قال القديس أنطونيوس: «رأسُ الحكمةِ مخافةُ اللهِ. كما أنّ الضوءَ إذا دخل إلى بيتٍ مُظلمٍ طرد ظُلمَتَه وأنارَه، هكذا خوفُ اللهِ إذا دخل قلبَ الإنسانِ طرد عنه الجهلَ وعلَّمه كلَّ الفضائلِ والحِكمِ».

سيرة القديس أنطونيوس: من أهلِ الصعيدِ من جنسِ الأقباطِ، وسيرتُه عجيبةٌ طويلةٌ إذا استوفيناها شرحاً ... وإنما نذكرُ اليسيرَ من فضائِلِه:

إنه لما توفي والدُه دخل إليه وتأمَّل وبعد تفكيرٍ عميقٍ قال: «تبارك اسمُ الله، أليست هذه الجثةُ كاملةً ولم يتغير منها شيءٌ البتة سوى توقُّف هذا النَّفس الضعيف. فأين هي همَّتُك وعزيمتُك وأمرُك وسَطوتُك العظيمة وجمعُك للمالِ. إني أرى الجميعَ قد بَطُلَ وتركتَه ... فيا لهذه الحسرةِ العظيمةِ والخسارةِ الجسيمة». ثم نظر إلى والدِه وقال: «إن كنتَ قد خرجتَ أنت بغيرِ اختيارِك فلا أعجبَّن من ذلك، بل أعجبُ أنا من نفسي إن عملتُ كعملِك». ثم أنه بهذه الفكرةِ الواحدةِ الصغيرةِ ترك والدَه بغيرِ دفنٍ. كما ترك كلَّ ما خلَّفه له من مالٍ وأملاكٍ وحشمٍ، وخرج هائماً على وجهِهِ قائلاً: «ها أنا أخرجُ من الدنيا طائعاً كي لا يخرجوني مثلَ أبي كارهاً». ولم يزل سائراً حتى وصل إلى شاطئِ النهرِ حيث وجد هناك جميزةً كبيرةً وعندها بربا، فسكن هناك ولازَمَ النسكَ العظيمَ والصومَ الطويلَ، وكان بالقربِ من هذا الموضعِ قومٌ من العربِ، فاتَّفق في يومٍ من الأيامِ أن امرأةً جميلةَ الصورةِ من العربِ نزلت مع جواريها النهرَ لتغسلَ رجليها ورفعت ثيابَها وجواريها كذلك. فلما رأي القديسُ أنطونيوس ذلك حوَّل نظرَه عنهن وقتاً ما ظناً منه أنهن يمضين. ولكنَّهن بدأن في الاستحمامِ في النهرِ. فما كان من القديسِ إلا أنه قال لها: «يا امرأة أما تستحين مني وأنا رجلٌ راهب»؟ أمَّا هي فأجابته قائلةً له: «اصمت يا إنسان. من أين لك أن تدعوَ نفسَك راهباً؟ لو كنتَ راهباً لسكنتَ البريةَ الداخليةَ، لأن هذا المكانَ لا يصلُحُ لسُكنى الرهبانِ». فلما سمع أنطونيوس هذا الكلامَ لم يَرُدَّ عليها جواباً، وكثُرَ تعجُّبه لأنه لم يكن في ذلك الوقتِ قد شهد راهباً ولا عَرَف اسمَه. فقال في نفسِهِ: «هذا الكلامُ ليس من هذه المرأةِ، لكنه صوتُ ملاكِ الربِ يوبخني». وللوقتِ ترك الموضعَ وهرب إلى البريةِ الداخليةِ وأقام بها متوحداً. لأنه ما كان في هذا الموضعِ أحدٌ غيرُه في ذلك الوقتِ، وكانت سُكناه في قريةٍ قديمةٍ كائنةٍ في جبلِ العربةِ. صلاته تكون معنا آمين.

وكان يوماً جالساً في قلايتِهِ فأتى عليه بغتةً روحُ صغرِ نفسٍ ومللٌ وحيرةٌ عظيمةٌ، وضاق صدرُه، فبدأ يشكو إلى اللهِ ويقول: «يا ربُّ إني أحبُ أن أخلصَ لكن الأفكارَ لا تتركني، فماذا أصنعُ»؟ وقام من موضِعِه وانتقل إلى مكانٍ آخرَ وجلس. وإذا برجلٍ جالسٍ أمامه وعليه اسطوانةٌ ومتوشحٌ بزنارِ صليبٍ مثال الإسكيم، وعلى رأسِهِ كوكلس (أي قلنسوة) شبهُ الخوذةِ، وكان جالساً يُضفِّرُ الخوصَ. وإذا بذلك الرجل يتوقف عن عملِهِ ويقفُ ليصلي. وبعد ذلك جلس يُضفِّرُ الخوصَ ثم قام مرةً ثانيةً ليصلي، ثم جلس ليشتغلَ في ضفرِ الخوصِ، وهكذا ... أما ذلك الرجل فقد كان ملاكَ اللهِ أُرسِلَ لعزاءِ القديسِ وتقويتِهِ، إذ قال لأنطونيوس: «اعمل هكذا وأنت تستريح»، ومن ذلك الوقتِ اتَّخذ أنطونيوس لنفسِهِ ذلك الزي الذي هو شكلُ الرهبنةِ، وصار يُصلي ثم يشتغلُ في ضفرِ الخوصِ؛ وبذلك لم يَعُد المللُ يضايقه بشدةٍ. فاستراح بقوةِ الربِ يسوع له المجد.

من تعاليم القديس أنطونيوس:

قال: «إنّ أولَ كلِّ شيءٍ هو أن تصلي بلا مللٍ، واشكر اللهَ على كلِّ ما يأتي عليك. وإذا قُمتَ باكراً كلَّ يومٍ اسأل عن المرضى الذين عندك. لا تتحدث مع صبيٍ ولا تعاشره بالجملةِ ولا ترهبنه بسرعةٍ، ولا ترقد على حصيرةٍ واحدةٍ مع من هو أصغر منك، ولا تخالط علمانياً بالجملةِ، ولا تقترب إليك امرأةٌ ولا تَدَعها تدخلُ عندك، فالغَضَبُ يمشي خلفها، ولا تَعُدْ تفتقد أهلَك الجَسَدَانيين. ولا تُعطِ لهم وجهَك لينظروك. لا تُبقِ لك أكثرَ من حاجتِك، ولا تدفع أكثرَ من طاقتِك. وصدقتُك أعطِها لفقراءِ دَيرِك. وإذا حدثتْ عثرةٌ بسببِ شابٍ لم يلبس الإسكيمَ فلا تُرهبنه بل أخرجه من الديرِ بسرعةٍ».

حدث أنه لما دخل القديسُ البريةَ الداخلية، أن الشياطينَ نظرت إليه منزعجةً. فاجتمعتْ عليه وقالت له: «يا صبيَ العمرِ والعقلِ، كيف تجاسرتَ ودخلتَ بلادَنا، لأننا ما رأينا بشراً آدمياً سواك». وابتدَءوا يجاهدونه كلُّهم. فقال لهم: «يا أقوياءُ، ماذا تريدون مني أنا الضعيفُ المسكينُ. وما هو مقداري حتى تجمَّعتم كلُّكم عليَّ. أَلاَ تعلمونَ أني ترابٌ ووسخٌ وكلا شيءٍ، وضعيفٌ عن قتالِ أحدِ أصاغِرِكم». وكان يُلقي بذاتِهِ على الأرضِ ويصرخُ ويقول: «يا ربُّ أعني وقَوِّ ضعفي. ارحمني يا ربُّ فإني التجأتُ إليك. يا ربُّ لا تتخلَّ عني ولا يَقوَى عليَّ هؤلاء الذين يحسبون أني شيءٌ. يا ربُّ أنت تَعلَمُ أني ضعيفٌ عن مقاومةِ أحدِ أصاغر هؤلاء». فكانت الشياطينُ إذا سمعتْ هذه الصلاةَ المملوءةَ حياةً واتضاعاً تهربُ منه ولا تقدرُ على الدنوِّ منه.

وحَدَثَ أن جمعَ الأركونُ (أي رئيسُ الشياطينِ) كلَّ آلاتِ اللَّهوِ والطربِ واللَّذاتِ والنعيمِ والنساءِ وسائر أنواع الزنى ولذَّاتهِ. أما هو فكان يُغمِضُ عينيه ويقولُ: «عجباً منكم. كيف تجعلونَ لي مقداراً وتحتالون في سقوطي، مع إني ضعيفٌ عن مقاومةِ أحدِ أصاغركم. ابعدوا عني وعن ضعفي أنا المسكينُ الترابُ والرماد». وبذلك كانت الأفكارُ تسقطُ عنه بمعونةِ الله، والشياطينُ كانت تحترقُ لكثرةِ اتضاعِهِ. وفي مرَّاتٍ كثيرةٍ كانت الشياطينُ تُحضرُ له جميعَ أنواعِ التخويفِ والإزعاجِ والتهويلِ والعذابِ. وهو يصرخُ إلى اللهِ باتضاعٍ ويقول: «انجدني يا ربُّ بمعونتِك ولا تَبْعُد عن ضعفي». وللوقتِ كانت الشياطينُ تهربُ عنه. ومراراً كثيرةً أيضاً كانت الشياطينُ تهجمُ عليه وتضربهُ ضرباً مؤلماً. وهكذا أقام القديسُ أنطونيوس ثلاثين عاماً إلى أن نظرَ الربُّ يسوعُ المسيح إلى كثرةِ اتضاعِه وصبرهِ واحتمالِه وكَسَرَ عنه شدةَ الأعداءِ. صلاته تكون معنا آمين.

قال القديس أنطونيوس: «أدِّب بخوفِ الله ولا تُشفق. لا تأخذ بوجهِ كبيرٍ ولا صغيرٍ، بل اقطع بكلامِ الحقِّ باستقامةٍ. احرس ثيابَك لئلا تمشي عُرياناً في يومِ الحُكمِ فتُفتَضَح. كُلْ خبزَك بسَكينةٍ وهدوءٍ وإمساك. وجلوسُك يكونُ بأدبٍ. ولا تتبع جميعَ أفكارِك. إذا ضُربَ الناقوسُ لا تتوانَ عن الحضورِ إلى الكنيسةِ، ولا تتقمقم في عملٍ ما. لا تُعيِّر أحداً مهما كانت الأسبابُ. إذا مضَيْتَ إلى أخٍ فلا تُبطئ في قلايتِهِ. لا تتحدث في الكنيسةِ ولا تجلس في أزقَّةِ الديرِ. لا تحلف البتةَ لا بشكٍ ولا بحقٍ. لا تمضِ إلى كنيسةٍ يجتمعُ فيها الناسُ ولا تُلَبِّ دعوةَ وليمةٍ. لا تَقُم بعملٍ من الأعمالِ إلا بعد استشارةِ أبِ الديرِ. لا تُظهر صوتَك إلا في صلاةِ الفرائضِ. والزم الحزنَ على خطاياك كمثلِ من عنده ميتٌ. أَوقِد سراجَك بدموعِ عينيك. لا تتحدث بأفكارِك لجميعِ الناسِ إلا الذين لهم قوةٌ على خلاصِ نفسِك. واشتغل بكلِّ قوتِك ليتمجدَ أبوك الذي في السماواتِ. أدِّب ابنَك بلا شفقةٍ فدينونتُه عليك. لا تأكل حتى تشبع ولا تَنَمْ إلا يسيراً بقدرٍ. لا تكن مُقاتِلاً باللسانِ. اجعل كلَّ أحدٍ يباركُك، والربُّ يسوعُ المسيح يُعينُك على العملِ بمرضاتِهِ». له المجد إلى الأبد آمين.

وقال أيضاً: «كما أنَّ السمكَ إذا خرج من الماءِ يموتُ، كذلك الراهبُ إذا خرج من قلايتِهِ يموتُ خوفُ اللهِ من قلبهِ».

قيل: إن بعضَ الإخوةِ في الإسقيط اتفقوا على زيارةِ القديس أنطونيوس، فلما ركبوا المركبَ وجدوا فيها شيخاً من الآباءِ يُريد المضيَ إليه كذلك، ولم يكن الإخوةُ يعرفونه. ثم أنّ الإخوةَ اندفعوا يتحدثون حديثَ الآباءِ وبما جاء في الكتبِ ويذكرون أيضاً صناعةَ أيديهم. والشيخُ جالسٌ يسمعُ صامتاً. فلما صعدوا من المركبِ عَلِموا أن الشيخَ ماضٍ معهم إلى القديس أنطونيوس. فلما وصلوا إليه نظر إليهم القديسُ وقال للإخوةِ: «نِعْمَ الرفيقَ وجدتموه، أعني الشيخَ». ثم قال للشيخِ: «نِعمَ الرفقةَ وجدتَهم أيها الأبُ». فقال له الشيخُ: «أما هم فجيادٌ، ولكن دارَهم ليس عليها بابٌ، فإذا أراد أحدٌ الدخولَ إلى الإسطَبلِ ليحُلَّ الحِمارَ ويأخُذَه، ما كان له مانعٌ. أعني أنهم يتكلمون بكلِّ ما يجري على ألسنتِهم».

قيل: أتى إخوةٌ إلى الأنبا أنطونيوس وقالوا له: «يا أبانا، قُلْ لنا كيف نخلُص»؟ فقال لهم: «هل سمِعتم ما يقولُه الربُّ»؟ فقالوا: «من فَمِكَ أيها الأب». فأجابهم قائلاً: «من لَطَمَك على خدِك الأيمن حوِّل له الأيسرَ». فقالوا له: «ما نطيقُ ذلك». قال لهم: «إن لم تطيقوا ذلك فاصبروا على اللطمةِ الواحدةِ». فقالوا له: «ولا هذه نستطيعُ». فقال لهم: «إن لم تستطيعوا فلا تجازوا من يظلمكم». فقالوا له: «ولا هذا نستطيعُ». فما كان من القديسِ إلا أن دعا تلميذَه وقال له: «أصلحْ مائدةً واِصرِفهُم لأنهم مرضى. إن هذا لا يطيقون، وذلك لا يستطيعون، ووصايا الربِّ لا يريدون، فماذا أصنعُ لهم»؟!

قال الأنبا أنطونيوس: «إن للجسدِ ثلاثَ حركاتٍ: الأولى من الطبعِ تتحركُ فيه، ولكنها ليست عاملةً ما لم توافقها النيةُ. والحركةُ الثانيةُ تتولدُ من الراحةِ وترفيه البدنِ وتنعيمِهِ بالطعامِ والشرابِ. فيسخنُ الجسدُ ويهيجُ الدمُ ويُحرَّك إلى الفعلِ. ولذلك قال الربُّ: انظروا لئلا تَثقُل قلوبُكم بالشبعِ والسُكرِ. والرسولُ يقول: لا تسكروا بالخمرِ الذي منه الخلاعةُ. أما الحركةُ الثالثةُ فإنها تَهيجُ على المجاهدين من حسدِ الشياطين. وعلى ذلك فالحركةُ الأولى طبيعيةٌ والاثنتان الأخريان عرضِيَّتان، وفي استطاعتنا أن نقبلهما أو نرفضهما إذا شئنا».

وقال أيضاً: «الذي يطرُقُ سبيكةً من الحديدِ يسبقُ أولاً فيُمثِّل في فكرِهِ ما هو عتيدٌ أن يفعلَه، إما منجلاً أو سكيناً أو فأساً وهكذا. فسبيلُنا نحن أيضاً أن نفكرَ في كلِّ شيءٍ نبدأُ في العملِ فيه لئلا يكون عملُنا باطلاً».

وقال أيضاً: «إن الطاعةَ والتمسكنَ يُخضعان لنا الوحوشَ».

وقال أيضاً: «ليكن خوفُ اللهِ بين أعينِكم دائماً، واذكروا من يُميتُ ويُحيي، وأبغِضوا العالمَ وكلَّ ما فيه من نياحِ الجسدِ، ولا تهتموا بهذه الحياةِ الفانيةِ لتحيوا باللهِ. واذكروا ما وعدتم به اللهَ فإنه سوف يطالبكم به في يومِ الدينونةِ. جوعوا. اعطشوا. اسهروا. تعرَّوْا. نوحوا. ابكوا. تنهدوا واحزنوا في قلوبِكم، هل أنتم مستحقين للهِ؟ تهاونوا بالجسدِ لتحيا أنفسُكم».

سُئل القديس أنطونيوس: «ما هو العملُ الجيدُ»؟ فأجاب وقال: «إن الأعمالَ الجيدةَ كثيرةٌ، لأن الكتابَ يقول: إن إبراهيمَ كان مضيفاً للغرباءِ وكان اللهُ معه، وإيليا كان يؤثِرُ سكنى البريةِ والوحدةَ وكان الله معه، وداود كان متضعاً ووديعاً وكان الله معه، ويوسف كان حليماً عفيفاً وكان الله معه. فالذي يُحبهُ قلبُك من كلِّ هذا اعمله من أجلِ اللهِ واحفظ قلبَك. وإذا قاتلتْكَ أفكارٌ كثيرةٌ فقاتِل أنت رأسَها، فإن هزمتَه انهزم باقيها».

وقال أيضاً: «ينبغي لمن يُشتَم أن يعتقدَ في نفسِه أنه هو السببُ في شتمِهِ لسوءِ فعلِهِ. فيُصبحُ الشاتمُ مذلِّلاً له من الخارجِ، في الوقتِ الذي يُصبحُ هو مذلِّلاً لنفسِهِ من الداخلِ. مثلُه في ذلك مثلُ داود النبي الذي منع أصحابَه من قتلِ شاتِمِهِ إذ قال لهم: دَعُوه فإن الربَّ جَعَلَهُ يشتمُني. دَعُوه حتى ينظرَ الربُّ ذلِّي ويرحمني. وأن يتشبَّه (المشتومُ) بالسيدِ المسيحِ، لأنه لَمَّا شُتِم لم يَشْتِم. وأن تَفتكرَ في شاتِمِك أنه قد عتقَك من السُبحِ الباطلِ إن احتملتَه بمعرفةٍ. وأنه قد أَرسلَ لك على لسانِهِ الدواءَ النافعَ. أَقْسِر ذاتَك وتعوَّد قطعَ مشيئتِك، وبنعمةِ المسيحِ تبلُغُ إلى ممارسةِ كلِّ أمورِك بدونِ قَسْرٍ ولا حزنٍ. أَحسِن إلى كلِّ أحدٍ، وإن لم تقدر فأحبَّ كلَّ أحدٍ. وإن لم تستطعْ فلا أقلَّ مِن أن لا تبغضَ أحداً. ولن يتيسَّرَ لك شيءٌ من ذلك ما دمتَ تُحبُ العالميات».

وقال أيضاً: «إن حدَّثك أخٌ بأفكارِه فاِحْذَر أن تُظهرها لأحدٍ، بل صلِّ عنه وعنك كي تَخلُصا معاً. إن أُمِرتَ بشيءٍ يوافقُ مشيئةَ اللهِ فاحفظه. وإن أُمِرتَ بما يخالفُ الوصايا فقل إن الطاعةَ للهِ أولى من الطاعةِ للناسِ. واذكر قولَ الربِّ: إن غنمي تعرفُ صوتي وتتبعُني وما تتبعُ الغريبَ».

قالوا له: «هل جيدٌ للراهبِ أن يكتفي بذاتِهِ ولا يأخذُ من الإخوةِ ولا يعطيهم»؟ قال: «إن تَصَرَّفَ الراهبُ هكذا فهو يعيشُ بلا اتضاعٍ ولا رحمةٍ، ويَبْعُدُ بذلك من الخيراتِ المعدَّة للمتضعين والرحماءِ».

وسألوه أيضاً: «إن كان جيدٌ أن يكتفيَ الراهبُ بنفسِهِ. إذاً فلا هو يَخدِمُ أحداً ولا يدع أحداً يَخدِمُهُ كذلك»؟ فقال: «إنَّ الربَّ علَّمنا أن نَخدِمَ إخوتنا كما يَخدِمُ العبيدُ سادتَهم. وكما شدَّ هو وَسَطَه وغسل أرجلَ التلاميذِ. ولا نمتنع من أن نُخدَمَ، لأن بطرسَ لما امتنع من غسلِ رجليهِ، قال له المسيحُ: إن لم أغسلك فلن يكونَ لك نصيبٌ معي».

قالوا له: « ما معنى قولُ الرسولِ: افرحوا بالربِّ»؟ قال: «إذا فرحنا بإتمامِ الوصايا فهذا هو الفرحُ بالربِّ. فلنفرح بتكميل وصايا الربِّ وبنجاحِ إخوتنا. ولنحفظ أنفسَنا من فرحِ العالمِ والضحك إن أردنا أن نكونَ من خواصِ ربِّنا. لأنه قال: إن العالمَ يفرحُ وأنتم تبكون. كما قال أيضاً: الويلُ للضاحكين والطوبى للباكين. ولم يُكتب عنه قط أنه ضَحِكَ بل كُتب عنه أنه حَزِنَ ودمعت عيناه».

سأل أخٌ الأنبا أنطونيوس قائلاً: «ماذا أعملُ لكي أجدَ رحمةَ اللهِ»؟ أجابه القديسُ قائلاً: «كلُّ موضعٍ تمضي إليه اجعل اللهَ بين عينيك، وكلُّ عملٍ تعمله يكونُ لك عليه شاهدٌ من الكتبِ، وكلُّ موضعٍ تسكنه لا تنتقل منه بسرعةٍ. احفظ هذه الثلاثةَ تجدَ رحمةً».

سأل الأنبا بموا القديسَ أنطونيوس عما يصنعُ لخلاصِهِ، فقال له: «لا تتكل على برِّكَ ولا تصنع شيئاً تندمُ عليه. وأمسك لسانَك وبطنَك وقلبَك».

قال الأنبا أنطونيوس لتلاميذِهِ: «أنا لا أخافُ اللهَ». فقالوا له: «ما هذا الكلامُ الصعبُ يا أبانا». قال: «نعم يا أولادي، لأني أُحبُّه، والحبُّ يطردُ الخوفَ».

وقال أيضاً: «إن شِئتَ أن تخلُصَ فلا تدخل بيتَك الذي خرجتَ منه. ولا تسكن في القريةِ التي أخطأتَ فيها. ولا تُبصر أبويك ولا أقرباءَك الجَسَدَانيين، وإلا فأنت تقيمُ زمانَك كلَّه بغيرِ ثمرةٍ. لا تأكل مع امرأةٍ. ولا تصادق صبياً البتة. لا يرقد اثنان منكم على حصيرةٍ واحدةٍ. وإذا نمتَ لا تُدخل يدَك داخلك لئلا تخطئ بغيرِ هواك. لا تَحُلَّ مِنطَقتَك وأنت قويٌ. وإذا تعريتَ فلا تنظر جسدَك، ولا تمسك خَدَّ قريبك ولا يدَه صغيراً ولا كبيراً. لا تعُد إلى الميناءِ التي أخطأتَ للهِ فيها دفعةً أخرى لئلا تقعَ في فخٍ وعثرةٍ. أتعِب نفسَك في قراءةِ كتبِ اللهِ فهي تُخَلِّصُك من النجاسةِ. إن جلستَ في خِزانَتِك قم بعملِ يديك. ولا تَخَلِّ اسمَ الربِّ يسوعَ، بل أمسكه بعقلِك ورتِّل به بلسانِك وفي قلبك. وقل: يا ربِّي يسوعَ المسيحِ ارحمني. يا ربِّي يسوعَ المسيح أعني. وقل أيضاً: أنا أُسَبِّحُك يا ربِّي يسوعَ المسيح. اختَر التعبَ فهو يُخلِّصُك من جميعِ الفواحش مع الصومِ والصلاةِ والسهرِ. لأنَّ تعبَ الجسدِ يجلِبُ الطهارةَ للقلبِ. وطهارةُ القلبِ تجعلُ النفسَ تُثْمِرُ. لا تجعل نفسَك معدوداً بالجملةِ وأنت تتفرغ لتبكي على خطيئتِك. إياك والكَذِب فهو يطردُ خَوفَ اللهِ من الإنسانِ. لا تتحدث بأفكارِك لكلِّ أحدٍ لئلا تكونَ عثرةً. لتكنْ مُتعَباً في شغلِ يديك فيأتيكَ خوفُ اللهِ. أحبَّ الاتضاعَ فهو يغطي جميعَ الخطايا. لا تكن قليلَ السمعِ لئلا تكونَ وعاءً لجميعِ الشرورِ. ضع في قلبِك أن تسمعَ لأبيك فتحلَّ بركةُ اللهِ عليك».

ادَّعوا مرةً على أخٍ في ديرٍ بأنه زنى. فخرج من ديرِهِ وجاء إلى جبلِ أنطونيوس. فجاء إخوةُ ديرِهِ ليردُّوه وبدءوا يوبِّخونه بأنه فعل كذا وكذا. أما هو فأجاب بأنه لم يفعل شيئاً من هذا. واتفق أنّ أنبا بفنوتيوس كان هناك. فقال لهم مثلاً: «رأيتُ رجلاً على شاطئِ النهرِ وقد رموه في الطينِ إلى رُكبتيهِ. فجاءه قومٌ ليساعدوه فغطَّسوه إلى كَتِفَيهِ». فلما أُنبئ أنبا أنطونيوس بكلامِ بفنوتيوس قال: «إن هذا الرجلَ قادرٌ أن يشفي ويُخلِّصَ النفوسَ». فلما سمع الإخوةُ ندموا على الكلامِ الذي قالوه وضربوا المطانية للأخِ وحملوه إلى ديرِهِ.

قال الأنبا أنطونيوس: «لا تَفتَرِ على أخيك ولو رأيتَه عاجزاً عن إتمامِ جميعِ الفرائض لئلا تقعَ في أيدي أعدائِك. الخطايا القديمةُ التي فعلتَها لا تفكر فيها لئلا تتجددَ عليك. لا تتوهم أنك عالمٌ وحكيمٌ لئلا يذهب تعبُك سُدَى وتَمُرَّ سفينتُك فارغةً. عوِّد لسانَك القولَ في كلِّ شيءٍ وفي كلِّ وقتٍ ولكلِّ أخٍ وللهِ تعالى: اغفر لي، فيأتيك الاتضاعُ. لا تذكر لَهْوََك ولذَّاتِك في زمانِ كسلِك، ولا تتحدث عنها لئلا يصبحَ ذكرُها لك عثرةً. إذا جلستَ في قلايتِك فلا تفارق هذه الأشياءَ: القراءةَ في الكتبِ، التضرعَ إلى اللهِ، شُغلَ اليدِ. اطلب التوبةَ في كلِّ لحظةٍ. ولا تدع نفسَك للكسلِ لحظةً واحدةً. تَفَكَّر في كلِّ يومٍ أنه آخِرُ ما بقيَ لك في العالمِ، فإن ذلك يُنقِذُك من الخطيئةِ. واعلم أن الاتضاعَ هو أن تَعُدَّ جميعَ البشرِ أفضلَ منك، متأكِّداً من كلِّ قلبك أنك أكثرُ منهم خطيئةً. ويكونُ رأسُك منكَّساً ولسانُك يقولُ لكلِّ أحدٍ: اغفر لي. لا تتكلم قط في همومِ الدنيا بشيءٍ. اِحْذَر من أن تحبَّ بلوغَ شهواتِك وأغراضك. اِبغِض الجسدَ وارفض لذَّاتِه فإنها ممتلئةٌ شروراً. ارفض الكبرياءَ واعتبر جميعَ الناسِ أبرَّ منك. لا تكتم خطيَّتَك التي صنعتَها. ارفض الردَّ على من يُبغضك ولا تفكِّر في قلبِك بشرٍّ. لا تقاتل أحداً وإن استفزَّك باطلاً فلا تغضب. اِحْذَر أن تتكلمَ بكلامٍ فارغٍ ولا تسمعه من غيرِك أو تفكر فيه. وليكن كلامُك في ذِكرِ اللهِ واستغفارهِ».

وقال أيضاً: «إن قوماً عذَّبوا أجسادَهم في النسكِ ولم يجدوا الإفرازَ. فصاروا بعيدين عن طريقِ اللهِ».

حَدَثَ أن أحدَ الإخوةِ لَحِقَته تجربةٌ من ديرِه فطردوه من هناك. فمضى إلى أنطونيوس إلى الجبلِ وسكن عِندَه مُدةً. وبعد ذلك أرسلَهُ إلى ديرِه فلم يقبلوه وطردوه مرةً أخرى. فرجع إلى الأنبا أنطونيوس وقال له: «إنهم لم يَرضوا أن يقبلوني يا أبي». فأرسل إليهم يقول: «مركبٌ غرق في اللجَّةِ وتَلِفَت حمولتُهُ. وبتعبٍ كثيرٍ سَلِمَ المركبُ وجاء إلى البَرِّ. فالذي نجا أتريدون أن تُغرِقوه مرةً ثانيةً»؟ أما هم فحالما رأوْا كتابَ الأبِ قبلوه بفرحٍ.

ثلاثةُ شيوخٍ كانت لهم عادةٌ في كلَّ سنةٍ أن يمضوا إلى الأنبا أنطونيوس. فكان اثنان منهم يسألانَه عن الأفكارِ وعن خلاصِ نَفْسَيهِما. أما الثالثُ فلم يسأله زمانَه كلَّه عن شيءٍ البتةَ. وبعد زمانٍ طويلٍ قال له الطوباني: «هذا الزمانُ كلُّه تجئَ عندي وما سألتني عن شيءٍ». أما هو فقال له: «يكفيني نظري إليك يا أبي».

قال الأنبا أنطونيوس: «إيَّاك والشَرَه فإنه يطردُ خوفَ اللهِ من القلبِ والحياءَ من الوجهِ، ويجعلُ صاحبَه مأسوراً من الشهواتِ ويُضلُّ العقلَ عن معرفةِ اللهِ. اجعل لك دفعةً واحدةً في النهارِ للقيامِ بحاجةِ الجسدِ لا للشهوةِ. لا تكن كسلاناً فتموتَ بأشرِّ حالٍ. أضعف جسدَك كمثلِ من هو مُلقىً على سريرٍ فتهرُبَ الأوجاعُ عنك. اجعل فكرَك في الوصايا كلَّ حينٍ وداوم على فِعلِها. إيَّاك أن تَعيبَ أحداً من الناسِ لئلا يُبغضَ اللهُ صلاتَك. إيَّاك واللعب فإنه يطردُ خوفَ اللهِ من القلبِ ويجعلُه مسكناً لجميعِ الفواحشِ. أتعب نفسَك في قراءةِ الكتبِ واتِّباع الوصايا فتأتي رحمةُ اللهِ عليك سريعاً. إن الراهبَ الذي يكونُ في خِزانتِهِ غيرَ ذاكرٍ للهِ تعالى ولا قارئاً في الكتبِ فهو يكونُ كالبيتِ الخَرِب خارجَ المدينةِ الذي لا تُفارِقُه الجيفُ النَتنة. وكلُّ من احتاج إلى تنظيفِ بيتِهِ من جِيفَةٍ رماها فيه. صلِّ أبداً صلاةً في قلايتِك أولاً قبلَ صلاتِك مع الإخوةِ. ألزم البكاءَ فيترحَّمَ اللهُ عليك. أبغض كلَّ أعمالِ الدنيا وارفضها، فإنها تُبعِدُ الإنسانَ عن اللهِ. اِحْذَر من أن تكونَ صغيرَ النفسِ لأن صِغرَ النفسِ يجلِبُ الأحزانَ. أحبَّ التعبَ واظلم نفسَك لكلِّ إنسانٍ فتملكَ الاتضاعَ. والاتضاعُ يغفرُ الخطايا كلَّها».

وقال أيضاً: «ينبغي للراهبِ الشابِّ أن يستشيرَ الشيوخَ قبلَ كلِّ خُطوةٍ يخطوها في قلايتِهِ وقبل كلِّ نقطةِ ماءٍ يشربها، لأني رأيتُ رهباناً كثيرين بعد أن تعبوا كثيراً وقعوا في دهشةِ عقلٍ لأنهم توكَّلوا على معرفتِهم فقط. إذ لم يُصغوا إلى الوصيةِ القائلةِ: اسأل أباك فيُخبرك ومشايخك فيقولون لك».

قيل: اجتمع جماعةٌ من الآباءِ عند الأنبا أنطونيوس، وتباحثوا في أيِّ الفضائلِ أَكمَلَ وأقدَرَ على حفظِ الراهبِ من جميعِ مصايدِ العدو. فمنهم من قال إن الصيامَ والسهرَ في الصلاةِ يقوِّمان الفكرَ ويلطِّفان العقلَ، ويُسهلان للإنسانِ سبيلَ التقرُّبِ إلى اللهِ. ومنهم من قال إنه بالمسكنةِ والزهدِ في الأمورِ الأرضيةِ يمكنُ للعقلِ أن يكونَ هادئاً صافياً خالصاً من همومِ العالمِ فيتيسَّرَ له التقرُّبَ من اللهِ. وآخرون قالوا إن فضيلةَ الرحمةِ أشرفُ جميعِ الفضائلِ، لأن الربَّ يقولُ لأصحابها كما وَعَدَ: تعالوا يا مبارَكي أبي رثوا المُلكَ المعدَّ لكم من قَبلِ كونِ العالمِ. فَمِن بعدِ انتهائِهم من المباحثةِ والكلامِ، قال الأنبا أنطونيوس: «حقاً إن كلَّ هذه الفضائلِ التي ذكرتموها نافعةٌ ويحتاجُ إليها كلُّ الذي يطلبون اللهَ، ويريدون التقرُّبَ إليه، إلا أننا قد رأينا كثيرين يُهلكون أجسادَهم بكثرةِ الصومِ والسهرِ والانفرادِ في البراري والزهدِ، حتى أنهم كانوا يكتفون بحاجةِ يومٍ واحدٍ ويتصدَّقون بكلِّ ما يمتلكون، ومع كلِّ ذلك رأيناهم وقد حادوا عن المسلكِ القويمِ وسقطوا وعَدِموا جميعَ تلك الفضائلِ وصاروا مرذولين. وسبب ذلك أنهم لم يستعملوا الإفرازَ. إن الإفرازَ هو الذي يُعلِّمُ الإنسانَ كيف يسيرُ في الطريقِ المستقيمِ الملوكي وكيف يحيدُ عن الطريقِ الوعرةِ. إن الإفرازَ يُعلِّمُ الإنسانَ كيف لا يُسرق من الضربةِ اليمينية بالإمساكِ الجائرِ المقدار، وكيف لا يُسرقُ أيضاً من الضربةِ الشمالية بالتهاونِ والاسترخاء. إن الإفرازَ هو عيُن النفسِ وسراجُها، كما أن العينَ سراجُ الجسدِ. وبخصوصِ الإفرازِ يُحذِّرُ الربُّ قائلاً: اِحْذَر لئلا يكونَ النورُ الذي فيك ظلاماً. فبالإفراز يفحصُ الإنسانُ مشيئاته وأقواله وأعماله. وبالإفرازِ أيضاً يفهمُ الإنسانُ الأمورَ ويميزُ جيِّدَها من رديئها، ونتأكد من ذلك من الكتبِ المقدسةِ. فشاول الملك لما لم يمتلك الإفرازَ أَظْلَمَ عقلُهُ فلم يفطن إلى أهميةِ ما قاله اللهُ له بلسانِ صموئيل النبي. فأغضب اللهَ بذلك التصرفِ الذي به كان يظنُّ أنه يرضي الله، ونسي أن الطاعةَ للهِ أفضلُ من تقريبِ الذبائحِ. والربُّ يُسمِّي الإفرازَ ربّاناً ومدبِّراً لسفينةِ حياتِنا. والكتابُ يقولُ: إن الذين ليس لهم مدبِّرٌ يسقطون مثلَ الورقِ من الشجرِ. وأيضاً يقولُ الكتابُ: كَمِثلِ مدينةٍ غيرِ محصَّنةٍ وكلُّ مَن أرادَ دَخلها وأخذَ كنوزَها، كذلك الإنسانُ الذي يعملُ أمورَه بغيرِ مشورةٍ».

