأته. فجاء إليهما، وبكونه من صناعتهما أقام عندهما. وكان يعمل لأنهما كانا في صناعتهما خيامين" (أع1:18-3).
الفصل الثامن عشر
كان الرسول يشتغل بالقدر الذي
يكفيه ويكفي الذين كانوا معه
بعد ذلك ذهب إلى ميليتس، ومن هناك أرسل إلى أفسس، واستدعى إليه قسوس كنيسة أفسس، وأوضح لهم كيف ينبغي أن يدبروا كنيسة الله في غيابه قائلاً: "فضة أو ذهب أو لباس أحد لم أشتهِ، أنتم تعلمون أن حاجاتي وحاجات الذين معي خدمتها هاتان اليدان، في كل شيء أريتكم أنه هكذا ينبغي أنكم تتعبون وتعضدون الضعفاء، متذكرين كلمات الرب يسوع أنه قال مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ".
ترك لنا قدوة عظيمة في منهج حياته، إذ يشهد بأنه لم يكتفِ بأن يشتغل كي يسد احتياجاته فحسب، لكن أيضًا ما يكفي لسد احتياجات الذين كانوا معه: أعني أولئك الذين طغت عليهم الواجبات الضرورية، فلم تتح لهم الفرصة لأن يوفروا لأنفسهم خبزهم بعمل أيديهم.
وكما ذكَّر أهل تسالونيكي أنه سبق أن اشتغل ليقدم لهم مثالاً يقتدون به، هكذا يستخدم هنا أيضًا شيئًا من ذات النوع حين يقول: "في كل شيء أريتكم أنه هكذا ينبغي أنكم تتعبون وتعضدون الضعفاء"، أي سواء الضعف في العقل أو البدن، إذ ينبغي ان نجتهد لسد حاجياتهم، لا من فيض ما نختزن، أو مما ندخره من مال، أو ما يقدمه شخص آخر مما يمتلكه، إنما مما نحصل عليه نحن من عملنا الخاص وكّد أيدينا.
الفصل التاسع عشر
كيف ينبغي أن نفهم الكلمات:
"مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ"
يذكر أن هذه هي وصية من الرب قائلاً: "متذكرين كلمات الرب يسوع أنه قال مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ" (أع33:20-35)، بمعنى أن المعطي في سخائه أكثر غبطة من الآخذ احتياجاته، حيث تكون العطية غير مستمدة من المال الذي احتفظ به عن طريق عدم الإيمان، أو من المكتنز عن طريق البخل والجشع، إنما تأتي ثمرًا لكدنا وعملنا الأمين. هكذا "مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ، لأنه بينما يُشارك المعطي فقر الآخذ، فإنه يكّد بإعالته باهتمام مفعم بالتقوى، مشتغلاُ بيديه لا كي يسد حاجته فحسب بل وأيضًا كي يعطي غيره من المحتاجين. من ثمَّ يحظى بنعمة مزدوجة، إذ بتخليه عن كل ما لديه يحرز بذلك علي كمال التجرد وإنكار الذات اللذين للمسيح، لكنه بعمله وفكره يبرز سخاء الأغنياء. هكذا يكرم الله بعمله الأمين، ويقتطف لنفسه ثمار بره، بينما ثمة شخص آخر قد أوهنه التراخي والكسل المتبلد، يدلل لنفسه قول الرسول أنه لا يستحق الطعام، كأنه بالتكاسل يتحدى الوصية، وبذلك لا ينجو من وزر الخطية والعناد.
الفصل العشرون
أخ كسول حاول أن يغري آخرين بترك الدير
نعرف أخًا، لو كان في ذِكر اسمه ما يفيد لذكرناه، على الرغم من بقائه في الدير والتزامه بتسليم وكيل الدير يوميًا قدرًا معينًا من الإنتاج، فإنه خشية أن يُساق إلى مزيد من هذا الإنتاج، أو أن يلحقه العار من مقارنته بأخ آخر يتفوق عليه في عمله وغيرته، كان لدى رؤيته أي شخص انضم للدير حديثًا، وراح يتفانى في العمل بدافع من حرارة إيمانه ليزيد القدر المبيع من إنتاجه، يغريه في الخفاء بالإقلال من إنتاجه. فإذا فشل في مقصده، عمد على إغوائه بالنصيحة الفاسدة والهمسات المشبوهة كي يهجر الدير. ولكي يسهل عليه التخلص منه يزعم أنه هو أيضًا سيترك الدير بغير رجعة بسبب ما لاقاه فيه من تعسف وعنت، وأنه لم يعطله عن ذلك سوى حاجته إلى أخ مثله يرافقه في رحلته. وحالما ينال موافقته بتملقه إياه وطعنه الخفي في الدير وإدارته يقوم بترتيب وتحديد وقتٍ معينٍ لهجر الدير، وكذلك المكان الذي لا بد أن يسبقه إليه وينتظره فيه، ثم يتركه هناك وحيدًا، حيث ينكشف أمره، ويلحقه العار لإقدامه على هذا القرار، فلا يجسر على العودة إلى الدير الذي هرب منه، والذي تخلف عنه من كان علة بليته.
يكفي أن أسوق هذا المثال الوحيد لهذا الطراز من الرجال لكي يأخذ المبتدئون حذرهم، ولتوضيح ما يسفر عن الكسل من شرور في عقل أي راهب، وكيف "أن المعاشرات الردية تفسد الأخلاق الجيدة" (1كو29:15).
الفصل الحادي والعشرون
من كتابات سليمان ضد الضجر
يشير سليمان، أحكم الرجال، إلى هذه الرذيلة في كثير من كتاباته إذ يقول: "تابع البطالين يشبع فقرًا" (أم 19:28)، إما عيانًا أو خفية، حيث لا مناص من أن يتورط المتراخي ومن تلاحقه النقائص، فلا يفطن قط للتأملات الإلهية أو الكنوز الروحية، التي يشير إليها الرسول المبارك بقوله: "إنكم في كل شيء استغنيتم فيه في كل كلمة وكل علم" (1 كو 5:1).
أما فيما يتعلق بهذا الفقر الذي يلحق المتكاسل أي الضجر، أيضًا يكتب: "الكسلان يكتسي بالخرق" (أم 21:23)، فمن المؤكد لا يستحق أن يتزيّن بتلك الحُلة التي لن يعتريها البلى أو الفساد [والتي يقول الرسول عنها: "البسوا الرب يسوع المسيح" (رو 14:13) وأيضًا: "لابسين درع الإيمان والمحبة" (1 تس 8:5) والتي تكلم الرب ذاته عنها إلى أورشليم بلسان النبي قائلاً: "استيقظي، استيقظي، البسي عزك يا صهيون" (إش 1:52).
أي شخص يستبد به نوم التراخي أو الضجر يفضل أن يكتسي لا بعمله وكده، بل بخرق التكاسل مقتبسين عبارات من الكتاب المقدس الراسخ (ويسيئون استخدامها)، دون أن يكسو تكاسله بحلة مجد وفخار، بل برداء العار وتلمس الأعذار، أولئك هم الذين يؤثرون هذا الكسل ولا يودون إعالة أنفسهم بكد أيديهم، كما كان الرسول يفعل دائمًا ويكلفنا أن نفعل، قائلين انه مكتوب "اعملوا لا للطعام البائد بل للطعام الباقي للحياة الأبدية" (يو 27:6) وأيضًا: "طعامي أن أعمل مشيئة أبي" (يو 34:4). ولكن هذه الأدلة هي خرق منتزعة من حلة الإنجيل المكين الراسخ، اُقتبست لهذا الغرض، أعني تغطية فضيحة تكاسلنا وعارنا، بدلاً من أن توفر لنا الدفء، وأن نتزين بحلة الفضيلة الفخمة الكثيرة الثمن، إذ قيل إن المرأة التي ورد ذكرها في سفر الأمثال والتي كانت ملتحفة بالعز وبالبهاء، كانت تصنع ثيابًا إما لنفسها أو لزوجها، حتى يُقال عنها في كل حين: "العز والبهاء لباسها وتضحك على الزمن الآتي" (أم 25:31).
يعود سليمان مرة أخرى إلى ذكر آفة التكاسل فيقول: "طرق الكسلان مفروشة بالأشواك" (أم 29:15)، أي مفروشة بهذه وغيرها من النقائص المماثلة التي سبق أن ذكر الرسول أنها تنبعث من البطالة. كذلك يقول: "نفس الكسلان تشتهي ولا شيء لها" (أم 4:13)، ويشير الرسول إلى هذا الاشتهاء حين يقول: "ولا تكون لكم حاجة إلى أحد" (1 تس 12:4). أخيرًا عدد الرسول تلك الآفات التي ذكر سليمان الحكيم أنها غرس البطالة والملل، في الفقرة الآنفة الذكر بقوله: "لا يشتغلون شيئًا بل هم فضوليون" (1 تس 11:4). ويضيف إلى هذه الآفة آفة أخرى إذ يقول: "وأن تحرصوا على أن تكونوا هادئين" ثم "أن تمارسوا أموركم الخاصة، وتشتغلوا بأيديكم وتسلكوا بلياقة عند الذين هم من خارج، ولا تكون لكم حاجة إلى أحد" (1 تس 11:4 ).
أما أولئك الذين يسلكون بلا ترتيب ولا يطيعون الوصايا، فالرسول يوصي أبناء الطاعة الجادين أن يعتزلوهم فيقول: "تجنبوا كل أخ يسلك بلا ترتيب، وليس حسب التعليم الذي أخذه منا" (2 تس 6:3).
الفصل الثاني والعشرون
يشتغل الاخوة في مصر بأيديهم لا ليسدوا حاجاتهم فقط
بل ويخدموا الذين في السجون
الآباء في مصر، على هدى من هذه الأمثلة، لا يسمحون قط للرهبان، وبخاصة صغار السن منهم، أن يكونوا عاطلين لا يشتغلون[4]، معتبرين اشتهاء قلوبهم ونموهم في الصبر والتواضع يكون بمقدار اجتهادهم في العمل. ولا يقتصرون على عدم السماح لهم بقبول أي شيء من شخص آخر يسد احتياجاتهم، بل يهتمون أيضًا بأن يكرموا وفادة الحجاج والاخوة الذين يحضرون لزيارتهم من شغل أيديهم، وكذلك يجمعون قدرًا هائلاً من المؤونة والطعام، ويقومون بتوزيعه في أنحاء ليبيا حيث يعانون من الجوع والجدب، وفي المدن أيضًا لأولئك الذين يرزحون في قذارة السجون، لاعتقادهم أنهم بتقديمهم هذه العطية من ثمار أيديهم، يهبون للرب تقدمة صادقة مقبولة.
الفصل الثالث والعشرون
في أن البطالة هو العلة في عدم
وجود أديرة للرهبان مزدحمة في الغرب
لهذا حيث تُوجد هذه الأفكار (الخاصة بالبطالة) لا تجد أديرة مأهولة بمثل هذه الأعداد من الاخوة، لأنهم لا يعتمدون في تحصيل قوتهم على ما تنتجه أيديهم، على نحو يستطيعون معه البقاء بها على الدوام، وإذا وجدت بصورة أو بأخرى، عن طريق سخاء شخصٍ ما، مؤونة تكفي لإعالتهم، فإن حبهم للراحة وما يشعرون به من عدم الاستقرار لا يسمحان لهم بالبقاء طويلاً في المكان. من هنا جاء القول المأثور عن الآباء القدامى في مصر، بأن الراهب الذي يعمل يهاجمه شيطان واحد أما العاطل فتضربه أرواح شريرة لا حصر لها.
الفصل الرابع والعشرون
عن الأب الرئيس بولس الذي اعتاد كل عام
أن يحرق بالنار جميع ما أنتجته يداه
أخيرًا فإن الأب الرئيس بولس، وهو من أعاظم الآباء، عندما كان مقيمًا بصحراء كلاموس الشاسعة، كان خالي البال، إذ كان يعيش على الوفير من بلح النخيل ونتاج حديقة صغيرة، ولما كان محل إقامته بمنأى عن المدن والأماكن المأهولة مسيرة سبعة أيام كاملة لم يكن في استطاعته أن يعتمد في معيشته على ما تنتجه يداه، لصعوبة نقله الذي سيكلفه أكثر من ثمنه. فكان يجمع الخوص، ويشتغل فيه بانتظام، على أن ينتج منه قدرًا معينًا كل يوم، كما لو كان سيعتمد عليه في إعالته. وعندما كانت تمتلئ المغارة التي يعيش فيها بإنتاج عام كامل كان يحرق بالنار كل عام ما أتم عمله بجدٍ واجتهادٍ. بهذا كان يقدم الدليل على أنه بدون عمل يدوي ما كان في استطاعة أي راهب أن يستقر في مكان أو أن يسمو إلى مراتب الكمال، ومن ثمَّ فعلى الرغم من أن الحاجة إلى الطعام لم تكن تستلزم هذا التصرف، فقد كان يفعل ذلك مستهدفًا تطهير قلبه، وتقوية أفكاره، والاستقرار في قلايته، وإحراز النصرة على الضجر والملل.