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

جاء عن القديسِ مقاريوس المصري الكبير أنه قال: إني في حالِ شبابي كنتُ جالساً في قلايةٍ في مصرَ، فأمسكوني وجعلوني قساً لضيعةٍ، وإذ لم أؤثر أن أتقلَّدَ هذه الرتبةَ هربتُ إلى مكانٍ آخرَ. حيث كان يأتيني رجلٌ علماني تقي وكان يخدِمُني ويبيعُ عملَ يديَّ. وفي يومٍ من الأيامِ حدث أن بتولاً في ذلك المكانِ سقطت في زنى وحملت في بطنها. فلما أُشهرت سُئلت عمن فعل معها هذا الفعلَ، فقالت: «المتوحد»! وسُرعان ما خرجوا عليّ وأخذوني باستهزاءٍ مريعٍ إلى الضيعةِ وعلّقوا في عنقي قدوراً قذرةً جداً وآذانَ جِرارٍ مكسورةٍ. وشهَّروا بي في كلِّ شارعٍ من شوارعِ الضيعةِ وهم يضربونني قائلين: «إن هذا الراهبَ أفسدَ عفةَ ابنتنا البتول، أخزوه». وهكذا ضربوني ضرباً مُبَرِّحاً قربتُ بسببهِ إلى الموتِ، إلى أن جاءني أحدُ الشيوخِ فقال لهم: «إلى متى هذه الإهانةُ. أما يكفيه كلُّ ذلك خجلاً»، فكانوا يشتمونه قائلين: «ها هو المتوحدُ الذي شهدتَ له بالفضلِ، انظر ماذا فعل». وأخيراً قال والدُها: «لن نُطلِقَه حتى يأتينا بضامنٍ بأنه يتعهدُ بالقيامِ بإطعامِها». فقال الشيخُ لخادمي: «اضمنه»، فضمنني ومضيْتُ إلى قلايتي ودفعتُ إليه الزنابيل التي كانت عندي قائلاً: «بعها وادفع ثمنَها لامرأتي لتأكلَ بها». وخاطبتُ نفسي قائلاً: «كِدَّ يا مقارة، ها قد صارت لك امرأةٌ». فكنتُ أشتغلُ ليلاً ونهاراً وأتعبُ لأقومَ بإطعامِها. فلما حان وقتُ ولادةِ الشقيةِ مكثتْ أياماً كثيرةً وهي معذبةٌ وما استطاعت أن تلدَ. فقالوا لها: «ما هو هذا»؟ فقالت: «إن كلَّ ما أصابني كان بسببِ أني قد ظلمتُ المتوحدَ واتهمتُه وهو برئٌ لأنه ما فعل بي شيئاً قط. لكن فلانَ الشاب هو الذي فعل بي هذا». فجاء إليَّ خادمي مسروراً وقال لي: «إن تلك البتولَ ما استطاعت أن تلدَ حتى اعترفتْ قائلة: إن المتوحدَ لا ذنب له في هذا الأمرِ مطلقاً، وقد كنتُ كاذبةً في اتهامي له. وها هم أهلُ القريةِ كلُّهم عازمون على الحضورِ إليك يريدون أن يتوبوا إليك ويسألونك الصفحَ والغفرانَ». فلما سمعتُ أنا هذا الكلامَ من خادمي أسرعتُ هارباً إلى الإسقيطِ. هذا هو السببُ الذي لأجلهِ جئتُ إلى جبلِ النطرون.

قيل عن الأنبا مقاريوس إنه بنى لنفسِه قلايةً غربي الملاحات وسكن فيها. وصار يُضَفِّرُ الخوصَ ويعيشُ من عملِ يديه ويعبدُ الله كنحوِ قوتِهِ. فلما سمع به أناسٌ حضروا إليه وسكنوا معه. فكان لهم أباً مرشداً. ولما سمع بسيرةِ الأنبا أنطونيوس وبأعمالهِ الفاضلةِ، مضى إليه فقَبِلَه وعزاه وأرشده إلى طريقِ الرهبنةِ، وألبسه الزيَ ثم عاد إلى موضعِهِ. وكثُرَ الذين يحضرون إليه فكان يُلبسهم الزيَ ويرشدهم إلى طريقِ العبادةِ. فلما كَبُرَ عددُهم بنوا لهم كنيسةً هي الآن موضع البراموس، فلما ضاق بهم المكانُ ولم تعُد الكنيسةُ تسعهم، تحوَّل الأب من ذلك المكانِ وبنى كنيسةً أخرى.

قال الأب مقاريوس: ضجرتُ وقتاً وأنا في القلاية. فخرجتُ إلى البريةِ وعزمتُ على أن أسألَ أيَّ شخصٍ أقابلُه من أجلِ المنفعةِ. وإذا بي أقابلُ صبياً يرعى بقراً. فقلت له: «ماذا أفعلُ أيها الولدُ فإني جائعٌ»؟ فقال لي: «كلْ». فقلتُ: «أكلتُ، ولكني جائعٌ أيضاً». فقال لي: «كلْ دفعةً ثانيةً». فقلت له: «إني أكلتُ دفعاتٍ كثيرةً ولا زلتُ جائعاً». فقال الصبيُ: «لستُ أشكُ في أنك حمارٌ يا راهب، لأنك تحبُّ أن تأكلَ دائماً». فانصرفتُ ولم أردَّ له جواباً.

سُئل القديس مقاريوس: «أيُّ الفضائلِ أعظمُ»؟ فأجاب وقال: «إن كان التكبُّر يُعتبرُ أشرَّ الرذائلِ كلِّها حتى أنه طرح طائفةً من الملائكةِ من علوِ السماءِ، فبلا شكٍ يكون التواضعُ أكبرَ الفضائلِ كلِّها لأنه قادرٌ أن يرفعَ المتمسكَ به من الأعماقِ حتى ولو كان خاطئاً. من أجلِ ذلك أعطى الربُّ الطوبى للمساكين بالروحِ».

أتى الأب مقاريوس يوماً من الإسقيط إلى نيرس، فقال له الشيوخ: «قل كلمةً للإخوةِ أيها الأب». فأجابهم قائلاً: أنا لم أصر راهباً، لكني رأيتُ رهباناً. فقد كنتُ يوماً جالساً في الإسقيط في القلاية، وإذا أفكارٌ تأتيني قائلةً: اذهب إلى البريةِ الداخليةِ وتأمَّل فيما تراه هناك. ومكثتُ مقاتِلاً لهذا الفكرِ خمسَ سنواتٍ ظاناً أنه من الشيطانِ. لكني لما وجدتُ الفكرَ ثابتاً مضيْتُ إلى البريةِ فصادفتُ هناك بحيرةَ ماءٍ وفي وسطِها جزيرةٌ، وقد وافت وحوشُ البريةِ لتشربَ. وشاهدتُ بينها رجلين مجرَّدين (أي عاريين)، فجزعتُ منهما لأني ظننتُ أنهما روحان. لكنهما لما رأياني خائفاً جزعاً خاطباني قائليْن: «لا تجزع فإننا بشريان مثلك». فقلتُ لهما: «من أنتما؟ وكيف جئتما إلى هذه البريةِ»؟ فقالا لي: «كنا في كنوبيون وقد اتفقنا على تركِ العالم فخرجنا إلى ها هنا. ولنا منذ ذلك الوقتِ أربعون سنةً. وقد كان أحدُهما مصرياً والآخر نوبياً. فسألتُهما كيف أصيرُ راهباً. فقالا لي: «إن لم يزهد الإنسانُ في كلِّ أمورِ العالمِ فلن يستطيعَ أن يصيرَ راهباً». فقلت لهما: «إني ضعيفٌ فما أستطيعُ أن أكونَ مثلَكما». فقالا لي: «إن لم تستطع أن تكونَ مثلنا فاجلس في قلايتك وابكِ على خطاياك». فسألتُهما: «هل ما تبردان إن صار شتاءٌ. وإذا صار حرٌ أما يحترقُ جَسداكُما»؟ فأجاباني بأن اللهَ قد دبَّر لنا ألا نجدَ في الشتاءِ برداً ولا يضرُّنا في زمنِ الحصادِ حرٌ. وأخيراً قال القديسُ للإخوة: «لذلك قلتُُ لكم إني لم أصر بعدُ راهباً، بل رأيتُ رهباناً. فاغفروا لي».

وحدث مرة أن مضى الأنبا مقاريوس إلى القديس أنطونيوس في الجبلِ وقرع بابَه. فقال الأنبا أنطونيوس: «من يقرعُ البابَ»؟ فقال: «أنا مقاريوس أيها الأب». فتركه الأنبا أنطونيوس ودخل ولم يفتح له البابَ. لكنه لما رأى صبرَه فتح له أخيراً وفرح معه وقال له: «منذ زمانٍ وأنا مشتاقٌ أن أراك». وأراحه لأنه كان مجهداً من أثر تعبٍ شديدٍ. فلما حان المساءُ بلَّ أنطونيوس قليلاً من الخوصِ لنفسِهِ. فقال له مقاريوس: «أتسمح أن أبلَّ لنفسي أنا أيضاً قليلاً من الخوصِ»؟ فقال له: «بلّ». فأصلح حُزمةً كبيرةً وبلَّها وجلسا يتكلمان عن خلاصِ النفسِ. وكانت الضفيرةُ تنحدرُ من الطاقةِ. فرأى أنبا أنطونيوس باكراً أن مقاريوس قد ضَفَّرَ كثيراً فقال: «إن قوةً كبيرةً تخرجُ من هاتين اليدين».

ومرة نزل الأب مقاريوس من الإسقيط إلى الحصادِ وصَحِبَه سبعةُ إخوةٍ. وكانت امرأةٌ تلتقطُ خلفَ الحصَّادين وهي لا تكفُّ عن البكاءِ. فاستفهم الأب من رئيسِ الحصَّادين عن أمرِ هذه العجوز وعن سببِ بكائها دائماً. فأجابه: «إن رجلَها عنده وديعةٌ لإنسانٍ مقتدرٍ. وقد مات فجأةً ولا تعلم المرأةُ موضعَ هذه الوديعةِ. وقد عَزِمَ صاحبُها على أخذِ أولادَها عبيداً». فلما استراح الحصَّادون من الحرِّ، دعا الشيخُ المرأةَ وقال لها: «هلمي أريني قبرَ زوجِك». فلما وصل إليه صلى مع الإخوةِ. ثم نادي الميتَ قائلاً: «يا فلان، أين تركتَ الوديعةَ»؟ فأجابه: «إنها في بيتي تحتَ رِجلِ السريرِ». فقال له القديسُ: «نَمْ أيضاً». فلما عاين الإخوةُ ذلك تعجبوا. فقال لهم القديسُ: «ليس من أجلي كان هذا الأمرُ لأني لستُ شيئاً. بل إنما صنع اللهُ هذا من أجلِ الأرملةِ واليتامى». ولما سمعت المرأةُ بموضعِ الوديعةِ، انطلقتْ وأخذتها وأعطتها لصاحبها. وكلُّ الذين سمعوا هذا سبَّحوا الله.

قيل عن الأب مقاريوس: إنه كان قد جعل لنفسِه قانوناً وهو أنه إذا قدَّم له الإخوةُ نبيذاً كان لا يمتنع من شربهِ، لكنه عِوض كلِّ قدحِ نبيذٍ يشربه، كان يصومُ عن شربِ الماءِ يوماً. فأما الإخوة فلكي ما يكرِّموه كانوا يعطونه، وهو لم يمتنع بدورِهِ إمعاناً في تعذيبِ ذاتهِ. أما تلميذُهُ فلمعرفتِه بأمرِ معلمِه، طلب من الإخوةِ من أجلِ الربِّ ألا يعطوا الشيخَ نبيذاً لأنه يعذِّبُ ذاتَه بالعطشِ. فلما علموا الأمرَ امتنعوا من إعطائهِ نبيذاً منذ ذلك الوقتِ.

صعد الأب مقاريوس مرةً من الإسقيط إلى البريةِ. فأتى إلى ناووس (أي هيكل وثني) حيث كانت هناك جثثٌ يونانيةٌ قديمةٌ. فأخذ القديسُ جمجمةً ووضعها تحت رأسِهِ. فلما رأى الشياطينُ جسارتَه حسدوه وأرادوا أن يُزعجوه. فنادوا بصوتٍ عالٍ باسمٍ مستعارٍ لامرأةٍ قائلين: «يا فلانة، قد أخذنا الصابونَ والأشنانَ وأدواتِ الحمامِ، وها نحن في انتظارك لتكوني معنا». فخرج صوتٌ من الجمجمةِِ من تحتِ رأسِهِ قائلاً: «إن عندي ضيفاً وهو رجلٌ غريبٌ متوسدٌ عليَّ فلا يمكنني المجيء، امضوا أنتم». أما القديسُ فإنه لم ينزعج ولكنه رفع رأسَه عنها وحرَّكها بيدهِ قائلاً: «ها أنذا قُمتُ عنكِ، فإن استطعتِ الذهابَ فانطلقي معهم إلى الظلمةِ». ثم عاد ووضع رأسَه عليها. فلما رأي الشياطينُ ذلك منه تركوه بخزيٍ عظيمٍ وصرخوا قائلين: «امضِ عنا يا مقاريوس»، وهربوا.

انطلق الأب مقاريوس مرةً من الإسقيط حاملاً زنابيل فأعيا من شدةِ التعبِ، ووضع الزنابيلَ على الأرضِ وصلَّى قائلاً: «يا ربُّ، أنت تعلمُ أنه ما بقي فيَّ قوةٌ»، وإذ به يجدُ نفسَه على شاطئ النهرِ.

أتى أخٌ إلى الأب مقاريوس وقال له: «يا معلم قل لي كلمةً تنفعُني». فقال له القديسُ: «امضِ إلى المقابرِ واشتم الموتى». فمضى الأخُ وشتمهم ورجمهم وعاد وأخبر الشيخَ بما عَمِله. فقال له الشيخُ: «أما خاطبوك بشيءٍ»؟ فقال: «لا». فقال له الشيخُ: «امضِ غداً وامدحهم». فمضى الأخُ ومدحهم قائلاً: «يا قديسينَ، يا أبرار، يا صديقين». وعاد وأخبر الشيخَ بما صنعه. فقال له: «أما أجابوك بشيءٍ»؟ قال: «لا». قال الشيخُ: «إن كنتَ حقاً قد مُتَّ مع المسيحِ ودُفنتَ معه فاصنع هكذا مثلَ أولئك الأمواتِ، لأن الميتَ لا يحسُ بكرامةٍ ولا بإهانةٍ. وبذلك تستطيعُ أن تخلصَ». فانتفع الأخُ بذلك.

قال الأب مقاريوس: حدث يوماً وأنا جالسٌ بالإسقيط أن أتاني شابان غريبان. أحدُهما متكاملُ اللحيةِ، والآخر قد بدأت لحيتُه. فقالا لي: «أين قلاية الأب مقاريوس»؟ فقلتُ لهما: «وماذا تريدان منه»؟ أجاباني: «نريدُ مشاهدته». فقلت لهما: «أنا هو». فصنعا مطانيةً وقالا: «يا معلم نشاءُ أن نقيمَ عندك». فلما وجدتُ أنهما في حالةِ ترفٍ ومن أبناءِ نعمةٍ وغنىً، أجبتُهما: «لكنكما لا تحتملان السكنى ها هنا». فأجابني الأكبرُ قالاً: «إن لم نحتمل السكنى ها هنا فإننا نمضي إلى موضعٍ آخر». فقلتُ في نفسي: «لماذا أنا أطردهما وشيطانُ التعبِ يشكِّكهما فيما عزما عليه»؟ فقلت لهما: «هلما فاصنعا لكما قلايةً إن قدرتما». فقالا: «أرنا موضعاً يصلح». فأعطيتُهما فأساً وقُفّةً وكذلك قليلاً من الخبزِ والملحِ وأريتهما صخرةً صلبةً، وقلتُ لهما انحتاها هنا، وأحضِرا لكما خُصّاً من الغابةٍ وسقِّفا واجلسا. وتوهمتُ أنهما سوف ينصرفان من شدةِ التعبِ. فقالا لي: «وماذا تصنعون ها هنا»؟ فقلتُ لهما: «إننا نشتغلُ بضَفرِ الخوصِ». وأخذتُ سعفاً وأريتُهما بدءَ الضفيرةِ وكيف تُخاط، وقلت لهما: «اعملا زنابيل وادفعاها إلى الخفراءِ ليأتوكما بخبزٍ»، وعرَّفتهما ما يحتاجان من معرفةٍ ثم انصرفتُ عنهما. أما هما فأقاما ثلاثَ سنواتٍ ولم يأتياني. فبقيتُ مقاتِلاً الأفكارَ من أجلِهما، إذ لم يأتيا إليّ ولا سألاني في شيءٍ. ولم يحاولا الكلامَ مع أحدٍ قط. ولم يُبارِحا مكانَهما إلا كلِّ يومِ أحدٍ فقط، حيث كانا يمضيان إلى الكنيسةِ لتناول القربان وهما صامتان. فصليّتُ صائماً أسبوعاً كاملاً إلى الله ليُعلنَ لي أمرَهما. وبعد الأسبوعِ مضيتُ إليهما لأفتقدَهما وأعرف كيف حالهما. فلما قرعتُ البابَ عرفاني وفتحا لي وقبَّلاني صامتيْن فصليتُ وجلستُ. وأومأ الأكبرُ إلى الأصغرِ بأن يخرجَ. أما الأكبرُ فجلس يُضَفِّرُ في الضفيرةِ ولم يتكلم قط. فلما حانت الساعةُ التاسعةُ أومأ إلى الشابِ فأتاه وأصلحا مائدةً وجعلا عليها ثلاثَ خبزاتٍ بقسماطات وداما صامتيْن. فقلتُ لهما: «هيا بنا نأكلُ». فنهضنا وأكلنا وأحضرا كوزَ ماءٍ فشربنا. ولما حان المساءُ قالا لي: «أتنصرف»؟ قلتُ لهما: «لن أنصرفَ. لكني سوف أبيتُ ها هنا الليلةَ». فبسطا حصيرةً في ناحيةٍ وبسطا أخرى لهما في ناحيةٍ أخرى. وحلا إسكيميهما ومنطقتيهما ورقدا قدامي على الحصيرةِ. فصليتُ إلى اللهِ أن يعلنَ لي ماذا يعملان. وإذ كنتُ راقداً ظهر فجأةً في القلايةِ ضوءٌ كضوءِ النهارِ قدامي، وكانا يشاهدانه، فلما ظنَّا أني نائمٌ، نَخَسَ الأكبرُ الأصغرَ وأقامه. وتمنطقا وبسطا أيديهما إلى السماءِ. وكنت أراهما وهما لا يبصرانني. وإذا بي أرى الشياطينَ مقبلين نحو الأصغرِ كالذبابِ. فمنهم من كان يريدُ الجلوسَ على فمِهِ، ومنهم من كان يريدُ أن يجلسَ على عينيه. فرأيت ملاكَ الربِ حاملاً سيفاً نارياً وهو يحيطُ بهما ويطردُ الشياطينَ عنهما. أما الأكبرُ فلم يقدروا على الاقترابِ منه. فما أن حان الفجرُ حتى وجدتهما وقد طرحا نفسيهما على الأرضِ وناما. فتظاهرتُ كأني استيقظتُ وهما كذلك. فقال لي الأكبرُ هذه الكلمةَ فقط: «أتشاءُ أن نقولَ الاثني عشرَ مزموراً». فقلتُ: «نعم». فقرأ الصغيرُ خمسةَ مزاميرَ وفي نهايةِ كلِّ ستةِ استيخونات الليلويا واحدة، ومع كلِّ كلمةٍ كان يقولها كان يبرزُ من فمِهِ شِهابُ نارٍ يصعدُ إلى السماءِ. كذلك الكبيرُ إذ كان يفتحُ فمَه ويقرأ كان مثلُ حبلِ نارٍ خارجاً وصاعداً إلى السماءِ. فلما انقضت الصلاةُ انصرفتُ قائلاً: «صلِّيا من أجلي». فصنعا لي مطانيةً وهما صامتان. وبعد أيامٍ قليلةٍ تنيح الأكبرُ وفي ثالثِهِ تنيح الصغيرُ كذلك. ولما كان الآباءُ يجتمعون بالأب مقاريوس كان يأخذهم إلى قلايتهما ويقول: «هلموا بنا نعاين شهادةَ الغرباءِ الصغار».

كان الأب مقاريوس يقولُ للإخوةِ: «إذا سُرِّحت الكنيسةُ فرُّوا يا إخوةُ فرُّوا». فقال أحدُ الآباءِ: «أيها الأب، إلى أين نفرُّ أكثرَ من هذه البريةِ»؟ فضرب بيدِهِ على فمِهِ وقال: «من هذا فرُّوا».

أتى إلى القديسِ مقاريوس يوماً أحدُ كهنةِ الأصنامِ ساجداً له قائلاً: «من أجلِ محبةِ المسيحِ عمِّدني ورهبني». فتعجب الأبُ من ذلك وقال له: «أخبرني كيف جئتَ إلى المسيحِ بدونِ وعظٍ». فقال له: كان لنا عيدٌ عظيمٌ وقد قُمنا بكلِّ ما يلزمنا. ومازلنا نصلي إلى منتصفِ الليلِ حتى نام الناسُ. وفجأةً رأيتُ داخلَ أحدِ هياكلِ الأصنامِ ملكاً عظيماً جالساً وعلى رأسِهِ تاجٌ جليلٌ وحوله أعوانه الكثيرون. فأقبل إليه واحدٌ من غلمانِهِ فقال له الملكُ: «من أين جئتَ»؟ فأجاب: «من المدينةِ الفلانية». قال: «وأيَّ شيءٍ عملتَ»؟ قال: «ألقيتُ في قلبِ امرأةٍ كلمةً صغيرةً تكلمتْ بها إلى امرأةٍ أخرى لم تستطع احتمالها، فأدى ذلك إلى قيامِ مشاجرةٍ كبيرةٍ بين الرجال، تسبَّب عنها قتلُ كثيرين في يومٍ واحدٍ». فقال الملكُ: «أبعدوه عني لأنه لم يعمل شيئاً». فقدَّموا له واحداً آخر فقال له: «من أين أقبلتَ»؟ قال: «من بلادِ الهندِ». قال: «وماذا عملتَ»؟ أجاب وقال: «دخلتُ داراً فوجدتُ ناراً قد وقعت من يدِ صبيٍ فأحرقت النارُ الدارَ، فوضعتُ في قلبِ شخصٍ أن يتهمَ شخصاً آخر، وشهد عليه كثيرون زُوراً بأنه هو الذي أحرقها». قال: «في أيِّ وقتٍ فعلتَ ذلك». قال: «في نصفِ الليلِ». فقال الملكُ: «أبعدوه عني خارجاً». ثم قدموا إليه ثالثاً. فقال له: «من أين جئتَ»؟ أجاب وقال: «كنتُ في البحرِ وأقمتُ حرباً بين بعضِ الناسِ. فغرقتْ سفنٌ وتطورت إلى حربٍ عظيمةٍ، ثم جئتُ لأخبرَك». فقال الملك: «أبعدوه عني». وقدموا له رابعاً وخامساً، وهكذا أمر بإبعادِهم جميعاً بعد أن يصفَ كلٌّ منهم أنواعَ الشرورِ التي قام بها حتى آخرِ لحظةٍ. إلى أن أقبل إليه أخيراً واحدٌ منهم فقال له: «من أين جئتَ»؟ قال: «من الإسقيط». قال له: «وماذا كنتَ تعملُ هناك»؟ قال: «لقد كنتُ أقاتِلُ راهباً واحداً، ولي اليوم أربعونَ سنةً وقد صرعتُهُ في هذه اللحظةِ وأسقطتُّه في الزنا وجئتُ لأخبرَك». فلما سمع الملكُ ذلك قام منتصباً وقبَّله ونزع التاجَ من على رأسِهِ وألبسه إياه، وأجلسه مكانَه ووقف بين يديه وقال: «حقاً لقد قمتَ بعملٍ عظيمٍ». فلما رأيتُ أنا كلَّ ذلك وقد كنتُ مختبئاً في الهيكلِ قلتُ في نفسي: «مادام الأمرُ كذلك فلا يوجد شيءٌ أعظمَ من الرهبنةِ». وللوقت خرجتُ وجئتُ بين يديك. فلما سمع الأبُ منه هذا الكلامَ عمَّده ورهبنه. وكان في كلِّ حينٍ يَقَصُّ على الإخوةِ أمرَ هذا الرجلِ الذي أصبح بعد ذلك راهباً جليلاً.

جاء عن القديس مقاريوس أنه كان في وقتٍ ما سائراً في أقصى البريةِ. فأبصر شخصاً هرماً حاملاً حملاً ثقيلاً يُحيطُ بسائرِ جسمِه، وكان ذلك الحملُ عبارةً عن أوعيةٍ كثيرةٍ في كلٍّ منها ريشةٌ، وكان لابساً إياها بدلاً من الثيابِ. فوقف مقابله وجهاً لوجه يتأمَّله. وكان يتظاهر بالخجلِ تظاهُرَ اللصوصِ المحتالين. فقال للبارِّ: «ماذا تعملُ في هذه البريةِ تائهاً وهائماً على وجهِك»؟ فأجابه الأبُ قائلاً: «أنا تائهٌ طالبٌ رحمةَ السيدِ المسيح. ولكني أسألُك أيها الشيخُ باسمِ الربِّ أن تعرِّفني من أنت؟ لأني أرى منظرَك غريباً عن أهلِ هذا العالمِ، كما تُعرِّفني أيضاً ما هي هذه الأوعيةُ المحيطةُ بك؟ وما هو هذا الريشُ أيضاً»؟ وقد كان الثوبُ الذي عليه مثقّباً كلَّه، وفي كل ثقبٍ قارورةٌ. فأقرَّ العدوُ بغيرِ اختيارهِ وقال: «يا مقاريوس، أنا هو الذي يقولون عنه شيطانٌ محتالٌ. أما هذه الأوعيةُ فبواسطتِها أجذبُ الناسَ إلى الخطيةِ، وأقدِّمُ لكلِّ عُضوٍ من أعضائهم ما يوافقه من أنواعِ الخديعةِ. وبريشِ الشهواتِ أُكحِّل من يُطيعُني ويتبعُني. وأُسَرُّ بسقوطِ الذين أغلبهم. فإذا أردتُ أن أُضِلَ من يقرأ نواميسَ اللهِ وشرائعَه، فما عليَّ إلا أن أدهنَه من الوعاءِ الذي على رأسي. ومن أراد أن يسهرَ في الصلواتِ والتسابيح فإني آخذ من الوعاءِ الذي على حاجبي وألطِّخُ عينيه بالريشةِ وأجلِبُ عليه نُعاساً كثيراً وأجذبه إلى النومِ. والأوعيةُ الموجودةُ على مسامعي فهي مُعدةٌ لعصيانِ الأوامرِ وبها أجعلُ من يسمعُ إليَّ لا يُذعن لمن يشيرُ عليه. والتي عند أنفي بها أجتذبُ الشابَّ إلى اللَّذةِ. أما الأوعيةُ الموضوعةُ عند فمي فبواسطتها أجذِبُ النساكَ إلى الأطعمةِ، وبها أجذِبُ الرهبانَ إلى الوقيعةِ والكلامِ القبيحِ. وبذورُ أعمالي كلُّها أوزعُها على من كان عاشقاً، ليعطي أثماراً لائقةً بي. فأبذرُ بذورَ الكبرياءِ، وأغلُّ من كان على ذاتِهِ متكلاً، بالأسلحةِ التي في عنقي. والتي عند صدري فهي مخازن أفكاري ومنها أسقي القلوبَ مما يؤدي إلى سُكر الفكرِ، وأشتِّتُ وأُبعِدُ الأفكارَ الصالحةَ من أذهانِ أولئك الذين يريدون أن يذكروا مستقبلَ حياتِهم الأبدية. أما الأوعيةُ الموجودةُ في جوفي فهي مملوءةٌ من عدم الحسِّ وبها أجعلُ الجهالَ لا يحسون، وأُحسِّن لهم المعيشةَ على نهجِ الوحوشِ والبهائمِ. أما التي تحت بطني من شأنها أن تسوقَ إلى فعلِ سائرِ أنواعِ وضروبِ الزنى والعشقِ واللَّذاتِ القبيحة. والتي على يدي فهي معدةٌ لضروبِ الحسدِ والقتلِ. والمعلقةُ وراء ظهري ومنكبيَّ فهي مملوءةٌ من أنواعِ المحنِ المختصة بي وبها أُقارع الذين يرومون محاربتي، فأنصبُ خلفهم فخاخاً. وأُذِلُّ من كان على قوتهِ متكلاً. والتي على قدمي فهي مملوءةٌ عثراتٍ أُعرقِلُ بها طرقَ المستقيمين. ومن شأني أن أخلطَ في بذورِ فلاحتى صنوفاً من الحسكِ والشوكِ. والذين يحصدون منها يُساقون إلى أن يُنكروا طريقَ الحقِ». وبعد أن قال هذا صار دخاناً واختفى. وأن القديسَ ألقى بنفسِهِ على الأرضِ وابتهل إلى اللهِ بدموعٍ لكي يحاربَ بقوتهِ عن الضعفاءِ سكانِ البريةِ ويحفظهم.

قيل عن القديس مقاريوس إنه كان يوصي تلاميذَه قائلاً: «اهربوا من كلامِ النساءِ المؤدي إلى الهلاكِ». وكان يقول: «احذروا ألا تكون بينكم وبين صبيٍ دالةٌ، لأن الصبيَ إذا رأيتَه صاعداً إلى السماءِ فهو سريعُ السقوطِ. فما عليكم إلا أن تطلبوا من المسيحِ إلهِنا أن يُعينَه».

بلغ الأب مقاريوس عن راهبٍ متوحد داخل البريةِ منذ خمسين عاماً لم يأكل خبزاً قط. وقد كان يقول عن نفسِه إنه قتل ثلاثةَ أعداءٍ: الزنى وحب المال والسُبح الباطل. فمضى الأب مقاريوس إليه، فلما رآه المتوحد فرح كثيراً وكان رجلاً ساذجاً. فسأله الشيخُ عن عزائِهِ وعن أحوالهِ وعن جهادهِ، فقال له: «إنه استراح من قتالِ الزنى وحبِّ المال والسُبحِ الباطل». قال له الأب: «لي بعضُ أسئلةٍ أريدُ أن أوجهها إليك فأجبني عنها، وهي: إذا اتفق لك أن عثرتَ على ذهبٍ ملقى وسط حجارةٍ فهل يمكنك أن تميزَ الذهبَ من الحجارةِ»؟ قال: «نعم، ولكني أتغلبُ على فكري فلا يميلُ إلى أخذ شيءٍ منه». قال: «حسناً. وإذا رأيتَ امرأةً جميلةً أيمكنك ألا تفكرَ فيها أنها امرأةٌ»؟ قال: «لا، لكني أُمسكُ فكري ألا يشتهيها». قال: «مباركٌ. وإن سمعتَ أن أخاً يحبُّك ويمجدُك وعن آخرِ يبغضُك ويشتمُك، واتفق أن حضر إليك الاثنان، أيكونا أمامك في منزلةٍ واحدةٍ»؟ قال: «لا. لكني أُمسكُ أفكاري فلا أكافئه حسب أعمالهِ وأقوالهِ وشتيمتهِ، بل أُظهرُ له المحبةَ». أخيراً قال له الأب مقاريوس: «اغفر لي يا أبي فإنك حسناً جاهدتَ وقاتلتَ وصبرتَ من أجلِ المسيحِ، لكن أوجاعَك ما ماتت بعد، بل ما زالت حيةً لكنها مربوطةٌ. فتُب واستغفر اللهَ، ولا تَعُد إلى ما كنتَ تصفُ به نفسَك لئلا تثورَ عليك الأوجاعُ بالأكثرِ». فلما سمع المتوحدُ ذلك الكلامَ انتبه من غفلتِهِ وسجد بين يدي الشيخ قائلاً: «اغفر لي يا أبي، فلقد داويتَ جراحَ جهلي بمراهمِ وعظِك الصالح».

قيل عن الأب مقاريوس مرة إنه مضى إلى البهلس ليقطع خوصاً، فأتاه الشيطانُ وأخذ منه المِنجلَ وهمَّ ليضربه به. أما هو فلم يفزع بل قال له: «إن كان السيدُ المسيح قد أعطاك سلطاناً عليِّ فها أنا مستعدٌ لأن تقتلَني»؛ فانهزم الشيطانُ وانصرف عنه هارباً.

قيل عن الأب مقاريوس إنه كان يوصي تلاميذَه بأن لا يقتنوا مقتنياتٍ البتة. فقد كان يخاطبهم بقوله: «إن الراهبَ له جبة مع أنه لا يساوي عند نفسِه جبة». وكان يقول أيضاً: «إن محبي المسيح الذين أرادوه قد تركوا نعيمَ الدنيا ولذَّاتها. وصارت منزلةُ العالمِ عندهم كمنزلةِ العُوَيْد الصغير، فلم يتألموا على فقدِ شيءٍ منه. إن الإنسانَ الذي يأسف على فقدان شيءٍ منه فليس بكاملٍ بعد. فإن كنا قد أُمرنا أن نرفضَ أنفسَنا وأجسادَنا فكم بالحري المقتنيات. إن الشياطين تحترقُ بهذه الفضيلةِ وأمثالها عندما يرون إنساناً غيَر ملتفتٍ إلى الأشياءِ وليس بمتأسفٍ عليها إذا فقدها، لا سيما إذا علموا أنه يمشي على الأرضِ بغيرِ هوىً أرضي. إن نيَّاتِ الناسِ مختلفةٌ حتى أنه يمكن لإنسانٍ بنيةٍ نشيطةٍ وحارةٍ أن يتقدمَ في ساعةٍ واحدةٍ ما لا يمكن لغيرهِ أن يتقدَّمه في خمسين سنةً إذا كانت نيَّتهُ متوانيةً. والشياطينُ إذا رأوْا إنساناً قد شُتم أو أُهين أو خسر شيئاً ولم يغتم، بل احتمل بصبرٍ وجَلَدٍ فإنها ترتاع منه، لأنها تعتقد وتعلم بأنه قد سلك في طريقِ اللهِ».

وحدث مرةً أن أرسلَ شيوخُ الجبلِ إلى الأنبا مقاريوس يقولون له: «سِرْ إلينا لنشاهدَك قبل أن تنصرفَ إلى الربِّ ولا تضطرَّ الشعبَ إلى المجيءِ إليك». فلما سار إلى الجبلِ اجتمع إليه الشعبُ كلُّه. وطلب إليه الشيوخُ قائلين: «قل للشعبِ كلمةً أيها الأب». فقال: «يا أولادي الأحباء، عظيمٌ هو مجدُ القديسين، فينبغي أن نفحصَ عن تدبيرِهم الذي نالوا بواسطتهِ هذا المجدَ، وبأي عملٍ وفي أي طريقٍ وصلوا إليه. وقد علمنا أنهم لم يشتروه بغنى هذا العالم ولا حصَّلوه بصناعةٍ ما أو بتجارةٍ ما. ولا اقتنوه بشيءٍ مما يملكون، إذ أنهم تمسكنوا وتغربوا عن هذا العالمِ، وجالوا جياعاً فقراءَ، فعلى ما أراه أجدُ أنهم نالوا ذلك المجدَ العظيمَ بتسليمهم ذواتهم وتدبيرِ أمورِهم ونيَّاتهم للهِ، فأخذوا إكليلَ المجدِ السمائي، فما الذي كان لهم وليس هو لنا سوى أنهم تركوا أهويتهم كلَّها من أجلِ الربِّ وتبعوه حاملين الصليب؛ ولم يفصلهم حبُّ شيءٍ آخر عن محبتهِ تعالى. لأنهم لم يحبوه أكثرَ من الأولادِ فقط مثل إبراهيم، بل وأكثر من ذواتِهم أيضاً، كما يقول بولس الرسول لا شيء يستطيعُ أن يفصلَه عن حبِّ الله.

فالآن أيها الأحباء جاهدوا واصبروا إلى الموتِ كالقديسين لتصيروا مسكناً للهِ. إن أحببتم بعضُكم بعضاً فإن اللهَ يسكنُ فيكم. وإن كان في قلوبِكم شرٌ فلن يسكنَ اللهُ فيكم. احذروا الوقيعةَ لئلا تصيروا كالحيةِ أوانيَ للشيطانِ. احفظوا أسماعَكم من كلامِ النميمةِ فتكون قلوبُكم نقيةً. واهربوا من كلِّ ما ينجِّسُ القلبَ. أكرموا بعضُكم بعضاً ليكونَ السلامُ والمحبةُ بينكم. إن غضب أحدٌ على أخيه وأحزنه فلا يستريح له بالٌ قبل أن يصالحَه بحلاوةِ المحبةِ. فقد كُتب: لا تغيب الشمسُ على غيظِكم. قبِّلوا بعضُكم بعضاً بقبلةِ السلامِ، وذلك ليخزى عدو السلامِ ويفرحَ إلهُ السلامِ، وتكونوا له بنين، لأنه قال: إن فاعلي السلام يُدعوْن أبناءَ اللهِ. صلُّوا بالروحِ دائماً كما أمر الرسولُ. اتَّضعوا لإخوتكم واخدموهم حسب قوتِكم لأجلِ المسيحِ لتنالوا منه الجزاءَ، فقد قال له المجد: ما تصنعون بهم فبي تصنعونه. إن كلَّ أعمالِنا نجدها ساعةَ مفارقةِ أنفسنا لأجسادنا. فقد كُتب: إن الله ليس بظالمٍ حتى ينسى عملَكم وودَّكم الذي أظهرتموه باسمِهِ إذ خدمتم الأطهارَ وتخدمونهم أيضاً. ليكن تعبُ أجسادِكم هَوَاكُم ومُشتهاكم ومحبوباً لديكم. ولا تستسلموا للانحلالِ والكسلِ فتندموا يومَ القيامةِ. بينما يلبسُ أكاليلَ المجدِ أولئك الذين قد أتعبوا أجسادَهم، وتوجدون أنتم عراةً بخزيٍ أمام منبرِ المسيح بمحضر الملائكةِ والناسِ جميعاً. لا تُنَعِّموا أجسادَكم في هذا الزمنِ اليسيرِ بالطعامِ والشرابِ والنومِ لئلا تُعدموا الخيرات الدائمة التي لا توصف. فمن ذا الذي تكلَّل قط بدونِ جهادٍ؟ ومن استغنى بدونِ عملٍ؟ ومن ربح ولم يتعب أولاً؟ أيُّ بطَّالٍ جمع مالاً؟ أو أيُّ عاطلٍ لا تنفذ ثروتُه؟ إنه بأحزانٍ كثيرةٍ ندخلُ ملكوت السماوات. فليحرص كلٌّ منكم على قبولِ الأتعاب بفرحٍ عالماً أنَّ مِن ورائها كلَّ غنى وكلَّ راحة. أما الذي لا يستطيعُ أن يحتملَ الأتعابَ لضعفٍ أو أمراضٍ، فليمجِّد أولئك الذين يتعبون ويغبِّطهم كما يفرحُ معهم في خيراتِهم.

لا تقبلوا في فكرِكم ولا تَصِفوا في كلامِكم أيَّ إنسانٍ بأنه شريرٌ، لأن بطرسَ الرسولَ يقولُ: إن اللهَ أراني وأوصاني أن لا أقولَ عن إنسانٍ إنه نجسٌ أو رجسٌ. فالقلبُ النقي ينظرُ كلَّ الناسِ أنقياءَ. فقد كُتب: إن كلَّ شيءٍ طاهرٌ للأطهارِ والقلبُ النجسُ ينجِّسُ كلَّ أحدٍ، لأن كلَّ شيءٍ للأعمى ظلامٌ. هو ذا الربُّ قد حَّلنا من عبوديةِ الشيطانِ فلا نعودُ نربطُ أنفسَنا أو نستعبدها بسوءِ رأينا.

احفظوا ما كلمتُكم به ليكونَ لأنفسِكم منه دواءٌ وصحةٌ، ولا تجعلوه شاهداً عليكم، لأنه سيأتي وقتٌ فيه تُطَالبون بالجواب عن كلامي هذا. تمسَّكوا بالتوبةِ واحذروا لئلا تُصطادوا بفخِ الغفلةِ. لا تتهاونوا لئلا تكونَ الطلبةُ من أجلِكم باطلةً. داوموا على التوبةِ ما دام يوجدُ وقتٌ. فإنكم لا تعرفون وقتَ خروجِكم من هذا العالمِ. لنعمل ما دام لنا زمانٌ لنجد عزاءً في وقتِ الشدةِ. فمن لم يعمل ويتعب في حقلِهِِ في أوانِ الشتاءِ لن يجدَ في الصيفِ غلَّةً يملأُ بها مخازنَه ليقتاتَ بها. فليحرص كلُّ واحدٍ على قدرِ طاقتِهِ، فإن لم يمكنه أن يربحَ خمسَ وزناتٍ فليجاهد كي يربحَ اثنتين. أما العبدُ الكسلانُ الذي لا يعملُ ولا يربحُ فمصيرُهُ العذاب. طوبى لمن يجاهدُ بكلِّ قوَّتهِ فإن ساعةً واحدةً في نياحه تنسيه جميعَ أتعابهِ. فويلٌ وويلٌ لمن تغافل وكسلَ لأنه سيندمُ حيث لا ينفعُ الندمُ. لا تكمِّلوا شهوةَ الجسدِ لئلا تُحرموا من خيراتِ الروحِ. فإن الرسولَ قد كتب: إن اهتمامَ الجسدِ هو موتٌ، واهتمامَ الروحِ هو حياةٌ. افرحوا بكمالِ إخوتكم وضعوا نفوسَكم لهم وتشبَّهوا بهم واحزنوا على نقصِكم. اصبروا للتجارب التي تأتي عليكم من العدو واثبتوا في قتالهِ ومقاومتهِ، فإن اللهَ يعينُكم ويهبكم أكاليلَ النصرةِ، فقد كُتب: طوبى للرجلِ الذي يصبرُ للبلايا ويصبحُ مجرَّباً فإنه ينالُ إكليلَ الحياةِ. لا غَلَبة بدونِ قتالٍ ولا إكليل بدونِ غَلَبةٍ. اصبروا إذاً فقد سمعتَ قولَ الربِّ لأحبائِه: أما أنتم الذين صبرتم معي في تجاربي، ها أنا أُعدُّ لكم الملكوتَ كما وعدني أبي. وقوله أيضاً: إن الذي يصبرُ إلى المنتهى فهذا يخلصُ. وقد قدم لنا نفسَه مثالاً كيف نصبرُ إلى المنتهى. ففي الوقت الذي كان فيه يُسَبُّ ويُعَير ويُهان من اليهودِ نراه يتراءف عليهم ويحسنُ إليهم ، فكان يشفي أمراضَهم ويعلِّمهم. وقَبِلَ الآلامَ بجسدهِ وصبر حتى الصلبِ والموتِ. ثم قام بالمجدِ وصعد إلى السماءِ وجلس عن يمينِ اللهِ.

اشكروا الربَّ في تعبكم من أجلِ الرجاءِ الموضوعِ أمامكم. اصبروا في البلايا لتنالوا أكاليلَ المجاهدين. اغفروا لبعضِكم بعضاً لتنالوا الغفرانَ. فقد قال الربُّ: اغفروا يُغفر لكم. داوموا على حفظِ هذه الوصية فإن ربحَها عظيمٌ ولا تعب فيها. كونوا أبناءَ السلامِ ليَحُلَّ سلامُ الربِ عليكم. كونوا أبناءَ المحبةِ لتُرضوا مُحبَّ البشرِ. كونوا بني الطاعةِ لتنجوا من المحتالِ. إن أولَ العصيانِ كان من آدم أبينا في الفردوس لسببِ شهوةِ الطعامِ. وأولُ الجهادِ من سيدنا المسيح كان في البريةِ في الصيام. وتعلَّمنا من التجربةِ أن الراحةَ والطعامَ هما أسبابُ الضلالِ. والصومُ هو سببُ الغَلَبةِ والنُصرةِ. فصوموا مع المخلصِ لتتمجدوا معه وتغلبوا الشيطانَ. والصيامُ بدونِ صلاةٍ واتضاعٍ يُشبه نسراً مكسورَ الجناحين. احتفظوا بحرصِكم ولا تهربوا من أتعابكم. فإن الطوبى لمن لازم التوبةَ حتى يمضى إلى الربِّ. لازموا السهرَ وقراءةَ الكتبِ وثابروا على الصلاةِ وأسرعوا إلى الكنيسةِ، ونقُّوا قلوبَكم من كلِّ دنسٍ لتستحقوا التناولَ من جسدِ السيد المسيح ودمهِ الأقدسين فيثبُتَ الربُّ فيكم. فبهذا السرِّ العظيم تُحفظون من الأعداءِ. فمَن يتهاون بهذا السرِ فإن قواتَ الظلمةِ تقوى عليه فيبتعدَ عن الحياةِ بهواه. فلنتقدم إلى الأسرارِ المقدسة بخوفٍ وشوقٍ وإيمانٍ تام، ليبعُدَ عنا خوفُ الأعداءِ بقوةِ ربِنا يسوع المسيح، الذي له المجد إلى الأبد آمين».

وقال أيضاً: «من يريدُ أن يأتي إلى اللهِ ليستحقَ الحياةَ الدائمة، وليكونَ مسكناً للسيدَ المسيح، ويمتلئ من الروح القدس، ينبغي له أولاً أن يكون له إيمانٌ ثابتٌ باللهِ، وأن يتفرغَ لعملِ وصاياه، ويرفض العالمَ بالكمالِ. فإذا كان عقلُه مشغولاً بشيءٍ مما يُرى فحينئذ عليه أن يلازمَ الصلاةَ، ويكلِّف نفسَه بالقيامِ بكلِّ عملٍ صالحٍ. وإن كان قلبُه لا يريدُ، إما بسببِ قتالٍ أو لتأصُّل عادةٍ رديئةٍ أو لعجزٍ وقلةِ صبرٍ، فليجاهد ليختطفَ ملكوتَ السماوات، لأن الغاصبين يختطفونه. وليحرص أن يدخلَ من البابِ الضيقِ ويسير في الطريقِ الكربةِ الموصلة إلى الحياةِ الأبدية، ويجعل اللهَ بين عينيه دائماً أبداً، مداوماً على عملِ ما يرضيه وحده. فإذا درَّب الإنسانُ نفسَه على أن تتعودَ على ذلك، ذاكراً الربَّ دواماً مترجياً إياه بشوقٍ كثيرٍ، فحينئذ يخلِّصه الربُّ من الأعداءِ ومن الخطيةِ الساكنةِ فيه، ويملأه من نعمةِ الروح القدس. وهكذا يستطيعُ أن يعملَ الفضائلَ بالحقيقةِ بدون تعبٍ ولا تكلُّفٍ لأن الربَّ يعينه».

وقال أيضاً: «لنبكِ أيها الإخوةُ ولتَسِل دموعُنا من أعيننا قبل أن نمضي إلى حيث تَحرِقُ دموعُنا أجسادَنا بدونِ نفعٍ». فلما قال هذا بكى وبكى الكلُّ معه، وخروا على وجوهِهم قائلين: «أيها الأب صلِّ من أجلنا».

سأله الشيوخُ مرة: «كيف نصلي»؟ فقال: «نبسط أيدينا إلى الله ونقول: يا الله أهدنا كما تحبُّ وكما تريدُ. وإن أصابتنا ضيقةٌ قلنا: يا ربُّ أعنا. فهو يعرف ما هو خيرٌ لنا ويصنع معنا كرحمتِه ومحبتهِ للبشرِ».

وقال أيضاً: إن الذي يلازمُ الصلاةَ يقتني أفضلَ الأعمالِ، إذ هو محتاجٌ إلى جهادٍ أكثر من سائرِ الأعمالِ. لذلك ينبغي له الحرصُ الدائم والصبرُ والتعبُ دائماً، لأن الشريرَ يناصبه العداءَ، ويجلبُ عليه نعاساً وكسلاً وثقلَ جسدٍ، وانحلالاً وضجراً وأفكاراً مختلفة، وطياشةَ عقلٍ وحيلاً كثيرةً محاولاً إبطال الصلاة. لذلك يلزمه الجهادُ إلى الدمِ مقابل أولئك الذين يطلبون إبعادَ النفسِ عن اللهِ. وليتيقظ مراقباً ذهنَه. مطارداً الأفكارَ المضادة بشدةٍ. وطالباً من اللهِ عوناً وفهماً».

وقال أيضاً: «إن أردتَ أن يقبلَ اللهُ دعاءَك فاحفظ وصاياه. أنت عبدُ اللهِ فلا تعمل لغيرِه، ولا تتكل على غيرِه، ولا تَدْعُ غيرَه. وإذ قد علمتَ أنك ستأتي للدينونةِ، فاسْعَ فيما يخلِّص نفسَك منها. اذكر الموتَ وتأهب لموافاته. الوحدةُ هي حفظُ العينين والأذنين واللسان والاشتغالُ بالقراءةِ والصلاةِ. الوحدةُ هي مرآةٌ تُبيِّنُ للإنسانِ عيوبَه. كما أن عصا هرون أزهرت وأثمرت في ليلةٍ واحدةٍ، كذلك الراهب إذا حلَّ فيه الربُّ فإن نفسَه تُزهرُ وتُثمرُ أثمارَ الروحِ القدس بمعونةِ خالقِها السيد المسيح له المجد».

وقال أيضاً: «داوم ذكرَ الاسم القدوس، اسم ربنا يسوع المسيح، فهذه هي الجوهرةُ التي من أجلِها باع التاجرُ الحكيمُ كلَّ أهويةِ قلبِهِ واشتراها، وأخذها إلى داخلِ بيتِهِ فوجدها أحلى من العسلِ والشهدِ في فمِهِ. فطوبى لذلك الإنسان الذي يحفظُ هذه الجوهرةَ في قلبِهِ فإنها تعطيه مكافأةً عظيمةً في مجدِ ربِنا يسوع المسيح».

قال له أخٌ: «إني جبانٌ بسبب خطاياي فماذا أعمل يا أبي»؟ قال له الشيخُ: «تقوَّ وتمسك برجاءِ الحياةِ والرحمةِ التي لا حدَّ لها، الذي هو اسمُ ربنا يسوع المسيح».

حدث أنْ زار الأنبا بيمين الأنبا مقاريوس، فقال الأنبا بيمين: «يا أبي ماذا يعملُ الإنسانُ كي يقتني الحياةَ». فقال الأنبا مقاريوس: «إن داومتَ كلَّ حينٍ على طعامِ الحياةِ الذي للاسمِ القدوس، اسم ربنا يسوع المسيح، بغير فتورٍ، فهو حلوٌ في فمِك وحلقِك، وبترديدك إياه تَدْسَمُ نفسُك وبذلك يمكنك أن تقتني الحياةَ».

قال شيخٌ: «إن كان كلُّ ملءِ اللاهوت قد حلَّ في السيدِ المسيح جسدياً كقول الرسول، فلا نقبلُ زرعَ الشياطين الأنجاس عندما يقولون لنا: إنكم إذا صِحتُم باسمِ يسوع فلستم تدعون الآبَ والروح القدس. لأنهم يفعلون ذلك مكراً منهم لكي يمنعونا من الدعاءِ بالاسمِ الحلو الذي لربنا يسوع المسيح، لعلمِهم أنه بدونِ هذا الاسم لا ولن يوجد خلاصٌ البتةَ، كقولِ الرسول بطرس: إنه ليس اسمٌ آخر تحت السماءِ أُعطي للإنسانِ به ينبغي أن نخلصَ، ونحن نؤمنُ إيماناً كاملاً بأننا إذا دَعوْنا باسمِ ربنا يسوع إنما ندعو الآبَ والابنَ والروحَ القدس، لأننا لا نقبلُ البتة فرقاً ولا انقساماً في اللاهوت، ونؤمن أيضاً أن ربَّنا يسوع المسيح هو الواسطةُ الذي به يحصلُ الناسُ على الدنو من الله والحديثِ معه، كقولِ الرسول: وفي هذه الأيامِ كلَّمنا في ابنِهِ».

قال شيخٌ مثلاً: «كان لإنسانٍ في قريةٍ أختٌ جميلةٌ. ولما كان يومُ عيدِ تلك القريةِ، سألته أختُه أن يأخذها إلى موضعِ ذلك العيد. وإذ كان أخوها يخافُ أن يرسلَها وحدها لئلا يحصلَ لقومٍ عثرةً بسبب شبابِها، فقام ومضى بها إلى مكانِ عيد القريةِ وهو ممسكٌ بيدها. وكان ينتقلُ بها من مكانٍ لآخر وهو ممسكٌ بيدها، لأنه قال: إن هي مالت إلى فعلِ جَهالةٍ فإنها لن تستطيعَ لأني ممسكٌ بيدها. وهكذا فقد كان الكثيرون ينظرون إلى الصبيةِ ويشتهونها من أجلِ جمالِها ولكنهم لم يستطيعوا أن يفعلوا بها شيئاً لأن أخاها كان ممسكاً بيدها. وهي كذلك كانت تنظرُ إلى الصبيانِ الذين يشتهونها وتميلُ بضميِرها للَّذةِ، ولكنها لم تتمكن من إكمالِ شهوتها لأن أخاها كان ممسكاً بيدها. ثم قال الشيخُ الذي ذَكَرَ هذا المثلَ: ما دامت النفسُ ذاكرةً اسم ربنا يسوع المسيح الذي صار لنا أخاً بالتدبير، فإنه يكون في كل وقتٍ ممسكاً بيدِها. وإن أراد الأعداءُ غيرُ المنظورين خداعَها فلا يستطيعون أن يفعلوا بها شيئاً لأن أخاها ممسكاً بيدِها. وإن هي خضعت للأفكارِ ومالت لِلَذّات العالمِ، فلن تستطيعَ إكمالَ الخطية لأن أخاها ممسكاً بيدها إن هي تمسكت في كلِّ وقتٍ بالاسمِ المخلص الذي لربنا يسوع المسيح ولم تُرخِهِ. أرأيتَ يا حبيب كيف أن التمسُّكَ بهذا الذِكرِ الصالحِ الذي لاسمِ ربنا يسوع المسيح هو خلاصٌ عظيمٌ وحصنٌ منيعٌ وسلاحٌ لا يُقهَر وخاتمُ خلاصِ النفسِ؟ فلا تتوانَ عن أن تقتني لنفسِك هذا الكَنزَ الذي لا يُسرق، وهذه الجوهرةَ الكثيرةَ الثمن التي هي اسم ربنا يسوع المسيح، ذلك الاسم المخلِّص. فإن سألتني قائلاً: وكيف أقتني هذا الكنزَ العظيم؟ أجبتُك قائلاً: بالعزلةِ عن كلِّ أحدٍ، وعدم الاهتمام بكافةِ الأشياء. وإتعاب الجسد بقدرٍ، والصوم بمداومةٍ، فهذه كلها تَلِدُ الاتضاعَ والدموعَ الصادقة. وتجعلُك أن تكونَ تحتَ كلِّ الخليقةِ. فإذا ما حصلتَ على كلِّ ذلك صرتَ ابناً لله وأنت على الأرضِ. وتنتقلُ من الأرضِ إلى فوق السماءِ وأنت كائنٌ في الجسدِ. كلُّ نعمةٍ هي منك ولك يا ربُّ. إنك تصنعُ الرحمةَ مع ضعفِنا حتى تنقلنا إلى ملكوتِك».

قال شيخٌ: «الأنبياءُ والرسلُ دوَّنوا ما في الكتبِ، فَعَمِلَ بها آباؤنا ومَن أتى بعدهم. فلما جاءت هذه القبيلةُ وهذا الجيلُ، كتبوها ووضعوها في الكُوَى بغيرِ فائدةٍ».

سأل أخٌ شيخاً قائلاً: «يا أبي، ماذا أعملُ بهذه الحروب الكائنةِ معي»؟ فقال له الشيخُ: «إن مداومةَ اسم الرب يسوع تقطعُ كلَّ آكِلَةٍ».

قال شيخٌ: «ليس هناك فضيلةٌ من الفضائلِ تشبه فضيلةَ مداومة الصلاةِ والتضرع باسمِ ربنا يسوع المسيح في كلِّ وقتٍ، إما بالعزلةِ بالشفتين، وإما بالقلبِ بغيرِ تنزه».

قال شيخٌ: «إذا ما رفض الذهنُ أوامرَ الروحِ القدس تَبعُد القوةُ ذاتها، وتثور أوجاعُ القلبِ. فإذا ما رجع القلبُ إلى اللهِ وحفظ أوامرَ الروحِ القدس كان عليه سِترٌ، وحينئذ يعلمُ الإنسانُ أن مداومةَ ذكرِ اسمِ القدوس ربنا يسوع المسيح هو الذي يحرسه تحت سِترِ رحمتهِ».

سأل أحدُهم شيخاً قائلاً: «يا أبي عرِّفني كيفيةَ الجلوسِ في القلايةِ». فقال له الشيخُ: «هذا هو ما يُعمَلُ في القلايةِ: كُلْ مرةً واحدةً كلَّ يومٍ مع عملِ اليدين وكمالِ الصلوات الفرضية. وأفضل الجميع أن تكونَ مداوماً ذكر اسم ربنا يسوع المسيح بغير فتور. وفي كلِّ لحظةٍ ارفع عينيك إلى فوق وقل: يا ربي يسوع تحنن عليَّ، أنا أسبحُك يا ربي يسوع المسيح».

قال شيخٌ: «إذا كنتَ جالساً في القلايةِ نشِّط نفسَك. لتكن خدمةُ القلبِ عندك أفضلَ من خدمةِ الجسدِ، لأن اللهَ يريدُ القلبَ أن يكونَ ملازِماً اسمه القدوس كلّ حينٍ مثل عبدٍ ملازمٍ سيده وخائفٍ منه».

سأل أخٌ شيخاً: «كيف أجدُ اسمَ ربي يسوع المسيح»؟ قال له الشيخُ: «إذا لم تحب الأتعابَ أولاً لا تستطيع أن تجده».

وسأله أخٌ آخر قائلاً: «كيف تقتني النفسُ خوفَ الله»؟ أجابه: «إذا لم تنظر النفسُ اللهَ لا تخافه». قال له: «وبماذا يظهرُ اللهُ للنفسِ»؟ أجابه: «بالعزلةِ والضيقةِ والصراخ كلِّ حينٍ بشوقٍ، ولا يَفْتُر عن أن ينادي قائلاً: يا ربي يسوع المسيح. فإذا ما كان ذِكرُه دائماً في قلبِك كلّ حينٍ فإنه يجيءُ ويسكنُ فيك، ويعلِّمك كلَّ الأعمالِ الصالحة».

وأيضاً سأل أخٌ شيخاً قائلاً: «أتريدُني أن أتركَ قلبي عند خطاياي». قال: «لا». قال: «فهل أتركُه عند جهنمٍ»؟ قال: «لا. بل اتركُه عند يسوع المسيح فقط، والصق عقلَك به لأن الشياطين يريدون أن يأخذوا ضميرَك إلى حيث يُبعدونك عن الربِّ يسوعَ المسيح». فسأله: «وبأي شيءٍ يلتصقُ الضميرُ بالربِ يسوعَ المسيح». قال له: «بالعزلةِ وعدمِ الهمِّ، والتعبِ الجَسَدَاني بقدرٍ».

قال أنبا يعقوب: إنني زرتُ أنبا إيسيذوروس دُفعةً، فوجدتُه يَنسخُ، وإني جلستُ عنده فرأيتُه في كلِّ وقتٍ قليلٍ يرفعُ عينيه إلى السماءِ وتتحرك شفتاه، ولا أسمعُ له صوتاً البتة. فقلتُ له: «لماذا تعمل هكذا يا أبي»؟ قال لي: «إن لم تفعل أنت هكذا، فما صرتَ بعدُ راهباً ولا ليومٍ واحدٍ». وهذا هو ما كان يقولُه: «يا ربي يسوع المسيح أعني، يا ربي يسوع المسيح ارحمني، أنا أسبِّحُك يا ربي يسوع المسيح».

سأل أخٌ شيخاً: «عرِّفني يا أبي كيف أتمسكُ باسمِ الربِّ يسوع المسيح بقلبي ولساني؟» أجابه الشيخُ: «مكتوبٌ أن القلبَ يؤمَنُ به للبرِّ، والفمَ يُعتَرفُ به للخلاصِ. فإذا هدأ قلبُك فإنه يرتلُ باسمِ الربِ يسوعَ دائماً. أما إن أصابه عدمُ هدوءٍ وطياشةٌ، فعليك أن تتلو باللسانِ حتى يتعود العقلُ. فإذا نظر الله إلى تعبِك أرسل لك معونةً عندما يرى شَوْقَ قلبِك. فيبدد ظلمةَ الأفكارِ المضادة للنفس».

 

جاء عن القديس باخوميوس: كان والدُُه من الصعيدِ الأعلى عابداً للأصنامِ. ففي ذاتِ يومٍ تجنَّد باخوميوس ضمن جنودِ الملكِ. فحدث بينما كانوا مسافرين وهم بحالٍ سيئةٍ للغايةِ، أن أتاهم قومٌ مسيحيون من إسنا بطعامٍ وشرابٍ في المعسكر. فسأل باخوميوس: «كيف أمكن لهؤلاء الناسِ أن يتحنَّنوا علينا وهم لا يعرفوننا قط»؟ فقيل له: «إنهم مسيحيون، وإنهم يفعلون ذلك من أجلِ إلهِ السماءِ». فلما سمع باخوميوس هذا الكلامَ قرَّر في نفسِهِ أنه لو أُتيحت له فرصةٌ يصيرُ مسيحياً ويخدم المحتاجين. وبتدبيرِ اللهِ غلب الملكُ أعداءَه وأصدر أوامرَه بتسريح الجنودِ. فرجع باخوميوس وتعمَّد. وبعد ثلاث سنين ترهبن عند راهبٍ قديس اسمه بلامون. ولوقته شَرَعَ في إقامةِ شركةٍ حتى يساعدوا بعضُهم بعضاً، ويقوموا بإعالةِ المحتاجين والضعفاء. فاجتمع إليه كثيرون وبنوا أديرةً واتخذوا لهم عيشةً مشتركةً. وكان القديسُ يرسل لهم قانونَ العبادةِ وشُغلَ اليدِ والتصريفَ اللائق، ويدبِّرهم في الجلوسِ والقيامِ والسكوتِ والكلامِ. ويتشدد في ذلك إلى أبعدِ حدٍ.

قيل عن القديس باخوميوس: إنه مضى دفعةً في أمرٍ مع الإخوةِ وكان ذلك الأمرُ يحتاج إلى أن يحملَ كلُّ واحدٍ منهم كميةً من الخبزِ. فقال له أحدُ الشبانِ: «حاشاك أن تحملَ شيئاً يا أبانا، هوذا أنا قد حملتُ كفافي وكفافك». فأجابه القديسُ: «هذا لا يكون أبداً. إن كان قد كُتب من أجلِ الربِ أنه يليقُ به أن يتشبّهَ بإخوتهِ في كلِّ شيءٍ، فكيف أُميِّزُ نفسي أنا الحقير عن إخوتي حتى لا أحملَ حملي مثلهم. وهذا هو السببُ في أن الأديرةَ الأخرى كائنةٌ بانحلالٍ لأن صغارَهم مستعبدون لكبارِهم وليس من اللائقِ أن يكونَ هذا، لأنه مكتوبٌ: من يريدُ أن يكونَ كبيراً فيكم فليكن لكم عبداً».

قال القديس باخوميوس: «اسمع يا ولدي وكن مُتأدِّباً واقبل التعليمَ. كن مطيعاً مثلَ إسحق الذي سمع لأبيهِ وأطاعه كخروفٍ ساذجِ القلبِ، وتشبَّه بعفةِ يوسف وحكمتِهِ وصبرِه واحسد سيرتَه وكن عَمّالاً ولا تكسل، وتمم نذرَكَ الذي قرَّرتَه مع اللهِ خالقك وربِك. كن صبوراً وتجلَّد لأن القديسين صبروا فنالوا المواعيدَ. كن واسعَ القلبِ لتُكلَّل مع عساكِرِه الأطهار. داوم على الصومِ وصلِّ ولا تمل واصبر للبلايا حتى يرفعها الربُ عنك. اجعل السلامَ بينك وبين إخوتِك فيسكنَ الربُ في قلبِك. الزم البكوريةَ في أعضائك والطهارةَ في قلبِك وجسدِك. ليكن رأسُك منكَّساً ونظرُك إلى أسفل، واتضع بقلبِك واهزم الكبرياءَ وابتعد عن الهمِّ. التصق بمخافةِ اللهِ وكن متواضعاً لتكونَ فرحاً. لأن الفرحَ رفيقُ الاتضاعِ. كن متضعاً ليحرسَك الربُ ويقويك. فإنه يقول إنه ينظرُ إلى المتواضعين. كن وديعاً ليحكّمك الربُ ويملأك معرفةً وفهماً، لأنه مكتوبٌ: إنه يُهدي الودعاءَ بالحكمِ ويعلم المتواضعين طرقَه. وحينئذ يثبتك أمامه ويهيئ لك السلامةَ في جميعِ سبلِك. لا تُعطِ لعينيك نوماً ولا لأجفانِك نعاساً لتنجوَ من الفخِ مثل الطائرِ. كن قويَ القلبِ واقتنِ لك شجاعةً منذ الابتداءِ لتقدرَ على الوقوف قبالة غضبِ التنين. لأنه يُصعِّب قتالَك منذ الابتداءِ لا سيما إذا وجدَك غيرَ مستعدٍ لمقاومتهِ وذلك ليجعلَك جزعاً من أولِ الطريقِ، كي لا تستطيعَ الوصولَ إلى منتصفِها. لا تحتقر أحداً من الناسِ ولا تدينه ولو رأيتَه ساقطاً في الخطيةِ، لأن الدينونةَ تأتي من تعاظمِ القلبِ، أما المتضعُ فإنه يَعتبرُ كلَّ الناسِ أفضلَ منه. فبأيِّ حقٍ تدينُ عبداً ليس لك، فإن سقط فلربِهِ، وربُه قادرٌ أن يُقيمَه. إن كنتَ غريباً فاعتكف ولا تدخل عند أحدٍ ولا تختلط بصنائعِ الدنيا. وإن كنتَ بائساً فداوم على العملِ بدونِ مللٍ. أحبَّ الذي يؤدِّبك بخوفِ اللهِ. واجعل جميعَ الناسِ يستفيدون منك وابنِهِم بفضائلِ الأعمالِ والكلامِ الصالح».

وقال أيضاً: «يا ابني إذا جعلتَ توكُّلَك على اللهِ فإنه يصيرُ لك ملجأً ويخلِّصك من جميعِ شدائدك. إن سلَّمتَ كلَّ أمورِك إلى اللهِ فآمن أنه قادرٌ أن يُظهرَ عجائِبَه لقديسيه. جميعُ المعلمين والآباء والكتبُ المقدسة تأمُرُ بالصبرِ الكثير وتُحِثُّ عليه. وانظر لأيِّ درجةٍ حتى اللعابَ الذي ييبس في فمِك وأنت صائمٌ لا ينساه الله. وتجد ذلك عند شدَّتِك في وقتِ انتقالك. اتضع في كلِّ شيءٍ وإذا كنتَ تعرفُ جميعَ الحكمةِ فاجعل كلامَك آخرَ الكلِّ، لأنك بذلك تكمِّلُ كلَّ شيءٍ. تقبَّل كلَّ التجاربِ بفرحٍ، عالماً بالمجدِ الذي يتبعُها، فإنك إن تحققتَ من ذلك فلن تملَّ من احتمالها. لدرجةِ أنك تطلبُ من اللهِ أن لا يصرفها عنك. جيدٌ لك أن تتنهدَ وتبكي فتخلص، لأن الراحةَ تضرُّك وتفرِّح أعداءَك. لا تترك قلبَك يُسبى مع الغرباءِ لئلا يقال لك: لأنك لم تثق بالربِ فأقم الآن في أرضِ العبوديةِ. لا تُخلِ قلبَك من ذِكرِ اللهِ أبداً لئلا تغفل قليلاً فيظفرَ بك الأعداءُ المترصدون لاصطيادك، بل اغلبهم بتركِ الكبرياء واحذر من طلبِها لئلا تُفرِّح أعداءَك. اسلك طريقَ الاتضاع لأن اللهَ لا يردُّ المتواضع خائباً. لكنه يُسقط المتكبرَ وتكون سقطتُه شنيعةً.. إذا ضَعُفتَ عن أن تكون غنياً باللهِ فالتصق بمن يكونُ غنياً به لتسعَد بسعادتِه وتتعلم كيف تسيرُ حسبَ أوامرِ الإنجيل. ما أكثر فخر الصابرين على التجارب، فكن صبوراً وقاتل جميعَ أفكارِك ليعطيكَ المسيحُ المواعيدَ التي أعطاها للقديسين. احفظ نفسَك من الشهوةِ فهي أمُّ جميعِ الخطايا والشِباك، والمُقتنَصُ بها يَضِلُّ عقلُهُ فلا يعود يعلمُ شيئاً من أسرارِ اللهِ. احرس نفسَك من الامتلاءِ بالطعامِ، لأن الطريقَ المؤديةَ إلى الحياةِ كربةٌ، والبابَ ضيقٌ، والامتلاءَ يجعلُك خارجَ الجنةِ. إياك والنجاسة فهي تفصلُ الإنسانَ عن اللهِ. احذر من تكبر القلبِ لأنه أشنعُ الرذائلِ كلِّها. تيقَّظ بكل قوتِك كي تكونَ أميناً على مالِ سيدِك وتدخلَ إلى ملكوتِهِ بفرحٍ، له المجد دائماً أبدياً آمين».

وقال أيضاً: «سألني أحدُ الإخوةِ مرةً قائلاً: قل لنا منظراً من المناظر التي تراها لنستفيدَ منه. فأجبته قائلاً: إن من كان مثلي خاطئاً لا يُعطَى مناظر، ولكن إن شئتَ أن تنظرَ منظراً بهياً يفيدُك بالحقِ فإني أُدِلُّكَ عليه وهو: إذا رأيتَ إنساناً متواضعَ القلبِ طاهراً فهذا أعظمُ من سائرِ المناظر. لأنك بواسطتهِ تشاهدُ اللهَ الذي لا يُرى. فعن أفضلِ من هذا المنظرِ لا تسأل».