الفصل الخامس والعشرون
كلمات الأب موسى التي قالها لي عن علاج الضجر
عند ابتداء إقامتي في الصحراء، استبدت بي يومًا ما نوبة عنيفة من الضجر، فذكرت ذلك للأب موسى رئيس جميع القديسين. واستطردت قائلاً إنني لم أتخلص من هذه النوبة، إلا بالهروب فورًا إليه. عندئذ قال لي: "إنك لم تُخلص نفسك منها، بل بالأحرى استسلمت لها كعبدٍ وتابعٍ. ذلك لأن العدو من الآن فصاعدًا سيلاحقك بهجمات أشد ضراوة وأكثر عنفًا، كهاربٍ من الميدان أو كمن قد لذ بالفرار، ما دام قد رأى أنك قد عجلت بالهروب حالما هُزمت في المعركة. عليك أن تعقد العزم، إذا ما التحمت مع العدو في معركة أخرى، ألا تتجنب عنف هجماته مؤقتًا بالفرار من قلايتك، أو بالاستغراق المتخاذل في النوم، بل بالأحرى تتعلم أن تهزمه بمقابلته والصمود أمامه… وهكذا ثَبَت أن نوبة الضجر لا يمكن التغلب عليها إلا بصدها ومقاومتها، لا بعدم ملاقاتها والفرار منها.
ترجمة: الراهب باسيليوس السرياني (السابق).
________________________________________
[2] توجيهات إلى أناتوليس عن الحياة العاملة 19.
[3] توجيهات إلى أناتوليس عن الحياة العاملة 25.
[4] اشتهر رهبان مصر بما كانوا يؤدونه من أشغال، ويمكن توضيح ما قاله القديس يوحنا كاسيان بأمثلة مقتبسة من كثير من أقوال الآباء. فمثلاً أبيفيانوس، في كتابه الثالث ضد الهرطقات، يُشّبه الرهبان، وبخاصة الذين في مصر، بالنحل، بسبب كدهم واجتهادهم. وهكذا يقول جيروم في خطاب منه إلى رستكوس، بأنه ما من أحد يلتحق بدير في مصر إلا ويؤدي عملاً، وأن هذه القاعدة موضوعة لبنيان النفس لا للتزود بالطعام. كذلك قيل عن القديس سيرابيون وأتباعه: "إنهم كانوا يعولون أنفسهم ويساعدون الفقراء من عمل أيديهم، ففي موسم الحصاد كانوا يقومون بجمع المحاصيل: فيضعون جانبًا ما يكفي من القمح لحاجتهم، ويمدون غيرهم من الرهبان بالحبوب دون مقابل". ويشدد القديس باسيليوس، في قوانينه النسكية، على قيمة العمل أما قانون بندكت فهو يأمر "بأنه ما دامت البطالة هي عدو للنفس، لابد من انشغال الاخوة تارة في الأعمال اليدوية، وأخرى في المطالعات الدينية
كتاب في روح المجد الباطل
القديس يوحنا كاسيان
في عرض خطير يقدم لنا القديس يوحنا كاسيان خطورة خطية المجد الباطل. فكل الخطايا الأخرى، مهما استخدمت من وسائل الخبث والخداع، فإنه إذ يجاهد الإنسان ضدها تضعُف أمامه. أما خطية المجد الباطل ففريدة، إذ تقاتل المؤمن بذات أسلحته، أي بنصرته. فكلما انتصر على أية خطية حتى على خطية المجد الباطل ذاتها، تجد الخطية مجالاً أقوى لتحاربه بذات نصراته.
خطية المجد الباطل تحارب المؤمن جسديًا وروحيًا، إن ارتدى ثيابًا فاخرة ونال كرامات وتمتع بالنجاح حاربته بذات هذه الأمور، وإن ارتدى ثيابًا رثه واتضع هاربًا من الكرامة تحاربه في أعماقه كمن هو افضل من غيره.
محاربة خطية "المجد الباطل" تحتاج إلى نعمة خاصة من قبل الله مع الجدية والحذر الدائم.
يقول القديس يوحنا كاسيان:
[لأنه حين لا يستطيع إبليس أن يصطنع المجد الباطل في إنسانٍ عن طريق حسن هندامه وأناقة لباسه، يحاول اصطناعه عن طريق زيّ أشعث ولباس قذر مهمل.
إذا لم يستطع أن يسقط إنسانًا بالفخر يسقطه بالاتضاع.
وإذا لم يستطع أن يدفعه للتعالي بنعمة المعرفة والفصاحة يسحبه إلى أسفل تحت ثقل الصمت.
وإذا صام إنسان علانية هاجمه كبرياء الزهو والغرور، وإذا أخفاه احتقارًا لما يسفر عنه من فخار وقع فريسة لخطية الكبرياء ذاتها.
وكي لا تدفعه وصمة المجد الباطل فإنه يتجنب إطالة الصلوات على مرأى من الاخوة، لكن لأنه يمارسها سرًا، دون أن يشعر به أحد لا ينجو من كبرياء الزهو.] (فصل 4)
يقول القديس أوغريس:
[فكر "المجد الباطل" هو أخبث أنواع الأفكار.
يأتي هذا الفكر للسالكين في حياة البر، ويبتدئ الإنسان يمجّد جهاده ويجمع لنفسه مديح الآخرين له. فيتصور فزع الشياطين منه، شفاءه للنساء، ازدحام الجماهير حوله يلمسون هدب ثوبه، وأخيرًا يتنبأ له بتكريسه للكهنوت. وأن الناس يفدون إليه ليجعلوه كاهنًا، وعندما يرفض الكهنوت يقيدونه ويقودوه رغمًا عنه.
بعدما يشعل الشيطان فيه هذه الآمال الكاذبة، ينسحب تاركًا المجال لمحاربات أخرى يقدمها شيطان الكبرياء أو شيطان التذمر، الذي يأتي حالاً ويعرض عليه أفكارًا مضادة لهذه الآمال، حتى أنه في بعض الأوقات يستسلم لأفكار شيطان الزنا، هذا الذي منذ لحظات كان يرى في نفسه أنه قديس وكاهن وقور![2]]
القمص تادرس يعقوب ملطي
الفصل الأول
سابع صراع لنا موجه ضد المجد الباطل، وما هي طبيعته
سابع صراع لنا موجه ضد روح الخيلاء، التي يصح أن نسميها روح المجد الباطل أو العاطل. وهي روح تأخذ أشكالاً كثيرة، كما أنها متقلبة ماكرة. لذلك يتعذر، لا أقول الاحتراس منها، بل رؤية أغوارها واكتشافها، حتى على أشد العيون حدة.
الفصل الثاني
لا يكتفي المجد الباطل بأن يهاجم الراهب من الناحية الجسدية بل والروحية
لأن هذا لا يكتفي، كبقية السقطات، بأن يهاجم الراهب من الناحية الجسدية بل والروحية أيضًا، متسللاً داخل العقل بالحيلة والخداع. حتى أن أولئك الذين لا يمكن التغرير بهم عن طريق الرذائل الجسدية، يُصابون بجرح غائر في صميم قدراتهم الروحية، والقتال ضده أكثر صعوبة، والاحتراس منه أيضًا أكثر صعوبة.
هجوم كل الرذائل الأخرى صريح ليس فيه التواء، وفي حالة كل منها عندما يقابل من يثيرها بالرفض البات ينصرف وهو أكثر ضعفًا. وحين يهاجم العدو المنهزم فريسته مرة أخرى يكون أقل قوة. أما هذه الآفة، فحين تهاجم العقل عن طريق الكبرياء الجسدية ويصدّها بردٍ حاسمٍ وورعٍ تبقى ثابتة مثل بعض الشرور التي تأخذ أشكالاً عدة، فتغير تنكُرها الأول وطبعها، وتحاول تحت مظهر الفضيلة أن تسدد لقاهرها ضربة قاصمة تحطمه وتقضي عليه.
الفصل الثالث
كيف يأخذ المجد الباطل لنفسه أشكالاً وهيئات عدة
يمكن القول أن جميع السقطات والنزوات أكثر بساطة وذات شكل واحد فقط، أما المجد الباطل فيأخذ أشكالاً وهيئات كثيرة، ويتنقل ويهاجم الإنسان من كل جهة. ينقض على قاهره من جميع الجوانب، لأنه يحاول أن يؤذي جندي المسيح في لباسه وسلوكه وسيره وصوته وعمله وأسهاره وأصوامه وصلواته وحين ينسحب وحين يُطالع وفي معرفته وفي صمته وفي طاعته وفي تواضعه وفي صبره كصخرة بالغة الخطورة تخفيها الأمواج الصاخبة. فإنها تكون سببًا في دمار غير مرتقب للذين يبحرون مع نسيمٍ وريحٍ هادئٍ، ماداموا غير متيقظين أو محترسين منها.
الفصل الرابع
كيف يهاجم المجد الباطل الراهب من اليمين ومن الشمال
من يصبو أن يسير قدمًا في الطريق الملكي "بسلاح البر لليمين ولليسار"، ينبغي وفق تعليم الرسول أن يمر "بمجد وهوان، وبصيت رديء وصيت حسن" (2كو7:6،8)، وبعناية لتوجيه مجراه المستقيم وسط أمواج التجارب المتلاطمة. وبحذر نمسك بالدفة، ويهب روح الرب وينشر عبيره من حولنا، مادمنا نعلم أننا إذا انحرفنا قليلاً نحو اليمين أو اليسار سرعان ما تتحطم سفينة حياتنا فوق الصخور الوعرة.
لذلك حذرنا سليمان الحكيم قائلاً: "لا تمل يمنة ولا يسرة" (أم27:4). بمعنى لا تمتدح فضائلك أمام نفسك. أو تزهو بإنجازاتك الروحية من اليمين، ولا تتحول إلى طريق الرذائل نحو الشمال، وتختار من هذه الرذائل لنفسك، وباستخدام كلمات الرسول: "فخرًا في خزيك" (في19:3).
لأنه حين لا يستطيع إبليس أن يصطنع المجد الباطل في إنسانٍ عن طريق حسن هندامه وأناقة لباسه، يحاول اصطناعه عن طريق زيّ أشعث ولباس قذر مهمل. إذا لم يستطع أن يسقط إنسانًا بالفخر يسقطه بالاتضاع. وإذا لم يستطع أن يدفعه للتعالي بنعمة المعرفة والفصاحة يسحبه إلى أسفل تحت ثقل الصمت. وإذا صام إنسان علانية هاجمه كبرياء الزهو والغرور، وإذا أخفاه احتقارًا لما يسفر عنه من فخار وقع فريسة لخطية الكبرياء ذاتها. وكي لا تدفعه وصمة المجد الباطل فإنه يتجنب إطالة الصلوات على مرأى من الاخوة، لكن لأنه يمارسها سرًا، دون أن يشعر به أحد لا ينجو من كبرياء الزهو.
الفصل الخامس
مقارنة تبين طبيعة المجد الباطل
يصف شيوخنا في براعة طبيعة هذا الداء أنها كالبصلة، كلما نزع المرء إحدى طبقاتها وجدها مغلفة بطبقة أخرى، وعلى قدر تعريتها نجدها مُحصنة.
الفصل السادس
لا يمكن التخلص من خطية المجد الباطل بميزات الوحدة
في الوحدة أيضًا لا تكف عن ملاحقة ذاك الذي هرب من الاتصال بجميع الناس التماسًا للفخر. وكلما زاد أيّ إنسان في رفضه التام للعالم ازدادت ملاحقتها الملحة له. وهي تحاول أن ترفع بالكبرياء شخصًا ما بسبب شدة احتماله للعمل والمشقة، وآخر بسبب استعداده التام للطاعة، وثالث لأنه يسمو عن الآخرين بتواضعه.
قد يُجرب إنسان بسعة إطلاعه، وآخر بكثرة مطالعته، وثالث بطول أسهاره. وهكذا لا تحاول هذه الآفة أن تصيب إنسانًا إلا عن طريق فضائله، مقحمة عراقيل تؤدي إلى الموت بوسطة تلك الأشياء ذاتها التي تنشد فيها زاد الحياة. ذلك لأن الناس حين يتطلعون للسير في طريق القداسة والكمال، لا يضع الأعداء شباكهم في أي مكان ليخدعوهم بل في الطريق الذي يسيرون فيه، مصداقًا لقول داود الطوباوي: "مدوا لي شبكة بجانب الطريق، وضعوا لي أشراكًا" (مز5:14). حتى أننا في ذات طريق الفضيلة الذي نسير فيه، مجدين في طلب "جعالة دعوتنا العليا" (في14:3) قد نتعالى بما نحرزه من النجاح ومن ثمة نسقط، وتطبق شباك الزهو على أقدام أرواحنا. لهذا فإن الذين من بيننا لا يتيسر قهرهم في المعركة ضد العدو ينهزمون بعظمة النصرة ذاتها. أو من ناحية أخرى (وهي نوع آخر من الخداع) باستنفاذ أقصى ما لدينا من طاقة ضبط النفس نعجز عن المثابرة في سيرنا بسبب الضعف البدني.