وقال أيضاً: «يا ابني، في كلِّ شيءٍ اطلب اللهَ بطولِ روحٍ مثل الزارع والحاصد فإنك تملأ أهراءَك من نِعمِ اللهِ. ارفض إرادتَك بالكليةِ وافلح للهِ بكلِّ قدرتِك. إذا جاءك فكرٌ بخصوصِ حبِّ الأجسامِ أو بغضٍ أو غضبٍ أو أيِّ رذيلةٍ من الرذائلِ، فكن قويَ القلبِ، وقاتل كالجبارِ حتى تهزمها مثل عوج وسيحون وباقي ملوك الكنعانيين، وحينئذ ترثُ جميعَ مدنِ أعدائك. اطرح عنك ضعفَ القلبِ لئلا يتملكك الكسلُ وقلةُ الإيمانِ فيطمع فيك أعداؤك. اجعل قلبَك كقلبِ سَبْعٍ واصرخ كبولس وقل: من ذا الذي يستطيعُ أن يفصلني عن محبةِ اللهِ ربي؟ إن كنتَ في البريةِ فقاتل بالصلواتِ والتنهدِ والصوم، وإن كنتَ في وسطِ الناس فكن وديعاً كالحمامِ وحكيماً كالثعبانِ. إن افترى عليك أحدٌ فلا تفتَرِ أنت عليه. بل افرح واشكر اللهَ. وإذا أكرمك إنسانٌ فلا يفرح قلبُك، بل احزن، لأن بولس وبرنابا لما أكرمهما الناسُ شقَّا ثيابَهما. وبطرس وباقي الرسل لما افتروا عليهم وجلدوهم فرحوا لأنهم حُسبوا أهلاً لأن يُهانوا من أجلِ الاسمِ الأعظم. يا ابني اهرب من مجدِ الناسِ ومن جميعِ ملذاتِ الدهرِ الحاضر، ولا تَكسَل، ولا تؤجِّل التوبةَ لئلا يفاجئك المُرسَلون ويأخذونك وأنت غيرُ مستعدٍ فتصيبك شدةٌ عظيمةٌ وتعاين حينئذ الوجوهَ الشنيعةَ التي تحيطُ بك بقسوةٍ وتمضي بك إلى المنازلِ المظلمةِ المملوءة فزعاً ونيراناً. لا تحزن إذا افترى الناسُ عليك، بل بالحري احزن إذا أخطأتَ إلى الله. لقد طلبتْ حواءُ مجدَ الألوهيةِ فتعرَّت من المجدِ الإنساني. كذلك من يلتمسُ مجدَ الناسِ يُحرم من مجدِ اللهِ. تلك لم يُكتب لها كتبٌ، ولا رأت مثالاتٍ فاختطفها التنينُ، أما أنت فقد علمتَ بهذه الأمورِ من الكتبِ المقدسةِ ومن كافةِ الذين تقدموك، فلن تستطيعَ أن تدافعَ عن نفسِك وتقول: لم أسمع. لأن أصواتَهم خرجت إلى كلِّ الأرضِ وكلامَهم بلغ إلى أقصى المسكونةِ. إذا رذلك الناسُ وافتروا عليك فلا تحزن لأن ربَك دُعيَ ضالاً وبعلزبول وبه شيطان ولم يتذمر. فاقتنِ لك وداعةَ القلبِ واذكر أن ربَّك وإلهَك سِيقَ كخروفٍ للذبحِ ولم يفتح فاه، له المجد إلى الأبدِ».

قيل إنه في أحدِ الأيامِ سمع الأبُّ باخوميوس أحدَ الإخوةِ يخاطبُ صبياً قائلاً: «الآن أوانُ العنبِ». فانتهره الأبُ قائلاً: «هو ذا أجسادُ الأنبياءِ الكذبةِ قد ماتت، ولكن أرواحَهم الآن تطوفُ بين الناسِ تلتمسُ مسكناً فيهم. وأنت الآن لماذا أعطيتَ للشيطانِ موضعاً كي يتكلمَ من فيك. أما سمعتَ الرسولَ قائلاً: كلُّ كلمةٍ رديئةٍ لا يجب أن تخرجَ من أفواهِكم، بل لتخرج كلُّ كلمةٍ صالحةٍ لبناءِ الجماعة، لكي تعطيَ السامعَ نعمةً. ألا تعلم أن الكلمةَ التي قُلتَها لا تبني رفيقَك بل تهدمه. ولماذا نطقتَ بها؟ ألم يُكتب: نفسٌ بنفسٍ؟ ألم تعلم أن نفسَك تؤخذُ عِوضاً عن نفسِه. فإني الآن أشهدُ لكم أن كلَّ كلمةٍ بطالةٍ أو استهزاءٍ أو لعبٍ أو مزاحٍ أو جهلٍ هذه كلها زنى للنفس. ولكي أبينَ لكم مقدارَ غضبِ اللهِ الذي يكونُ على ذلك الإنسانِ الذي يتكلمُ بالكلامِ البطالِ وبكلامِ الاستهزاء، أقول لكم المثلَ الآتي: دعا رجلٌ غنيٌ أناساً إلى وليمةٍ لكي يأكلوا ويشربوا ويفرحوا. وفي أثناءِ الوليمةِ قام بعضُ المتكئين يمزحون، فكسروا الأواني الموجودةَ في بيتِ ذلك الغني. تُرى ماذا عمل الغني؟ إنه غضب عليهم ووبخهم قائلاً: يا عديمي الشكر، لقد دعوتُكم لكي تأكلوا وتشربوا، فكيف تمزحون وتكسرون الأواني؟ هكذا يغضبُ الربُّ على أولئك الذين دعاهم لدعوتِهِ قائلاً لهم: دعوتُكم لكي تتوبوا عن خطاياكم وتخلصوا، ولكنكم هدمتم نفوسَكم ونفوسَ الذين جمعتُهم لي ليخلصوا، بالضحكِ والكلامِ الباطلِ».

وقال أيضاً: «يا بُني، لا تميز موضعاً عن موضعٍ قائلاً: سوف أرى اللهَ هنا أو سوف أراه هناك، لأن اللهَ في كلِّ موضعٍ. لأنه يقول: أنا أملأُ السماءَ والأرضَ. إن أحببّتَ أن تعبرَ مياهاً كثيرةً فاحذر لئلا تغمرك. لا تفتش على اللهِ لئلا تُتلف حياتَك. احفظ القدسَ فقط فهوذا اللهُ داخلك. انظر أين كان اللصُ فورث الجنةَ، أو أين كان يهوذا فاستحقَّ المشنقةَ، أو كيف حُسِبت الزانيةُ مع الأطهارِ، أو كيف أَغوى الشيطانُ حواء في الفردوس، أو كيف أُصعد إيليا إلى السماءِ، أو كيف سقطت الملائكةُ من هناك. فاطلب ولا تكسل. اطلب اللهَ فتجدَه. لا تقضِ أيامَك بالتواني، كما مرَّ العامُ الماضي كذلك هذا العام. وكما مرَّ أمسُ كذلك اليوم. فإلى متى تكسل؟ استيقظ وأيقظ قلبَك قبل أن يوقِفَك مُكرهاً في يومِ الحكمِ لتعطي الجواب عن جميعِ ما صنعتَ. إن صرتَ في حربِ الموتِ لا تجزع، فإن روحَ الله يُنقذُك. لأنه مكتوب: إني لا أخشى شراً لأنك معي».

وقال أيضاً: «يا ابني لا تسكن حيث توجد امرأةٌ لأن هُوَّةَ الهلاكِ كائنةٌ في شفاهِه، وإن تملَّقك الجسدُ قائلاً: إننا منذ زمانٍ طويلٍ قد تحنَّكنا بالتجربةِ، أو إنني قد صرتُ ضعيفاً أو عجوزاً، أو إن الحزنَ والصومَ قد أذلني ولا أستطيعُ مخالفة أمرك. فإياك أن تغترَّ به، لأن الأعداءَ داخله يَكمُنونَ لك، لئلا يَحلِقونَ شعرَ رأسِك أي أفكارَ عقلِك، فيفارقَك روحُ الله وتضعف قوتُك، فيأتي الغرباءُ ويربطونك ويذهبون بك إلى موضعِ الطحنِ حيث تُصبحُ أضحوكةً وألعوبةً، فيقلعون عينيك ويصيِّرونك أعمى لا تعرف طريقَ الخلاصِ. ولن تنفكَّ من أسرِك حتى تموتَ عند الغرباءِ بحزنٍ عظيم. فالآن يا ابني استيقظ واعرف مواعيدك واهرب من القاسي القلب الغاش لئلا يقلع عيني عقلك. تحفَّظ من الزنى واذكر العذابَ المعدَّ للدنسين. اهرب من مصرَ ولا تشرب مياهاً من جيحون التي هي الأفكارُ العاهرة. إذا أحببتَ الأطهارَ فإنهم يكونون لك أصدقاءً ومعهم تصل إلى مدينةِ الله المملوءة نوراً».

في أحدِ الأيامِ جمع الأب باخوميوس الإخوةَ وقال لهم: «أريدُ الآن أن أقولَ لكم وصايا لكي تحفظوها كلُّكم خلاصاً وثباتاً لنفوسِكم، لا سيما لأولئك الذي لم يقووا بعد في الإيمانِ والأعمالِ حتى لا يقعوا في فخِ إبليس، وإياكم أن يشكَ أحدٌ منكم في هذا الكلامِ الذي أقولُه لكم، واذكروا الكلامَ المكتوب: إنكم لا تؤمنون ولا تفهمون. وهذا هو الكلامُ الذي أريدُكم أن تحفظوه: لا يرافق أحدُكم آخرَ لقضاءِ الحاجةِ معاً في مكانٍ واحدٍ. لا يمسك أحدٌ منكم يدَ رفيقِهِ أو يلمس أيَّ شيءٍ من جسدِهِ من غير أمرٍ ضروري إلا في حالةِ رجلٍ مريضٍ أو في حالةِ وقوعِ أحدٍ فيساعدَه آخر حتى يقوم، ويحتاجُ الأمرُ حينئذ أن يمسكَه حتماً ويلمسه. على أنَّ ذلك أيضاً يكونُ بحرصٍ وحَذَرٍ. لا يجلس أحدٌ منكم مع رفيقِهِ في متكأ في عزلةٍ ليتهامسا معاً، بل كونوا بعيدين بعضُكم عن بعضٍ قليلاً حين الكلام مع بعضِكم البعض. لا يرقد أحدُكم على مرقدٍ ليس هو له. لا يَدخل أحدٌ منكم إلى موضعِ رفيقِهِ بغيرِ رسالةٍ أو حاجةٍ، كي لا يجدَ العدو له فينا موضعاً البتةِ».

وقال أيضاً: «يا ابني جرِّب كلَّ شيءٍ واختَر لنفسِك الأفضلَ. لا تكن متعظمَ العينِ بل كن متواضعاً. اجتهد في شبابِك لتفرحَ في كِبرك. احتفظ بالقدسَ لئلا تُفتضح في موضعِ الحكمِ. فيبصرَك معارفُك ويعيرونك قائلين: كنا نظنُّك حملاً فوجدناك ذئباً. أين تستر وجهَك وكيف تفتح فاك. وبماذا تتخلَّص من عملِك الملتصق بك كالصبغةِ بالثوبِ وماذا تصنع؟ حينئذ تبكي ولا ينفع البكاءُ. تسأل ولا يُسمع منك. الآن يا بُني ارفض هذا العالم وارذله وامشِ مستقيماً. لا تصادق صبياً ولا تحادث امرأةً ولا تدخل عندها. لأن الحديدَ إذا وقع على الحجرِ قَدَحَ ناراً. احرص على طهارةِ جسدِك وسلامةِ قلبِك. فإنك إن تحقَّقت من نوالهِما أبصرتَ الله ربَكَ. لا تحقد على الناسِ لئلا تصبح مرذولاً من اللهِ. اجعل لك سلاماً مع أخيك لتكونَ محبوباً من ربِك. إذا صرتَ طاهراً في كلِّ شيءٍ ولكن بينك وبين أخيك عداوةً فأنت غريبٌ عن اللهِ. لأنه مكتوبٌ: اتبعوا السلامةَ والقداسةَ اللتين بدونِهما لا يعاينُ أحدٌ الله. وقد قال الربُّ: اغفروا يُغفر لكم. فإن لم تغفر لأخيك لا يغفر هو لك. لأنه يقول: هكذا يصنعُ بكم أبي السماوي إن لم تغفروا لإخوتِكم من كلِّ قلوبِكم. فإن حقِدتَ على أخيك فهيئ نفسَك للعذابِ، لأنه يقول: إنه أسلمه للمعذِّبين. الآن قد صرنا مسكناً للإلهِ الصالح بالعمادِ، فلا ندعه يتركنا بأعمالِنا السيئة. لأنّ كلَّ الذين جازوا في البحرِ الأحمرِ تبدَّدوا في القفرِ لأنهم قاوموا إرادةَ اللهِ وتبعوا أغراضَ قلوبهم. الرهبنةُ هي: الصومُ بمقدارٍ والصلاةُ بمداومةٍ وعفَّةُ الجسدِ وطهارةُ القلبِ وسكوتُ اللسانِ وحفظُ النظرِ والتعبُ بقدرِ الإمكان، والزهدُ في كلِّ شيءٍ. جميعُ آبائنا القديسين بجوعٍ وعطشٍ وحزنٍ كثيرٍ أكملوا سَعيَهم ونالوا المواعيدَ. إن كنتَ قد نذرتَ للهِ بكوريةً بمحبةٍ واشتياقٍ، فاطلبه من كل قلبِك واسلك حسبَ وصاياه. وحينئذ يجعلُك اللهُ ابناً له ويباركك. ويصيِّر بِرْكَتُك نهراً ونهرُك بحراً، ويجعلُك كبِرْكةِ نارٍ، وسراجُه يضيءُ عليك. وتمتلئُ نوراً من الإشراقِ الإلهي. ويُعطيك الإلهُ مجداً مثلَ مجدِ القديسين. فتضعُ ثِقلاً على أراكنةِ الظلمةِ وترى قوةَ اللهِ في يمينك، وتُغرق فرعون وجنودَه في بحرِ الملحِ، وتُخَلِّص شعبَك من عبوديةِ الغرباءِ، وتورِّثهم أرضَ الخيراتِ التي تفيضُ لبناً وعسلاً. التي هي كمالُ سعيِّك وخروجِك من هذا العالمِ بسلامٍ، آمين».

قيل عن الأب باخوميوس إنه كان يديمُ الصلاةَ بنسكٍ زائدٍ وسهرٍ. وإذا أراد أن يرقدَ لم يكن يرقدُ ممتداً، ولا على مصطبةٍ، بل كان يجلسُ مستنداً إلى الحائطِ. وكان إذا مضى إلى موضعٍ خارجِ الديرِ مع الإخوةِ واضُطروا إلى المبيتِ هناك، كان يأمرهم أن يحفرَ كلُّ واحدٍ منهم لنفسِهِ حفرةً في الأرضِ مثل مراقدهم في الدير، قائلاً لهم: «إنه من الواجبِ على الإنسانِ الراهبِ أن يُتعبَ نفسَه في مَرقَدِهِ لكون روحُ الزنا تقفزُ على الرجلِ لتجرِّبَه بشدةٍ، لا سيما إذا رقد على فِراشٍ، ممتداً براحةٍ».

وقال أيضاً: «يا ابني احفظ قلبَك كي لا يفرحَ أعداؤك، لأن الإنسانَ إذا لم يحفظ قلبَه وقع في الشَرَكِ. لا تكسل عن أن تتعلَّم خوفَ اللهِ كطفلٍ صغيرٍ. كن رجلاً قوياً جباراً في جميعِ تدابيرك، ولا تُفسد يوماً واحداً من عملِك وتحقَّق مما تقدِمُه للهِ الحقيقي كلَّ يوم. اجلس وحدك مثلَ والٍ حكيمٍ ودِنْ أفكارَك، فما كان نافعاً وموافقاً أبقِهِ واحفظه، وأما ما كان ضاراً فاطرده عنك. الآن يا ابني اجعل ناموسَ اللهِ في قلبِك والزم البكاءَ واجعله لك صديقاً. وليكن جسدُك قبراً لك حتى يقيمك اللهُ ويعطيك تاجَ الغَلَبةِ».

حَدَثَ بينما كان الإخوةُ يقومون بالحصادِ وتادرس يعملُ معهم وهو صائمٌ، أن لَحِقه حرٌ في رأسِه. ومن بعد فروغ العمل جلس يستظلُّ؛ فجاز به الأب باخوميوس وقال له بوجعِ قلبٍ: «يا تادرس، أتستظل»؟ فقام تادرس بسرعةٍ. ولما كان المساءُ تقدم تادرس إليه وقال: «يا أبي إني أشعرُ بألمٍ في رأسي بسبب ضربةِ الشمسِ». قال له الأب: «يا تادرس، رجلٌ راهبٌ يسلكُ طريقَ الكمالِ إذا مكث يعاني مرضاً في جسدِهِ عشرين عاماً وهو متألمٌ، لا يجبُ أن يشكوَ لأحدٍ من الناسِ إلا من تلك الأمراضِ التي لا يمكنه أن يخفيها. وهذه الأخرى أيضاً عليه أن يحتملَها على قدرِ قوتِهِ وألا ينيحَ نفسَه إلا في أمرٍ يفوق طاقته، لأنه مكتوبُ: إن الروحَ مستعدةٌ والجسدَ ضعيفٌ. هل تظن أن تقطيعَ الأعضاءِ والحريقَ وحدَه شهادةٌ؟ لا! بل تعبُ النسكِ والضربات التي من الشياطين والأمراض. فمن يحتملُ كلَّ ذلك بشكرٍ فذلك هو الشهيد، وإلا فما الحاجةُ لأن يكتب بولس الرسول: إني أموتُ كلَّ يومٍ. فإنه لم يكن يموت في الظاهرِ كلَّ يومٍ، بل كان بصبرٍ يحتملُ ما يأتي عليه. وكذلك رجالُ اللهِ اليومَ إذا كانوا في أمراضٍ ويُخفونها عن الناسِ فإنهم يُعتبرون شهداءً أيضاً».

وقال أيضاً: «إذا توبَّخ أحدُنا من أحدِ إخوانِه ولم يقبل، بل حقد عليه، فقد اغتال الشياطينُ نفسَه. ولستُ أقولُ ذلك فقط، بل وإن لم تعتبره كطبيبٍ معالجٍ فقد ظلمتَ نفسَك، لأنه ماذا تقولُ فيما أصابك. ألستَ تعلمُ أنه قد نظَّف أوساخَك؟ فسبيلُك أن تعترفَ له كطبيبٍ أرسله المسيحُ إليك. فإن كنتَ تُحبُّ المرضَ فلا تحتجَّ على الربِّ. أما هذا الوجعُ الذي ظهر لك فذلك دليلٌ على ضعفِ نفسِك. ولولا ذلك ما كنتَ تحزنُ من الدواءِ. لذلك ينبغي أن تعترفَ بالفضلِ للأخِ لأنك به عرفتَ مرضَك القاتل. فعليك أن تقبلَه مثلَ دواءٍ شافٍ مُرسَل من عند يسوع المسيح، ولو أنك لم تقتصر على عدمِ شكرِه فقط بل خلقتَ حوله شكوكاً، وقد كان الأحرى بك أن تقولَ ليسوع المسيح: لستُ أريد أن تشفيني، ولا أشاءُ أن أقبلَ شيئاً من أدويتك. الأحزانُ هي مكاوي يسوع، فمن أراد أن يبرأ من أسقامِه، يلزمه حتماً أن يصبرَ على ما يَرِد عليه من الطبيبِ. ولعمري أن المريضَ ليس من شأنِه أن يستلذَّ الكيَ والبترَ أو شربَ الدواءِ المنقي، بل من طباعِهِ أن يُبغضَ الأدويةَ، ولكنه لإيقانِه أنه بلا علاجٍ لن يحصلَ على الشفاءِ، ولذلك نجده يدفعُ ذاتَه للطبيبِ عالماً أنه بالأدويةِ المُرةِ يتخلَّص من الأخلاطِ الضارةِ الرديئةِ. فمكوى يسوع هو ذاك الذي يُهينُك، لأنه إن كان يشتمُك إلا أنه يريحُك ويخلِّصُك من السبحِ الباطل. ودواءُ يسوع المنقي هو من يُرذلك ويوبخك، لأنه يريحك من التنعم، فإن لم تحتمل شربَ الأدويةِ تَظلِمُ نفسَك وحدَك. أما الأخ فلم يسبب لك ضرراً ما».

وقال أيضاً: «سبيلُ الراهبِ ألا يكتفي بنسكِ الجسدِ وتعبِه وحده، بل عليه أن يحصلَ على خوفِ اللهِ ساكناً فيه، فإنه هو الذي يحرقُ الأفكارَ الرديئة ويُفنيها، كمثلِ النارِ التي تحرقُ الصدأ وتنظِّفُ الحديدَ من الشوائبِ. كذلك خوفُ اللهِ يطردُ كلَّ رذيلةٍ من الإنسانِ ويجعله إناءً للكرامةِ يصلُحُ لعملِ اللهِ».

وقال أيضاً: «الأكلُ بقدرٍ ليس خطيةً، وإنما هزيمةُ الرهبانِ هي أن تَسُودَ عليهم الحنجرةُ ويتعبَّدوا للشهوةِ».

 

 

 

 

 

 

جاء عن القديس باخوميوس: كان والدُُه من الصعيدِ الأعلى عابداً للأصنامِ. ففي ذاتِ يومٍ تجنَّد باخوميوس ضمن جنودِ الملكِ. فحدث بينما كانوا مسافرين وهم بحالٍ سيئةٍ للغايةِ، أن أتاهم قومٌ مسيحيون من إسنا بطعامٍ وشرابٍ في المعسكر. فسأل باخوميوس: «كيف أمكن لهؤلاء الناسِ أن يتحنَّنوا علينا وهم لا يعرفوننا قط»؟ فقيل له: «إنهم مسيحيون، وإنهم يفعلون ذلك من أجلِ إلهِ السماءِ». فلما سمع باخوميوس هذا الكلامَ قرَّر في نفسِهِ أنه لو أُتيحت له فرصةٌ يصيرُ مسيحياً ويخدم المحتاجين. وبتدبيرِ اللهِ غلب الملكُ أعداءَه وأصدر أوامرَه بتسريح الجنودِ. فرجع باخوميوس وتعمَّد. وبعد ثلاث سنين ترهبن عند راهبٍ قديس اسمه بلامون. ولوقته شَرَعَ في إقامةِ شركةٍ حتى يساعدوا بعضُهم بعضاً، ويقوموا بإعالةِ المحتاجين والضعفاء. فاجتمع إليه كثيرون وبنوا أديرةً واتخذوا لهم عيشةً مشتركةً. وكان القديسُ يرسل لهم قانونَ العبادةِ وشُغلَ اليدِ والتصريفَ اللائق، ويدبِّرهم في الجلوسِ والقيامِ والسكوتِ والكلامِ. ويتشدد في ذلك إلى أبعدِ حدٍ.

قيل عن القديس باخوميوس: إنه مضى دفعةً في أمرٍ مع الإخوةِ وكان ذلك الأمرُ يحتاج إلى أن يحملَ كلُّ واحدٍ منهم كميةً من الخبزِ. فقال له أحدُ الشبانِ: «حاشاك أن تحملَ شيئاً يا أبانا، هوذا أنا قد حملتُ كفافي وكفافك». فأجابه القديسُ: «هذا لا يكون أبداً. إن كان قد كُتب من أجلِ الربِ أنه يليقُ به أن يتشبّهَ بإخوتهِ في كلِّ شيءٍ، فكيف أُميِّزُ نفسي أنا الحقير عن إخوتي حتى لا أحملَ حملي مثلهم. وهذا هو السببُ في أن الأديرةَ الأخرى كائنةٌ بانحلالٍ لأن صغارَهم مستعبدون لكبارِهم وليس من اللائقِ أن يكونَ هذا، لأنه مكتوبٌ: من يريدُ أن يكونَ كبيراً فيكم فليكن لكم عبداً».

قال القديس باخوميوس: «اسمع يا ولدي وكن مُتأدِّباً واقبل التعليمَ. كن مطيعاً مثلَ إسحق الذي سمع لأبيهِ وأطاعه كخروفٍ ساذجِ القلبِ، وتشبَّه بعفةِ يوسف وحكمتِهِ وصبرِه واحسد سيرتَه وكن عَمّالاً ولا تكسل، وتمم نذرَكَ الذي قرَّرتَه مع اللهِ خالقك وربِك. كن صبوراً وتجلَّد لأن القديسين صبروا فنالوا المواعيدَ. كن واسعَ القلبِ لتُكلَّل مع عساكِرِه الأطهار. داوم على الصومِ وصلِّ ولا تمل واصبر للبلايا حتى يرفعها الربُ عنك. اجعل السلامَ بينك وبين إخوتِك فيسكنَ الربُ في قلبِك. الزم البكوريةَ في أعضائك والطهارةَ في قلبِك وجسدِك. ليكن رأسُك منكَّساً ونظرُك إلى أسفل، واتضع بقلبِك واهزم الكبرياءَ وابتعد عن الهمِّ. التصق بمخافةِ اللهِ وكن متواضعاً لتكونَ فرحاً. لأن الفرحَ رفيقُ الاتضاعِ. كن متضعاً ليحرسَك الربُ ويقويك. فإنه يقول إنه ينظرُ إلى المتواضعين. كن وديعاً ليحكّمك الربُ ويملأك معرفةً وفهماً، لأنه مكتوبٌ: إنه يُهدي الودعاءَ بالحكمِ ويعلم المتواضعين طرقَه. وحينئذ يثبتك أمامه ويهيئ لك السلامةَ في جميعِ سبلِك. لا تُعطِ لعينيك نوماً ولا لأجفانِك نعاساً لتنجوَ من الفخِ مثل الطائرِ. كن قويَ القلبِ واقتنِ لك شجاعةً منذ الابتداءِ لتقدرَ على الوقوف قبالة غضبِ التنين. لأنه يُصعِّب قتالَك منذ الابتداءِ لا سيما إذا وجدَك غيرَ مستعدٍ لمقاومتهِ وذلك ليجعلَك جزعاً من أولِ الطريقِ، كي لا تستطيعَ الوصولَ إلى منتصفِها. لا تحتقر أحداً من الناسِ ولا تدينه ولو رأيتَه ساقطاً في الخطيةِ، لأن الدينونةَ تأتي من تعاظمِ القلبِ، أما المتضعُ فإنه يَعتبرُ كلَّ الناسِ أفضلَ منه. فبأيِّ حقٍ تدينُ عبداً ليس لك، فإن سقط فلربِهِ، وربُه قادرٌ أن يُقيمَه. إن كنتَ غريباً فاعتكف ولا تدخل عند أحدٍ ولا تختلط بصنائعِ الدنيا. وإن كنتَ بائساً فداوم على العملِ بدونِ مللٍ. أحبَّ الذي يؤدِّبك بخوفِ اللهِ. واجعل جميعَ الناسِ يستفيدون منك وابنِهِم بفضائلِ الأعمالِ والكلامِ الصالح».

وقال أيضاً: «يا ابني إذا جعلتَ توكُّلَك على اللهِ فإنه يصيرُ لك ملجأً ويخلِّصك من جميعِ شدائدك. إن سلَّمتَ كلَّ أمورِك إلى اللهِ فآمن أنه قادرٌ أن يُظهرَ عجائِبَه لقديسيه. جميعُ المعلمين والآباء والكتبُ المقدسة تأمُرُ بالصبرِ الكثير وتُحِثُّ عليه. وانظر لأيِّ درجةٍ حتى اللعابَ الذي ييبس في فمِك وأنت صائمٌ لا ينساه الله. وتجد ذلك عند شدَّتِك في وقتِ انتقالك. اتضع في كلِّ شيءٍ وإذا كنتَ تعرفُ جميعَ الحكمةِ فاجعل كلامَك آخرَ الكلِّ، لأنك بذلك تكمِّلُ كلَّ شيءٍ. تقبَّل كلَّ التجاربِ بفرحٍ، عالماً بالمجدِ الذي يتبعُها، فإنك إن تحققتَ من ذلك فلن تملَّ من احتمالها. لدرجةِ أنك تطلبُ من اللهِ أن لا يصرفها عنك. جيدٌ لك أن تتنهدَ وتبكي فتخلص، لأن الراحةَ تضرُّك وتفرِّح أعداءَك. لا تترك قلبَك يُسبى مع الغرباءِ لئلا يقال لك: لأنك لم تثق بالربِ فأقم الآن في أرضِ العبوديةِ. لا تُخلِ قلبَك من ذِكرِ اللهِ أبداً لئلا تغفل قليلاً فيظفرَ بك الأعداءُ المترصدون لاصطيادك، بل اغلبهم بتركِ الكبرياء واحذر من طلبِها لئلا تُفرِّح أعداءَك. اسلك طريقَ الاتضاع لأن اللهَ لا يردُّ المتواضع خائباً. لكنه يُسقط المتكبرَ وتكون سقطتُه شنيعةً.. إذا ضَعُفتَ عن أن تكون غنياً باللهِ فالتصق بمن يكونُ غنياً به لتسعَد بسعادتِه وتتعلم كيف تسيرُ حسبَ أوامرِ الإنجيل. ما أكثر فخر الصابرين على التجارب، فكن صبوراً وقاتل جميعَ أفكارِك ليعطيكَ المسيحُ المواعيدَ التي أعطاها للقديسين. احفظ نفسَك من الشهوةِ فهي أمُّ جميعِ الخطايا والشِباك، والمُقتنَصُ بها يَضِلُّ عقلُهُ فلا يعود يعلمُ شيئاً من أسرارِ اللهِ. احرس نفسَك من الامتلاءِ بالطعامِ، لأن الطريقَ المؤديةَ إلى الحياةِ كربةٌ، والبابَ ضيقٌ، والامتلاءَ يجعلُك خارجَ الجنةِ. إياك والنجاسة فهي تفصلُ الإنسانَ عن اللهِ. احذر من تكبر القلبِ لأنه أشنعُ الرذائلِ كلِّها. تيقَّظ بكل قوتِك كي تكونَ أميناً على مالِ سيدِك وتدخلَ إلى ملكوتِهِ بفرحٍ، له المجد دائماً أبدياً آمين».

وقال أيضاً: «سألني أحدُ الإخوةِ مرةً قائلاً: قل لنا منظراً من المناظر التي تراها لنستفيدَ منه. فأجبته قائلاً: إن من كان مثلي خاطئاً لا يُعطَى مناظر، ولكن إن شئتَ أن تنظرَ منظراً بهياً يفيدُك بالحقِ فإني أُدِلُّكَ عليه وهو: إذا رأيتَ إنساناً متواضعَ القلبِ طاهراً فهذا أعظمُ من سائرِ المناظر. لأنك بواسطتهِ تشاهدُ اللهَ الذي لا يُرى. فعن أفضلِ من هذا المنظرِ لا تسأل».

وقال أيضاً: «يا ابني، في كلِّ شيءٍ اطلب اللهَ بطولِ روحٍ مثل الزارع والحاصد فإنك تملأ أهراءَك من نِعمِ اللهِ. ارفض إرادتَك بالكليةِ وافلح للهِ بكلِّ قدرتِك. إذا جاءك فكرٌ بخصوصِ حبِّ الأجسامِ أو بغضٍ أو غضبٍ أو أيِّ رذيلةٍ من الرذائلِ، فكن قويَ القلبِ، وقاتل كالجبارِ حتى تهزمها مثل عوج وسيحون وباقي ملوك الكنعانيين، وحينئذ ترثُ جميعَ مدنِ أعدائك. اطرح عنك ضعفَ القلبِ لئلا يتملكك الكسلُ وقلةُ الإيمانِ فيطمع فيك أعداؤك. اجعل قلبَك كقلبِ سَبْعٍ واصرخ كبولس وقل: من ذا الذي يستطيعُ أن يفصلني عن محبةِ اللهِ ربي؟ إن كنتَ في البريةِ فقاتل بالصلواتِ والتنهدِ والصوم، وإن كنتَ في وسطِ الناس فكن وديعاً كالحمامِ وحكيماً كالثعبانِ. إن افترى عليك أحدٌ فلا تفتَرِ أنت عليه. بل افرح واشكر اللهَ. وإذا أكرمك إنسانٌ فلا يفرح قلبُك، بل احزن، لأن بولس وبرنابا لما أكرمهما الناسُ شقَّا ثيابَهما. وبطرس وباقي الرسل لما افتروا عليهم وجلدوهم فرحوا لأنهم حُسبوا أهلاً لأن يُهانوا من أجلِ الاسمِ الأعظم. يا ابني اهرب من مجدِ الناسِ ومن جميعِ ملذاتِ الدهرِ الحاضر، ولا تَكسَل، ولا تؤجِّل التوبةَ لئلا يفاجئك المُرسَلون ويأخذونك وأنت غيرُ مستعدٍ فتصيبك شدةٌ عظيمةٌ وتعاين حينئذ الوجوهَ الشنيعةَ التي تحيطُ بك بقسوةٍ وتمضي بك إلى المنازلِ المظلمةِ المملوءة فزعاً ونيراناً. لا تحزن إذا افترى الناسُ عليك، بل بالحري احزن إذا أخطأتَ إلى الله. لقد طلبتْ حواءُ مجدَ الألوهيةِ فتعرَّت من المجدِ الإنساني. كذلك من يلتمسُ مجدَ الناسِ يُحرم من مجدِ اللهِ. تلك لم يُكتب لها كتبٌ، ولا رأت مثالاتٍ فاختطفها التنينُ، أما أنت فقد علمتَ بهذه الأمورِ من الكتبِ المقدسةِ ومن كافةِ الذين تقدموك، فلن تستطيعَ أن تدافعَ عن نفسِك وتقول: لم أسمع. لأن أصواتَهم خرجت إلى كلِّ الأرضِ وكلامَهم بلغ إلى أقصى المسكونةِ. إذا رذلك الناسُ وافتروا عليك فلا تحزن لأن ربَك دُعيَ ضالاً وبعلزبول وبه شيطان ولم يتذمر. فاقتنِ لك وداعةَ القلبِ واذكر أن ربَّك وإلهَك سِيقَ كخروفٍ للذبحِ ولم يفتح فاه، له المجد إلى الأبدِ».

قيل إنه في أحدِ الأيامِ سمع الأبُّ باخوميوس أحدَ الإخوةِ يخاطبُ صبياً قائلاً: «الآن أوانُ العنبِ». فانتهره الأبُ قائلاً: «هو ذا أجسادُ الأنبياءِ الكذبةِ قد ماتت، ولكن أرواحَهم الآن تطوفُ بين الناسِ تلتمسُ مسكناً فيهم. وأنت الآن لماذا أعطيتَ للشيطانِ موضعاً كي يتكلمَ من فيك. أما سمعتَ الرسولَ قائلاً: كلُّ كلمةٍ رديئةٍ لا يجب أن تخرجَ من أفواهِكم، بل لتخرج كلُّ كلمةٍ صالحةٍ لبناءِ الجماعة، لكي تعطيَ السامعَ نعمةً. ألا تعلم أن الكلمةَ التي قُلتَها لا تبني رفيقَك بل تهدمه. ولماذا نطقتَ بها؟ ألم يُكتب: نفسٌ بنفسٍ؟ ألم تعلم أن نفسَك تؤخذُ عِوضاً عن نفسِه. فإني الآن أشهدُ لكم أن كلَّ كلمةٍ بطالةٍ أو استهزاءٍ أو لعبٍ أو مزاحٍ أو جهلٍ هذه كلها زنى للنفس. ولكي أبينَ لكم مقدارَ غضبِ اللهِ الذي يكونُ على ذلك الإنسانِ الذي يتكلمُ بالكلامِ البطالِ وبكلامِ الاستهزاء، أقول لكم المثلَ الآتي: دعا رجلٌ غنيٌ أناساً إلى وليمةٍ لكي يأكلوا ويشربوا ويفرحوا. وفي أثناءِ الوليمةِ قام بعضُ المتكئين يمزحون، فكسروا الأواني الموجودةَ في بيتِ ذلك الغني. تُرى ماذا عمل الغني؟ إنه غضب عليهم ووبخهم قائلاً: يا عديمي الشكر، لقد دعوتُكم لكي تأكلوا وتشربوا، فكيف تمزحون وتكسرون الأواني؟ هكذا يغضبُ الربُّ على أولئك الذين دعاهم لدعوتِهِ قائلاً لهم: دعوتُكم لكي تتوبوا عن خطاياكم وتخلصوا، ولكنكم هدمتم نفوسَكم ونفوسَ الذين جمعتُهم لي ليخلصوا، بالضحكِ والكلامِ الباطلِ».