الفصل السابع
يرفع المجد الباطل رأسه عند هزيمته وهو أكثر حماسًا للقتال عن ذي قبل
كل الرذائل تضعف عند هزيمتها، وعند قهرها تتخاذل يومًا فيومًا. وفي علاقتها بكل من المكان والزمان تتضاءل وتنزوي، أو على أية حال فلعدم تشابهها بالفضائل المضادة، يسهل رفضها وتحاشيها. لكن هذه الرذيلة، حين تُقهر، تقوم من سقطتها لمعاودة القتال أشد ضراوة. وحين تتوهم أنه قد قُضي عليها تسترد الحياة ثانية. وهي أشد قوة بسبب موتها!
عادةً لا تهاجم الأنواع الأخرى من الرذائل سوى أولئك الذين هزمتهم في القتال. أما هذه فهي تلاحق المنتصرين عليها وهي أكثر حدة، وكلما زادت مقاومة المرء لها زادت مهاجمتها له لتعاليه بالانتصار عليها؛ هنا يكمن دهاء عدونا المخادع. أعني في الواقع حيث لا يستطيع قهر جندي المسيح بأسلحة العدو، عندئذ يخضعه بذات حرابه.
الفصل الثامن
لا تخف وطأت المجد الباطل في الصحراء ولا مع تقدم السن
كما قلنا إن بعض الرذائل أحيانًا تخف وطأتها بما يهيئه لها الموقف من تيسيرات، وكذلك عند زوال مادة الخطية والفرصة المتاحة لها، فإن هذه الرذائل تخزى. لكن هذه الخطية تخترق الصحاري مع الإنسان الهارب منها، كذلك لا يمكن حبسها عن أيّ مكان، أو أن يبدو عليها العجز عند إزالة أية مادة خارجية من طريقها. لأنها تجد ما يشجعها في مآثر فضائل الإنسان الذي تهاجمه. لأن جميع الرذائل الأخرى، كما قلنا آنفًا تتضاءل أحيانًا مع مرور الزمن وتختفي، أما مع هذه فطول الحياة، إن لم يدعمه جد بارع وتعقل حصيف، لا يعوقها بل يمدها فعلاً بوقود جديد للغرور.
الفصل التاسع
يصبح المجد الباطل أشد خطورة لدى اختلاطه بالفضائل
أخيرًا فالنزعات الأخرى التي تختلف تمامًا عن الفضائل التي تناقضها، والتي تهاجمنا في صراحة كما لو كانت في وضح النهار، يسهل هزيمتها والاحتراس منها، أما هذه فإذ هي متداخلة في نسيج فضائلنا، متورطة في المعمعة، فإن القتال كما لو كان تحت ستار من ظلام الليل يخدع بشكلٍ خطر أولئك الذين تعوزهم الحيطة والحذر.
الفصل العاشر
مثال يظهر كيف أن الملك حزقيا أسقطه رمح المجد الباطل
نقرأ عن حزقيا ملك يهوذا أنه كان رجلاً بارًا كاملاً في كل شيء، ومشهودًا له من الأسفار المقدسة، سقط بسهمٍ واحدٍ من المجد الباطل، بعد أن تعددت فضائله. وهكذا قهر التفاخر والغرور ذاك الذي استطاع بصلاة واحدة أن يقضي على مائة وخمسة وثمانين ألف جنديًا من جيش الأشوريين، بواسطة الملاك في ليلة واحدة. سأغفل عن ذكر قائمة فضائل هذا الملك الطويلة، مكتفيًا بواحدة منها فقط. فبعد أن حدد الرب ختام حياته ويوم وفاته، وفُق بصلاة واحدة أن يمدها خمسة عشر عامًا. ورجعت الشمس إلى الوراء عشرة درجات، كانت قد تقدمتها صوب الغروب، وبعودتها بددت خطوط الظل التي تبعت مسارها. وبهذه المعجزة الخارقة لنواميس الطبيعة امتد النهار الواحد نهارين للعالم كله. ومن ثمَّ اطمأن حزقيا الملك إلى أن الرب سيهبه الشفاء وطول العمر. لكن بعد علامات عظيمة بهذا القدر لا يكاد يصدقها العقل، وبعد مثل هذه الأدلة على طيبته، اسمع ماذا يقول الكتاب المقدس عن ضروب هذا النجاح بالذات الذي قضى عليه: "في تلك الأيام مرض حزقيا إلى حد الموت، وصلى إلى الرب، فكلمه وأعطاه علامة" (2مل20)... تلك التي قرأنا عنها في السفر الرابع من الملوك، التي ذكرها إشعياء النبي بصدد رجوع الشمس إلى الوراء... لكن يقول الكتاب المقدس "لم يرد حزقيا حسبما أُنعم عليه، لأن قلبه ارتفع فكان غضب عليه وعلى يهوذا وأورشليم، ثم تواضع حزقيا بسبب ارتفاع قلبه هو وسكان أورشليم، فلم يأتِ عليهم غضب الرب في أيام حزقيا" (2أي24:32،26).
يا لخطورة آفة الخيلاء وشناعتها! عمل واحد أساسه الكبرياء يقضي على هذا القدر الكبير من التقوى وعديد من الفضائل والإيمان وصدق العبادة! هكذا فإن أفعاله الخيرة كان سيطويها النسيان كأن لم تكن، فيبوء بغضب الرب، لولا أنه استرضاه باسترداد تواضعه. ومن ثمَّ فالذي سقط من ذروة الفضيلة يستطيع الارتقاء إلى ذات الذروة التي انحدر منها بالتواضع في الخطوات ذاتها. أتريد أن ترى نموذجًا آخر لسقطة مماثلة؟
الفصل الحادي عشر
مثال الملك عُزيّا الذي قضت عليه وصمة الآفة ذاتها
أما عُزيّا سلف هذا الملك الذي كنا نتحدث عنه، فهو الآخر ممن شهد لهم الكتاب المقدس بعديد من المناقب. لكنه بعد أن تذكى بفضائله والانتصارات الكثيرة التي أنجزها بفضل صدق عبادته وإيمانه، سقط فريسة للكبرياء والمجد باطل. يقول عنه الكتاب المقدس: "واشتهر اسم عُزيا لأن الرب ساعده وشدده، ولكنه لما تشدد ارتفع قلبه إلى الهلاك وخان الرب إلهه" (2أي15:26،16). ها أنت ترى مثالاً آخر لسقطة بالغة الشناعة.
هكذا فإن رجلين على هذا القدر من الاستقامة والفضيلة قضت عليهما ضروب نصرتهما وغلبتهما. من هذين النموذجين نرى مدى خطورة تعدد ألوان النجاح والازدهار. الذين لا تستطيع الشدائد أن تؤذيهم، قد يدمرهم الرجاء ورغد العيش، ما لم يأخذوا حذرهم. وأولئك الذين نجوا من السقوط صرعى أثناء القتال، يسقطون أمام غنائمهم وانتصاراتهم.
الفصل الثاني عشر
شهادات متعددة ضد المجد الباطل
يحذرنا الرسول قائلاً: "لا نكن مُعجبين" (غل26:5). ويوبخ الرب الفريسيين قائلاً: "كيف تقدرون أن تؤمنوا وأنتم تقبلون مجدًا بعضكم من بعضٍ، والمجد الذي من الإله الواحد لستم تطلبونه؟!" (يو44:4) وعن هؤلاء أيضًا يتكلم داود المبارك مهددًا: "بدد الرب عظام من يمالقون الناس" (مز5:53).
الفصل الثالث عشر
في الأساليب التي يهاجم بها المجد الباطل أحد الرهبان
أيضًا في حالة المبتدئين والذين لم يتقدموا إلا قليلاً إما في قدرات العقل أو في المعرفة، هؤلاء ينتفخون في أفكارهم، إما بسبب حلاوة أصواتهم وحسن تراتيلهم، أو بسبب نحول أجسادهم أو حسن منظرهم، أو غنى أسرهم وعراقة مولدهم، أو لأنهم رفضوا حياة الجندية وانصرفوا عن رتبها ونياشينها. وأحيانًا قد يدفع المجد الباطل شخصًا ما إلى الاقتناع بأنه لو لم يهجر العالم لأثرى في يسر وارتقى في مراتب الكرامة، الأمر الذي قد يكون بالنسبة له بعيدًا عن الإنجاز والتحقيق، فيتعالى وينتفخ بأملٍ باطل في أشياء غير مؤكدة. وفي حالة تلك الأمور التي لم يحققها قط يملأه الكبرياء والغرور كما لو كانت قد دانت له فعلاً فانصرف عنها واحتقرها.
الفصل الرابع عشر
كيف يدفع المجد الباطل إنسانًا ما أن ينشد الدرجات الكهنوتية
قد يخلق الزهو رغبة في الحصول على الدرجات الكهنوتية كأن يصبح المرء كاهنًا أو شماسًا. وقد يوهمه أنه إذا شغل هذا المنصب فإنه سينجز عمله في ورعٍ ودقةٍ، يجعلان منه مثالاً في القداسة يحتذي به الكهنة الآخرون. وأنه سينجي الكثيرين، ليس فقط بنمط حياته، بل أيضًا بوعظه وتعليمه. كذلك من شأنه أن يجعل الإنسان حتى وهو بمفرده جالسًا في صومعته يجول بفكره وخياله في الصوامع والأديرة الأخرى، ويقوم بهداية الكثيرين وهو في غمرة من الابتهاج الوهمي.
الفصل الخامس عشر
كيف يسمم المجد الباطل العقل
تتأثر النفس التعسة بمثل هذا الغرور، كما لو كانت في غمرة من نوم عميق، حتى أنها كثيرًا ما تنساق في نشوة من مثل هذه الأفكار، وتمتلئ من هذه التخيلات، إلى حد لا يستطيع معه مجرد النظر إلى أشياء موجودة، أو إلى الاخوة، ما دامت تستمتع بالاستغراق في هذه الأشياء، التي تهيئ لها مع أفكارها الهائمة، كما لو كانت حقيقة لا مجرد أوهام.
الفصل السادس عشر
في شخص أقبل عليه الرئيس فوجده فريسة للمجد الباطل
أذكر وأنا في صحراء الإسقيط، ذهب شيخ إلى قلاية أخٍ آخر لزيارته، وحين وصل إلى الباب سمعه يتمتم في الداخل. فوقف دون حراك فترة قصيرة، مستطلعًا ما كان يقرأه من الكتاب المقدس، أو يردده من ذاكرته عن ظهر قلب (كما هي العادة) في أثناء العمل. وحين استرق السمع بأذنيه الحادتين، وهو متعجب! وجد أنه كان يلقي على الناس موعظة أخّاذة تستهوي الألباب. وحين سمعه الأخ الطاعن في السن وهو واقف دون حراك، ينهي خطابه، ويعود إلى مكانه ويصرف جموع المهتدين إلى الدين المسيحي، كما يفعل الشماس، حينئذ طرق الباب، فخرج إليه هذا الأخ واستقبله بما ألفه من تجله واحترام وأدخله معه ( ولعلمه بما سببته له أفكاره من قلق) سأله عن موعد وصوله لئلا يكون قد تضرر من انتظاره بالباب مدة طويلة. فأجابه الشيخ متفكرًا: "وصلت هنا بالضبط وأنت تصرف جمع المتنصرين".
الفصل السابع عشر
لا يتيسر علاج السقطات إلا إذا تم اكتشاف جذورها وعللها
رأيت أنه من المستحسن أن أدخل هذه الأشياء في هذا المؤلف الصغير كي نتعلم، ليس بالشرح فقطن إنما بالأمثلة أيضًا عن شدة التجارب وسلطان الخطايا التي تؤذي نفسًا بائسة. ومن ثمَّ يلزم أن نكون أشد حذرًا في تجنب شباك العدو وضروب خداعه المتنوعة. لأن الآباء المصريين عرضوا هذه الأشياء، حتى أنهم بروايتهم لها، كمن لا يزالوا يعانون منها يكشفون عن المعارك ويبسطونها عارية، مع كل الرذائل التي يعانون منها فعلاً، والتي لابد أن سيعاني منها من هم أصغر سنًا. ومن ثمَّ فهم حين يوضحون الأوهام التي تسفر عن جميع النزعات يصبح المبتدئون والمتحمسون بالروح على دراية بسرّ حروبهم، إذ يرونها كما لو كانت في كوبٍ من زجاجٍ، يتطلعون على أسباب الخطايا التي تزعجهم، وضروب علاجها. ومادام يتم إرشادهم مسبقًا فيما يتعلق بطريقة فهم الحروب القادمة، يتعلمون كيف ينبغي الاحتراس منها أو ملاقاتها ومقاتلتها.
وكما أن مهرة الأطباء قد اعتادوا ليس فقط علاج الأمراض الموجودة فعلاً، بل ومحاولة تفادي الأمراض المتوقعة، ومنعها بوصفاتهم الطبية وجرعاتهم الشافية. كذلك فإن أطباء النفس الحقيقيين بوساطة المداولات الروحية، مثل ترياق سماوي، يقضون مسبقًا على تلك الأمراض الروحية التي قد تبرز، ولا يسمحون لها بالرسوخ في عقول من هم أصغر سنًا، إذ يكشفون لهم أسباب الآفات التي تهددهم، وأنواع العلاج التي تشفيهم.
الفصل الثامن عشر
كيف ينبغي أن يتجنب الراهب النساء والأساقفة
توجد حكمة قديمة ما زال الآباء يتداولونها، على الرغم من أنني لا أصرح بها دون أن أشعر بالعار من جانبي، إذ لم استطع تجنب لقاء شقيقتي، أو الفرار من بين يدي الأسقف، أعني أنه ينبغي على الراهب الفرار بكل الطرق من النساء والأساقفة. ذلك لأنه ما من أحد من الطرفين سيسمح لمن توطدت علاقته به أن يواصل الحرص على هدوء قلايته، أو أن يثابر بعينين طاهرتين على التأمل الإلهي عن طريق التغلغل إلى أعماق الأشياء المقدسة.
الفصل التاسع عشر
ضروب العلاج التي نستطيع أن نقهر بها المجد الباطل
جندي المسيح الذي يرغب في أن يجاهد قانونيًا في هذه المعركة الروحية الحقيقية، ينبغي أن يجاهد بكافة الطرق لقهر هذا الكائن غير سوي المتقلب المتعدد الأشكال، هذا الذي حين يهاجمنا من كل جانب مثل شتى الشرور المنوعة، نستطيع أن ننجو منه بعلاج كهذا:
التفكير في قول داود: "بدد الرب عظام من يمالئون الناس" (مز5:53). في البداية يجب علينا ألا نسمح لأنفسنا أن نعمل أيّ شيء بدافع من الغرور أو لإحراز أيّ مجد باطل. كذلك حين نكون قد بدأنا في شيء على نحو حسن، علينا ان نجاهد لتدعيمه بذات القدر من العناية، خشية أن يتسلل إلينا مرض المجد الباطل، ويلاشي كل ثمار أتعابنا.
أيضًا ينبغي تجنب أيّ شيء تافه النفع أو القيمة في حياة الاخوة العادية، كي لا يكون مدخلاً للمجد الباطل.
كما ينبغي أن ننأى عن كل شيء يميزنا عن الآخرين ويجعلنا أهلاً للتكريم بينهم، كما لو كنا نحن فقط القادرين على إنجازه.
بهذه العلامات نثبت أن وصمة المجد الباطل عالقة بنا، الأمر الذي كان يسهل علينا جدًا أن ننجو منه إذا حسبنا أننا لا نفقد فقط ثمار تلك الأعمال التي أنجزناها بدافع من الخيلاء، بل ونرتكب خطيئة عظمى. وكما أن غير الأتقياء من الناس سيقاسون العذاب الأبدي، إذ نسيء إلى الله بما نفعله في سبيل استرضاء الناس ما كان ينبغي أن نفعله في سبيله هو، هكذا يديننا المطلع على خفايا قلوبنا، إذ آثرنا الناس على الله، ومديح العالم على مديح الرب.
ترجمة: الراهب باسيليوس السرياني (السابق).
________________________________________
[2] إلى أناتوليس عن الأفكار الثمانية، 8.
كتاب في روح الكبرياء
القديس يوحنا كاسيان
الكبرياء أصل كل الشرور
مقال القديس يوحنا كاسيان "عن روح الكبرياء" له أهميته الخاصة، ليس للرهبان والمتوحدين فحسب، بل ولكل مؤمنٍ. فمع معالجته العملية لهذه الخطية أوضح جانبًا هامًا يمس حياة الكثيرين. فنحن نعلم أن كثيرين خاصة من الشباب يئنون بسبب سيطرة الشهوات الجسدية على أفكارهم، وأحيانًا على أحلامهم. وبالرغم من اهتمامهم الشديد بممارسة وسائط الخلاص من تقديم توبة واعتراف، وتأمل في الكتاب المقدس، وأصوام ومطانيات واشتراك في ليتورجيات كنسية، مع امتناعهم عن الجوانب السلبية المعثرة، إلا أن سلطان الشهوات يحني كيانهم الداخلي. غالبًا ما يكون "روح الكبرياء" هو علة هذه العبودية المرة، خاصة في التعامل مع القريبين جدًا من الإنسان، مثل الوالدين أو الزوجة أو الزوج أو الأبناء… هكذا يقدم لنا القديس كاسيان مفتاحًا خطيرًا يسند المؤمن على الطهارة الداخلية ( راجع فصول 21-23).
إن كان القديس يوحنا كاسيان قد وضع الكبرياء في آخر قائمة الخطايا الرئيسية، لكنه يؤكد أنها أول الخطايا وأخطرها.
يميز القديس كاسيان بين نوعين من الكبرياء: نوع يهاجم القديسين والكاملين روحيُا، حيث يبث فيهم روح البرّ الذاتي، والآخر يهاجم المبتدئين الجسدانيين.
أما خطورة الكبرياء فتظهر في النقاط التالية:
•أحدرت الكبرياء كوكب الصبح (إبليس) إلى جهنم، وهي أول خطية واجهت الإنسان الأول في الجنة.
•كل خطية تحاول أن تحطم فضيلة أو أكثر في حياة الإنسان، أما الكبرياء فيشبه وحشًا مفترسًا يود أن يقضي على النفس كلها ويجردها من كل فضيلة.
•الله نفسه يعلن أنه يقاوم المستكبرين، الأمر الذي لم نسمع عنه بخصوص أية خطية أخرى، لأن الكبرياء موجه ضد الله نفسه.
•جاء السيد المسيح ليقاوم الكبرياء ويشفي المستكبرين باتضاعه… فما نطق به إبليس نطق ضده المخلص بروحٍ متضعٍ. هكذا نتعلم من سقوط إبليس كما من عمل المخلص ضرورة الهروب من الكبرياء والالتجاء إلى الاتضاع.
•يدفع الكبرياء النفس إلى التجديف، ويسلم الإنسان إلى الشيطان، خاصة شيطان الدنس والنجاسة. لهذا يليق بمن يُحارَب بالشهوات الجسدية أن يتأمل أعماقه لئلا يكون وراءها كبرياء خفي.
يقدم لنا القديس يوحنا كاسيان التداريب التالية:
1.الرجوع إلى خبرة آباء الكنيسة المتواضعين، لنقتدي بهم.
2.الصراخ لله كي يحمي النفس وينميها في الفضيلة.
3.عدم مقارنة الإنسان نفسه بالفاترين، فيظن أنه أفضل منهم، بل بالملتهبين بالروح، فيتمتع بالتطلع نحو السماويات ولا ينحرف عن هدفه.
4.مقاومة الكبرياء لا يعني التراخي في الجهاد، بل بالعكس نجاهد واثقين في غنى نعمة الله.
5.الشكر الدائم على عطايا الله الطبيعية والفائقة، مثل خلقتنا كبشرٍ عاقلين وتقديم الخلاص لنا، وقبولنا أبناء له بالمعمودية، هذا بجانب رعايته الدائمة وعنايته الإلهية اليومية، سواء في الأمور التي نتلمسها أو المستترة عنا.
يقول القديس أوغريس عن الكبرياء:
[أما "شيطان الكبرياء" فهو سبب سقوط النفس المحزن للغاية. إنه يشير على النفس ألا تنظر إلى الله كمعين لها، بل تنسب إلى ذاتها كل ما هو صالح، فتبتدئ تنتفخ أمام الاخوة، وتحسبهم جهلاء، لأنهم لا يعرفون منزلتها السامية.
الكبرياء يتبعه الغضب والتذمر. والشر الأخير يتبعه خروج الإنسان عن وعيه والغيظ ورؤية شياطين كثيرة في الهواء.]
القمص تادرس يعقوب ملطي
الفصل الأول
المعركة الثامنة عن الكبرياء، وسماتها
معركتنا الثامنة والأخيرة هي ضد روح الكبرياء الشريرة، وبالرغم من أنها الأخيرة في قتالنا ضد أخطائنا، وتحتل المكان الأخير في القائمة، إلا إنها تأتي بحسب الترتيب الزمني في المقدمة. وهي أكثر الخطايا السابقة افتراسًا وقسوة وتدميرًا. وبصورة رئيسية تهاجم الكاملين، وتخصص لدغاتها المميتة لأولئك الذين بلغوا حياة الفضيلة.
الفصل الثاني
نوعان من الكبرياء
بالنسبة للكبرياء يوجد نوعان، الأول يزعج الفضلاء والروحانيين، والآخر يهاجم المبتدئين الجسدانيين. ومع أن كلاً من النوعين يثير نشوة خطيرة تجاه الله والإنسان، إلا أن النوع الأول يثيرها بالأكثر تجاه الله (أو علاقة الإنسان بالله)، والثاني تجاه الإنسان. بخصوص علة هذا الجانب الأخير والعلاج منه فسنحاول بمعونة الله أن نعالجه قدر الإمكان في الجزء الأخير من هذا الكتاب.
الآن نقترح أن نتحدث قليلاً عن النوع السالف الذكر الذي كما ذكرت قبلاً أنه يُحارَب به الكاملون على وجه الخصوص.
الفصل الثالث
الكبرياء محطم كل الفضائل
لا يوجد خطأ ما يحطم كل الفضائل ويسلبها، ويعري الإنسان من كل برّ وقداسة، مثل شر الكبرياء، الذي يشبه وباءً خطيرًا يهاجم الإنسان بكليته، ولا يقتنع بإتلاف جزء منه أو عضوٍ واحدٍ، إنما يتلف الجسم كله بتأثيره المميت. يجتهد الكبرياء أن يطرح الإنسان بسقوط مهلك، ويحطم في الحال الذين وصلوا إلى قمة الفضائل.
بالنسبة لأي خطأ آخر يكتفي أن يسبب في الداخل جرحًا في حدودٍ معينة، فإن كان يقاوم بعض الفضائل، لكنه يتجه أساسًا ضد فضيلة واحدة فقط ويهاجمها بصفة خاصة.
لكي أوضح قصدي فإن الشراهة وشهوات البطن والأطباق الشهية (اللذيذة) تحطم فضيلة العفة (ضبط النفس). والجشع والطمع يشينا أو يعيبا الطهارة أو النقاوة. والغضب يقضي على الصبر. لذلك فالإنسان الذي يكون مستعبدًا لإحدى هذه الخطايا تنقصه بعض الفضائل... فالشخص ببساطة يُحرم من واحدة من الفضائل عندما يذعن أو يخضع للرذيلة (أو الإثم) التي تقاومه بإغراءاتها، لكنه يستطيع الحفاظ على فضائله الأخرى. لكن عندما تملك هذه الرذيلة مرة على نفسٍ بائسة، فإنها تشبه بعض الوحوش المفترسة (الكاسرة) التي تهدم القلعة السامية للفضيلة، وتحطم المدينة بالكلية وتهدمها، فتقوم الرذائل على هدم حصون القداسة وإرباكها معًا.
إن نير العبودية للكبرياء قاسٍ ومؤلم، وبواسطة قساوته الممزِقة يجرد النفس ويقهر كل قوة للفضيلة.