وقال أيضاً: «يا بُني، لا تميز موضعاً عن موضعٍ قائلاً: سوف أرى اللهَ هنا أو سوف أراه هناك، لأن اللهَ في كلِّ موضعٍ. لأنه يقول: أنا أملأُ السماءَ والأرضَ. إن أحببّتَ أن تعبرَ مياهاً كثيرةً فاحذر لئلا تغمرك. لا تفتش على اللهِ لئلا تُتلف حياتَك. احفظ القدسَ فقط فهوذا اللهُ داخلك. انظر أين كان اللصُ فورث الجنةَ، أو أين كان يهوذا فاستحقَّ المشنقةَ، أو كيف حُسِبت الزانيةُ مع الأطهارِ، أو كيف أَغوى الشيطانُ حواء في الفردوس، أو كيف أُصعد إيليا إلى السماءِ، أو كيف سقطت الملائكةُ من هناك. فاطلب ولا تكسل. اطلب اللهَ فتجدَه. لا تقضِ أيامَك بالتواني، كما مرَّ العامُ الماضي كذلك هذا العام. وكما مرَّ أمسُ كذلك اليوم. فإلى متى تكسل؟ استيقظ وأيقظ قلبَك قبل أن يوقِفَك مُكرهاً في يومِ الحكمِ لتعطي الجواب عن جميعِ ما صنعتَ. إن صرتَ في حربِ الموتِ لا تجزع، فإن روحَ الله يُنقذُك. لأنه مكتوب: إني لا أخشى شراً لأنك معي».

وقال أيضاً: «يا ابني لا تسكن حيث توجد امرأةٌ لأن هُوَّةَ الهلاكِ كائنةٌ في شفاهِه، وإن تملَّقك الجسدُ قائلاً: إننا منذ زمانٍ طويلٍ قد تحنَّكنا بالتجربةِ، أو إنني قد صرتُ ضعيفاً أو عجوزاً، أو إن الحزنَ والصومَ قد أذلني ولا أستطيعُ مخالفة أمرك. فإياك أن تغترَّ به، لأن الأعداءَ داخله يَكمُنونَ لك، لئلا يَحلِقونَ شعرَ رأسِك أي أفكارَ عقلِك، فيفارقَك روحُ الله وتضعف قوتُك، فيأتي الغرباءُ ويربطونك ويذهبون بك إلى موضعِ الطحنِ حيث تُصبحُ أضحوكةً وألعوبةً، فيقلعون عينيك ويصيِّرونك أعمى لا تعرف طريقَ الخلاصِ. ولن تنفكَّ من أسرِك حتى تموتَ عند الغرباءِ بحزنٍ عظيم. فالآن يا ابني استيقظ واعرف مواعيدك واهرب من القاسي القلب الغاش لئلا يقلع عيني عقلك. تحفَّظ من الزنى واذكر العذابَ المعدَّ للدنسين. اهرب من مصرَ ولا تشرب مياهاً من جيحون التي هي الأفكارُ العاهرة. إذا أحببتَ الأطهارَ فإنهم يكونون لك أصدقاءً ومعهم تصل إلى مدينةِ الله المملوءة نوراً».

في أحدِ الأيامِ جمع الأب باخوميوس الإخوةَ وقال لهم: «أريدُ الآن أن أقولَ لكم وصايا لكي تحفظوها كلُّكم خلاصاً وثباتاً لنفوسِكم، لا سيما لأولئك الذي لم يقووا بعد في الإيمانِ والأعمالِ حتى لا يقعوا في فخِ إبليس، وإياكم أن يشكَ أحدٌ منكم في هذا الكلامِ الذي أقولُه لكم، واذكروا الكلامَ المكتوب: إنكم لا تؤمنون ولا تفهمون. وهذا هو الكلامُ الذي أريدُكم أن تحفظوه: لا يرافق أحدُكم آخرَ لقضاءِ الحاجةِ معاً في مكانٍ واحدٍ. لا يمسك أحدٌ منكم يدَ رفيقِهِ أو يلمس أيَّ شيءٍ من جسدِهِ من غير أمرٍ ضروري إلا في حالةِ رجلٍ مريضٍ أو في حالةِ وقوعِ أحدٍ فيساعدَه آخر حتى يقوم، ويحتاجُ الأمرُ حينئذ أن يمسكَه حتماً ويلمسه. على أنَّ ذلك أيضاً يكونُ بحرصٍ وحَذَرٍ. لا يجلس أحدٌ منكم مع رفيقِهِ في متكأ في عزلةٍ ليتهامسا معاً، بل كونوا بعيدين بعضُكم عن بعضٍ قليلاً حين الكلام مع بعضِكم البعض. لا يرقد أحدُكم على مرقدٍ ليس هو له. لا يَدخل أحدٌ منكم إلى موضعِ رفيقِهِ بغيرِ رسالةٍ أو حاجةٍ، كي لا يجدَ العدو له فينا موضعاً البتةِ».

وقال أيضاً: «يا ابني جرِّب كلَّ شيءٍ واختَر لنفسِك الأفضلَ. لا تكن متعظمَ العينِ بل كن متواضعاً. اجتهد في شبابِك لتفرحَ في كِبرك. احتفظ بالقدسَ لئلا تُفتضح في موضعِ الحكمِ. فيبصرَك معارفُك ويعيرونك قائلين: كنا نظنُّك حملاً فوجدناك ذئباً. أين تستر وجهَك وكيف تفتح فاك. وبماذا تتخلَّص من عملِك الملتصق بك كالصبغةِ بالثوبِ وماذا تصنع؟ حينئذ تبكي ولا ينفع البكاءُ. تسأل ولا يُسمع منك. الآن يا بُني ارفض هذا العالم وارذله وامشِ مستقيماً. لا تصادق صبياً ولا تحادث امرأةً ولا تدخل عندها. لأن الحديدَ إذا وقع على الحجرِ قَدَحَ ناراً. احرص على طهارةِ جسدِك وسلامةِ قلبِك. فإنك إن تحقَّقت من نوالهِما أبصرتَ الله ربَكَ. لا تحقد على الناسِ لئلا تصبح مرذولاً من اللهِ. اجعل لك سلاماً مع أخيك لتكونَ محبوباً من ربِك. إذا صرتَ طاهراً في كلِّ شيءٍ ولكن بينك وبين أخيك عداوةً فأنت غريبٌ عن اللهِ. لأنه مكتوبٌ: اتبعوا السلامةَ والقداسةَ اللتين بدونِهما لا يعاينُ أحدٌ الله. وقد قال الربُّ: اغفروا يُغفر لكم. فإن لم تغفر لأخيك لا يغفر هو لك. لأنه يقول: هكذا يصنعُ بكم أبي السماوي إن لم تغفروا لإخوتِكم من كلِّ قلوبِكم. فإن حقِدتَ على أخيك فهيئ نفسَك للعذابِ، لأنه يقول: إنه أسلمه للمعذِّبين. الآن قد صرنا مسكناً للإلهِ الصالح بالعمادِ، فلا ندعه يتركنا بأعمالِنا السيئة. لأنّ كلَّ الذين جازوا في البحرِ الأحمرِ تبدَّدوا في القفرِ لأنهم قاوموا إرادةَ اللهِ وتبعوا أغراضَ قلوبهم. الرهبنةُ هي: الصومُ بمقدارٍ والصلاةُ بمداومةٍ وعفَّةُ الجسدِ وطهارةُ القلبِ وسكوتُ اللسانِ وحفظُ النظرِ والتعبُ بقدرِ الإمكان، والزهدُ في كلِّ شيءٍ. جميعُ آبائنا القديسين بجوعٍ وعطشٍ وحزنٍ كثيرٍ أكملوا سَعيَهم ونالوا المواعيدَ. إن كنتَ قد نذرتَ للهِ بكوريةً بمحبةٍ واشتياقٍ، فاطلبه من كل قلبِك واسلك حسبَ وصاياه. وحينئذ يجعلُك اللهُ ابناً له ويباركك. ويصيِّر بِرْكَتُك نهراً ونهرُك بحراً، ويجعلُك كبِرْكةِ نارٍ، وسراجُه يضيءُ عليك. وتمتلئُ نوراً من الإشراقِ الإلهي. ويُعطيك الإلهُ مجداً مثلَ مجدِ القديسين. فتضعُ ثِقلاً على أراكنةِ الظلمةِ وترى قوةَ اللهِ في يمينك، وتُغرق فرعون وجنودَه في بحرِ الملحِ، وتُخَلِّص شعبَك من عبوديةِ الغرباءِ، وتورِّثهم أرضَ الخيراتِ التي تفيضُ لبناً وعسلاً. التي هي كمالُ سعيِّك وخروجِك من هذا العالمِ بسلامٍ، آمين».

قيل عن الأب باخوميوس إنه كان يديمُ الصلاةَ بنسكٍ زائدٍ وسهرٍ. وإذا أراد أن يرقدَ لم يكن يرقدُ ممتداً، ولا على مصطبةٍ، بل كان يجلسُ مستنداً إلى الحائطِ. وكان إذا مضى إلى موضعٍ خارجِ الديرِ مع الإخوةِ واضُطروا إلى المبيتِ هناك، كان يأمرهم أن يحفرَ كلُّ واحدٍ منهم لنفسِهِ حفرةً في الأرضِ مثل مراقدهم في الدير، قائلاً لهم: «إنه من الواجبِ على الإنسانِ الراهبِ أن يُتعبَ نفسَه في مَرقَدِهِ لكون روحُ الزنا تقفزُ على الرجلِ لتجرِّبَه بشدةٍ، لا سيما إذا رقد على فِراشٍ، ممتداً براحةٍ».

وقال أيضاً: «يا ابني احفظ قلبَك كي لا يفرحَ أعداؤك، لأن الإنسانَ إذا لم يحفظ قلبَه وقع في الشَرَكِ. لا تكسل عن أن تتعلَّم خوفَ اللهِ كطفلٍ صغيرٍ. كن رجلاً قوياً جباراً في جميعِ تدابيرك، ولا تُفسد يوماً واحداً من عملِك وتحقَّق مما تقدِمُه للهِ الحقيقي كلَّ يوم. اجلس وحدك مثلَ والٍ حكيمٍ ودِنْ أفكارَك، فما كان نافعاً وموافقاً أبقِهِ واحفظه، وأما ما كان ضاراً فاطرده عنك. الآن يا ابني اجعل ناموسَ اللهِ في قلبِك والزم البكاءَ واجعله لك صديقاً. وليكن جسدُك قبراً لك حتى يقيمك اللهُ ويعطيك تاجَ الغَلَبةِ».

حَدَثَ بينما كان الإخوةُ يقومون بالحصادِ وتادرس يعملُ معهم وهو صائمٌ، أن لَحِقه حرٌ في رأسِه. ومن بعد فروغ العمل جلس يستظلُّ؛ فجاز به الأب باخوميوس وقال له بوجعِ قلبٍ: «يا تادرس، أتستظل»؟ فقام تادرس بسرعةٍ. ولما كان المساءُ تقدم تادرس إليه وقال: «يا أبي إني أشعرُ بألمٍ في رأسي بسبب ضربةِ الشمسِ». قال له الأب: «يا تادرس، رجلٌ راهبٌ يسلكُ طريقَ الكمالِ إذا مكث يعاني مرضاً في جسدِهِ عشرين عاماً وهو متألمٌ، لا يجبُ أن يشكوَ لأحدٍ من الناسِ إلا من تلك الأمراضِ التي لا يمكنه أن يخفيها. وهذه الأخرى أيضاً عليه أن يحتملَها على قدرِ قوتِهِ وألا ينيحَ نفسَه إلا في أمرٍ يفوق طاقته، لأنه مكتوبُ: إن الروحَ مستعدةٌ والجسدَ ضعيفٌ. هل تظن أن تقطيعَ الأعضاءِ والحريقَ وحدَه شهادةٌ؟ لا! بل تعبُ النسكِ والضربات التي من الشياطين والأمراض. فمن يحتملُ كلَّ ذلك بشكرٍ فذلك هو الشهيد، وإلا فما الحاجةُ لأن يكتب بولس الرسول: إني أموتُ كلَّ يومٍ. فإنه لم يكن يموت في الظاهرِ كلَّ يومٍ، بل كان بصبرٍ يحتملُ ما يأتي عليه. وكذلك رجالُ اللهِ اليومَ إذا كانوا في أمراضٍ ويُخفونها عن الناسِ فإنهم يُعتبرون شهداءً أيضاً».

وقال أيضاً: «إذا توبَّخ أحدُنا من أحدِ إخوانِه ولم يقبل، بل حقد عليه، فقد اغتال الشياطينُ نفسَه. ولستُ أقولُ ذلك فقط، بل وإن لم تعتبره كطبيبٍ معالجٍ فقد ظلمتَ نفسَك، لأنه ماذا تقولُ فيما أصابك. ألستَ تعلمُ أنه قد نظَّف أوساخَك؟ فسبيلُك أن تعترفَ له كطبيبٍ أرسله المسيحُ إليك. فإن كنتَ تُحبُّ المرضَ فلا تحتجَّ على الربِّ. أما هذا الوجعُ الذي ظهر لك فذلك دليلٌ على ضعفِ نفسِك. ولولا ذلك ما كنتَ تحزنُ من الدواءِ. لذلك ينبغي أن تعترفَ بالفضلِ للأخِ لأنك به عرفتَ مرضَك القاتل. فعليك أن تقبلَه مثلَ دواءٍ شافٍ مُرسَل من عند يسوع المسيح، ولو أنك لم تقتصر على عدمِ شكرِه فقط بل خلقتَ حوله شكوكاً، وقد كان الأحرى بك أن تقولَ ليسوع المسيح: لستُ أريد أن تشفيني، ولا أشاءُ أن أقبلَ شيئاً من أدويتك. الأحزانُ هي مكاوي يسوع، فمن أراد أن يبرأ من أسقامِه، يلزمه حتماً أن يصبرَ على ما يَرِد عليه من الطبيبِ. ولعمري أن المريضَ ليس من شأنِه أن يستلذَّ الكيَ والبترَ أو شربَ الدواءِ المنقي، بل من طباعِهِ أن يُبغضَ الأدويةَ، ولكنه لإيقانِه أنه بلا علاجٍ لن يحصلَ على الشفاءِ، ولذلك نجده يدفعُ ذاتَه للطبيبِ عالماً أنه بالأدويةِ المُرةِ يتخلَّص من الأخلاطِ الضارةِ الرديئةِ. فمكوى يسوع هو ذاك الذي يُهينُك، لأنه إن كان يشتمُك إلا أنه يريحُك ويخلِّصُك من السبحِ الباطل. ودواءُ يسوع المنقي هو من يُرذلك ويوبخك، لأنه يريحك من التنعم، فإن لم تحتمل شربَ الأدويةِ تَظلِمُ نفسَك وحدَك. أما الأخ فلم يسبب لك ضرراً ما».

وقال أيضاً: «سبيلُ الراهبِ ألا يكتفي بنسكِ الجسدِ وتعبِه وحده، بل عليه أن يحصلَ على خوفِ اللهِ ساكناً فيه، فإنه هو الذي يحرقُ الأفكارَ الرديئة ويُفنيها، كمثلِ النارِ التي تحرقُ الصدأ وتنظِّفُ الحديدَ من الشوائبِ. كذلك خوفُ اللهِ يطردُ كلَّ رذيلةٍ من الإنسانِ ويجعله إناءً للكرامةِ يصلُحُ لعملِ اللهِ».

وقال أيضاً: «الأكلُ بقدرٍ ليس خطيةً، وإنما هزيمةُ الرهبانِ هي أن تَسُودَ عليهم الحنجرةُ ويتعبَّدوا للشهوةِ».

 

 

 

 

 

 

 

 

 

من قولِ القديس اكليمادوس، وصيةً لمن يريدُ الدخولَ في سلكِ الرهبنةِ: «اسمع يا ابني كلامي واحفظه. واعلم أنك منذ الآن قادمٌ لتقاتلَ السباعَ والتنانين والأراكنة الشياطين في طريق التوبةِ التي هي كربةٌ وصعبةٌ. واعلم أنك قد نصَّبت نفسَك هدفاً للشدائدِ والأحزانِ يوماً بعد يومٍ إن أردتَ أن تكون راهباً. لأنه مكتوبٌ: توقّع يا ابني الشدةَ بعد الشدةِ من وقتٍ لآخر، وهيئ نفسَك لذلك. لا تتوانَ لئلا تندمَ أخيراً وتُصبحُ رهبانيتُك باطلةً. لا يوجد ها هنا طعامٌ أو شرابٌ، بل جوعٌ وعطشٌ دائمٌ. ومنذ الآن لن يكونَ لعبٌ أو ضحكٌ أو قهقهةٌ أو انحلالٌ. بل انكر نفسَك في كلِّ شيء ولا تكمِّل أغراضَك الجَسَدَانية، ولازم الحزنَ والبكاءَ عوضَ الانحلالِ واللعبِ. داوم على السهرِ والصومِ إلى المساءِ في كلِّ زمانِك، إلا في حالةِ مرضٍ يلحَقُك أو ضعفٍ يصيبُك. هذا ما يجبُ أن تمارسَه إن آثرتَ أن تكونَ راهباً. لأنك إن كَسَلْتَ في إتمامِ إحدى هذه الوصايا فما أكملتَ الواجبَ، ويكونُ وعدُك كاذباً وآراؤك عن الرهبنةِ ليست صحيحةً، ومالُك الذي وزعتَه قد أضعْتَه سُدى إذ تصبح طلباتُك فارغةً، لأنك لم تستيقظ بقوةٍ ولم تُقبل على السيرةِ الرهبانيةِ باجتهادٍ، ولم تربط وسطَ قلبِك بالكمالِ، ولم تستعد للقتالِ الشديدِ ضد الشياطين غير المنظورين، كما يقول الرسولُ بولس: إن قتالَنا ليس مع لحمٍ ودمٍ، بل مع الرؤساءِ والسلاطين ومع أجنادِ الشرِّ في عالمِ الظلمةِ ومع الأرواحِ الخبيثة. فافحص قلبَك قبل أن ترفضَ الدنيا وتهيئ ذاتَك جندياً للسيد المسيح.

اعلم أنك ذاهبٌ لتُقاتلَ الذئابَ والنمورَ والسباعَ والوحوشَ الضارية، وليس ذلك لأيامٍ ولا لشهورٍ ولا لسنين قلائل، بل حياتك كلها حتى تظفرَ بالعدو. إن أردتَ أن تكون راهباً فانزع جميعَ أفكارِ العالمِ من قلبِك. الراهبُ هو ذاك الذي يستعدُ ليصيرَ مثل الملائكةِ بدونِ همٍّ، ويشقُّ عنه ثوبَ العالمِ. لا تظن أن معاشرات القديسين وحدها أو السُكنى في مواضعِ الصديقين فقط تنفعُك، بل ارفض جميعَ هذه الخرافات لأنه لا تؤخذ أُجرةُ المجاهدين لتُعطى للكسلان، لأن الأخَ لا يفدي فداءً. إذ يقول: إنك تجازي كلَّ واحدٍ حسب عملِهِ. فلا تتخلَّ عن كبيرةٍ ولا عن صغيرةٍ من جميعِ الوصايا. بل قم بجميعها بثباتٍ وإلا فالأفضل لك أن تقيمَ مع العلمانيين. لأن الرهبنةَ هي درجةُ الملائكةِ الذين لا يفترون لا ليلاً ولا نهاراً عن خدمةِ ملكِهم، فَمَن دخل فيها بانحلالٍ وكسلٍ، فقد صيَّر نفسَه أشقى حالاً مما لو كان بانحلالٍ في العالمِ. وإذ لبستَ إسكيمَ الرهبنة فلا تتعظَّم بل بالأكثر اتضع لأنك قد أخذت خاتمَ الجنديةِ للمسيحِ، وأخضِعْ عُنقَك تحت نيره ولا تكن مقاوماً له ولا محارباً.

لا تَكسَل في الذهابِ إلى الكنيسةِ وقت الصلاةِ الجامعةِ وأَكمِل عبادَتَك لله بخوفٍ، وتأدَّب في صلاتِك ولتكن من كلِّ قلبِك وعقلِك. وإذا ضرب الناقوسُ في نصفِ الليل لا تَكسَل بل قم وصلِّ بحرص ولا تتلُ صلاتَك بفمِك وحدَه، بل ليكن فكرُك وعقلُك وجميعُ حواسِك متضرعةً لله وناظرةً إليه. وإذا مضيْت إلى الكنيسةِ فإياك أن تجلسَ عند البابِ وهم داخلون للصلاةِ. احفظ نفسَك وكن خائفاً من الله. وإذا أتاك أخٌ وكلَّمك فيما لا يجب فلا تخف البتة، بل اجعل نفسَك أخرسَ وأطرشَ ولا تسمع لقولِه ولا تَلُمهُ في قلبِك، بل كن مثلَ طفلٍ صغيرٍ لا يعرف شراً ولا شيئاً من المكرِ. إياك أن تُجيبَ أو تحدِّثَ أحداً حتى ولو كان بكلامٍ جيدٍ ما دمتَ في الكنيسةِ. وإذا خرجتَ إلى قلايَتِك اهتم بقراءةِ الكتبِ الإلهية والصلاةِ ولا تتفرغ لشغلِ اليدِ وحده فتنسى الله خالقَك. إذا جلستَ على المائدةِ لتأكلَ مع الإخوةِ فلا تتحدث مع أحدٍ. وإن حدَّثوك فلا تُجبهم حتى تفرغَ من الأكلِ، واشكر الله سبحانه وتعالى على جميع أفعالِهِ وما أنعم به علينا بالرغم من عدمِ استحقاقنا. واندم على خطاياك واجعل قلبَك مع اللهِ في كلِّ وقتٍ لتستحقَ نعمتَه. إذا جلستَ في خِزانتِك فاقرأ بتعقُّلٍ وفهمٍ، وفكِّر في تمجيدِ اللهِ. وهكذا تفعل كلَّ أيامِ حياتِك أمام الله لتكون لك الطوبى أي الحظ الشريف مع القديسين. ومع هذا كلِّه عليك أن تتحققَ أنه لا يلبسُ الإكليلَ إلا من جاهد وصبر على الشدائد وغلب الأعداءَ وهزمهم، وظهرتْ شجاعتُه فيهم أمام الملكِ العظيمِ الربِّ يسوع المسيح، الذي استحققتَ أن تحاربَ من أجلِ اسمِهِ القدوس فتغلب كما غلب هو، إذ يساعدُك بقوَّتهِ العظيمةِ. لأنه قال: ها أنا معكم كلَّ الأيامِ إلى انقضاءِ الدهرِ له المجد، آمين».

 

 

من قولِ مار إسحق: «الراهبُ هو إنسانٌ قد ترك العالمَ بالكليةِ وكذلك بلدَه وأقاربَه وانتقل إلى الأديرةِ أو البراري، ليجلسَ في الهدوءِ ويعملَ بيدِهِ ويُقيتَ نفسَه ويعبدَ اللهَ ليلاَ ونهاراً. وأما عملُه فهو: الصومُ من العشاءِ إلى العشاءِ، والسهرُ لنصفِ الليلِ، وصلواتٌ لا تنقطع ليلاً ونهاراً، وضربُ المطانيات والسجودُ وخدمةُ المزاميرِ وقراءةُ الكتبِ، والمسكنةُ والتجرد، والبعدُ عن كلِّ شَرَهٍ ورغبةٍ، والزهدُ في كلِّ شيءٍ ما خلا الخبز والماء، والرقادُ على الأرضِ إلى وقتِ الشيخوخةِ إلا في حالةِ المرض، وثباتٌ داخل القلاية في الدير. ولغير سببٍ هام لا يخرجُ إلا للصلاةِ أو لأمرٍ ضروري للجميع. البكاءُ والنوحُ والتنهد. لبسُ المسوحِ. الرحمة، خدمة الغرباء، الطاعة لسيدنا بحفظ وصاياه. الخضوع للآباء، الاتضاع، تحقير نفسه في كل شيء، المحبة للرهبان. السكوتُ والصمتُ. اعتبار الراهب نفسه كلا شيءٍ. الامتناع من شربِ الخمرِ إلا في حالةِ مرضٍ أو واجب ضيافة، وهذا إذا ما عرض فلا يزيد عن ثلاثة أقداحٍ فقط لا غير. خدمةُ الضعفاءِ. عملُ اليدين. حفظُ الحواسِ، العفةُ، الاحتراسُ من طياشةِ الأفكارِ، الصبرُ، عدمُ الغضبِ. الصفحُ عمَّن يضرُّه أو يُحزنه. التعري من الآلام. الهذيذ في الصلواتِ. تضرُّع القلبِ. بسطُ اليدين نحو السماءِ. وباختصارٍ: النسكُ والتوبةُ ومحبةُ الأعمالِ مع بغضةِ الذاتِ، والوقوفُ بثباتٍ ليلاً ونهاراً مقابل الآلام والشياطين والعالم والنفسِ والجسدِ حتى الموت. هذا هو الراهبُ وهذه هي سيرتُه، وكلُّ راهبٍ لا يمارسُ كلَّ ذلك في ذاتِهِ فهو لا يزالُ في رتبةِ العلمانيين. طوبى للذين يحفظون ويعملون. لا تفتخر بالاسمِ بل اجتهد في الأعمالِ، لأن العملَ هو الذي يبررُ ولو كان بلا شكلٍ ولا اسمٍ».

وقال أيضاً: «طوبى لمن يغصِبَ نفسَه كلَّ أيامِ حياتهِ، لأنه من مزبلةِ الفقرِ يتكرَّم بجنسِ المملكةِ العظمى. طوبى لمن يغصِبَ نفسَه دائماً في طريقِ الله لأنه يصيرُ وهو من الجنسِ الحقيرِ مناسباً للجنسِ العظيمِ الشريفِ المعقول. التغصُّب هو مُغني الفقراء ومُكَرِّم المرذولين. التغصُّب هو مبدأ طريق الوحدةِ وبه يسعد النشطون في طريقِ ملكوت الله، فيتوَّجون بالتيجان من القوي القاهر. وإن كنتَ تسأل وتقول: إلى أين ولأيِّ حدٍ أغصِبُ ذاتي؟ فإني أقولُ لك: إلى حدِّ الموتِ اغصب ذاتَك من أجلِ الله. اغصب نفسَك في صلاةِ الليل وزدها مزاميرَ، لأن رجاءً عظيماً ومعونةً في الجهاد من أجل الله، له المجد إلى الأبد، آمين».

 

جاء عن القديس أرسانيوس إنه كان من روميا العظمى، وكان من أفاضلِ فلاسفتِها. وكان والدُه من أكابرِ البلاطِ المقرَّبين إلى الملكِ. فلما ملك ثاؤدوسيوس أرسلَ إلى الملكِ والبابا بروما طالباً رجلاً فيلسوفاً يُحسن اللغتين الرومية واليونانية لكي يعلمَ أولادَه الحكمَةَ والأدبَ. فلم يجدوا في كلِّ فلاسفة روما رجلاً يشبه أرسانيوس في الحكمةِ والفضلِ ومخافةِ الله. فأرسلوه إلي الملكِ بالقسطنطينية، ففرح به الملك وأحبه لفيضِ معرفتِهِ، ولأجلِ نعمةِ الله التي كانت عليه، فسلَّم له الملكُ أولادَه وقدَّمه على أكابرِ مملكتِهِ. وكان إذا رَكِبَ يكونُ قريباً من الإمبراطور. وكان له أمرٌ نافذٌ وعبيدٌ كثيرون يقومون بخدمته. ولم يتخذ في بيتهِ امرأةً. فلما بلغ مركزاً عظيماً هكذا بدأ يفكر في نفسِهِ قائلاً: «إن كلَّ هذا لا بدَّ له من أن يتلاشى كما ينحلُّ المنامُ، وإن كلَّ غنى الدنيا ومجدِها وجاهِها عبارةٌ عن حلمٍ، ولا يوجد شيءٌ ثابتٌ غيرُ قابلٍ للتغيير، وأنه لا ينفعُ الإنسانَ إلا خيرٌ يقدمه قدامه». فزهدتْ نفسُه كلَّ شيءٍ، وصار يطلبُ من الله كلَّ وقتٍ قائلاً: «عرِّفني يا ربُّ كيف أخلُص». فجاءه يوماً صوتٌ يقول له: «يا أرساني اهرب من الناس وأنت تخلص». فقام لوقتِهِ وترك كلَّ شيءٍ ونزل إلى البحرِ فوجد سفينةً إسكندرية تريد السفرَ، فركب فيها وجاء بها إلى الإسكندرية، ومن هناك أتى إلى الإسقيط إلى الأب مقاريوس، ذاك الذي أسكنه في إحدى القلالي الخارجةِ عن الديرِ لأنه وجده عاشقاً للهدوءِ. وبعد حضورهِ بأيامٍ قلائل تنيَّح الأب مقاريوس. وقد بدأ أرسانيوس حياتَه الرهبانية بنسكٍ عظيمٍ وصلاةٍ وقداسةٍ وزهدٍ حتى فاق كثيرين. وسمع بفضلِهِ أولادُ أكابر القسطنطينية ودواقستها، وابتدأ كثيرون منهم يتزهدون ويجيئون إلى ديارِ مصر ويترهبون.

فسمعتْ بخبرِهِ عذراءٌ من بناتِ رؤساءِ البلاطِ في روما. وكانت غنيةً جداً وخائفةً من الله، فلما جاءت لتُبصرَه ومعها مالٌ كثيرٌ وحشمٌ وجنودٌ، تلقاها البابا ثاؤفيلس البطريرك بوقارٍ كثيرٍ وأضافها. فسألته أن يطلبَ إلى الشيخِ بأن يُفسِحَ لها الطريقَ للمضي إليه. فكتب يقول له: «إن السيدة لارية السقليكي ابنه فلان من بلاطِ ملكِ رومية تريدُ أن تأذنَ لها برؤيتِك لأخذِ بركتَك». وكتب كذلك لمقدمِ الأديرةِ بأن يُمكِّن السيدةَ السقليكي من زيارةِ الآباءِ القديسين وأخذ بركتهم. فلم يشأ الأنبا أرسانيوس أن تأتي إلى البريةِ، وأنفذ لها بركةً من عندِهِ وقال لها: «هو ذا قد علمتُ بتعبِك وسفرِك، ونحن مصلين لأجلِك. فلا تحضري لأني لا أشاءُ أن أُبصرَ وجهَ امرأةٍ». أما هي فلم تقبل وقالت: «إن ثقتي باللهِ أن أُبصرَ وجهَك الملائكي، لأني ما تعبتُ وجئتُ لأنظرَ إنساناً، فبلدي كثيرةُ الناسِ، بل أتيتُ لأعاينَ ملاكاً». وأمرتْ أن يشدُّو على الدوابِ حتى أتت إلى البريةِ. فلما وصلت إليه كان القديسُ أرسانيوس خارجَ قلايته. فما أن أبصرته حتى خرَّت عند قدميهِ، فأقامها بغضبٍ وقال: «لقد آثرتِ أن تُبصري وجهي، وها أنت قد أبصرتِه فماذا استفدتِ»؟ أما هي فمِن حِشمتها لم تستطع النظرَ في وجههِ. فقال لها: «إذا سمعتِ بأعمالٍ فاضلةٍ فاعملي على أن تمارسيها ولا تجولي طالبةً فاعليها. كيف تجرأتِ فعبرتِ هذه البحار؟ أما تعلمين أنك امرأةٌ ولا يليقُ بك الخروج إلى مكانٍ ما. أتريدين المضي إلى رومية قائلةً للنساءِ الباقيات إنني رأيتُ أرساني، فتُحوِّلين البحرَ طريقاً للنساء ليأتوا إليَّ». فأجابته السيدةُ قائلة: «إني لإيماني يا أبي أتيتُ إليك وإن شاء اللهُ لن أَدَع امرأةً تأتي إليك، فصلِّ من أجلي واذكرني دائماً». فأجابها منتهراً قائلاً: «لا. بل إني أصلِّي إلى اللهِ أن يمحوَ خيالَكِ واسمَكِ وذِكرَكِ وفكرَكِ من قلبي». وتركها ودخل قلايته. فلما سمعت ذلك لم تَرُدَّ له جواباً ورجعت وهي قلقةُ الأفكارِ. ولما دخلت الإسكندرية اعترتها حمى لفرطِ حزنِها. أما البابا البطريرك فإنه استقبلها بإكرامٍ جزيلٍ، وسألها عن أمرِها. فقالت: «يا أبتاه، ليتني ما قابلتُ الشيخَ لأني لما سألتُه أن يذكرَني أجابني: إني أصلِّي إلى الله أن يمحوَ خيالَكِ واسمَكِ وذِكرَكِ وفكرَكِ من قلبي. وهو ذا عبدتُك تموتُ من الحزنِ». فقال لها البابا البطريرك: «ألا تعلمينَ أنكِ امرأةٌ، وأن العدوَ يُقاتلُ الرهبانَ بالنساءِ. فإلى ذلك أشار الشيخُ. وأما عن نفسِك فهو يصلِّي دائماً وغيرُ ناسٍ تعبَك وسفرَك». فطاب قلبُها ورجعت إلى بلادِها مسرورةً.

جلس الأب أرسانيوس في بعضِ الأيامِ يأكلُ فولاً مسلوقاً مع الإخوةِ، وكانت عادتهم أن لا ينقُّوه. أما هو فكان يُنقِّي الفولَ الأبيضَ من بين الأسودِ والمسوِّس ويأكلُه. فلم يوافق رئيسُ الديرِ على ذلك، وخشي أن يَفسدَ نظامُ الديرِ. فاختار رئيسُ الديرِ أحدَ الإخوةِ وقال له: «احتمل ما أفعله بك من أجلِ الربِّ». فأجابه الأخُ: «أمرُكَ يا أبي». قال: «اجلس بجانب أرسانيوس ونقِّ الفولَ الأبيضَ وكُلْهُ». فعمل الأخُ كما أمره رئيسُ الديرِ، الذي فاجأَهُ بلطمةٍ مُرَّةٍ على صدغِهِ وقال: «كيف تنقي الفولَ الأبيضَ لنفسِك وتترك الأَسودَ لإخوتك»؟ فسجد أرسانيوس للرئيسِ وللإخوةِ وقال لذلك الأخ: «يا أخي، إن هذه اللطمةَ ليست لك ولكنها موجهةٌ لخَدِّ أرسانيوس». وأردف قائلاً: «هوذا أرسانيوس معلمُ أولادِ الملوكِ اليونانيين لم يعرف كيف يأكلُ الفولَ مع رهبانِ إسقيطِ مصرَ، وهكذا ازداد فهماً واحتفاظاً بموهبتهِ».