الفصل الرابع
بسبب الكبرياء انقلب كوكب الصبح من رئيس ملائكة إلى إبليس
بهذا تقدر أن تفهم قوته الشنيعة الطاغية
لكي ندرك قوة ذاك الطاغية المرعب لننظر كيف أن ذاك الملاك الذي لأجل عظمة جلاله وبهائه دُعي لوسيفر قد أُلقي خارج السماء بسبب هذه الخطية وحدها. وبسبب طعنه بشوكة الكبرياء طُرح من مركزه العظيم الفخم إلى أسفل كملاك لجهنم. كان كبرياء القلب بمفرده كافيًا لأن يطرحه من السماء إلى الأرض. عظمة سقوطه توضح لنا بأي اهتمام ينبغي أن نشعر بالضعف البشري لكي نكون في يقظة من الكبرياء؟
لكن كيف نستطيع أن نتفادى هذا الشر المميت؟ إذا تعقبنا إثر أسباب السقوط الرئيسية نُدرك أنه لا يمكن لهذا لضعف أن يُشفى، كما لا يُجدي العلاج بالنسبة للحالات الصحية السيئة ما لم تُستأصل الأسباب الرئيسية بحكمة وهدوء. بمعنى أن (لوسيفر) وُهب سموًا إلهيًا ونال حكمة، فظن أن هذا السمو وهذه الحكمة وهذا الجمال، الأمور التي حصل عليها كهبات من الخالق، يتمتع بها بقوته الشخصية وليس من نعم هذا الكريم. بهذا انتفخ كما لو كان في غير حاجة لأية معونة إلهية لكي يستمر في هذه الحالة من النقاوة. وفكر في نفسه أن يكون مثل الله، لا يحتاج إلى أي أحدٍ، واثقًا في قوة إرادته الذاتية، متخيلاً إنه من خلالها يستطيع أن يمد نفسه بغنى بكل شيءٍ ضروري في التدرب على الفضيلة أو حفظ بركتها الكاملة. هذا الفكر بمفرده كان سبب سقطته الأولى، وإذ يبحث الله عنه ظن (الشيطان) إنه غير محتاج إليه. أصبح فجأة مزعزعًا وغير ثابتٍ، وظهر ضعف طبيعته، وفقد التطويب الذي تمتع به كهبة إلهية، لأنه "أحب كلمات الدمار" التي بها تكلم، قائلاً: "أصعد إلى السماء".
بسبب اللسان الخادع الذي به قال لنفسه: "أنا أصير شبيهًا بالعلي"، كآدم وحواء اللذين أرادا أن يصيرا شبيهين بالله، حطمه الله إلى الأبد، كما طرده وحرمه من محل سكناه، فأخذ طريقه إلى الأرض. حينئذ إذ يرى البشر الخراب الذي لحق به يخافون منه ويضحكون عليه، ويقولون: هكذا يكون الذين يظنون أنهم في إمكانهم الحصول على السمو الإلهي بدون الحماية أو المعونة الإلهية. هكذا يكون الإنسان الذي لا يكون الله عونه، ويثق في كثرة غناه ويملأه غروره.
الفصل الخامس
الكبرياء منبع كل الخطايا
هذا هو سبب السقطة الأولى، ونقطة البدء في الخطية الأصلية، التي أقحمت نفسها مرة ثانية على الرجل الأول (آدم) الذي دمرته، وأثمرت فيه الضعف وأدوات جميع الأخطاء. لأنه حينما اعتقد إنه بحرية إرادته، وبمجهوداته الذاتية يمكنه أن يكون في عظمة الله، فقد في الحقيقة ذاك المجد الذي كان يتمتع به كعطية الخالق المجانية.
الفصل السادس
خطية الكبرياء هي الأخيرة في ترتيب القتال
لكنها الأولى وأصل الخطايا
يظهر بثبات واضح بالأمثلة والشهادات من الكتاب المقدس إن خطية الكبرياء، بالرغم من تأخر ترتيبها (بين الخطايا) هي أولى الخطايا والأخطاء، وهي لا تموت بالفضيلة المضادة لها (التواضع)، وفي نفس الوقت محطمة لكل الفضائل، ولا تُغري فقط الناس العاديين والبسطاء، لكن بالأكثر الذين يقفون على قمة الشجاعة.
لهذا يتكلم الرسول عن هذه الروح… وكذلك داود الطوباوي، بالرغم من أنه كان شديد الحرص على مخازن قلبه لدرجة أنه تجرأ أن يخاطب الله الذي لا يُخفي عنه أسرار ضمائره (أسراره الداخلية) كما في مز 130 (131): 1،2؛ مز 100 (101): 1،2. مع هذا لكونه عرف صعوبة السهر حتى بالنسبة للكاملين لم يعتمد على مجهوداته الخاصة، بل صلى إلى الله وطلب معونته، حتى يمكنه أن يخرج منتصرًا من ضربات عدوه قائلاً: "خاصم يا رب مخاصميّ، امسك مجنًا وترسًا وانهض إلى معونتي" (مز 1:35، 2). ولأنه خاف وارتعب أن يسقط فيما قيل عن الكبرياء لذلك يقول: "يقاوم الله المستكبرين، وأما المتواضعين فيعطيهم نعمًة" (يع6:4)، "مكرهة الرب كل متشامخ القلب، يدًا ليد لا يتبرّأُ" (أم 5:16).
الفصل السابع
خطية الكبرياء خطيرة، الله نفسه هو عدوها
يا لخطورة خطية الكبرياء، فإنه لا يوجد أي ملاك ولا طغمة تقف أمام الكبرياء، لكن الله نفسه هو عدوها. يجب أن نأخذ في الاعتبار أنه لم يُقل قط عن هؤلاء الذين سقطوا في خطايا أخرى أن الله يقاومهم، أقصد إنه لم يُذكر أن الله مقاوم للنهمين والزناة والطماعين أو الشرهين، لكن فقط للمتكبرين، لأن في هذه الخطايا يتعامل الذين يرتبكونها أو من يبدو أنهم يرتكبونها ضد أناس آخرين، أما هذه الخطية فتتعامل ضد الله نفسه، لذلك استحقت بجدارة أن يقاومها الله (يع6:4).
الفصل الثامن
حطم الله كبرياء الشيطان بفضيلة التواضع
هكذا الله الخالق وشافي الكل، الذي يعرف أن الكبرياء هي السبب والمصدر الرئيسي لكل الشرور، أعطى اهتمامًا أن يشفي الضد بالضد، هذه الأمور التي تتحطم بواسطة الكبرياء يجب أن تُشفى بواسطة التواضع (إش13:14).
مقابل ذاك الذي قال: "أصعد إلى السماوات"، قال الآخر: "نفسي منحنية إلى التراب" (مز25:44).
مقابل الذي قال: "أصير شبيهًا بالعلي"، قيل عن الآخر: "إذ كان في صورة الله لم يُحسب خلسة أن يكون معادلاً لله، لكنه أخلى نفسه آخذًا صورة عبد، صائرًا في شبه الناس، وإذ وُجد في الهيئة كإنسان وضع نفسه، وأطاع حتى الموت موت الصليب" (في6:2-8).
مقابل الذي قال: "أرفع كرسيّ فوق كواكب الله"، قال الآخر: "تعلموا مني لأني وديع ومتواضع القلب" (مت29:11).
مقابل الذي قال: "من هو الرب حتى أسمع لقوله فأطلق إسرائيل" (خر20:5)، قال الآخر: "وإن قلت إني لست أعرفه أكون مثلكم كاذبًا، لكني أعرفه وأسمع قوله" (يو55:8).
مقابل الذي قال: "نهري لي وأنا عملته لنفسي" (حز3:29)، قال الآخر: "أنا لا أقدر أن أفعل من نفسي شيئًا …لكن الآب الحال فيّ هو يعمل الأعمال" (يو30:5، يو10:14).
مقابل الذي قال: "جميع ممالك المسكونة ومجدهن هي لي وأعطيها لمن أريد" (لو6:4)، قيل عن الآخر: "وهو غني افتقر لكي نغتني نحن بفقره" (2 كو 9:8).
لأجل الذي قال: "وكما يُجمع بيض مهجور جمعت أنا كل الأرض، ولم يكن مرفرف جناح، ولا فاتح فم، ولا مصفصف" (إش 14:10)، قال الآخر: "صرت مثل بومة الخرب، سهدت وصرت كعصفور منفرد على السطح" (مز 7:102، 8).
من أجل الذي قال: "أنشف ببطن قدمي خلجان مصر"، قال الآخر: "ألا أستطيع الآن أن اطلب إلى أبي فيقدم لي أكثر من اثني عشر جيشًا من الملائكة" (مت53:26).
إذا تأملنا في سبب سقطتنا الأولى وأسس خلاصنا وتأملنا بواسطة من وبأي طريقة وُضع أساس الخلاص، وكيف بدأ السقوط، نتعلم سواء من سقطة الشيطان أو من مثال المسيح كيف نتجنب موت الكبرياء المرعب.
الفصل التاسع
كيف نتغلب على الكبرياء
يمكننا أن نهرب من فخ هذا الرمح الأكثر شرًا، إذا كنا عندما نشعر بأننا أحرزنا نجاحًا أو تقدمًا في أية فضيلة نقول كلمات بولس الرسول: "لست أنا بل نعمة الله التي معي" "ولكن بنعمة الله أنا ما أنا" )1 كو 10:15)، و"أن الله هو العامل فينا أن نريد وأن نعمل من أجل مسرته" (في 13:2). يقول ينبوع خلاصنا نفسه: "الذي يثبت فيّ وأنا فيه هذا يأتي بثمر كثير لأنكم بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئًا" (يو 5:15)، "وإن لم يبنِ الرب البيت فباطلاً تعِبَ البناءون، وإن لم يحرس الرب المدينة، فباطلاً يسهر الحارس، وباطل هو لكم أن تبكروا إلى القيام" (مز 1:127، 2)، "إذن ليس لمن يشاء ولا لمن يسعى بل الله الذي يرحم" (رو 16:9).
الفصل العاشر
لا يُمكن لأحد أن يصل إلى كمال الفضيلة
ويأخذ وعد البركة بقوته الذاتية بمفردها
لا يمكن بإرادة أي إنسان أو رغبته مهما كانت غيرته واشتياقه للفضيلة أن يصل إلى مكافأة الكمال وشرف الطهارة المستقيمة، وإن تكون هذه الإرادة كافية، طالما هو مُحاط بالجسد الذي يحارب الروح، ما لم تسنده مراحم الله.
ولكي يدرك رغبته العظيمة التي يسعى إليها عليه أن يدرك "أن كل عطية صالحة وكل موهبة تامة هي من فوق نازلة من عند أبي الأنوار" (يع17:1)، "لأنه من يميزك وأي شئ لك لم تأخذه، وإن كنت قد أخذت، فلماذا تفتخر كأنك لم تأخذ؟!" (1كو7:4)
الفصل الحادي عشر
توضيح نعمة الله في حالة اللص
وحالة داود وفي دعوتنا نحن
إذا تذكرنا أن اللص الذي بواسطة اعترافٍ وحيدٍ دخل إلى الفردوس (لو40:23)، نشعر أنه لم ينل مثل هذه البركة بواسطة استحقاقات حياته، بل حصل عليها بعطية رأفة الله. وإذا وضعنا نصب أعيننا خطيتا الملك داود الفظيعتين الشنيعتين اللتين مُحِيتا بكلمة انسحاق واحدة (2صم13:12)، نرى أنه لم تكن استحقاقات أعمالهما كافية لحصولهما على غفران خطاياهما العظيمة، لكن نعمة الله ازدادت عندما أظهرا الانسحاق الحقيقي وانتقل ثقل الخطية الكامل خلال اعترافهما الكامل في عبارة واحدة.
إذا وضعنا في الاعتبار أيضًا بداية دعوة البشرية وخلاصها كما يقول الرسول نرى أننا لم نخلص بواسطة أنفسنا ولا بأعمالنا، بل بواسطة عطية الله ودعوته، ونستطيع أن نرى بوضوح كيف أن إتمام الكمال ليس "لمن يشاء ولا لمن يسعى بل لله الذي يرحم"، الذي يجعلنا منتصرين على أخطائنا بدون أي استحقاق لأعمالنا أو حياتنا التي نعطيها أهمية أكثر مما يجب من جانبنا، أو أي مجهود لإرادتنا يساعد في التغلب على صعوبات الفضيلة الشديدة أو في قمع الجسد الذي نستخدمه.
ليست أتعاب الجسد ولا ندامة القلب في ذاتها كافيتين للحصول على طهارة الإنسان الداخلي حتى يمكننا أن نحصل على فضيلة النقاوة العظيمة (الموجودة فطريًا في الملائكة كسكان السماء، لا بواسطة المجهود البشري وحده بدون معونة الله.) لأن إتمام كل شيء حسنًا يفيض من نعمته. منْ منا بكثرة فضله يخوّل مثل هذه البركة الأخيرة وهذا المجد العظيم بإرادتنا الضعيفة وسبيل حياتنا القصيرة الزهيدة؟!
الفصل الثاني عشر
أي عناء نحتمله لا يُقابل بوعد البركة
عناء كل السنين الطويلة لهذه الحياة الحاضرة يختفي عندما ننظر إلى أبدية المجد العتيد، وكل أحزاننا ستتلاشى بالتفكير في البركة العظيمة، وتصير كالبخار الذي يضمحل وكأنها لم تكن؛ تشبه البرق الذي حالما يختفي.
الفصل الثالث عشر
تعليم الآباء في طريقه اكتساب الطهارة
إنه وقت لإبراز الكلمات المُحققة التي اختبرها الآباء، هؤلاء الذين لم يتركوا طريق الكمال.
يلزمنا الطاعة لوصيتهم بكلماتهم المسموعة، التي بنوع ما اقتنوها فعلاً، وتمتعوا بالفضيلة التي لأرواحهم التي مروا بها بتجاربهم الخاصة وأمثلتهم المؤكدة، لذلك قالوا: لا يستطيع أحد أن يكون نقيًا بالجملة من الخطايا الجسدية ما لم يفهم أن كل عمله ومجهوداته غير كافية لأجل نهاية عظمة الفضيلة.
الفصل الرابع عشر
تُعطى معونة الله للذين يجاهدون
لا أقول هذا لكي نقلل من شأن المجهود البشري، أو نحبط سعي أي إنسان للوصول إلى غرضه وبذل مجهوده، ولكن لنوضح بأكثر اجتهاد، ونبسط دون إبداء رأيي الخاص بل رأي الآباء أن الكمال ليس من الممكن الوصول إليه بسهولة بغير إرادتهم، ولكن بواسطتها وحدها لا يستطيع أحد الوصول إليه.
عندما نقول أن المجهود البشري لا يستطيع بمفرده أن يحمينا بدون مساعدة الله، نُصر على أن مراحم الله ونعمته هي التي تخول هؤلاء الذين يجاهدون ويكافحون استعمال تعبير الرسول لهم "نريد ونسعى… "
إذن نقول هذا بالنظر إلى كلمات مخلصنا التي تعطي الذين يسألون، وتفتح للذين يطرقون، وتوجِد للذين يسألون (مت 7:7). لكن السؤال والطلب والقرع من جانبنا لا يكفي ما لم تعطنا رحمة الله ما ينبغي أن نسأله، وتفتح الباب الذي نقرعه، وتؤهلنا أن نأخذ ما نطلبه. من جانبه يمنح كل الأشياء فقط إذا أُعطيت له الفرصة برغبتنا الخاصة، لأنه يرغب ويبحث عن كمالنا وخلاصنا أكثر وأبعد مما نريد نحن أنفسنا.
يعرف الطوباوي داود جيدًا أنه بمجهوده الخاص لا يستطيع أن يسند نموه في العمل والجهد، إذ يترجى باستمرار بصلواته لكي يستطيع الحصول على إرشادات من الرب…
الفصل الخامس عشر
مِمن نقدر أن نتعلم طريق الكمال
إذا كنا نرغب حقًا وبصورة جدية في الوصول إلى قمة الفضائل يجب أن نستمع إلى هؤلاء المعلمين والمرشدين الذين لم يكونوا واهمين ومفتخرين بممارستهم، لكنهم علموا بالفعل والخبرة، لكي يعلموننا جيدًا ومباشرة بالقدوة، ويوضحوا لنا الطريق الذي بواسطته نستطيع أن نصل إليه بطريقة مؤكدة، وأظهروا أنهم هم أنفسهم وصلوا إليه بالإيمان أكثر منه باستحقاق جهودهم.
بالإضافة إلى ذلك، فإن طهارة القلب التي اكتسبوها تعلمهم هذا فوق كل شيء. كمثال لكي نتعرف على هذا أكثر فأكثر علينا أن ندرك أنهم شعروا بثقل الخطية حتى يمارسوا التأنيب على خطاياهم المتزايدة يومًا بعد يوم، وما يصيب تقدمهم في طهارة نفوسهم، وتنهدهم باستمرار من أعماق قلوبهم، لأنهم رأوا أنه من غير الممكن تجنب وصمات وشوائب هذه الأخطاء التي تلطخوا بها خلال أفكارهم الحقيرة التي لا تُحصي. هكذا أعلنوا أنهم ينتظرون مكافأة الحياة الأبدية لا عن استحقاقات أعمالهم، ولكن من قبل مراحم الله.
إنهم لا يمجدون أنفسهم على حساب الظروف المحيطة بهم، مقارنين أنفسهم بالآخرين، إذ لا ينسبون ذلك إلى اجتهادهم الذاتي بل إلى النعمة الإلهية، دون مدح أنفسهم على حساب تهاون من هم باردون وأردأ منهم. لكنهم بالأحرى يركزون أنظارهم على من يهدفون إلى الاستمرار في التواضع، بتثبيت نظرهم على الذين هم بالحق أحرار من الخطية ويتمتعون فعلاً بالبركة ويتجنبون السقوط في الكبرياء وفي نفس الوقت يتطلعون دومًا نحو ما يهدفون إليه وما يجب أن يحزنوا عليه، إذ يعرفون أنهم لا يستطيعون أن ينالوا نقاوة القلب التي يبتغونها وهم مازالوا منحنين تحت ثقل الجسد.
الفصل السادس عشر
لا نستطيع أن نبذل مجهودنا لكي نحصل علي
الكمال بدون رحمة الله
يجب علينا توافقًا مع تعليم الآباء وثقافتهم أن نجتهد في الأصوام والصلوات والسهر وانسحاق القلب والجسد، خوفًا من أن نقلل من أهمية كل هذه الأشياء، وأن تفقد فائدتها عن طريق هجوم هذا المرض. لذلك يجب علينا أن نؤمن أننا ليس فقط لا نستطيع حماية الكمال العملي بواسطة مجهوداتنا الذاتية والتنفيذ العملي، لكننا أيضًا لا نستطيع أن ننجز هذه الأشياء التي نمارسها من أجل ذاتها، فلا نمارس جهادنا وعملنا ورغباتنا بغير معونة الحماية الإلهية ونعمة عمله فينا وتأديباته ونصائحه، هذه التي يظلل بها عادة في قلوبنا، سواء عن طريق آخرين أو بشخصه حين يفتقدنا.
الفصل السابع عشر
نصوص مختلفة توضح أننا لا نستطيع عمل أي شئ
يختص بخلاصنا بدون معونة الله
أخيرًا فإن مصدر خلاصنا يعلمنا ليس فقط ما ينبغي علينا أن نفكر فيه لكن أيضًا أن نعرف في كل شئ ما ينبغي أن نعمله. إنه يقول: "لا أستطيع من ذاتي أن أعمل شيئًا ولكن أبي الحال فيّ هو يعمل الأعمال" (يو30:5؛ يو10:14). يقول بحسب الطبيعة البشرية التي أخذها أنه لا يستطيع عمل أي شيء من نفسه، بينما نحن التراب والرماد نظن أننا لسنا في حاجة إلى معونة الله في ما يتعلق بخلاصنا. هكذا لنتعلم في كل شئ أن نشعر بضعفنا الطبيعي، وفي نفس الوقت ندرك معونته، فنقول مع القديسين: "دحرتني دحورًا لأسقط، أما الرب فعضدني. قوتي وتسبحتي الرب، وقد صار لي خلاصًا" (مز 13:118، 14)، "لولا أن الرب معيني لسكنت نفسي سريعًا أرض السكوت، إذ قلت قد زلّت قدماي فرحمتك يا رب تعضدني" (مز17:94-19). ناظرين أيضًا أن قلوبنا تتقوى في مخافة الرب وفي الصبر، فنقول: "وكان الرب سندي، أخرجني إلى الرحب" (مز 18:18، 19). وإذ نعلم أن المعرفة تنمو بالتقدم في العمل، نقول: "لأنك تضيء مصباحي أيها الرب، يا إلهي أنر ظلمتي، لأنه بك أخلص من التجربة وبك أتحصن". حينئذ نشعر نحن أنفسنا بالانتماء إلى الشجاعة والصبر ونسير في طريق الفضيلة مباشرة وبسهولة عظيمة وبغير جهد، فنقول: "إنه الله الذي يمنطقني بالقوة ويجعل طرقي كاملة، الذي يجعل قدميّ كقدميّ الأيل، ويجلسني في الأعالي، ويعلم يديّ الحرب".
نملك أيضًا روح التمييز، فنتقوى بذاك الذي به نستطيع أن نقهر أعداءنا، ونصرخ إلى الله: "تأديبك جاء عليَّ إلي النهاية، وسوف يعلمني تأديبك، توسع خطواتي تحتي فلم تتقلقل عقباي، ولأني أنا هكذا أتقوي بمعونتك وقوتك". بجسارة أقول هذه الكلمات: "أتبع أعدائي فأدركهم، ولا أرجع حتى أفنيهم. أسحقهم فلا يستطيعون القيام، يسقطون تحت رجلي" (مز 37:18،38 ).
مرة ثانية نراعي ضعفنا الخاص وندرك هذه الحقيقة أنه بينما نظل مثقلين بالضعف الجسدي لا نستطيع بدون معونته أن نغلب مثل هؤلاء الأعداء (خطايانا)، فنقول: "بك سوف نشتت أعدائنا"، "باسمك ندوس القائمين علينا، لأني علي قوسي لا أتكل، وسيفي لا يخلصني، لأنك أنت خلصتنا من مضايقينا، أخزيت مبغضينا" (مز6:44-8)، لكن فضلاً عن ذلك "تمنطقني بقوة للقتال، تصرع تحتي القائمين عليَّ، وتعطني أقفية أعدائي ومبغضي أفنيهم" (مز39:18-40).
إذ نتأمل أننا بأسلحتنا الخاصة لا نستطيع أن نغلب، نقول:
"امسك مجنًا وترسًا وانهض إلى معونتي، وأشرع رمحًا وصد تلقاء مطاردي. قل لنفسي: خلاصكِ أنا" (مز2:35،3).
"وتجعل يدي كسهمٍ من نحاس، وتجعل لي ترس خلاصك ويمينك تعضدني" (مز35:18).
"آباؤنا ليس بسيفهم امتلكوا الأرض، ولا ذراعهم خلصتهم، لكن يمينك وذراعك ونور وجهك، لأنك رضيت عنهم" (مز4:44،5).
أخيرًا بعقل مملوء غيرة نتأمل في كل بركاته بالشكر، فنصرخ إليه بمشاعر قلبية عميقة لأجل كل هذه الأمور، لأننا قاتلنا وأخذنا منه نور المعرفة وضبط النفس والتمييز(الفطنة)، ولأنه زودنا بأسلحته الخاصة، ومنطقنا بالفضيلة وجعل أعداءنا يهربون من أمامنا، وأعطانا القوة أن نحطمهم ونجعلهم كالرماد أمام الريح. "أحبك يا رب يا قوتي، الرب صخرتي ومنقذي، إلهي صخرتي به أحتمي، ترسي وقرن خلاصي وملجأي، أدعو الرب الحميد فأتخلص من أعدائي" (مز2:18-4).
الفصل الثامن عشر
كيف أصبحنا في حماية بواسطة نعمة الله،
ليس فقط بعطاياه الطبيعية، لكن أيضًا بعنايته الإلهية اليومية
إننا ليس فقط نسعى إليه شاكرين لأنه أوجدنا مخلوقات عاقلة، ومنحنا قوة حرية الإرادة، وأنعم علينا ببركة نعمة المعمودية، ووهبنا المعرفة والناموس، بل وأيضًا لأجل كل ما يمنحنا إياه بحمايته اليومية، إذ ينجينا من دهاء أعدائنا، ويعمل معنا فينقذنا من خطايا الجسد، وبدون معرفتنا لها يعطينا درع حمايته لنا من المخاطر، ويحمينا من السقوط في الخطية، ويساعدنا وينيرنا. بهذا نستطيع أن نفهم ونتعرف علي مساعدته اليومية التي يعطينا إياها (والتي بعضًا منها معروف بواسطة الناموس)، وأيضًا خلال سلطانه السرّي ننعم بتأنيب ضميرنا لارتكابنا الخطايا والإهمال. إنه يفتقدنا باهتمامه بنا وتأديبنا من أجل سلامة نفوسنا حتى أننا أحيانًا بغير إرادتنا نجد أنفسنا مرارًا منجذبين بواسطته نحو خلاصنا.
أخيرًا فإن إرادتنا الحرة هذه التي تنحرف إلى الخطية كثيرًا ما تتحول بواسطته إلى غرضٍ نبيلٍ، وبواسطة تأهبه واقتراحه، يجعلنا نميل في اتجاه طريق الفضيلة.
الفصل التاسع عشر
تسلمنا الإيمان المرتبط بنعمة الله من قبل آبائنا القدماء
هذا هو التواضع أمام الله. هذا هو الإيمان الحقيقي لآبائنا القدماء الذي ظل مستمرًا مع خلفائهم.
من أجل هذا الإيمان، فإن الفضائل الرسولية، التي كثيرًا ما كانت تظهر، تحمل شهادة غير مشكوك فيها، ليس فقط وسطنا نحن، لكن أيضًا وسط الكافرين وغير المؤمنين، لكي يحفظوا في بساطة قلوبهم الإيمان البسيط الذي للصيادين.