قيل إن أحدَ الإخوةِ المجاورين لقلاية أنبا أرساني خرج يوماً ليقطع خوصاً. وكان يوماً حرُّه شديدٌ. فلما قطع الخوصَ ورجع أراد أن يأكلَ، فلم يمكنه أن يبلعَ الخبزَ اليابسَ لأن الحرَّ كان قد يبَّس حلقَه. وفي ذلك الوقتِ كان الإخوة بالإسقيط يسلكون بتقشفٍ عظيمٍ ونسكٍ زائدٍ، فأخذ الأخُ وعاءً به ماء وأذاب فيه قليلاً من الملح، وبلَّ فيه الخبزَ وبدأ يأكلُ. فدخل إليه الأب إشعياء ليفتقِدَه، فلما أحسَّ الأخُ بالأنبا إشعياء رفع الوعاءَ وخبَّأه تحت الخوصِ. وكان أنبا إشعياء رجلاً ذكياً حاراً في الروحِ جداً. وكان يعلمُ بأن أنبا أرسانيوس يعمل صِنفَين من الطعامِ: بَقلاً وخلاً، ولكن لأجلِ احتشامهِ لم يُرِد الآباءُ أن يكسروا قلبَه سريعاً. فوجد أنبا إشعياء أنها فرصةٌ مناسبةٌ لأن يؤدِّبَ أنبا أرسانيوس بواسطةِ هذا الأخ. فقال للأخِ: «ما هذا الذي خبأته مني»؟ فقال الأخُ: «اغفر لي يا أبي من أجلِ محبةِ السيد المسيح. لقد دخلتُ البريةَ لأقطعَ خوصاً فاشتدَّ عليّ الحرُّ جداً لدرجةِ أنه سدَّ حلقي. فلما دخلتُ القلايةَ أردتُ أن آكُلَ فلم أستطع بلعَ الخبزِ لجفافِ فمي وحلقي، فأخذتُ ماءً وأذبتُ فيه قليلاً من الملح وبللتُ به القراقيش ليَسهُلَ لي بلعه». فأخذ الأنبا إشعياء الوعاءَ وخرج ووضعه قدام قلاية أنبا أرسانيوس وقال للمراقب: «دُقَّ الجرسَ كي يحضرَ الإخوةُ ليبصروا الأخ زينون كيف يأكلُ مَرَقاً»، فلما حضروا التفتَ إلى الأخِ وقال له أمام الإخوةِ: «يا أخي، لقد تركتَ تنعمَك وكلَّ ما لك وجئتَ إلى الإسقيط حباً في الربِّ وفي خلاصِ نفسِك. فكيف تريدُ الآن أن تُلذِّذَ ذاتَك بالأطعمةِ؟ إن كنتَ تريدُ أن تأكلَ مَرَقاً امضِ إلى مصرَ لأنه لا يوجد في الإسقيط تنعمٌ». فلما سمع الأنبا أرسانيوس قال لنفسِهِ: «هذا الكلام موجَّهٌ إليك يا أرساني». وفي الحال أمر خادمَه أن يعملَ له بقولاً فقط. وقال: «ها أنا قد تأدبتُ بسائرِ حكمةِ اليونانيين أما حكمةُ هذا المصري بخصوصِ الأكلِ وحُسنِ تدبيرهِ فإني لم أصل إليه بعد. لقد صدق الكتاب إذ يقول: وتأدَّب موسى بكلِّ حكمةِ المصريين».

قيل عن أنبا أرسانيوس إنه بعد ما هرب من القسطنطينية وأتى إلى الإسقيط كان يداوم الصلاةَ والتضرعَ إلى اللهِ أن يرشدَه إلى ما ينبغي له أن يعملَ وكيف يتدبَّر؟ وبعد مضي ثلاث سنين جاءه صوتٌ يقول له: «يا أرسانيوس الزم الهدوءَ والبعدَ عن الناسِ واصمت وأنت تخلص، لأن هذه هي عروق عدم الخطية». فما أن سمعَ الصوتَ دفعةً ثانيةً حتى كان يهرُبُ من الإخوةِ ويُلزِم نفسَه الهدوءَ والصمتَ.

وقيل عنه: قَصَدَه الشياطين مرةً ليجرِّبوه. فلما جاءه الذين يخدمونه سمعوا صوتَه وهم خارج القلاية وهو يصرخُ إلى اللهِ ويقول: «يا ربُّ، لا تخذلني فإني ما صنعتُ قدامك شيئاً من الخيرِ. لكن هَبني من فضلِك أن أبدأ في عملِ الخيرِ».

وقيل عنه: «كما أنه لم يكن أحدٌ في البلاطِ الملكي يلبسُ أشرفَ من لبسِهِ، كذلك بعد خروجهِ إلى الرهبانيةِ لم يكن أحدٌ يلبسُ أحقرَ من لبسِهِ».

وقال عنه دانيال أحدُ تلاميذه: «إن مَئونتَه في السنةِ تليس قمح. وإذا جئنا إلى عندهِ كنا نأكلُ منها». وما كان يجدِّدُ ماءَ الخوصِ إلا دفعةً واحدةً في السنةِ، فكلما نَقُصَ الماءُ أضاف إليه قليلاً منه، وهكذا صارت له رائحةٌ كريهةٌ جداً ونتن لا يُطاق، وكان يعمل الضفيرةَ ويُخيِّط إلى ست ساعات. وحدث أن زاره الأب مقاريوس الإسكندري، فلما اشتمَّ الرائحةَ قال له: «يا أبانا أرسانيوس، لِمَ لا تغيِّر هذا الماء لأنه قد أنتن»؟ فأجابه أنبا أرسانيوس قائلاً: «الحق إني لا أستطيعُ أن أطيقها، لكني أكلِّف نفسي باحتمالِ هذه الروائح الكريهة وذلك عوض الروائح الذكية التي تلذَّذتُ بها في العالمِ». فلما سمع الإخوةُ الموجودون ذلك انتفعوا.

وقيل عنه: إنه إذا جلس يُضفِّر الخوصَ كان يأخذ خِرقةً ويضعها على ركبتيه لينشفَ بها الدموعَ التي كانت تتساقط من عينيه. وفي زمانِ الحرِّ كان يرطِّب الخوصَ بدموعهِ وهو يُضفِّر. ولما سمع الأنبا بيمين بنياحتِهِ تنهد وقال: «طوباك يا أنبا أرسانيوس، لأنك بكيتَ على نفسِك في هذا العالم. فإنَّ مَن لا يبكي على نفسِهِ ها هنا زماناً قليلاً، فسوف يبكي هناك زماناً طويلاً. فإن كان ها هنا بكاءٌ فبإرادتنا، وأما هناك فالبكاءُ من العذابِ. وعلى تلك الحالتين لن ننجوَ من البكاء. وعلى ذلك فما أمجد أن يبكي الإنسانُ على نفسِهِ ها هنا».

قيل: كان أنبا أرسانيوس دفعةً يسأل أحدَ الشيوخِ المصريين عن أفكارِهِ، فرآه شيخٌ آخر وقال له: «يا أبتاه أرسانيوس كيف وأنت المتأدِّب بالرومية واليونانية تحتاج إلى أن تسألَ هذا المصري الأمي عن أفكارِك»؟ أجابه أنبا أرسانيوس قائلاً: «أما الأدب الرومي واليوناني فإني عارفٌ به جيداً. أما ألفا فيتا التي أحسنها هذا المصري فإني إلى الآن لم أتعلَّمها»، وهو يقصدُ طريقَ الفضيلةِ.

قيل: «أتى ذات يومٍ البابا ثاؤفيلس البطريرك ومعه والي البلادِ إلى أنبا أرسانيوس وسألوه كلمةً، فسكت قليلاً ثم قال لهم: «إن قلتُ لكم شيئاً فهل تحفظونَه»؟ فلما ضَمِنَ له البابا البطريرك أمرَ حفظِهِ، قال لهم: «أينما سمعتم بأرساني فلا تدنوا منه».

وحدث مرة أن اشتهى البابا البطريرك أن يراه، فأرسل إليه يستأذنه إن كان يفتحُ له. فأجاب: «إن جئتَ فتحتُ لك، وإن فتحتُ لك فلن أستطيعَ أن أغلقَه في وجهِ أحدٍ. وإن أنا فتحتُ لكلِّ الناسِ فلن أستطيعَ الإقامةَ ها هنا». فلما سمع الأب البطريرك هذا الكلام قال: «إن مضينا إليه فكأننا نطردُه. فالأفضل ألا نمضي إليه».

وأيضاً سأله الأخُ أن يقولَ له كلمةً. فقال له الشيخُ: «جاهد بكل قوَّتِك أن يكونَ عملُك الجواني باللهِ لتستطيعَ أن تغلبَ الأوجاعَ البرانية».

وقال آخر: «ماذا أصنعُ، فإن الأفكارَ تحزنني وتقول لي: إذا لم تستطع الصومَ أو العملَ فلا أقل من أن تذهبَ لافتقادِ المرضى، فهذه هي المحبةُ». فقال له الشيخُ: «امضِ وكُلْ واشرب وارقد ولا تخرج من قلايتك». لأن الشيخَ عرف أن الصبرَ في القلايةِ يردُّ الراهبَ إلى طقسِهِ. فذهب ذلك الأخُ إلى قلايته. فلما استمر ثلاثةَ أيامٍ كما أمره الشيخُ ضجر، فأخذ قليلاً من الخوصِ وشقَّقه وبدأ يُضفِّرُ. فلما جاع قال لفكرِهِ: «لنفرغ من هذا الخوصِ القليل الذي معنا ثم نأكلُ». فلما فرغ من الخوصِ قال أيضاً: «لنقرأ في الإنجيلِ ثم بعد ذلك نأكلُ». فلما قرأ قال: «لأتلوَ مزاميري ثم بعد ذلك آكل بلا همٍّ». وهكذا قليلاً قليلاً بمعونةِ اللهِ كان يفعلُ حتى رجع إلى سيرتِهِ الأولى وأخذ سلطاناً على الأفكارِ وكان يغلبُها.

وسأله آخر: «لأيِّ شيءٍ أضجرُ إذا ما جلستُ في قلايتي»؟ فأجابه الشيخُ قائلاً: «لأنك إلى الآن لم تبصر ولم تتيقن من نياح الآخرةِ ولا عذابها. لأنك لو تيقَّنتَ من ذلك حقاً وكانت قلايتُك مملوءةً دوداً وأنت غارقٌ فيه إلى عنقِك لما ضجرت بالمرةِ».

وسأله مرقس أحدُ تلاميذهِ مرةً قائلاً: «لماذا تهرب منا يا أبتاه»؟ فأجابه الشيخُ قائلاً: «الله يعلمُ إني أحبُكم، ولكني لا أستطيع أن أكونَ مع اللهِ ومع الناسِ. لأن ألوفَ الملائكةِ والربوات العلوية لهم إرادةٌ واحدةٌ، أما الناسُ فلهم إرادات كثيرة، وهكذا لا أستطيعُ أن أتركَ اللهَ وأصيرَ مع الناسِ».

وأيضاً قيل عنه: إنه كان يستمرُ الليلَ كلَّه ساهراً. فإذا كان الغد كان يرقد من أجلِ الطبيعةِ مستدعياً النوم قائلاً: «هلمَّ يا عبدَ السوءِ». وكان يغفو قليلاً وهو جالسٌ، ولوقتهِ يقوم، وكان يقولُ: «يكفي للراهب أن يرقدَ ساعةً واحدةً من الليلِ إن كان عمَّالاً».

جيء إلى الإسقيط مرةً بقليلٍ من التين، فاقتسمها الرهبانُ فيما بينهم. ولأجلِ أنه شيءٌ ضئيلٌ استحوا أن يرسلوا له منه شيئاً قليلاً وذلك لجلالِ منزلته. فلما سمع الشيخُ امتنع عن المجيء إلى الكنيسةِ وقال: «أفرزتموني من الإخوةِ، ولم تعطوني من البركةِ التي أرسلها الله كأني لستُ أهلاً لأن آخُذَ منها، ولوجهِ آخر نسيتموني بسبب كبريائي». فلما سمعت الجماعةُ انتفعوا من اتضاعِ الشيخِ وانطلق القسُّ وأتاه بنصيبٍ من التينِ، ففرح وجميعُهم سبَّحوا الله وجاء معهم إلى المجمع.

مرض الأنبا أرسانيوس مرةً واحتاج إلى شيءٍ قيمته خبزةً واحدةً، وإذ لم يكن له ما يشتري به، أخذ من إنسانٍ صدقةً وقال: «أشكرك يا إلهي يا من أهلتني لأن أقبلَ الصدقةَ من أجل اسمِك».

وقيل إن قلايته كانت على بعدِ اثنين وثلاثين ميلاً وما كان يأتي بسرعةٍ، وكان آخرون يهتمون به. فلما خرب الإسقيط خرج باكياً وقال: «أهلك العالمُ رومية وأضاع الرهبانُ الإسقيط».

جاء دفعةً الأب أرسانيوس إلى ألكسندروس أحد تلاميذهِ وقال له: «إذا أنت شققتَ خوصَك، هلمَّ إلينا لنفطرَ، وإن أتوك غرباءُ فكُلْ معهم». فلما جاءت الساعةُ ولم يحضر لأنه لم يكن قد أتم تشقيق الخوصِ، فظن أنبا أرسانيوس أنه قد جاءه غرباءٌ فأكل معهم. ولما أتم ألكسندروس عملَه، أتى إليه، فقال له الشيخ: «هل كان عندك غرباء»؟ قال: «لا». فقال له: «فلماذا لم تأتِ بسرعةٍ»؟ فأجابه: «لأنك قلتَ لي إذا فرغتَ من تشقيقِ الخوصِ هلمَّ إليَّ، والساعةُ فقط أكملتُهُ». فتعجَّب الشيخُ من أقصى طاعتِه وقال: «قم أسرع وخذ طعامَك».

ومرةً أتى إلى مكانٍ به قصبٌ، فتحرَّك القصبُ من الريحِ، فقال الشيخُ للإخوة: «ما هذا الزلزال»؟ قالوا له: «إن هذا قصبٌ يا أبانا». فقال الشيخُ: «إن من كان جالساً في سكوتٍ وهدوءٍ وسمع صوتَ عصفورٍ فلن يكون لعقلِهِ نياحٌ. فكم بالحري إذا سمعتم هذا الزلزالَ من القصبِ».

ودفعةً أتى إليه رجلٌ يُدعى جسريانوس بوصيةٍ من رجلٍ شريف من جنسِهِ مات وأوصى له بمالٍ كثيرٍ جداً. فلما علم القديسُ بذلك همَّ بتمزيقِ الوصية، فوقع جسريانوس على قدميه وطلب إليه ألا يمزقها وإلا فرأسه عوضها. فقال له القديسُ: «أنا قد متُّ منذ زمانٍ، وذاك مات أيضاً». وبذلك صرفه ولم يأخذ منه ولا فلساً واحداً.

وقيل عنه: «إن أحداً لم يُدرك ولم يصل إلى معرفةِ كيف كان تدبيرُه وجهادُه».

وقيل عنه: «إنه في ليلةِ الأحدِ كان يخرجُ خارج قلايته ويقف تحت السماءِ ويجعلُ الشمسَ خلفه ويبسط يديه للصلاةِ حتى تسطع الشمسُ في وجهِهِِ ثم يجلس».

قيل عن أرسانيوس وتادرس الفرمي إنهما كانا مُبغضَيْن للسُبح الباطلِ جداً أكثر من غيرهم من الناس. أما أنبا أرسانيوس فلم يكن يلتقي بالناسِ كيفما اتفق. وأما أنبا تادرس فإنه وإن كان يلتقي بهم لكنه كان يجوزُ بسرعةٍ كالرمحِ.

تحدَّث القديسُ أرسانيوس عن إنسانٍ وفي الحقيقةِ كان يتحدثُ عن نفسِهِ، فقال: «كان أحدُ الشيوخِ جالساً في قلايته متفكراً، فأتاه صوتٌ قائلاً: هلمَّ فأريكَ أعمالَ الناسِ. فنهض إلى خارجِ فرأى رجلاً أَسودَ يقطعُ حِملاً من الحطبِ، وبدأ يجرِّبُ إن كان يستطيعُ حملَه فلم يستطع. فبدلاً من أن يُنقص منه، قام وقطع حطباً وزاد عليه. وهكذا صنع مراراً كثيرةً. ثم أنه مشى قليلاً فرأى رجلاً آخر واقفاً على حافةِ بئرٍ يتناول منه الماءَ ويصبُّه في جرنٍ مثقوبٍ، فكان الماءُ يرجع إلى البئرِ ثانية. وجاز قليلاً فرأى رجلين راكبين فرسين حامليْن عموداً على المجانبةِ، كلٌّ من طرفٍ وسائريْن بعرضِ الطريق، فلم يتضع أحدُهما ليكونَ خلفَ الآخرِ فيُدخلان العمودَ طولياً. وعلى ذلك بقيا خارج الباب». وأردف قائلاً: «هؤلاء هم الحاملون نير ربنا يسوع المسيح بتشامخٍ ولم يتواضعوا أو يخضعوا لمن يهديهم. لذلك لم يستطيعوا الدخولَ إلى ملكوتِ السماوات. أما قاطعُ الحطبِ فهو إنسانٌ كثيرُ الخطايا، فبدلاً من أن يتوبَ، يُزيد خطايا على خطاياه. وأما المستقي الماءَ فهو إنسانٌ يعملُ الصدقةَ من ظلمِ الناسِ فيَضيعُ عملُهُ».

قيل عن الأنبا أرسانيوس: أتى أناسٌ من الإسكندريةِ في بعضِ الأوقاتِ لينظروه، وكان أحدهم خال تيموثاوس بطريرك الإسكندرية، وكان الشيخُ في ذلك الوقت مريضاً. فلم يشأ أن يلقاهم لئلا يأتي آخرون فيسجسوه. وكان الشيخُ يسكنُ في طرواوس. فرجع الإخوةُ حزانى. فاتفق حضور البربر، فجاء وسكن في الأرض السفلى. فلما سمعوا عنه جاءوا إليه أيضاً ليبصروه فقبلهم بفرحٍ. فقالوا له: «هل عرفتَ يا أبانا أننا جئنا إلى طرواوس ولم تقبلنا»؟ فأجاب الشيخُ: «أنتم أكلتم خبزاً وشربتم ماءً. وأما أنا يا أولادي فما أكلتُ خبزاً ولا ذقتُ ماءً، بل كنتُ جالساً معذِّباً نفسي حتى علمتُ أنكم وصلتم إلى مواضعكم. لأن تعبَكم كان من أجلي، لكن الآن اغفروا لي»، فرجعوا مسرورين.

وحدث وهو في الإسقيط أن مرض فمضى القسيسُ وجاء به إلى الكنيسةِ ووضعه على فراشٍ صغير، ووضع تحت رأسهِ وسادةً من جلدِ الغنم. فلما جاء بعضُ الشيوخ ليفتقدوه ورأوا الفراشَ والوسادةَ قالوا: «أهذا هو أرسانيوس المتكئ على هذا الفراش»؟! فما كان من القسيس إلا أن يختلي بأحدهم ويسأله قائلاً: «ماذا كان عملُك في بلدتِك قبل أن تترهبن»؟ قال: «راعياً». قال له: «وكيف كان تدبيرُك في معيشتك»؟ أجابه: «تدبيرٌ كثيرُ المشقةِ والتعب». ثم سأله: «والآن سسألهسألهوالآن كيف حالُك في قلايتك»؟ فأجابه: «بكلِّ ارتياحٍ، أفضلُ مما كنتُ في العالمِ». فقال له القسيس: «ألا تعلم أن أنبا أرسانيوس هذا كان في العالم أبَ الملوكِ. وكان له ألفُ غلامٍ من أصحابِ المناطق الموشاةِ بالذهبِ وأطواق اللؤلؤ. وكان له عبيدٌ وخدمٌ يقومون بخدمتهِ وهو جالسٌ على الكراسي الملوكية وتحته البرفير والحرير الخالص الملون. فأما أنت فقد كنت راعياً ولم يكن لك في العالمِ ما هو لك الآن من النياح. أما هذا فليس له شيءٌ من النعيمِ الذي كان له في العالمِ. فالآن أنت مرتاحٌ أما هو فمتعَبٌ». فلما سمع الشيخُ ذلك ندم وصنع مطانية قائلاً: «اغفر لي يا أبي فقد أخطأتُ. بالحقيقةِ هذا هو الراهبُ لأنه أتى إلى الاتضاع، وأما أنا فقد أتيتُ إلى نياحٍ»، وانصرف منتفعاً.

ودفعة أتاه أحدُ الإخوةِ وقرع بابَه، ففتح ظاناً أنه خادمه، فلما رآه أنه ليس هو وقع على وجهِهِ. فقال له الأخُ: «قم يا أبي حتى أسلِّمَ عليك ولو على البابِ». فقال له الشيخُ: «لن أقومَ حتى تنصرفَ». وألح الأخُ في الطلبِ فلم يقُم. فتركه الأخُ وانصرف.

وحدث مرةً أن جاء أخٌ غريب إلى الإسقيط ليبصرَ الأنبا أرسانيوس، فأتى إلى الكنيسة وطلب من الإكليروس أن يروه له، فقالوا له: «كُلْ كِسرة خبزٍ وبعد ذلك تبصره». فقال: «لن أتذوقَ شيئاً حتى أبصره». فأرسلوا معه أخاً ليرشده إليه لأن قلايته كانت بعيدةً جداً. فلما قرع البابَ فتح له فدخل وصليا وجلسا صامتين. فقال الأخُ الذي من الكنيسةِ: «أنا منصرفٌ فصلِّيا من أجلي». أما الأخُ الغريبُ لما لم يجد له دالةً عند الشيخِ قال: «وأنا منصرفٌ معك كذلك». فخرجا معاً. فطلب إليه أن يمضي به إلى قلاية أنبا موسى الذي كان أولاً لصاً. فلما أتى إليه قبله بفرحٍ ونيح غربتَه وصرفه. فقال له الأخُ الذي أرشده: «ها قد أريتُك اليوناني والمصري، فمَن مِن الاثنين أرضاك»؟ أجابه قائلاً: «أما أنا فأقولُ إن المصري قد أرضاني». فلما سمع أحدُ الإخوةِ ذلك صلَّى إلى الله قائلاً: «يا ربُّ اكشف لي هذا الأمرَ، فإن قوماً يهربون من الناسِ من أجلِ اسمِك، وقوماً يقبلونهم من أجلِ اسمِك أيضاً. وألحَّ في الصلاةِ والطلبةِ، فتراءت له سفينتان عظيمتان في لُجَّةِ البحرِ. ورأى في إحداهما أنبا أرسانيوس وهو يسير سيراً هادئاً وروحُ الله معه. ورأى في الأخرى أنبا موسى وملائكةُ الله معه وهم يُطعمونه شهدَ العسلِ.

زاره مرةً بعضُ الشيوخِ وسألوه عن السكوتِ وعن قلةِ اللقاءِ، فقال لهم: «إن العذراءَ ما دامت في بيتِ والديها فكثيرون يريدون خطوبتها. فإن هي دخلت وخرجت فإنها لن تُرضي كلَّ الناسِ لأن بعضَهم يزدريها وبعضَهم يشتهيها، ولن تكون لها الكرامةُ إلا وهي مختفيةٌ في بيتِ أبيها. هكذا النفسُُ الهادِئةُ المعتكفةُ، متى اشتُهِرت تبهدلت».

قال أنبا أرسانيوس هذا التعليمَ لتلاميذهِ قبل نياحته: «ثلاثةُ أشياءٍ تكونُ من جودةِ العقلِ: الإيمانُ باللهِ والصبرُ على كلِّ محنةٍ وتعبُ الجسدِ حتى يُذَّل. وثلاثةُ أمورٍ يفرحُ بها العقلُ: تمييزُ الخيرِ من الشرِ والتفكر في الأمرِ قبل الإقدامِ عليه والبعدُ عن المكرِ. وثلاثةُ أشياءٍ يستنيرُ بها العقلُ: الإحسانُ إلى من أساء إليك، والصبرُ على ما ينالك من أعدائك، وتركُ النظرِ أو الحسد لمن يتقدمك في الدنيا. وستةُ أشياءٍ يتطهرُ بها العقلُ: الصمتُ، حفظُ الوصايا، الزهدُ في القوتِ، الثقةُ باللهِ في كلِّ الأمورِ مع ترك الاتكال على أيِّ رئيسٍ من رؤساء الدنيا، قمعُ القلبِ عن الفكرِ الرديء وعدم استماع كلام الأغنياء والامتناع من النظر إلى النساء. وأربعةٌ تحفظُ النفسَ: الرحمةُ لجميعِ الناسِ، تركُ الغضب، الاحتمالُ، إخراج الذنب وطرحه من قلبك بالتسبيح. وأربعةٌ تحفظُ الشابَّ من الفكرِ الرديء: القراءةُ في كتبِ الوصايا، طرحُ الكسلِ، القيامُ في الليلِ للصلاةِ والابتهال، والتواضع دائماً. وثلاثةٌ تُظلم النفس: المشي في المدن والقرى، النظرُ إلى مجد العالم، الاختلاطُ بالرؤساءِ في الدنيا. من أربعةِ أمورٍ تتولد للجسد النجاسةُ: الشبع من الطعامِ، السُكر من الشرابِ، وكثرة النوم، نظافةُ البدنِ بالماءِ والطيبِ وتعاهد ذلك كل وقت. وأربعةٌ تُعمي النفس: البغضةُ لأخيك، والازدراءُ بالمساكين خاصةً، الحسدُ، والوقيعةُ. وأربعةٌ يتولد عنها هلاكُ النفسِ وخسارتُها: الجوَلان من موضعٍ إلى موضعٍ، محبةُ الاجتماعِ بأهلِ الدنيا، الإكثارُ من الترفِ والبذخِ، كثرةُ الحقدِ في القلبِ. من أربعةِ أمورٍ يتولد الغضبُ: المعاملةُ، المساومةُ، الانفرادُ برأيك فيما تهواه نفسُك، عِدولك عن مشورةِ الآخرين واتِّباع شهواتك. وثلاثةٌ إذا عَمل بها الإنسانُ يسكنُ في الملكوتِ: الحزنُ والتنهدُ دائماً، البكاءُ على الذنوبِ والآثامِ، وانتظارُ الموتِ في كلِّ يومٍ وساعةٍ. وثلاثةٌ تحاربُ العقلَ: الغفلةُ، الكسلُ، وتركُ الصلاةِ».

ولما قَرُبَ وقتُ نياحته دعا تلاميذَه وعزَّاهم ووعظهم وقال لهم: «اعلموا أن زماني قد قَرُبَ، فلا تهتموا بشيءٍ سوى خلاصِ نفوسِكم ولا تنزعجوا بالنحيبِ عليَّ. ها أنذا واقفٌ معكم أمام مِنبرِ المسيحِ المُهاب، فإذا جاءت الساعةُ رجائي ألا تُعطوا جسدي لأحدٍ من الناسِ». فقالوا له: «فماذا نصنعُ لأننا لا نعرف كيف نكفِّنه»؟ فقال لهم الشيخُ: «أما تعرفون كيف تربطون رجليَّ بحبلٍ وتجرونني إلى الجبلِ لتنتفعَ به الوحوشُ والطيورُ». وكان الشيخُ يقول لنفسِه دائماً: «أرساني أرساني تأمَّل فيما خرجتَ لأجلهِ».

وقال: «كثيراً ما تكلمتُ وندمتُ، وأما عن السكوتِ ما ندمتُ قط».

ولما دنت نياحته نظروه يبكي فقالوا له: «يا أبانا أتفزع أنت أيضاً»؟ أجابهم قائلاً: «إن فزعَ هذه الساعةِ ملازمٌ لي منذ جئتُ إلى الرهبنةِ». وهكذا رقدَ ودموعُه تسيلُ من عينيهِ. فبكى تلاميذُه بكاءً مُرّاً وصاروا يقبِّلون قدميه ويودِّعونه كإنسانٍ غريبٍ يريدُ السفرَ إلى بلدهِ الحقيقي.

وقد أخبر عنه دانيال تلميذُه فقال: «إنه ما طلب قط أن يتكلمَ من كتابٍ، بل كان يصلِّي من أجلِ ذلك لو أرادَ. وما كان يكتبُ رسالةً. ولما كان يأتي إلى الكنيسةِ كان يقفُ خلفَ العمودِ لئلا يبصرَ إنسانٌ وجهَه. وما كان ينظرُ إلى وجهِ إنسانٍ. وكان منظرُه يشبه منظرَ ملاكٍ. وكان كاملاً في الشيخوخةِ وصحيحَ الجسمِ مبتسماً. وكانت لحيتُه تصلُ إلى بطنهِ، وكان شعرُ جفونِه يتساقط من كثرةِ البكاءِ. وكان طويلُ القامةِ، لكنه انحنى أخيراً من الشيخوخةِ. وبلغ من العمرِ سبعاً وتسعين سنةً، أربعون سنةً منها حتى خروجِه من بلاطِ الملك، وباقيها في الرهبنةِ والوحدةِ. وكان رجلاً صالحاً مملوءاً من الروحِ القدس والإيمان. وقد ترك لي ثوباً من الجلدِ وقميصاً من الشعرِ ونعالاً من ليفٍ، وبهذه الأشياءِ كنتُ أنا غيرُ المستحق أتبارك بها».

قيل عن البابا ثاؤفيلس البطريرك لما حضرته الوفاة، قال: «طوباك يا أنبا أرسانيوس لأنك لهذه الساعةِ كنتَ تبكي كلَّ أيامِ حياتك».

 

 

 

 

قيل عن القديس الكبير أنبا أغاثون: إن أناساً مضوْا إليه لما سمعوا بعظمِ إفرازِهِ وكثرةِ دعته. فأرادوا أن يجرِّبوه فقالوا له: «أأنت هو أغاثون الذي نسمعُ عنك أنك متعظمٌ»؟ فقال: «نعم، الأمرُ هو كذلك كما تقولون». فقالوا له: «أأنت أغاثون المهذار المحتال»؟ قال لهم: «نعم أنا هو». قالوا له: «أأنت أغاثون المهرطق»؟ فأجاب: «حاشا وكلا، إني لستُ مهرطقاً». فسألوه قائلين: «لماذا احتملتَ جميعَ ما قلناه لك ولم تحتمل هذه الكلمة»؟ فأجابهم قائلاً: «إن جميعَ ما تكلمتم به عليَّ قد اعتبرتُه لنفسي ربحاً ومنفعةً إلا الهرطقة، لأنها بعدٌ من اللهِ، وأنا لا أشاءُ البعدَ عنه». فلما سمعوا عجبوا من إفرازِهِ ومضوْا منتفعين.

جاءه أخٌ مرةً وقال: «يا أبي أريدُ أن أسكنَ مع أخٍ، فارسِم لي كيف أقيمُ معه»؟ فقال له الشيخُ: «كن معه دائماً كمثلِ اليومِ الذي بدأتَ سكناك عنده. واحفظ غربتَك هكذا كلَّ أيامِ حياتِك، وإياك أن تكون بينكما دالةٌ». فقال له الأخُ: «ولماذا نتحاشى الدالةَ»؟ أجابه الشيخُ: «إن الدالةَ تشبه ريحَ السمومِ. عند هبوبها يهربُ الناسُ جميعاً من أمامِها وهي تُهلك ثمارَ الأشجارِ». فقال الأخُ: «أبهذا المقدارِ تكون الدالةُ رديئةً»؟ أجابه أنبا أغاثون: «لا يوجد وجعٌ آخر أردأ منها، لأنها مصدرُ كلِّ الأوجاعِ. لذلك يجبُ على الراهبِ الحريص أن لا تكونَ له دالةٌ حتى ولا على القلاية ولو كان وحيداً فيها. لأني رأيتُ أخاً يسكنُ في قلايةٍ زماناً، وكان له فيها مضجعٌ، وقال لي: إني خرجتُ من القلاية، ولما عدتُ إليها لم أعرف المضجعَ لو لم يدلُّني آخر عليه.. وهكذا يجبُ أن يكونَ العمَّالُ المجاهدُ».

وقال أيضاً: إن الدلالَ والمزاحَ والضحكَ أمورٌ تُشبه ناراً تشتعلُ في قصبٍ فتُحرقُ وتُهلكُ.

وقال أيضاً: إن الراهبَ هو ذلك الإنسانُ الذي لا يَدَع ضميرَه يلومُهُ في أمرٍ من الأمورٍ.

وقال أيضاً: بدونِ حفظِ الوصايا الإلهية لا يستطيعُ أحدٌ أن يقتربَ إلى واحدةٍ من الفضائلِ.

وقال أيضاً: ما رقدتُ قط وأنا حاقدٌ على إنسانٍ، ولا تركتُ إنساناً يرقدُ وهو حاقدٌ عليَّ حسب طاقتي.

وقيل عنه: إنه مكث زماناً يبني مع تلاميذهِ قلايةً، فلما تمت وجلسوا فيها ظهر له في الأسبوعِ الأولِ أمرٌ ضايقه. فقال لتلاميذه: «هيا بنا ننصرفُ من هنا». فانزعجوا جداً قائلين: «حيث إنك كنتَ عازماً على الانصرافِ فلماذا تعبنا في بناءِ القلايةِ؟ ألا يصبح من حقِّ الناسِ الآن أن يشكُّوا قائلين: إن هؤلاءَ القومِ لا ثبات لهم»؟ فلما رآهم صغيري النفوس هكذا، قال لهم: «إن شكَّ قليلون منهم فكثيرون سوف ينتفعون ويقولون: طوبى لأولئك الذين من أجلِ الربِّ انتقلوا واختبروا كلَّ شيء. فمن أراد منكم أن يتبعني فليجئ لأني قد اعتزمتُ نهائياً على الانصرافِ». فما كان منهم إلا أن طرحوا أنفسَهم على الأرضِ طالبين إليه أن يأذنَ لهم بالمسيرِ معه.

وقيل عنه أيضاً: إنه لما كان ينتقلُ، ما كان يرافقُه أحدٌ سوى الجريدةِ التي كان يشقُّ بها الخوصَ لا غير.

وسُئل مرةً: «أيهما أعظمُ؛ تعبُ الجسدِ أم الاحتفاظُ بما هو من داخلِهِ»؟ فأجاب وقال: «إن الإنسانَ يشبه شجرةً، فتعبُ الجسدِ هو الورقُ، أما المحافظةُ على ما هو من داخلٍ فهي الثمرةُ، لذلك فكلُّ شجرةٍ لا تُثمرُ ثمراً جيداً تُقطع وتُلقى في النيرانِ. فلنحرص على الثمرةِ التي هي حفظُ العقلِ، كما يحتاجُ الأمرُ أيضاً إلى الورقِ الذي يغطي الثمرةَ ويزينها، وما الورقُ إلا تعبُ الجسدِ كما ذكرنا».

سأل بعضُ الإخوةِ الأنبا أغاثون قائلين: «أيُّ فضيلةٍ أعظمُ في الجهادِ»؟ فقال: «اغفروا لي، ليس جهادٌ أعظمَ من أن نصلي دائماً للهِ، لأن الإنسانَ إذا أراد أن يصلي كلَّ حين حاول الشياطين أن يمنعوه. لأنهم يعلمون بأن لا شيءَ يُبطل قوَّتهم سوى الصلاةِ أمام الله. كلُّ جهادٍ يبذُلُه الإنسانُ في الحياةِ ويتعبُ فيه لا بدَّ أن يحصدَ منه الراحةً أخيراً. إلا الصلاة فإن من يصلي يحتاجُ دائماً إلى جهادٍ حتى آخرِ نسمةٍ».