لم يتسلموه بروح العالم خلال المنطق أو فصاحة شيشرون، لكن تعلموه بخبرة السيرة نقية، والسلوك بلا دنس وبتصحيح أخطائهم و(نقول بالحقيقة بالأكثر أنه) بالبراهين الملموسة، ألا وهي سمة الكمال العملي للإيمان، والذي بدونه لا وجود للتقوى أو الطاعة نحو الله، ولا أي تطهير لخطايانا، ولا تقويم للحياة، ولا كمال للفضيلة المؤكدة.
الفصل العشرون
شخص غلبه روح شرير بسبب التجديف
أعرف شخصًا من بين الأخوة الذي كنت بكل قلبي أرغب أن لا أعرفه مطلقًا، سمح لنفسه أن يصير مرهقًا بمسئوليات (الكهنوت)، اعترف لأعظم شيخ أنه حُورب بخطية جسدية مرعبة. لقد اشتعل برذيلة الشهوة غير المحتملة، برغبة غير طبيعية للهوى… لكن الآخر كطبيبٍ روحيٍ حقيقيٍ في الحال أدرك السبب (الداخلي) وأصل هذا الشر، تنهد بعمق قائلاً: "ما كان الله يسمح لك البتة أن تنهزم بهذه الروح الشريرة لو لم تجدف عليه".
عندما كشف هذا في الحال سقط عند قدميه علي الأرض، وصُعق في دهشة عظيمة كما لو كان الشيخ قد رأي أسرار قلبه عارية بعمل الله. اعترف أنه جدف بأفكار شريرة ضد ابن الله. فإنه من الواضح أنه إذا سكن أحد روح الكبرياء أو ارتكب تجديفًا ضد الله كإنسان يخطئ في حق من كان يجب أن يُنتظر منه هبة الطهارة، مثل هذا الشخص يُحرم من القيام والكمال ولا يستحق نعمة الطهارة المقدِّسة.
الفصل الحادي والعشرون
مثال يوآش ملك يهوذا يوضح لنا ثمار الكبرياء
نقرأ عن أمرٍ كهذا في سفر الأخبار عن يوآش ملك يهوذا. عندما كان في السابعة من عمره استدعاه يهوياداع الكاهن ليصير ملكًا، وبشهادة الكتاب المقدس مُدح من أجل كل أعماله أثناء حياة الكاهن سالف الذكر، لكننا نسمع عنه بعد موت يهوياداع كيف انتفخ بالكبرياء وسُلم إلى حالة أكثر خزيًا. "وبعد موت يهوياداع جاء رؤساء يهوذا وسجدوا للملك، حينئذ سمع الملك لهم، وتركوا بيت الربّ إله آبائهم، وعبدوا السواري والأصنام، فكان غضب علي يهوذا وأورشليم لأجل إثمهم هذا" (2أي17:24،18). قيل بعد قليل: "وفي مدار السنة صعد عليه جيش أرام، وأتوا إلى يهوذا وأورشليم وأهلكوا كل رؤساء الشعب من الشعب وجميع غنيمتهم أرسلوها إلى ملك دمشق، لأن جيش أرام جاء بشرذمة قليلة، ودفع الربّ ليدهم جيشًا كبيرًا جدًا، لأنهم تركوا الرب إله آبائهم. فأجروا قضاءً علي يوآش، وعند ذهابهم عنه، لأنهم تركوه بأمراض كثيرة" (2أي23:24-25).
ها أنت تري كيف أن شهوة الكبرياء سلمته لشهوات دنس مخجلة من أجل أنه انتفخ بالكبرياء وسمح لنفسه أن يُعبد كإله، كما يقول الرسول: "لذلك أسلمهم الله إلى أهواء الهوان وإلى ذهن مرفوض ليفعلوا ما لا يليق" (رو 26:1، 28)، ولأن الكتاب المقدس يقول: "مكرهة الرب كل متشامخ القلب" (أم 5:16). ذاك الذي انتفخ بكبرياء القلب المتزايد يسلم لعارٍ وخزي عظيمين ليُغوي بها.
هكذا عندما يتواضع يجب أن يعرف أنه اتسخ بدنس الجسد ومعرفة الشهوات الدنسة، الشيء الذي رفض أن يعرفه عندما كان في كبرياء قلبه. أيضًا هذا الفساد المخزي الذي للجسد يمكن أن يفضح دنس القلب المختفي الذي ارتبط به من خلال خطية الكبرياء، وكأن فساد جسده الواضح يمكنه أن يبرهن علي تلوثه الذي لم يكن يراه فيما مضي، فيعرف أنه أصبح دنسًا من خلال كبرياء روحه.
الفصل الثاني والعشرون
سقوط كل نفس متكبرة تحت خداع روح شريرة
ظاهر بوضوح أن كل نفس يبتلعها الكبرياء المتزايد تُسلم إلى روح آرامية[2]، أي إلى روح شريرة، وهذا يوقعها في شباك شهوات الجسد. أخيرًا تصبح النفس مذلولة بأخطاء أرضية ونجاسات دنسة، فتعرف قذارتها. ورغمًا من أنها تقف منتصبة، لكن في برودة قلبها لا تستطيع أن تفهم أنه خلال الكبرياء قلبها صارت دنسة في نظر الله، بهذا تصير ذليلة.
يجب على الإنسان أن يتخلص من فتوره السابق، ويصير منسحق النفس، ويعترف بخزي شهواته الجسدية حتى يستطيع من ذلك الوقت فصاعدًا وبسرعة أن يصير أكثر غيرة على حرارة روحه.
الفصل الثالث والعشرون
لا يُمكن الحصول على الكمال إلا من خلال فضيلة التواضع
يظهر بوضوح أنه لا يستطيع أحد الوصول إلى حد الكمال والطهارة إلا بواسطة الاتضاع الحقيقي الذي ظهر في المثال الأول للاخوة، ويعلن لله بعمق قلب الاعتقاد أنه بدون حمايته ومساعدته العظيمة له في كل لحظة لا يستطيع بسهولة أن يصل إلى الكمال الذي يريده ويبادر إليه بحماسٍ كثيرٍ.
الفصل الرابع والعشرون
من الذي يُهاجم بالكبرياء الروحي ومن الذي يهاجم بالكبرياء الجسداني
يكفينا ما تحدثنا به قدر طاقتنا بمعونة الله عن الكبرياء الروحي؛ نقول إنه يهاجم المسيحيين المتقدمين. هذا النوع من الكبرياء غير مألوف ولم يختبره معظم الناس، لأن الأغلبية لا يهدفون إلي الحصول علي نقاوة القلب الكاملة لكي يصلوا إلى مرحلة الصراعات، ولا بلغوا أية نقاوة من الأخطاء السابقة التي تم شرح سماتها والعلاج منها في كتب منفصلة. إنها بصفة عامة تهاجم الذين هزموا الأخطاء السابقة وبلغوا فعلاً إلى قمة شجرة الفضائل. ولأن عدونا المحتال الماكر لم يكن قادرًا علي تحطيمهم بالأخطاء الجسدية يسعى أن يطرحهم ويقهرهم بكارثة روحية، محاولاً بهذا أن يسلبهم جعالة مكافأتهم القديمة المضمونة عندما كانوا يجاهدون بعملٍ عظيمٍ.
أما بالنسبة لنا نحن الذين مازلنا ساقطين في شباك شهوات أرضية، فإن الشيطان لا يخطط لكي يجربنا بهذه الطريقة، لكنه يقهرنا بواسطة الكبرياء الجسداني. لذلك أظن أنه حسن بي أن أقول القليل عن هذا النوع من الكبرياء كما وعدت، هذا الذي عادة نتأثر به نحن ومن علي شاكلتنا، خاصة الشبان والمبتدئين المعرضين للخطر.
الفصل الخامس والعشرون
وصف للكبرياء الجسداني،
والشرور التي تنشا عنه في نفس الراهب.
يجد هذا الكبرياء الجسداني الذي تحدثنا عنه له مدخلاً إلى قلب الراهب المُصاب بفتورٍ روحيٍ والذي لم ينبذ العالم كما يجب منذ البداية. هذا النوع من الكبرياء لا يُلزمه على التخلي عن حالته الأولي من التكبر العالمي إلى التواضع الحقيقي في المسيح.
فأول ذي بدء يجعله عنيدًا وجافًا، ثم يحرمه من أن يكون لطيفًا ورؤوفًا، ولا يسمح له أيضًا أن يكون مشابهًا اخوته أو مثلهم يتجرد من ممتلكاته الأرضية كما أوصانا إلهنا ومخلصنا.
زهد العالم ما هو إلا علامة الإماتة والصلب. لا يمكن للراهب أن يبدأ بأية نقطة أخرى غير هذه، فهذا هو الأساس الوحيد الذي يقوم عليه. يجب عليه أن يدرك أنه لا يموت روحيًا عن أعمال هذا العالم فحسب، بل ومن واجبه أن يموت بالجسد كل يوم. هذا يجعله لا يتمنى أن تطول حياته، وإن كان أمامه صراع طويل مع ضعفاته ونقائصه عليه أن يخوضه، إذ أن هذا الثقل يجعله يُصاب بالشعور بالعار والارتباك.
فعندما يتجرد (الراهب الساقط تحت الكبرياء الجسداني) من كل شيء يبدأ يحتاج إلى مساندة من أموال الآخرين وليس من عندياته، مع أنه كان خير له أن يعتمد على عمل يديه ليقتات خبزه ويجد كسوته دون الالتجاء إلى الآخرين، كما جاء في النص الذي ذكرناه سابقًا، وهو أن الذين أصيبوا بالغباء بسبب هذه البلادة وبرودة القلب لا يستطيعوا أن يفهموا الكلمات: "مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ" (أع 25:20).
الفصل السادس والعشرون
الرجل الذي يبني على أساس سيئ ينحدر يوميًا من سيئ إلى أسوأ
يوجد من يملك عليهم مثل هذا الارتياب الذهني ويستميلهم الشيطان بعيدًا عن شرارة الإيمان التي كانت مشتعلة بداخلهم حين آمنوا في الأيام الأولي، فيتحول مثل هؤلاء إلى محبة المال بشغفٍ شديد، وقد كانوا قبلاً متجردين منه. بل ويكنزونه بجشعٍ عظيمٍ كأناس لا يعرفون كيف يسترجعون ما قد دفعوه عنهم سابقًا.
يبقي نوع ثالث أيضًا يثير الاشمئزاز بالأكثر ألا وهو أن يجمع الإنسان ما لم يكن قط ملكًا له.
أصحاب هذه النوعية الأخيرة يُتهمون بأنهم لم يجنوا من ترك العالم أكثر من لقب الرهبنة وشكلها. بهذه البداية إذًا وعلى هذا الأساس السيئ للغاية والفاسد يكون البناء المشيد فوقه من الطبيعي مجموعة من الأخطاء. ومن المؤكد أن كل ما يشيد على هذا الأساس الخسيس سوف يحدر الروح البائسة إلى الحضيض في انهيار ميئوس منه.
الفصل السابع والعشرون
وصف الأخطاء التي تنشا في خطية الكبرياء
الذهن الذي يتحجر بهذه المشاعر ويحمل في مستهل حياته مثل هذه البرودة البائسة لابد أن ينحدر يوميًا من سيئ إلى أسوأ وتكون نهاية حياته شنعاء. وبينما يجد لذة في شهواته الأولي، ويُغلب كما من جشع شرير، إذ يقول الرسول عنها: "الطمع الذي هو عبادة الأوثان" (كو 5:3) ويقول ثانية: "محبة المال هي أصل لكل الشرور" (1تي 10:6)، لا يستطيع أن يقتنى قلبيًا الاتضاع الصادق والحق الذي للمسيح. هكذا نجد مثل هذا الشخص يفتخر بنُبل مولده، أو ينتفخ بمركزه السامي في العالم (الذي هجره بالجسد لكنه مازال يتملك على ذهنه)، أو يفتخر بثرائه الذي يحتفظ به لتدميره. نتيجة هذا لا يروق له بعد أن يحمل نير الدير أو يتلقى إرشادات وتعاليم من أي أبٍ من الآباء. وليس فقط يعترض على تنفيذ أي قانون في خضوعٍ وطاعةٍ، بل ويرفض الإنصات لأي تعاليم عن الكمال.
ينمو مثل هذا النفور داخل قلبه حتى إن أثير مثل هذا الحديث لا يستطيع أن يركز نظره على نقطة واحدة، بل يجول بعينيه هنا وهناك بلا تعبير، وهذه هي عادة مثل هؤلاء. وأيضًا نجده يفتعل السعال، ويفرقع أصابعه، ويعبث بهم ويخربش مثل إنسان يكتب، ويتململ في جلسته، ويحرك ساقيه بحركات عصبية، فتظنه في جلوسه وسط هذا المجال في الأحاديث الروحية وكأنه جالس على أشواك، بل وعلى أشواك حادة جدًا، أو وسط كمٍ من الديدان.