كان أغاثون القديسُ حكيماً في معرفتِهِ، بسيطاً في جسمِهِ وكُفئاً في كلِّ الأمورِ، في عملِ اليدين وفي طعامِه وفي لبسِه. فقد حدث مرةً بينما كان سائراً مع تلاميذِه؛ أن وَجدَ أحدُهم جُلْباناً أخضرَ في الطريقِ (أي حمص أخضر). فقال له: «يا معلم هل تأذن لي أن آخذَه»؟ فنظر إليه الشيخُ متأملاً وقال: «هل أنت تركتَه»؟ فقال: «لا». فقال له الشيخُ: «وكيف تأخذ شيئاً ليس لك»؟

أتاه أخٌ مرةً يريدُ السكنى معه، وقد أحضر معه قليلاً من النطرون وجده في الطريقِ أثناء مجيئهِ. فلما رآه الشيخُ قال له: «من أين لك هذا النطرون»؟ قال له الأخُ: «قد وجدتُه في الطريقِ وأنا سائرٌ». فأجابه الشيخُ قائلاً: «إن كنتَ تشاءُ السُكنى مع أغاثون امضِ إلى حيث وجدتَه وهناك ضعه».

قيل عن الأنبا أغاثون والأنبا آمون: إنهما لما كانا يبيعان عملَ أيديهِما كانا يقولان الثمنَ مرةً واحدةً، وما كان يُعطى لهما كانا يأخذانه بسكوتٍ. كذلك إذا احتاجا لشيءٍ يشتريانه كانا يقدمان المطلوب بسكوتٍ ولا يتكلمان.

أخبروا عن الأنبا أغاثون: إنه وضعَ في فمهِ حجراً ثلاثَ سنين حتى أتقنَ السكوتَ.

وقد كان يقول: «لو أن الغضوبَ أقام أمواتاً فما هو بمقبولٍ عندِ اللهِ. ولن يُقبِل إليه أحدٌ من الناسِ».

وقال أيضاً: «إن أنا ربحتُ أخي فقد قدمتُ قرباناً».

وسأله الإخوة بخصوصِ قتالِ الزنى فقال: «امضوا واطرحوا ضعفَكم قدامَ اللهِ فتجدوا راحةً».

وقال أنبا يوسف مرةً بخصوصِ المحبةِ: إن أخاً جاء إلى أنبا أغاثون فوجد معه مَسلَّة خياطة، فأُعجب الأخُ بها لأنها كانت جيدةً، فما كان من الشيخِ إلا أنه لم يتركه يمضي إلا بها.

مضى الأب أغاثون مرةً ليبيعَ عملَ يديه، فوجد إنساناً غريباً مطروحاً عليلاً وليس له من يهتمُ به. فحمله وأجّر له بيتاً وأقام معه يخدمُه ويعملُ بيديه ويدفعُ أجرةَ المسكنِ وينفقُ على العليلِ مدة أربعة أشهر حتى شُفي. وبعد ذلك انطلق إلى البريةِ. وكان يقولُ: «كنتُ أشاءُ لو وجدتُ رجلاً مجذوماً يأخذ جسدي ويعطيني جسدَه».

قيل عنه إنه كان يَحرِصُ على إتمامِ كلِّ الوصايا، ولما كان يعبُرُ النهرَ كان يُمسِكُ المجدافَ بنفسِه. وإذا رافق أخاً كان يهيئُ بنفسِه المائدةَ لأنه كان مملوءاً حلاوةً ومحبةً ونشاطاً.

حدث مرةً أن مضى إلى المدينةِ ليبيعَ عملَ يديه، فوجد إنساناً مجذوماً على الطريقِ، فقال له المجذومُ: «إلى أين تذهبُ»؟ قال له: «إلى المدينةِ». فقال له المجذومُ: «اصنع معي رحمةً وخذني معك». فحمله وأتي به إلى المدينةِ. ثم قال له المجذومُ: «خذني إلى حيث تبيعُ عملَ يديك»، فأخذه. ولما باع عملَ يديه سأله المجذومُ: «بكم بعتَ»؟ فقال: «بكذا وكذا». فقال له المجذومُ: «اشترِ لي شبكةً». فاشترى له. ومضى وباع ثم عاد وقال له المجذومُ: «بكم بعتَ»؟ فقال: «بكذا وكذا». فقال له المجذومُ: «خذ لي كذا وكذا من الأطعمةِ»، فأخذ له. ولما أراد المُضي إلى قلايتهِ قال له المجذومُ: «خذني إلى الموضعِ الذي وجدتني فيه أولاً». فحمله وردَّه إليه. فقال له الرجلُ: «مباركٌ أنت من الربِ إلهِنا الذي خلق السماءَ والأرضَ». فرفع أنبا أغاثون عينيه فلم يره لأنه كان ملاكَ الربِّ أُرسِل إليه ليجربَه.

وقيل عنه: إنه كان إذا تصرّف في أمرٍ وأخذ فكرُه يلومُه، فكان يخاطبُ نفسَه قائلاً: «يا أغاثون، لا تفعل أنت هكذا مرةً أخرى»، وبذلك كان يُسكِّن قلبَه.

وقال أيضاً: «إن كان أحدٌ يحبني وأنا أحبه للغايةِ، وعلمتُ أنه قد لحقني نقيصةٌ بسببِ محبتهِ فإني أقطعه منى وأنقطع منه بالكليةِ».

وقيل أيضاً: لما كان الأب أغاثون عتيداً أن ينطلقَ إلى الربِّ، مكث ثلاثةَ أيامٍ وعيناه مفتوحتان لا يتحرك. فأقامه الإخوةُ وقالوا له: «يا أبانا أنبا أغاثون: أين أنت»؟ فقال: «أمام مجلسِ قضاءِ الله أنا واقفٌ». فقالوا له: «أتفزع أنت أيضاً»؟ فأجابهم قائلاً: «على قدرِ طاقتي حفظتُ وصايا الله. إلا إنني إنسانٌ، من أين أعلمُ إن كان عملي أرضى اللهَ». فقالوا له: «ألستَ واثقاً بأن عملَك مرضيٌ أمام الله»؟ فقال الشيخُ: «لن أثقَ دونَ أن ألقى الله، لأن حكمَ الناسِ شيءٌ وحكمَ اللهِ شيءٌ آخر». فطلبوا منه أن يكلِّمهم كلمةً تنفعهم. فقال لهم: «اصنعوا محبةً، ولا تكلموني لأني مشغولٌ في هذه الساعة». وللوقت تنيح. فأبصروا وجهَه كمن يُقَبِّل حبيبَه. فهذا القديس كان متحفِّظاً جداً إذ كان يقول: «بغيرِ تحفظٍ كثيرٍ لا يقدرُ أحدٌ أن يصلَ إلى الفضيلةِ».

 

 

قيل عن الأبِ الكبير إيسيذوروس قس الإسقيط: إنّ كلَّ من كان عنده أخاً صغيرَ النفسِ أو شتَّاماً أو عليلاً ويطرده من عندِه، كان القس إيسيذوروس يأخذُه إلى عندِه ويطيلُ روحَه عليه ويخلِّص نفسَه.

سأله الإخوةُ مرةً قائلين: «لماذا تفزع منك الشياطين»؟ فقال لهم: «لأني منذ أن صرتُ راهباً حتى الآن لم أَدَع الغضبَ يجوزُ حلقي إلى فوق».

وقال أيضاً: «ها أنا لي أربعون سنة، كنتُ إذا أحسستُ بعقلي بالخطيةِ خلالها، لا أخضع لها قط حتى ولا للغضبِ».

وقيل عنه أيضاً: إذا أوعزت إليه الأفكارُ بأنه إنسانٌ عظيمٌ، كان يجيبُها قائلاً: «ألعلي مثل أنبا أنطونيوس أو أصبحتُ مثل أنبا بموا»؟ وإذ كان يقولُ ذلك يستريحُ فكرُه. وإذا قالت له الشياطين: «إنك ستمضي إلى العذابِ». فكان يجيبُهم: «إن مضيْتُ إلى العذابِ فسوف تكونون تحتي».

وكان يقول: «هكذا يجبُ أن يكونَ فهمُ القديسين أن يعرفَ الإنسانُ مشيئةَ اللهِ وأن يكونَ بكليتِهِ سامعاً للحقِّ خاضعاً له، لأنه في صورةِ اللهِ ومثالِهِ، وأن من أشرِّ الأعمالِ كلِّها أن يطيعَ الإنسانُ إرادَتَه ويخالفَ إرادةَ اللهِ، وأن يكون له هوىً في شيءٍ وفي غيرهِ هوىً آخر. فأما الذي يجدُ طريقَ القديسين ويمشي فيها فإنه يُسَرُّ بالأحزانِ، لأن سبيلَ الخلاصِ مملوءٌ أحزاناً».

توجّه الأنبا إيسيذوروس مرةً إلى البابا ثاؤفيلس بطريرك الإسكندرية، ولما رجع سأله الإخوةُ عن حالِ مدينة الإسكندرية. فقال لهم: «إني لم أبصر فيها إنساناً إلا البطريرك وحدَه». فتعجبوا وقالوا له: «أتريدُ أن تقولَ إن مدينةَ الإسكندرية خاليةٌ من الناسِ». قال: «كلا، لكني لم أسمح لعقلي أن يفكرَ في رؤيةِ أي إنسانٍ».

وقال: إن السيرةَ الصالحةَ بدونِ كلامٍ نافعةٌ، أما الكلامُ بغيرِ عملٍ فهو باطلٌ. لأن أحدَهما بسكوتِه ينفعُ والآخرَ بكثرةِ كلامهِ يُقلِقُ. فإذا استقام القولُ مع العملِ كَمُلَت فلسفتُه.

وقال أيضاً: إن الشرَ أزاغ الناسَ عن معرفةِ اللهِ. وفرَّق الناسَ بعضهم عن بعضٍ. فلنبغض إذاً الشرَ ولنطلب السلامةَ لبعضِنا البعضِ وبذلك تكمُل فلسفةُ الفضيلةِ.

وقال أيضاً: إن شرفَ التواضعِ عظيمٌ وسقوطَ المتعاظمِ فظيعٌ جداً، وإني أُشير عليكم بأن تلزموا التواضعَ فلن تسقطوا أبداً.

وقال أيضاً: إن محبةَ المقتنياتِ متعبةٌ جداً تؤدي إلى نهايةٍ مريرةٍ لأنها تسببُ اضطراباً شديداً جداً للنفسِ. فسبيلُنا أن نطردَها منذُ البدءِ، لأنها إن أزمَنَت فينا صار اقتلاعُها صعباً.

وقيل عنه: اتفق أن دعاه أحدُ الإخوةِ إلى تناولِ الطعامِ، فرفض الشيخُ قائلاً: «إن آدمَ بالطعامِ خُدع فصار خارج الفردوس بأكلةٍ واحدةٍ». فقال له الأخُ: «أبهذا المقدارِ تخشى الخروجَ خارج القلايةِ»؟ قال له الشيخُ: «وكيف لا أخشى يا ولدي، والشيطانُ يزأرُ مثلَ سبعٍ ملتمساً من يبتلعه».

وكثيراً ما كان يقول: «من يُذلُّ نفسَه لشربِ الخمرِ لا يمكنه أن يخلصَ من شرِ الأفكارِ وقُبحِ الأعمالِ. فإن لوطاً لما امتلأ من السُكرِ وقع في مجامعةٍ مغايرةٍ للناموس الطبيعي».

وقال أيضاً: «إن كنتَ مشتاقاً إلى مُلك السماءِ، فاترك غنى العالم. وإن آثرتَ النياحَ هناك، فالزم التعبَ ها هنا، وإن أردتَ الفرحَ هناك، لا تكف عن البكاءِ ها هنا».

وقال أيضاً: لا يمكنك أن تحيا حياةً إلهيةً ما دمتَ محبّاً للَّذاتِ.

وكان إذا مضى إليه إنسانٌ فإنه يدخلُ إلى القلايةِ الداخليةِ ويكلِّمه من داخلِ البابِ. فقال له الإخوةُ: «لماذا تفعلُ هكذا»؟ فقال لهم: «إن الوحوشَ إذا أبصرت من يُخيفها هربت إلى جحورِها ونجت».

وقال أنبا بيمين: إن أنبا إيسيذوروس كان يُضَفِّرُ في كلِّ ليلةٍ حزمةَ خوصٍ. فسأله الإخوة قائلين: «أيها الأب، أَرِح نفسَك لأنك قد شختَ». فأجابهم: «لو أحرقوا إيسيذوروس بالنارِ وذرُّوا رمادَه، فلن يكون لي فضلٌ، لأن ابنَ اللهِ من أجلي نزل إلى الأرض».

 

قيل إن الأب الكبير أنبا موسى الأسود قوتل بالزنا قتالاً شديداً في بعضِ الأوقاتِ. فقام ومضى إلى أنبا إيسيذوروس وشكا له حالَه، فقال له: «ارجع إلى قلايتِك». فقال أنبا موسى: «إني لا أستطيعُ يا معلم». فصعد به إلى سطحِ الكنيسةِ وقال له: «انظر إلى الغربِ»، فنظر ورأى شياطين كثيرين يتحفَّزون للحربِ والقتالِ. ثم قال له: «انظر إلى الشرقِ»، فنظر ورأى ملائكةً كثيرين يمجِّدون الله. فقال له: «أولئك الذين رأيتَهم في الغربِ هم محاربونا، أما الذين رأيتَهم في الشرقِ فإنهم معاونونا. ألا نتشجع ونتقوى إذاً ما دام ملائكةُ الله يحاربون عنا»؟ فلما رآهم أنبا موسى فرح وسبَّح الله ورجع إلى قلايتِهِ بدونِ جزعٍ.

وقيل عنه: إنه لما رُسم قساً ألبسوه ثوبَ الخدمةِ الأبيض. فقال له أحدُ الأساقفةِ: «ها أنت قد صرتَ كلَّك أبيضَ يا أنبا موسى». فقال: «أيها الأب، ليت ذلك يكون من داخلٍ كما من خارجٍ».

وأراد رئيسُ الأساقفة أن يمتحِنَه فقال للكهنةِ: «إذا جاء أنبا موسى إلى المذبحِ اطردوه لنسمعَ ماذا يقول». فلما دخل انتهروه وطردوه قائلين له: «اخرج يا حبشي إلى خارج الكنيسةِ». فخرج أنبا موسى وهو يقول: «حسناً فعلوا بك يا رُمادي اللون يا أسودَ الجلدِ. وحيثُ أنك لستَ بإنسانٍ فلماذا تحضرُ مع الناسِ»؟

قيل: أضاف أنبا موسى أخاً فطلب منه كلمةً. فقال له: «امضِ واجلس في قلايتِك والقلايةُ سوف تعلِّمك كلَّ شيءٍ».

وقيل: أخطأ أخٌ في الإسقيط يوماً، فانعقد بسببهِ مجلسٌ لإدانتهِ، وأرسلوا في طلبِ أنبا موسى ليحضرَ. فأبى وامتنع من الحضورِ. فأتاه قسُ المنطقةِ وقال: «إن الآباءَ كلَّهم ينتظرونك». فقام وأخذ كيساً مثقوباً وملأه رملاً وحمله وراء ظهرِهِ وجاء إلى المجلسِ. فلما رآه الآباءُ هكذا قالوا له: «ما هذا أيها الأب»؟ فقال: «هذه خطاياي وراء ظهري تجري دون أن أُبصرَها، وقد جئتُ اليومَ لإدانةِ غيري عن خطاياه». فلما سمعوا ذلك غفروا للأخِ ولم يُحزنوه في شيءٍ.

ومرة أخرى انعقد مجلسٌ وأرادوا أن يمتحنوا أنبا موسى، فنهروه قائلين: «لماذا يأتي هذا النوبي هكذا ويجلس في وسطنِا»؟ فلما سمع ذلك الكلام سكت. وعند انصرافِ المجلس قالوا له: «يا أبانا، لماذا لم تضطرب»؟ فأجابهم قائلاً: «الحق إني اضطربتُ، ولكني لم أتكلم شيئاً».

وحدث مرة أخرى أن أُعلن في الإسقيط أن يُصام أسبوعٌ. وتصادف وقتئذ أن زار الأنبا موسى إخوةٌ مصريون. فأصلح لهم طبيخاً يسيراً. فلما أبصر القاطنون بجوارِه الدخانَ اشتكوا لخدامِ المذبحِ قائلين: «هو ذا موسى قد حلَّ الوصيةَ إذ أعدَّ طبيخاً». فطمأنهم أولئك قائلين: «بمشيئة الربِّ يوم السبت سوف نكلمُه». فلما كان السبتُ وعلموا السببَ قالوا لأنبا موسى أمام  المجمعِ: «أيها الأب موسى، حقاً لقد ضحيْتَ بوصيةِ الناسِ في سبيلِ إتمام وصية اللهِ».

وقيل أيضاً عن أنبا موسى: إنه لما عزم على الإقامةِ في الصخرةِ تعب ساهراً. فقال في نفسِهِ كيف يمكنني أن أجد مياهاً لحاجتي ها هنا. فجاءه صوتٌ يقول له: «ادخل ولا تهتم بشيءٍ»، فدخل. وفي أحدِ الأيام زاره قومٌ من الآباءِ، ولم يكن له وقتئذ سوى جرَّةِ ماءٍ فقط. فأعدَّ عدساً يسيراً، فلما نفذ الماءُ حزن الشيخُ وصار يخرجُ ويدخلُ ثم يخرجُ ويدخلُ وهكذا.. وهو يصلي إلى الله. وإذا بسحابةٍ ممطرةٍ قد جاءت فوق حيث كانت الصخرةُ. وسرعان ما تساقط المطرُ فامتلأت أوعيتُه من الماءِ. فقال له الآباءُ: «لماذا كنتَ تدخلُ وتخرج»؟ فأجابهم وقال: «كنتُ أصلي إلى اللهِ قائلاً: إنك أنت الذي جئتَ بي إلى هذا المكان وليس عندي ماء ليشربَ عبيدُك. وهكذا كنتُ أدخل وأخرج مصلياً لله حتى أرسل لنا الماءَ».

سأل أحدُ الإخوةِ أنبا موسى قائلاً: «ماذا أصنع لكي أمنعَ أمراً يتراءى لي دائماً»؟ فقال له الشيخُ: «إنك إن لم تصبح مقبوراً كالميتِ فلن تستطيع أن تمنعَه، أعني الفكر».

وقال أيضاً: «مكتوبٌ أنه لما قَتل الربُ أبكارَ المصريين لم يكن هناك بيتٌ خالٍ من ميتٍ». فسألوه قائلين: «ما معنى هذا»؟ فقال الشيخُ: «إذا علمنا أننا كلَّنا خطاةٌ فلنحذر من أن نتركَ خطايانا وندينَ خطايا القريب، لأنه من الجهلِ حقاً أن يكون لإنسانٍ في بيتِهِ ميتٌ فيتركه ويذهب ليبكي على ميت جارهِ. فانظر إلى خطاياك أولاً. واقطع اهتمامَك بكلِّ إنسانٍ، ولا تحتكَّ بإنسانٍ، ولا تفكر بشرٍّ على إنسانٍ، ولا تمشِ مع النمام ولا تصدق كلامَ نميمةٍ بخصوص إنسانٍ».

وقال أيضاً: «من يحتمل ظُلماً من أجل الربِّ يُعتبر شهيداً. ومن يتمسكن من أجل الربِّ يعوله الربُّ. ومن يَصِر جاهلاً من أجلِ الربِّ يُحَكِّمه الربُّ».

وأيضاً من أقوالِ أنبا موسى أرسلها إلى أنبا نومين حسب طَلَبهِ: «إني أفضِّلُ خلاصَك بخوفِ الله قبل كلِّ شيء، طالباً أن يجعلَك كاملاً بمرضاتهِ حتى لا يكون تعبُك باطلاً؛ بل يكون مقبولاً من الله لتفرحَ. لأننا نجدُ أن التاجرَ إذا ربحت تجارتُه كَثُرَ سرورُه، وكذلك الذي يتعلَّم صناعةً إذا ما أتقنها كما ينبغي ازداد فرحُه متناسياً التعبَ الذي أصابه، وذلك لأنه قد أتقن الصنعةَ التي رغب فيها. ومن تزوج امرأةً وكانت عفيفةً صائنةً لنفسِها فمن شأنهِ أن يفرحَ قلبُه. ومن نال شرفَ الجنديةِ فمن شأنهِ أن يستهينَ بالموتِ في حربهِ ضد أعداء ملكِه وذلك في سبيلِ مرضاة سيدهِ. وكلُّ واحدٍ من أولئك الناس يفرحُ إذا ما أدرك الهدفَ الذي تعب من أجلهِ. فإذا كان الأمرُ هكذا مع شئونِ هذا العالم الفاني، فكم وكم يكون فرحُ النفسِ التي قد بدأت في خدمةِ الله عندما تُتَمِّمُ خدمتها حسب مرضاة الله؟ الحقَّ أقولُ لك: إن سرورَها يكونُ عظيماً، لأنه في ساعةِ خروجها من الدنيا تلقاها أعمالُها وتفرحُ لها الملائكةُ إذا أبصروها وقد أقبلت سالمةً من سلاطين الظلمة، لأن النفسَ إذا خرجت من جسدِها رافقتها الملائكةُ وحينئذ يلتقي بها أصحابُ الظلمةِ كلُّهم ويمنعونها عن المسير ملتمسين شيئاً لهم فيها. والملائكةُ وقتئذ ليس من شأنِهم أن يحاربوا عنها، لكن أعمالَها التي عملتها هي التي تحفظها وتستر عليها منهم. فإذا تمت غلبتها بأعمالِها تفرحُ الملائكةُ حينئذ ويسبِّحون الله معها حتى تلاقي الربَّ بسرورٍ. وفي تلك الساعة تنسى جميعَ ما انتابها من أتعابٍ في هذا العالم.

فسبيلُنا أيها الحبيب أن نبذلَ قُصارى جهدِنا ونحرص بكلِّ قوتِنا في هذا الزمان القصير على أن نصلحَ أعمالَنا وننقيها من كلِّ الشرور عسانا نخلص بنعمةِ الله من أيدي الشياطين المتحفزين للقائِنا، إذ أنهم يترصَّدون لنا ويفتشون أعمالَنا إن كان لهم فينا شيءٌ من أعمالهِم، لأنهم أشرارٌ وليس فيهم رحمةٌ. فطوبى لكلِّ نفسٍ لا يكون لهم فيها مكانٌ فإنها تفرحُ فرحاً عظيماً. لذلك ينبغي لنا أيها الحبيبُ أن نجتهدَ بقدرِ استطاعتِنا بالدموعِ أمام ربنا ليرحمنا بتحننه. لأن الذين يزرعون بالدموعِ يحصدون بالفرحِ. ولنقتنِ لأنفسِنا الشوقَ إلى الله فإن الاشتياقَ إليه يحفظُنا من الزنا، ولنحبَّ المسكنةَ لنخلُصَ من محبةِ الفضةِ، ولنحبَّ السلامةَ لننجوَ من البغضة، ولنقتنِ الصبرَ وطولَ الروحِ لأن ذلك يحفظُنا من صغرِ النفسِ، ولنحبَّ الكلَّ بمحبةٍ خالصةٍ لنتخلصَ من الغيرةِ والحسدِ، لنلزم الاتضاع في كلِّ أمرٍ وفي كلِّ عملٍ. لنتحمل السبَّ والتعيير لنتخلصَ من الكبرياءِ. لنكرم أقرباءنا في كلِّ الأمورِ لنخلصَ من الدينونةِ. لنرفض شرفَ العالمِ وكراماته لنتخلصَ من المجدِ الباطلِ. لنستعمل اللسانَ في ذِكرِ الله والعدل لنتخلصَ من الكذبِ، لنحبَّ طهارةَ القلبِ والجسدِ لننجوَ من الدنسِ. فهذا كلُّه يُحيطُ بالنفسِ ويتبعها عند خروجِها من الجسدِ. فمن كان حكيماً وعملُه بحكمةٍ فلا ينبغي له أن يسلِّم وديعَته بدونِ أعمالٍ صالحةٍ كي يستطيعَ الخلاصَ من تلك الشدةِ. فلنحرص إذاً بقدرِ استطاعتنا والربُّ يعينُ ضعفَنا، لأنه قد عرف أن الإنسانَ شقيٌ ولذلك وهب له التوبةَ ما دام في الجسدِ.

لا تهتم بشئونِ العالم كأنها غايةُ أَمَلِكَ في هذه الحياةِ، وذلك لتستطيعَ أن تخلصَ. لا يكن لك رجاءٌ في هذا العالم لئلا يضعف رجاؤك في الربِّ. أبغض كلامَ العالم كي تبصرَ الله بقلبك. داوم الصلاةَ كلَّ حينٍ ليستنيرَ قلبُك بالربِّ. إياك والبطالة لئلا تحزن. أتعِب جسدَك لئلا تخزى في قيامةِ الصديقين. احفظ لسانَك ليسكن في قلبك خوفُ الله. أعطِ المحتاجين بسرورٍ ورضى لئلا تخجل بين القديسين وتُحرم من أمجادِهم. أبغض شهوةَ البطنِ لئلا يحيط بك عماليق. كن متيقظاً في صلاتك لئلا تأكلك السباعُ الخفية. لا تحب الخمرَ لئلا يحرمك من رضى الربِّ. أحبَّ المساكين لتخلص بسببهم في أوانِ الشدةِ. كن مداوماً لذِكر سير القديسين كي ما تأكلك غيرةُ أعمالِهم. اذكر ملكوتَ السماوات لتتحرك فيك شهوتُها. فكِّر في نارِ جهنم لكي ما تمقت أعمالها.

إذا قُمتَ كلَّ يومٍ بالغداةِ، تذكَّر أنك سوف تعطي للهِ جواباً عن سائرِ أعمالِك فلن تخطئ البتة، بل يسكن خوفُ الله فيك. أعد نفسَك للقاءِ الربِّ فتعمل حسب مشيئتهِ. افحص نفسَك ها هنا واعرف ماذا يعوزك فتنجوَ من الشدةِ في ساعةِ الموتِ، ويبصر إخوتُك أعمالَك فتأخذهم الغيرةُ الصالحة. اختبر نفسَك كلَّ يومٍ وتأمل في أي المحاربات انتصرتَ ولا تثق بنفسِك بل قل: «الرحمةُ والعونُ هما من الله». لا تظن في نفسِك أنك أجدَّتَ شيئاً من الصلاحِ إلى آخرِ نسمةٍ من حياتك. لا تستكبر وتقول: «طوباي»، لأنك لا يمكنك أن تطمئنَ من جهة أعدائك. لا تثق بنفسِك ما دمتَ في الجسدِ حتى تعبر عنك سلاطينُ الظلمةِ. ليكن قلبُك من نحو الأفكارِ شجاعاً جداً فتخف عنك حدتها، أما الذي يخاف منها فإنها تُرعبه فيخور. كما أن الذي يفزع منها يُثبت عدم إيمانه بالله حقاً، ولن يستطيعَ الصلاةَ قدام يسوع سيدِهِ من كلِّ قلبهِ ما لم يَسُد على الأفكار أولاً. الذي يريدُ كرامةَ الربِّ فعليه أن يتفرغ لطهارةِ نفسِه من الدنس. إن كنا ملومين فذلك لأن الهزيمةَ دائماً هي منا. من ينكر ذاتَه ولا يظن أنه شيءٌ فذلك يكون سالكاً حسب مشيئةِ الله. من تعوَّد الكلامَ بالكنيسةِ فقد دلَّ بذلك على عدمِ وجودِ خوف الله فيه. وذلك لأن خوفَ الله هو حفظٌ وصونٌ للعقلِ، كما أن الملكَ هو عونٌ لمن يطيعه. أما الذين يريدون أن يقتنوا الصلاحَ وفيهم خوفُ الله، فإنهم إذا عثروا لا ييأسون بل سرعان ما يقومون من عثرتِهم وهم في نشاطٍ واهتمامٍ أكثر بالأعمالِ الصالحة. أهمُ أسلحةِ الفضائل هي إتعاب الجسد بمعرفةٍ، والكسل والتواني يولِّد المحاربات. من له معرفة وهِمَّة فقد هزم الشرَ، لأنه مكتوبٌ أن الاهتمامَ يلازمُ الرجلَ الحكيم. والضعيفُ الهِمَّةِ لم يعرف بعد ما هو لخلاصِه. أما الذي يقهرُ أعداءَه فإنه يُكلَّل بحضرةِ الملك.

لو لم تكن حروبٌ وقتالٌ ما كانت فضيلة. ومن يجاهد بمعرفةٍ فقد نجا من الدينونةِ، لأنه هذا هو السورُ الحصين. أما الذي يدين فقد هدم سورَه بنقصِ معرفتهِ. من يهتم بضبطِ لسانهِ يَدُلُّ على أنه محبٌ للفضيلةِ. وعدم ضبط اللسان يدلُّ على أن داخلَ صاحبهِ خالٍ من أيِّ عملٍ صالح. الصدقةُ بمعرفةٍ تولِّد التأملَ فيما سيكون وتُرشد إلى المجد. أما القاسي القلب فإنه يدلُّ على انعدامهِ من أيِّ فضيلةٍ. الحرية تولِّد العفةَ ومكابدة الهموم تولِّد الأفكار. قساوة القلبِ تولِّد الغيظَ، والوداعة تولِّد الرحمة. نسكُ النفسِ هو بُغض التنعمِ، ونسك الجسدِ هو العوز. سقطة النفس هي مكابدة الهموم وتهذيبها هو السكوت بمعرفة. الشبع من النومِ يُثير الأفكارَ وخلاصُ القلبِ هو السهرُ الدائم. النومُ الكثير يولِّد الخيالات الكثيرة والسهرُ بمعرفةٍ يُزهر العقلَ ويثمره. النومُ الكثير يجعلُ الذهنَ كثيفاً مظلماً، والسهرُ بمقدارٍ يجعله لطيفاً نيّراً. من ينامُ بمعرفةٍ فهو أفضل ممن يسهر في الكلامِ الباطل.

النوحُ يطردُ جميعَ أنواعِ الشرورِ عند ثورانها. إذا تقبل الإنسانُ الزجرَ والتوبيخَ فإن ذلك يولِّد له التواضع، أما تمجيدُ الناس فيولِّد البذخ وتعاظم الفكر. حبُّ الإطراءِ من شأنهِ أن يطردَ المعرفةَ. وضبطُ شهوة البطن يقلِّل من تأثيرات الشهوات. شهوةُ الأطعمةِ توقظ الغرائزَ والانفعالات والامتناع منها يُقمعها. زينةُ الجسدِ هزيمةٌ للنفس ومن يهتم بها فليست فيه مخافة الله. ذِكرُ الدينونة يولِّد في الفكر تقوى الله. وقلةُ خوفِ الله تُضلُّ العقلَ. السكوتُ بمعرفةٍ يهذِّب الفكرَ وكثرةُ الكلامِ تولِّد الضجرَ والهوسَ. قهرُ الشهوةِ يدلُّ على تمامِ الفضيلة والانهزام لها يدلُّ على نقصِ المعرفة. ملازمةُ خوفِ اللهِ يحفظُ النفسَ من المحارباتِ وحديثُ أهلِ العالم والاختلاط بهم يُظلمُ النفسَ ويُنسيها التأملَ.

محبةُ المقتنياتِ تزعجُ العقلَ، والزهدُ فيها يمنحه استنارةً. صيانةُ الإنسانِ أن يقرَّ بأفكارهِ ومن يكتمها يثيرُها عليه. أما الذي يقرّ بها فقد طرحها عنه. كمثلِ بيتٍ لا بابَ له ولا أقفال يدخلُ إليه كلُّ من يقصده، كذلك الإنسان الذي لا يضبط لسانَه. وعلى مثالِ الصدأ الذي يأكل الحديدَ كذلك يكون مديحُ الناسِ الذي يُفسد القلبَ إذا مال إليه. وكما يلتفُّ اللبلاب على الكرمِ فيُفسد ثمرَه، كذلك السُبح الباطل يُفسد نمو الراهب إذا كثر حوله. وكما يفعل السوسُ في الخشبِ، كذلك تفعل الرذيلةُ في النفسِ. تواضع القلب يتقدم الفضائلَ كلَّها وشهوةُ البطنِ أساسُ كلِّ الأوجاع. الكبرياءُ هي أساسُ الشرورِ كلِّها والمحبةُ هي مصدرُ كلِّ صلاحٍ. أشرُّ الرذائلِ كلِّها هي أن يزكِّي الإنسانُ نفسَه بنفسِه. من ينكر ذاتَه يسلك في سلامٍ. والذي يعتقد في نفسِه أنه بلا عيبٍ فقد حوى في ذاتِه سائرَ العيوب. الذي يخلط حديثَه بحديثِ أهلِ العالم يُزعج قلبَه، والذي يتهاون بعفةِ جسمِه يخجلُ في صلاتهِ. محبةُ أهلِ العالم تُظلمُ النفسَ والابتعادُ عنهم يزيدُ المعرفةَ. محبةُ التعبِ عونٌ عظيمٌ وأصلُ الهلاكِ هو الكسل.

احفظ عينيك لئلا يمتلئ قلبُك أشباحاً خفية. من ينظر إلى امرأةٍ بلذةٍ فقد أكمل الفسقَ بها. إياك أن تسمع بسقطةِ أحد إخوتك لئلا تكون قد دِنته خفيةً. احفظ سمعَك لئلا تجمع لك حزناً في ذاتك. أحرى بك أن تعملَ بيديك ليصادف المسكينُ منك خبزةً، لأن البطالةَ موتٌ وسقطةٌ للنفسِ. مداومةُ الصلاةِ صيانةٌ من السبي، ومن يتوانى قليلاً فقد سَبَتهُ الخطيةُ.

من يتذكر خطاياه ويقرُّ بها لا يخطئُ كثيراً. أما الذي لا يتذكر خطاياه ويقرُّ بها فإنه يَهلكُ بها. الذي يُقرُّ بضعفهِ موبِّخاً ذاتَه أمام الله فقد اهتم بتنقيةِ طريقهِ من الخطيةِ. أما الذي يؤجل ويقول: «دع ذلك لوقتهِ»، فإنه يصبح مأوى لكلِّ خبثٍ ومكرٍ. لا تكن قاسي القلب على أخيك فإننا جميعنا قد تغلِبنا الأفكارُ الشريرةُ. إذا سكنتَ مع إخوةٍ فلا تأمرهم بعملٍ ما، بل اتعب معهم لئلا يضيع أجرُك. إذا قاتلتك الشياطين بالأكل والشرب واللبس فارفض كلَّ ذلك منهم، وبيِّن لهم حقارةَ ذاتك فينصرفوا عنك. وإذا حَسُنَ لك الزنى فاقتله بالتواضع، والجأ إلى الله فتستريح. إن حوربت بجمالِ جسدٍ فتذكَّر نتانته بعد الموتِ فإنك تستريح. وإن جاءتك أفكارٌ عن النساءِ فاذكر أين ذَهَبَت الأوليات منهن وأين حسنهن وجمالهن. وكل هذه الأمور يختبرها الإنسانُ بالإفراز ويميزها. ولن يأتينا الإفرازُ ما لم نتقنِ أسبابَ مجيئهِ وهي السكوت لأنه كنزُ الراهبِ. والسكوتُ يولِّد النسكَ، والنسكُ يولِّد البكاءَ، والبكاءُ يولِّد الخوفَ، والخوفُ يولِّد التواضعَ، والتواضعُ مصدرُ التأملِ فيما سيكون. وبُعد النظر يولِّد المحبةَ، والمحبةُ تولِّد للنفسِ الصحةَ الخالية من الأسقامِ والأمراض، وحينئذ يَعلم الإنسانُ أنه ليس بعيداً من الله فيُعدُّ ذاتَه للموتِ. فالذي يريد إدراك هذه الكرامات كلّها، عليه ألا يهتم بأحدٍ من الناسِ ولا يدينه. وكلما يصلي تنكشف له الأمور التي تقرِّبه من الله فيطلبها منه، ويُبغض هذا العالمَ، فإن نعمةَ اللهِ تَهِبُ له كلَّ صلاحٍ.