وإذا أُدير الحديث ببساطة عن شيءٍ ما ذي نفع للسامعين يتوهم أن هذا قد جاء ذكره في الحديث عمدًا من أجل نصحه هو وإرشاده. وكلما استرسل الحديث من أجل اختبار الحياة الروحية يظل مأخوذًا بأفكار الشك والريبة ولا يهتم بأن ينتفع بالحديث لبنائه الروحي. وللأسف كل ما يهمه هو البحث عن السبب وراء ما قيل، أو يدور في ذهنه كيف يثير اعتراضات على ما يقال، فلا يخرج بشيء من كل ما يُقال للمنفعة. فتكون النتيجة عكسية، إذ يصيبه الضرر عوضًا عن النفع، وتصير له فرصة لخطية أعظم.
وبينما يُنخس ضميره ويتوهم أنه هو المُستهدف في كل ما قيل يزداد بالأكثر عناد قلبه، وتشتد استجابته لوخزات الغضب، فيعلو صياحه، ويصير حديثه خشنًا، وإجاباته مرة ومزعجة، ويمشي بخيلاء وبحسب هواه. وتصير الكلمات حاضرة على لسانه ويتقدم في الحديث، إذ لا يكون الصمت صديقه إلا عندما يرعى في قلبه شيئًا من المرارة تجاه أخٍ ما. وهذا الصمت حينئذ لا يُنبئ بالندم أو الاتضاع، بل بالكبرياء والغضب. فمن الصعب أن تحكم أي الأمرين فيه هو الكريه بالأكثر، هل هو القصف الصاخب بلا ضابط، أم رزانته المميتة المرعبة. ففي الأولي نرى ثرثرة في غير محلها وضحكًا عابثًا وداعرًا ومرحًا غير منضبط وبلا نظام، وفي الأخيرة نجد صمتًا مملوء غضبًا ومُرعبًا، ناشئًا ببساطة عن الرغبة في الاستمرار في مشاعر الحقد إلى أطوال أمد. هذه المشاعر التي تترعرع في صمت ضد بعض الأخوة وليس عن رغبة في اقتناء فضيلة الاتضاع والصبر.
الإنسان الذي يصير فريسة للغضب الشديد يثير في نفوس الآخرين البؤس والقنوط. إنه ليس فقط يستحي أن يعتذر لأخيه الذي أساء إليه، بل وحين يتقدم الأخر للاعتذار له يرفض ذلك وينتهره. فإن مبادرة الاخوة لا تليِّن قلبه ولا تمسه، بل بالأحرى تثير غضبه بالأكثر، إذ يسبقه أخوه ويفوقه في فضيلة التواضع. وفي العادة يصير هذا التواضع الكامل للغير والاعتذار الذي يُقدم لكي يضع حدًا للتجربة الشيطانية بالنسبة له فرصة لانفجار الغضب.
الفصل الثامن والعشرون
عن كبرياء أحد الأخوة، إذ أطاع إلى وقتٍ ما
سمعت عن أمرٍ ما أثناء إقامتي في هذه المنطقة روعني، أخجل من تذكره. انتهر أحد الآباء راهبًا مبتدئًا بدت عليه علامات نبذ فضيلة التواضع، وقد جاز حرب الكبرياء لمدة محدودة أثناء الفترة الأولي لتركه العالم وصارع فيها ضد الشياطين. فجاءت إجابته وقحة للغاية إذ قال: "هل أذللت نفسي لوقتٍ ما عن قصد حتى أصير في خضوع مستمر؟!" ذُهل الآب من هذا الجواب الجائر والكريه، وإذ كان مندهشًا فلم ينطق بكلمة، كأنما قد تلقي هذه الإجابة من لوسيفر القديم نفسه وليس من إنسانٍ. ولم يسعه أن يرد بكلمة عن هذه الوقاحة إلا بتنهدات قلبه وأناته وقد دار في ذهنه بصمت ما قيل عن مخلصنا: "وإذ وُجد في الهيئة كإنسان، وضع نفسه وأطاع"، ليس كما قال الرجل الذي كان في قبضة روح شيطانية "لوقت ما"، بل "حتى الموت" (في 6:11، 8).
الفصل التاسع والعشرون
العلامات التي بها تُدرك أن الكبرياء الجسداني متمكن في الروح
دعنا نجمع معًا وباختصار ما قيل عن هذا النوع من الكبرياء، فنجمع على قدر الإمكان بعض علاماته حتى يمكننا أن نقدم إلى العطشى نحو الإرشاد في طريق الكمال فكرة عن خصائصه مستقاة من حركات الإنسان الخارجي.
أظن أنه من الأفضل أن نكشف عنه في كلمات قليلة حتى يسهل لنا أن نميز العلامات التي بها نتبينه. لأنه إذ تتعرى جذور هذا الألم، وتطفو على السطح، وتصير ظاهرة للعين، حينئذ يسهل اقتلاعها ويمكن تجنبها. بهذه الطريقة وحدها يهرب هذا الشر الأكثر خطورة. فإذا قمنا بمقاومة هذا اللهيب الخطر بسطوته الهدامة قبل أن يتمكن منا وقبل أن يكون الوقت قد تأخر، أي ندرك أعراضه مبكرًا، حينئذ نحتاط منه بتروٍ وحكمةٍ. وكما قلنا أن طريقة سير الإنسان الخارجية تنبئ عن حالته الداخلية. هكذا وبهذه العلامات نرى ما هو على الساقط تحت هذا الكبرياء الجسداني الذي تحدثنا عنه قبلاً.
في البداية نجده في أحاديثه يصيح وتعلو نبرات صوته، وفي صمته تُوجد مرارة.
في مرحه يكون مزعجًا ومبالغُا في ضحكاته، وفي جديته يكون مٌكْمدّ الوجه بلا داعي.
تأتي إجاباته مٌفعمة بروح الحقد، ولسانه طليق بلا ضابط، وكلماته تتدفق كيفما اتفق بلا وزن.
يفتقر تمامًا لطول الأناة، بلا رحمة.
يقذف الآخرين بشتائم وقحة يجبن أن يحتملها هو نفسه.
مثير للمتاعب عندما تُطلب منه الطاعة، إلا إذا جاء ما يُطلب منه متفقًا مع رغباته ويحلو له.
لا يسمح لأحدٍ أن ينصحه، ولا يستطيع أن يتخلى عن تنفيذ رغباته.
شديد العناد لا يلين للآخرين، ويحاول أن يضع خططًا للآخرين بنفسه، ولا يرضخ هو للغير.
يفضل رأيه الخاص عن أخذ مشورة الشيوخ حتى وإن كان غير قادرٍ على تقديم نصيحةٍ صائبةٍ.
الفصل الثلاثون
رغبة المُصاب بحالة فتور بسبب الكبرياء في أن يقود آخرين
عندما يتمكن الكبرياء من شخص ما ينحدر هكذا كما ذكرنا على مراحل. إنه يرتعد من تدريب مجموعة الرهبان، وكأنما صحبة الأخوة هي التي أعاقته في طريق الكمال، وأن خطايا الآخرين شوشت على تقدمه في الصبر والاتضاع. يتوق مثل هذا الشخص إلى التوحد في قلايته، أو يكون شغوفًا نحو بناء دير يجمع فيه آخرين ليرشدهم ويعلمهم، وكأنما سيكون ذا نفع لمجموعة أكبر من الناس. بذلك يجعل من نفسه قائدًا أكثر سوءً بدلاً من كونه تلميذًا سيئُا.
عندما يسقط الإنسان في هذا الفتور الشديد الخطورة والضار بسبب كبرياء القلب لا يستطيع أن يبقى راهبًا حقيقيًا أو إنسانًا عاديًا في العالم، والأسوأ من ذلك أنه يُمني نفسه بإدراك الكمال وهو في هذه الحالة البائسة وأسلوب حياته هذا.
الفصل الحادي والثلاثون
كيف نتغلب على الكبرياء، ونبلغ إلى الكمال؟
إذا ما رغبنا أن يعلو بناؤنا ليكون كاملاً حتى القمة ومٌرضيًا أمام الله علينا أن نسعى لنضع أساسًا ليس بحسب رغباتنا وإرضاء لشهواتنا بل تبعًا للقوانين الإنجيلية بتدقيق. هذه ما هي إلا مخافة الرب والاتضاع النابع عن بساطة القلب ولطفه، لكن لا يمكن اكتساب فضيلة الاتضاع إن لم نتخلَ عن كل شيء. وطالما الإنسان غريب عن هذه النية لا يستطيع أن يدرك فضيلة الطاعة مطلقًا ولا قوة الصبر ولا صفاء اللطف ولا كمال الحب. وإن افتقرنا إلى كل هذا لا يمكن للقلب أن يكون مسكنًا للروح القدس. كما يقول السيد بالنبي: "وإلى هذا انظر، إلى المسكين والمنسحق الروح والمرتعد من كلامي"، وبحسب الترجمات الأكثر دقة في التعبير عن العبري: "من أٌحابي ومن الذي يلتصق بي إلا الفقير والمزدري ومنسحق الروح والمرتعد من كلامي؟" (إش2:66).
الفصل الثاني والثلاثون
الكبرياء المحطم لكل الفضائل يتحطم بالتواضع الحقيقي
المناضل المسيحي الذي يجاهد قانونيًا في الحرب الروحية ويريد أن يكلله الرب، عليه أن يسعى بكل جهده لتحطيم هذا الوحش الشديد الضراوة والمحطم لكل الفضائل، علمًا بأنه طالما هذا الوحش مستقر في الصدر ليس فقط لن يتحرر الإنسان من كل أنواع الشرور، بل حتى وإن بدى ذو خصال حميدة فسيفقدها بسطوته الخبيثة.
لا يمكن أن يشيَّد بناء الفضيلة (إن جاز القول) في أرواحنا إلا عندما يوضع في قلوبنا أولاً أساس الاتضاع الحقيقي. إن استقر هذا بداخلنا يمكن أن يرتكز عليه الحب والكمال بكل ثقلهما، وكما قلنا إن هذا يحدث عندما نُظهر من نحو اخوتنا تواضعًا حقيقيًا من أعماق قلوبنا، ولا نقبل أبدًا أن نحزنهم أو نضرهم بشيء. هذا لابد أن يسبقه غرس إنكار الذات الحقيقي داخل نفوسنا من قِبل محبة المسيح، ثم نقبل حمل نير الطاعة والخضوع في بساطة قلب بغير رياء، فلا نرعى بداخلنا أية إرادة ذاتية، بل نعيش في طاعة لأبينا. هذا لا نأمن حدوثه إلا في حالة من يعتبر نفسه ليس فقط أنه قد مات عن العالم، بل وأنه جاهل أحمق ينفذ بلا جدال ما يسنده إليه رؤساؤه، مؤمنًا أن أمرًا مقدسًا قد صدر إليه من السماء.
الفصل الثالث الثلاثون
علاج خطية الكبرياء
عندما يستمر الإنسان في اتباع ذلك يثبت في هذه الحالة، يتبعها بلاشك حالة من الهدوء والأمان. فحين نعتبر أنفسنا أقل من أي إنسان آخر نحتمل ما يأتي علينا، حتى وإن جلب علينا أذى أو حزنًا أو خسارة، بكل صبر كما لو كان قد صدر من القائمين علينا. ولا نشعر إننا نتحمل هذه الأمور بمشقةٍ كبيرةٍ، بل نعتبرها أمرًا تافهًا وكلا شيء إذ لازمنا تذكر آلام السيد وقديسيه. فنحسب الأضرار التي تلحق بنا في تجاربنا أقل بكثير منهم، لأننا لم نبلغ مرتبتهم أو استحقاقاتهم. وعلينا أن نتذكر أيضًا أن رحيلنا عن هذا العالم ليس ببعيد وسوف نشاركهم نصيبهم بنهاية حياتنا سريعًا.
بأخذ مثل هذه الأمور في اعتبارنا نقضي على الكبرياء بداخلنا، ليس الكبرياء فقط هو الذي ينتهي بل كل أنواع الخطايا. من ثمَّ علينا أن نتمسك جيدًا بمثل هذا الاتضاع نحو الله، فنتيقن أننا لا نستطيع أن نتقدم في طريق اكتساب الفضائل الكاملة إلا بمساندة المسيح ونعمته، وفوق ذلك نؤمن بالحقيقة إن هذا الواقع عينه أي فهمنا لهذه الأمور هو عطية من الله.
تعريب: اجتماع الشباب الجامعي، كنيسة الشهيد مار جرجس باسبورتنج.
________________________________________
[2] يقصد أنها تسقط مثل يوآش بواسطة جيش أرام.