لذلك اعلم يقيناً أن كلَّ إنسانٍ يأكلُ ويشربُ بلا ضابطٍ ويحبُّ أباطيلَ هذا العالم فإنه لا يستطيع أن ينالَ شيئاً من الصلاحِ بل ولن يدركه، لكنه يخدع نفسَه. إن آثرتَ أن تتوبَ إلى الله فاحترز من التنعمِ فإنه يثير سائرَ الأوجاعِ ويطرد خوفَ الله من القلبِ. اطلب خوفَ الله بكلِّ قوتِك فإنه يُزيلُ كلَّ الخطايا. لا تحب الراحةَ ما دمتَ في هذه الدنيا. لا تأمن للجسدِ إذا رأيت نفسَك مستريحاً من المحاربات في أي وقتٍ من الأوقات. لأنه من شأن الأوجاعِ أن تثورَ فجأة بخداعٍ ومخاتلةٍ عسى أن يتوانى الإنسانُ عن السهرِ والتحفظِ، وحينئذ يهاجمُ الأعداءُ النفسَ الشقية ويختطفونها. لذلك يحذِّرُنا ربنا قائلاً: «اسهروا»، له المجدُ الدائم إلى الأبد، آمين.

وله أيضاً في الفضائلِ والرذائلِ: خوفُ اللهِ يطردُ جميعَ الرذائلِ، والضجرُ يطرد خوفَ الله. هذه الأربعة يجب اقتناؤها: الرحمةُ، غلبةُ الغضبِ، طولُ الروحِ، التحفظ من النسيانِ. العقلُ محتاجٌ في كلِّ ساعةٍ إلى هذه الأربع فضائل الآتية: الصلاةُ الدائمة بسجودٍ قلبي، محاربةُ الأفكارِ، أن تعتبرَ ذاتَك خاطئاً، وأن لا تدن أحداً. وهذه الفضائل الأربعة هي عونُ الراهبِ الشاب: الهذيذُ في كلِّ ساعةٍ في ناموسِ الله، ومداومةُ السهر، والنشاطُ في الصلاة، وأن لا يعتبر نفسَه شيئاً. ومما يدنس النفسَ والجسد ستةُ أشياءٍ: المشي في المدن، إهمال العينين بلا تحفظ، التعرف بالنساء، مصادقة الرؤساء، محبة الأحاديث الجَسَدَانية، الكلام الباطل. وهذه الأربعة تؤدي إلى الزنى: الأكل والشرب، الشبع من النوم، البطالة واللعب، والتزين بالملابس. وهذه الأربعة مصدرُ ظلمةِ العقل: مُقت الرفيق، الازدراء به، حسده، سوء الظن به. بأربعةِ أمورٍ يتحرك في الإنسانِ الغضبُ: الأخذ والعطاء، إتمام الهوى، محبته في أن يُعلِّم غيرَه، ظنه في نفسِه أنه عاقلٌ. وهذه الأربعة تُقتنى بصعوبةٍ: البكاء، تأمل الإنسان في خطاياه، جعل الموت بين عينيه، أن يقول في كل أمرٍ: أخطأتُ، اغفر لي. فمن يحرث ويتعب فإنه يَخلص بنعمة ربنا يسوع المسيح.

وله أيضاً: «أيها الحبيب، ما دامت لك فرصةٌ للتوبةِ فارجع وتقدم إلى المسيح بتوبةٍ خالصة، سارع قبل أن يُغلَق البابُ فتبكي بكاءً مراً، فَتَبِلَّ خديْك بالدموع بدون فائدة. اجلس وترقَّب البابَ قبل أن يُغلق. أسرع واعزم على التوبةِ، فإن المسيح إلهنا يريدُ خلاصَ جميعِ الناسِ وإتيانِهم إلى معرفةِ الحقِّ. وهو ينتظرك وسوف يَقبلك. له المجد إلى الأبد آمين».

سأل أحدُ الآباءِ أنبا بيمين قائلاً: «لماذا تقاتلنا الشياطين يا أبي»؟ أجاب الشيخُ قائلاً: «الحقيقة إن الشياطين لا تحاربنا إلا عند ما نتمِّم ميولَنا الرديئة التي هي في الحقيقة شياطيننا التي تحاربنا، فنُهزم أمامها برضانا. أما إن شئتَ أن تعرفَ مع من كانت الشياطين تصارعُ، قلتُ لك مع  أنبا موسى وأصحابهِ».

 

 

كان لرجلٍ اسمه قاريون ولدٌ صغير اسمه زكريا، هذا أتى إلى الإسقيط وترهب به ومعه ابنه. وقد ربى ابنه هناك وعلَّمه بما ينبغي. وكان الصبيُ جميلَ الخلقةِ وحسنَ الصورةِ جداً. فلما شبَّ حدث بسبِبه تذمرٌ بين الرهبان. فلما سمع الوالدُ بذلك قال لابنِه: «يا زكريا هيا بنا نمضي من ها هنا لأن الآباءَ قد تذمروا بسببك». فأجاب الصبيُ أباه قائلاً: «يا أبي إن الكلَّ ها هنا يعرفون أني ابنك، ولكن إن مضينا إلى مكانٍ آخر فلن يقولوا إني ابنك». فقال الوالد: «هيا بنا يا ابني نمضي الآن فإن الآباء يتذمرون بسببنا». وفعلاً قاما ومضيا إلى الصعيد، وأقاما في قلاية، فحدث سجسٌ كذلك. فقام الاثنان ومضيا إلى الإسقيط ثانية. فلما أقاما أياماً عاد السجسُ عينُه في أمرِ الصبي. فلما رأى زكريا ذلك مضى إلى غدير ماءٍ معدني (كبريتي) وخلع ملابسَه وغطس في ذلك الماءِ حتى أنفِهِ. وأقام غاطساً هكذا عدة ساعات حسب طاقتِه، فلأجل صِغرِ سنِه ونعومةِ جسمِه أصبح جسمُه كلُّه منفّخاً، فتشوَّه وتغيرت ملامحُه. فلما لبس ثيابَه وجاء إلى والدهِ لم يتعرف به إلا بصعوبةٍ. وحدث أن مضى بعد ذلك إلى الكنيسةِ لتناول الأسرار فعرفه القس إيسيذوروس، وعندما رآه هكذا تعجَّب مما فعله وقال: «إن زكريا الصبي جاء في الأحد الماضي وتقرَّب على أنه إنسانٌ، أما الآن فقد صار شبه ملاكٍ».

قال مار أفرآم: «إن كانت لك صداقةٌ مع أحدِ الإخوة وانتابتك مضرةٌ بسبب مخالطتك إياه، فأسرع واقطع نفسَك منه، ولستُ أقول لك هكذا أيها الحبيب لتبغضَ الناس، كلا، وإنما لتقطع أسبابَ الرذيلةِ».

وقال أيضاً: «من الخطرِ أن يتواجد صبيٌ في ديرٍ على نظامِ الشركةِ لا سيما إذا كان في هذا الوسط عدمُ ترتيبٍ».

قال أنبا بيمين: «أيُّ راهبٍ يقيمُ مع صبي وتعرَّض بسببهِ لآلامِ الإنسان العتيق، ثم يستمرُ بعد ذلك ويبقيه معه، فإنه يشبه إنساناً حقلُه مضروبٌ بالدودِ».

قال أنبا كورش: «إن كان إنسانٌ يقيمُ مع صبي، فإن لم يكن قوياً فإنه سوف يميلُ إلى أسفل، أما إن كان قوياً ولم يهوى إلى أسفل فإنه رغم ذلك لن يستمرَ قائماً».

 

 

 

ال القديس مقاريوس الكبير: «إذا أقدمتَ على الصلاةِ فاحرص أن تكون ثابتاً لئلا تسلِّم إناءَك بيدِ أعدائك. لأنهم يشتهون اختطاف آنيتك التي هي أشواقُ نفسِك، وهي الأشواق الصالحة التي يجب أن تخدم بها الله نهاراً وليلاً. لأن الله لا يطلب أن تمجِّدَه بشفتيك فقط بينما تطيش أفكارُك بأباطيل العالم، لكنه يريد ألا توقف نفسَك أمامه وأفكارك تنظر إليه بدون التفات».

وقال أيضاً: «إن طولَ الروح هو صبر، والصبر هو الغلبة، والغلبة هي الحياة، والحياة هي الملكوت، والملكوت هو الله سبحانه وتعالى. البئرُ عميقةٌ ولكن ماءها طيبٌ عذب. الباب ضيقٌ والطريقُ كربةٌ ولكن المدينةَ مملوءةٌ فرحاً وسروراً. البرجُ شامخٌ حصينٌ، ولكن داخله كنوزاً جليلة. الصومُ ثقيل صعب لكنه يوصل إلى ملكوت السماوات. فِعلُ الصلاحِ عسيرٌ شاق، ولكنه ينجي من النار برحمة ربِنا الذي له المجد».

وقال أيضاً: «ضع همَّك كلَّه في أن تطلب الله وأن تنجو من أيدي أعدائك. فالآن يا رجل الله إن وضعتَ في قلبك أن تقتني الوحدةَ فهيئ ذاتك لها، واصبر على المسكنةِ فإن الوحدةَ والمسكنةَ عظيمتان وليس شيءٌ من المواهب يساويهما في القدرِ والكرامة، لأنهما يقرِّبان إلى الله. كما لا تُحصى المواهب الموجودة داخلهما لأنهما يسودان جميعَ الفضائل. وهما في وسط جميع المواهب يتلألآن لأنهما مصدر أعمال القديسين، وجميعُ القديسين وجدوا الله فيهما وكُشفت لهم الأفكار فوهبهم الله قلوباً نقية وهم في المسكنةِ والوحدةِ جياعاً عطاشى. هؤلاء الذين لم يستحقهم العالم. تائهين في البراري والقفار والمغارات وشقوق الأرض. هؤلاء الذين لهم هذه الشهادة الجليلة، قد وجدوا الله في الوحدةِ وبالمسكنةِ والصبر، لأن مجدَ الوحدةِ غيرُ محدودٍ ورجاءَها وفرحَها هو اللهُ، وهي العزاءُ في الفقرِ والمسكنة. غذاؤها الصبر وخدمتها الكاملة هي الطهارة وفرحها هو الاتضاع. هي التي لا يُفسدها سوسٌ ولا يتدنس لها ثوبٌ لأنها ساكنةٌ في الطهارةِ».

سأل أخٌ الأب مقاريوس عن الوحدةِ، فأجاب الشيخُ وقال: «إن كنتَ تريد السكنى في الوحدةِ فاصبر لها ولا تؤدي عملك يوماً في الداخل ويوماً في الخارج، ولكن تصبر لها باتضاعٍ والله الصالح يؤازرك. لا توجِد سبباً للخروج عن الوحدةِ حتى ولو ليومٍ واحدٍ. بل اثبت في مسكنك لتذوق حلاوتها. ولا تبطئ خارجاً لئلا تجذبَ إليك المضادَ وتتجدد عليك أتعابُك وتُحرم من الصبر. لا تبطئ خارج قلايتك لئلا تجد أتعابك قدامك عند رجوعك، فتتعب جداً في حربك ويصعُب انتصارُك. يا رجل الله حتى متى تدوم لك هذه الأتعاب. اصبر للمسكنة، وعزاءُ الوحدةِ يأتيك من قِبل الله، لا تضيِّع يوماً واحداً لك ونعمةُ الوحدةِ وحلاوةُ المسكنةِ تصيران لك عزاءً ويعطيك الله سعادةً في مسكنِك».

وسأله أخٌ مرةً قائلاً: «ماذا أصنعُ يا أبي والأفكارُ توعز إليَّ بأن أمضي وأفتقد المرضى فإن هذه هي الوصية». أجابه الشيخُ قائلاً: «إن كلمة النبوة لا تسقط أبداً، فإنه يقول: جيدٌ للرجل أن يحملَ النيرَ منذ صباه ويجلس وحده صامتاً. أما قول ربنا يسوع المسيح: كنتُ مريضاً فزرتموني، فقد قاله لعامة الناس. وإني أقول لك يا أخي: إن الجلوسَ في القلاية أفضلُ من افتقاد المرضى، لأنه يأتي زمانٌ يُضحك فيه على سكان القلالي فتتم كلمة البار أنطونيوس إذ قال: يجيء زمانٌ يُجنُّ فيه جميعُ الناسِ. وإذا أبصروا واحداً لم يُجنّ يذيعون عنه بأنه مجنونٌ لأنه لا يشبههم. وإني أقول لك يا ولدي: إن موسى النبي العظيم لو لم يبتعد من مخالطةِ الناس ومحادثاتهم ويدخل في الضبابِ وحده، لما تسلَّم لوحي العهد المكتوبين بإصبع الله».

وقال أيضاً: «كمثلِ إنسانٍ إذا دخل إلى الحمامِ إن لم يخلع ثيابَه لا ينعم بالاستحمامِ، كذلك الإنسانُ الذي أقدم إلى الرهبنةِ ولم يتعرَّ أولاً من كلِّ اهتمامِ العالم وجميعِ شهواتهِ وملذَّاتهِ، فلن يستطيعَ أن يصيرَ راهباً ولن يبلغَ حدَّ الفضيلةِ. ولن يمكنه كذلك أن يقفَ قبالة جميع سهامِ العدو التي هي شهوات النفس».

وقال أيضاً: «كمثلِ الحديد الذي إذا طرحتَه في النار يصيرُ أبيضَ ويتنقَّى من الشوائبِ، كذلك النفس إذا ما حلَّ فيها الروحُ القدس المعزي وسكن فيها فإنها تصير نقيةً كالملح متلألئة ببياض الفضيلة، فتنسى الأرضيات وتشتاق إلى السماويات، وتوجد في كل وقتٍ سكرانةً بالإلهيات شغوفةً بالعلويات. وذلك من أجلِ نقاوتها وطهارتها حتى يظن الإنسانُ أنه قد انتقل من هذا العالمِ إلى الحياةِ الأبدية بربنا يسوع المسيح، ويرى الجزاءَ الكاملَ العادلَ العتيد أن يكون للأبرارِ والخطاةِ في الدهرِ الآتي الذي لن يزولَ الدائم إلى الأبد».

وقال أيضاً: «كما أن المطرَ إذا سقط على الأرضِ تنبتُُ وتُنتج الثمارَ، وفي ذلك راحةٌ وفرحٌ للناس، كذلك الدموع إذا ما وقعت على قلبٍ أثمرت ثماراً روحانية وراحةً للنفسِ والجسدِ معاً».

وقال أيضاً: «ليس شيءٌ يعلو على خوفِ الله. لأنه يسود على كل شيءٍ. فبخوفِ الله يحيدُ كلُّ إنسانٍ عن كلِّ الشرور. فلنقتنِ لنا هذا، ولنبتعدْ عن كلِّ ما لا يريدهُ الله. ولنصنعْ كلَّ ما يُرضيه ونحفظه. ولا نصنع شيئاً يغضبه. ولنعلم أيضاً أن كلَّ ما نعمله عريانٌ ومكشوفٌ لديه ولا تخفى عليه خافيةٌ».

وقال أيضاً: «إن النفسَ لها استطاعةٌ أن تنظرَ إلى الله في كلِّ حينٍ، فتوجِد لها دالةً عند سيدها، لأنها حينئذ يكون لها قدرةٌ على ذلك، لذلك فلنحرص بكلِّ قوتنا ألا نحيدَ عن خوفِ الله ولا نتعبد للأوجاعِ».

وقال أيضاً: «يجبُ على الراهبِ أن يكونَ في سكونٍ في كلِّ حين ولا يسمع لأفكارِه التي توعز إليه بكثرةِ الكلامِ الذي يُضعف النفسَ، بل ليمسك عن الكلام حتى ولو نظر أناساً يضحكون أو يتحدثون بكلامٍ لا منفعة له وذلك لجهلِهم. لأن الراهبَ الحقيقي يجب أن يتحفظ من لسانِه كما هو مكتوبٌ في المزمور: اللهم اجعل لفمي حافظاً وعلى شفتيَّ ستراً حصيناً. فالراهب الذي يسلك هكذا لا يعثر أبداً بلسانِه، ولكنه يصبح إلهاً على الأرضِ».

وقال أيضاً: «كما أن الماءَ إذا سُلِّط على النارِ يُطفئها ويغسل كلَّ ما أكلته، كذلك أيضاً التوبةُ التي وهبها لنا الربُّ يسوع تغسلُ جميعَ الخطايا والأوجاع والشهوات التي للنفسِ والجسدِ معاً».

 

 

 

 

 

 

 

قال: أيها الحبيب إن كنتَ قد تركتَ العالمَ الباطل وقربَّت نفسَك لله لتتوب عن خطاياك السالفة، فإياك أن تتراجعَ عما عزمت عليه من نحو حفظِ وصايا السيد المسيح وإتمامها، وإلا فلن يغفرَ لك خطاياك القديمة. احفظ الخصالَ الآتية ولا تحتقرها: إياك أن تأكلَ مع امرأةٍ أو تؤاخي غلاماً حديثَ السنِّ، لا ترقد مع آخر في فراشٍ واحدٍ، كن متحفظاً لعينيك. وإذا نزعتَ ثيابك فإياك أن تبصرَ شيئاً من جسدِك، إن أردتَ أن تشرب بعضاً من الشراب لا تزد على ثلاثِ كؤوس. إياك أن تحلَّ الوصيةَ من أجلِ الصداقةِ. احذر أن تسكنَ في موضعٍ قد أخطأتَ فيه قدام الله. لا تتوانَ في صلواتِ الساعات لئلا تقع في أيدي أعدائك. اجهد نفسَك في تلاوة المزامير، فإن ذلك يحفظُك من خطيةِ الدنس. أحبَّ التعبَ والمشقةَ في كلِّ شيءٍ لتخفَّ عنك أوجاعُك. احذر من أن تعتبرَ نفسَك شيئاً في أيِّ أمرٍ من الأمورِ فإن ذلك يُفقدك النوحَ على خطاياك. احفظ نفسَك من الكذبِ فإنه يطرد من الإنسانِ خوفَ الله. لا تكشف أسرارَك لكلِّ أحدٍ لئلا تسبب عثرةً لقريبك. اكشف أفكارَك لآبائك الشيوخ لتجد معونةً بمشورتهم. أتعب نفسَك في عملِ يديك وخوفُ الله يسكن فيك. إذا أبصرتَ إنساناً قد أخطأ فلا تحتقره ولا تزدرِ به لئلا تقع في أيدي أعدائك. إياك أن تتمادى في ذِكر خطاياك القديمة والتلذُّذ بها لئلا تنتابك الأتعابُ. أحب الاتضاع فهو يحفظك من الخطيةِ. لا تكن معانداً أو متمسكاً بكلمتِك لئلا يسكنك الشرُ. لا تضع في نفسِك أنك حكيمٌ فتقع في أيدي أعدائك. عوِّد لسانك دائماً أن يقول: «اغفر لي»، فيأتيك الاتضاع. إذا جلستَ في قلايتك فاهتم بهذه الثلاث خصال: ابدأ عملَ يديك وادرس مزاميرك وصلاتك، تفكَّر في نفسِك أنه ليس لك شيءٌ في هذه الدنيا سوى اليومِ الذي أنت فيه فلن تخطئَ. لا تكن نهِماً في الأطعمةِ لئلا تتجدد فيك خطاياك القديمة. لا تتضجر من الأتعاب مطلقاً فيأتيك النياح من قبل الله سريعاً. مثل بيتٍ خربٍ خارج المدينةِ يُرمى فيه كلُّ نتنٍ، هكذا نفسُ الراهبِ العاجز تصير مأوى لكلِّ شرٍ. جاهد في أن تصلي دائماً ببكاء لعل الله يرحمك ويخلِّصك من الإنسانِ العتيق ويعطيك الملكوت. ثبِّت نفسَك في هذه الخصال التي أقولها لك: التعزية، المسكنة، الصمت، فهذه كلها تجلب لك الاتضاعَ، والاتضاعُ يغفرُ الخطايا كلها. الاتضاع هو أن يعتقدَ الإنسانُ في نفسِه أنه خاطئٌ وأنه ما عمل شيئاً من الخيرِ أمام الله، وأن يلازم الصمتَ، وألا يعتبر نفسَه شيئاً، وأن يرفض هواه ولا يقيم كلمتَه، ويكون نظرُه إلى الأرضِ، وأن يضعَ الموتَ بين عينيه، وأن يحفظَ نفسَه من الكذب، وألا يتحدث بكلامٍ باطل، وألا يناقش من هو أكبر منه، وأن يتحمل الشتيمةَ بفرحٍ، ويُبغض الراحةَ، ويدرِّب نفسَه على التعب، وألا يُحزن أحداً.

وقال أيضاً: يا ابني كن مستعداً إزاء كلِّ كلمةٍ تسمعها لأن تقول: «اغفر لي»، وبذلك تهزم كلَّ قوةِ العدو. وليكن وجهُك دائماً معبّساً، إلا إذا أتاك إخوةٌ غرباء فكن بشوشاً فيسكن خوفُ الله فيك. إن سرتَ مع إخوةٍ في طريقٍ، فتباعد عنهم قليلاً ولتكن صامتاً. وإذا مشيتَ فلا تلتفت يُمنى ولا يُسرى بل ادرس في مزاميرك وصلِّ لله بفكرك. وأيَّ موضعٍ دخلتَه لا توجِد لنفسِك دالةً مع أهلهِ، وكن جاداً في كل أمرٍ من أمورك. أيُّ شيء يوضع أمامك فمد يدَك إليه بتغصبٍ، وإن رقدت في موضعٍ فلا تتغطَ أنت وآخر بغطاءٍ واحدٍ. وصلِّ صلاةً طويلة قبل أن تنام. وإن كنتَ قد تعبتَ من السيرِ في الطريقِ وأردت أن تدهن جسدَك بقليلٍ من الزيت فليكن لك ذلك بحياء، ولا تدع أحداً يدهن لك جسدك وأنت صبي. إذا كنت جالساً في قلايتك وأتاك أخٌ غريبٌ فادهن رجليه وقل له: أظهر محبةً وخذ قليلاً من الزيت وادهن به جسدك، فإن لم يُرد فلا تُكرهه إذا كان شيخاً عمالاً. إذا جلستَ على المائدة وأنت شابٌ فلا تتجرأ وتدعو إنساناً إلى الأكلِ وتشكر له في الطعام، بل اذكر خطاياك لئلا تأكل بلذةٍ، ومد يدك إلى ما هو قدامك فقط، ولتغطِ ثيابُك رجليك، وركبتاك مضمومتان إحداهما إلى الأخرى. وإذا زارك غرباءٌ فأعطهم حاجتهم برضى، وإذا كفوا عن الطعام فقل لهم مرتين أو ثلاثة: اصنعوا محبةً وكلوا قليلاً. وإذا كنتَ تأكلُ فلا ترفع وجهَك في قريبك ولا تتلفت لا هنا ولا هناك ولا تتكلم كلمةً فارغة، وإذا شربتَ الماءَ فلا تدع حلقَك يُحدث صوتاً كما يفعل العلمانيون. وإذا كنتَ جالساً مع الإخوةِ واضطررت للبُصاق فلا تبصق في وسطِهم بل قم خارجاً وألقِهِ. لا تتماطأ في وسطِ الناس، وإذا جاءك التثاؤب فلا تفتح فمَك فيذهب. احذر من فتح فمِك بالضحك، فإن الضحك يوضِّح عدم وجود خوف الله. لا تشتهِ شيئاً لصاحبك، لا ثوبه ولا قلنسوته ولا غير ذلك مما له. ولا تتمِّم شهوةَ جسدِك وتصنع لك مثله. إن عملتَ لك مجلداً فلا تزينه فإن ذلك عثرة. إن أخطأت في أمر ما فلا تستحِ وتكذب، بل أسرع وقر بذنبك واستغفر فيُغفر لك. إذا وجه إليك إنسانٌ كلمةً قاسية، فلا تشمئز أو يستكبر قلبُك، ولكن بادر واصنع مطانية ولا تلُمه في قلبك، وإلا فالغضبُ يثور عليك. إن افترى أحدٌ عليك بشيءٍ لم تصنعه فلا تجزع ولا تغضب، بل اتضع واصنع مطانية، وسواء كنتَ قد فعلتَ أم لم تفعل ففي كلتا الحالتين قل: «اغفر لي فلن أعود لمثلِهِ مرةً أخرى». إذا كنتَ تقوم بعملِ يديك فلا تتوانَ البتة ولكن اهتم به بخوفِ الله لئلا تخطئ بدون وعي، وكلُّ عملٍ تؤديه لا تستحِ أبداً من أن تسأل من يعلمك قائلاً: «اصنع محبة وأرني»، وخذ رأيَه أيضاً فيما لو كان عملُك جيداً أم لا. إن دعاك أخوك وأنت جالسٌ تقوم بعمل يديك فاترك عملَك واسْعَ في راحتِهِ، إذا انصرفتَ من المائدة فادخل قلايتك ولا تجلس تتحدث مع من لا ينفعك، فإن كان الجالسون شيوخاً يتكلمون كلامَ الله فاستأذن معلِّمك أولاً فإن أذِنَ لك فاجلس واسمع كلامَهم، وكما يأمرك به افعله. إن أمرك معلمُك بقضاء حاجةٍ خاصة به فاسأله عن المكان الذي تذهب إليه لقضائها وما يشير به عليك لا تزد عليه ولا تُنقص منه. إن سمعتَ كلاماً غيرَ لائق فلا تبلِّغه لآخر. إن أردتَ أن تصنع أمراً لا يهواه الأخ الساكن معك فاقطع هواك واسعَ في خيرهِ لئلا يقع بينكما شكٌ وتجربةٌ. إذا عزمتَ على السكنى مع إخوة فلا يكن لك مع أحدِهم دالة ما. ولا تخلط كلامَك بكلامِهم. إن فعلت ذلك فإنك تمكث زمانك كلَّه معهم في سلامةٍ. وإن طالبوك بأمرٍ لا تهواه فارفض مشيئةَ نفسِك وتمِّم ما يقولونه لك لئلا تحزنهم فتفقدون السلامَ فيما بينكم. إذا كنتَ ساكناً مع أخٍ وسألك قائلاً: «اطبخ لنا شيئاً»، فاسأله عما يُحب، فإن ترك لك حرية الاختيار فمهما وجدتَه موافقاً له اطبخه بخوفِ الله. وكلُّ عملٍ تعملانه اشتركا فيه ولا يطلب أحدُكم راحةَ جسدهِ لئلا يضطرب فكرُ أخيه».

وقال أيضاً: إذا قمتَ باكرَ كلِّ يومٍ فقبل أن تقومَ بأيِّ عملٍ اقرأ كلامَ الله وبعد ذلك إن كان لك في القلايةِ عملٌ فاعمله بهمةٍ ونشاط. إذا جاءك أخٌ غريبٌ ليكن وجهُك له صبوحاً حين سلامك عليه، واحمل عنه ما يحمله بفرحٍ، وكذلك إذا أراد الانصرافَ ليفارقك بفرحٍ ولتودِّعه بخوفِ الله وبشاشة كي تكونا عند الفراق رابحيْن نفسيكما. وكذلك في حال وصوله إليك إياك أن تسأله عن أمورٍ لا تُخلِّص نفسَك، بل دعه يصلي أولاً، فإذا جلس قُل له: «كيف أنت؟ وكيف حالك»؟ ولا تزد على ذلك. وأعطه كتاباً ليقرأ فيه. فإذا كان قد جاء متعباً فاتركه حتى يستريح واغسل رجليه. فإن كان قد أتاك حاملاً إليك كلاماً ليست فيه منفعة فقل له: «اغفر لي يا أخي فإني ضعيفٌ ولست أقوى على سماعِ هذا الكلام». وإن كان ضعيفاً وثيابُه رثة فاغسلها له وخيطها إذا احتاجت إلى خياطة. وإذا جاءك أحدٌ من الطوافين وتصادف أن كان عندك رجلٌ قديس في نفس الوقت، فلا تُدخله عليه، ولكن اصنع معه رحمةً من أجلِ محبةِ اللهِ وأَخلِ سبيلَه. وإن كان مسكيناً فلا تصرفه من عندك فارغاً، بل أعطه من البركة التي أعطاك الله إياها. واعلم أن كلَّ شيءٍ لك ليس ملكك فأعطهِ من أجلِ الربِّ. إذا استودعك أخٌ وديعةً، إياك أن تفتحها لتعرف ما فيها إلا بحضرتِه، وإن كانت الوديعةُ ثمينةً جداً، فاسأله أن يسلمها لك ويعرِّفك بحقيقتها. وإن ذهبتَ إلى ضيعةٍ ونزلت عند إنسانٍ في قلايتِه واضطر أن يخرج هو لأمرٍ ما وتركك وحدَك في القلاية فإياك أن ترفع نظرَك لتبصر شيئاً مما في قلايتِه أو تُحرك شيئاً من موضعِه، ولكن عند خروجه قل له: «أعطني شيئاً أقومُ بعملِه»، وكلُّ شيء يوصيك به فافعله بلا كسل. إذا دخلتَ بيتَ الراحةِ لقضاء حاجة الطبيعة فلا تتباطأ، بل اذكر أن الله ينظر إليك دائماً.

إن قمتَ في قلايتك لتصلي ساعاتك فإياك أن تكون صلاتُك بتهاونٍ لأنك بذلك بدلاً من تُكرم الله تغضبه. ولكن قف بخوفٍ ورعدةٍ ولا تتكئ على الحائط ورجلاك مرتخيتان ولا تقف بواحدةٍ وترفع الأخرى. وإن كنتم تقرءُون صلواتكم وأنتم مجتمعون فليقدِّم كلُّ واحدٍ منكم صلاةً، فإن وُجد معكم غريبٌ فاطلبوا منه بمحبةٍ أن يصلي ولا تلحُّوا عليه أكثر من مرتين أو ثلاث. وإذا كنتَ واقفاً في القداسِ فراقب أفكارَك لكي توقف جسدَك وحواسَك بخوفِ الله لتستحق أن تتناولَ من القربان الذي هو جسدُ المسيح ودمه الأقدسين، فيشفيك الربُّ.

إياك أن تترك جسدَك في حالةٍ لا تليق بسبب قذارتِه لئلا يسرقك المجدُ الباطل. ولكن إذا كنتَ شاباً فاترك جسدَك ليظهر بكلِّ سماجةٍ. لا تلبس ثوباً جيداً حتى تبلغ الكبر وتدخل في سن الشيخوخة. إذا سرتَ مع أخٍ أكبر منك سناً فلا تتقدمه البتة. وإذا تكلم من هو أكبر منك مع آخرين فإياك أن تحتقره وتجلس، ولكن قف حتى يسمح لك. إذا ذهبت إلى مدينةٍ أو قريةٍ فلتكن عينُك ناظرةً للأرضِ لئلا تسبب لك محاربات في قلايتك. إياك أن تبيت في قريةٍ وتنام في بيتٍ تخشى أن تخطئ فيه بقلبك. إذا دُعيت لتأكل عند إنسانٍ وعلمتَ أن هناك امرأةً جالسةً ستأكل معك فارفض ولا تأكل هناك البتة، لأنه خيرٌ لك أن تُحزن ذاك الذي دعاك من أن تزني بفكرك في الخفاء. حتى وإن رقدت فلا تبصر ثيابَ النساءِ بعينيك. وإن كنتَ في طريقٍ ولقيتك امرأة فجاوبها بفمِك فقط. وإذا ذهبت في طريقٍ وكان معك شيخٌ فلا تدعه يحمل أحمالَه البتة بل احملها أنت عنه. وإن كنتم سائرين في طريقٍ وكان معكم إنسانٌ ضعيف فليكن هو المتقدم وذلك لكي يمكنه أن يجلسَ إذا أراد الجلوس. إن كنتم شباباً واجتمعتم عند إنسانٍ وأراد أن يغسل أرجلَكم وسألكم أن تباركوا على المائدة فاسبقوا أولاً واعرفوا منزلةَ كلِّ واحدٍ منكم حتى إذا حان وقتُ الأكلِ لا ترتبكون ولا تتزاحمون. وليكن جلوسُكم بترتيبٍ: الأول فالثاني فالثالث وهكذا.

وقال أيضاً: إن سألك شيخٌ عن أفكارِك فاكشفها له بصراحةٍ متى تأكدتَ أن له أمانةً ويحفظُ كلامَك. ولا تنظر إلى كبر السن بل اعتمد على من له علمٌ وعملٌ وتجربةٌ ومعرفةٌ روحانية، لئلا يُزيدك سِقماً بدلاً من أن يهبك شفاءً. إذا تحدث أناسٌ بأفكارٍ لم تبلغها بعد ولم تُحارَب بها فامتنع من سماعِ كلامِهم هذا لئلا تجلب على نفسِك ذلك القتال. ألزِم نفسَك كلَّ يومٍ بأن تصلي في نصفِ الليل صلواتٍ كثيرةً لأن الصلاةَ هي ضوءُ النفس. راجع نفسَك كلَّ يومٍ عما صنعته فيه من الخطايا وصلِّ إلى الله من أجلِها فيغفرها لك. إن سمعتَ أخاً يدين آخر فلا تستحِ منه أو توافقه لئلا يغضب الله. بل قل باتضاعٍ: «اغفر لي يا أخي فإني شقيٌ وهذه الأمور التي تذكرها أنا منغمسٌ فيها ولستُ أحتمل ذكرها». إن أساء إليك أخٌ وجاء آخر وعاب فيه عندك فاحفظ قلبَك لئلا يتجدد فيه ذكرُ الشرِ الذي أساء به إليك ذلك الإنسان. إذا مضيْت إلى ضيعةٍ مع إخوةٍ لا تعرفهم فأعطهم التقدم في كل شيءٍ ولو كانوا أصغر منك. وإن نزلتَ عند صديقٍ لك فليكونوا هم المتقدمين عليك في كلِّ شيء على المائدة وغيرها. لا تظن في نفسِك أنه بسببِك يكرمهم صديقُك، بل قل لهم: «إنه بسببِكم يصنع بي الرحمةَ». إن مررتَ في طريقٍ مع أخٍ وحدث أن قابلتَ صديقاً لك وأردتَ أن تسأله في أمرٍ ما واستأذنت الأخَ قائلاً: «استرح قليلاً حتى آتي إليك»؛ فإن دعاك صديقُك أن تدخلَ لتأكلَ عنده، فإياك أن تلبي دعوتَه دون أن تُشرك الأخَ الذي معك. إذا دخلتَ قلايةَ أخٍ ليس لك به سابق معرفة فحيثما أجلسك اجلس ولا تتحرك من الموضع الذي أجلسك فيه إلا بدعوةٍ منه. إن كنتَ ساكناً في قلايةٍ فإياك أن يكون لديك إناءٌ يمنعك من حفظ وصيةِ ربك، وإن سألك أخٌ أن تعيره إناءَك فأعطه إياه، رغم حاجتك إليه ورغم عدم وجود غيره عندك، وإياك أن تجلس بعد ذلك متضايقاً مرتبكاً، فخير لك أن يهلك أحدُ أعضائِك من أن يذهب جسُدك كلُّه إلى جهنم. الذين فارقتَهم حباً في الله لا تُكثر ذكرَهم في قلبك لئلا ينشغل عقلُك بهم، بل اذكر الموتَ والدينونة وكيف أنه لا يستطيع أحدٌ منهم أن يعينك في ذلك اليوم. إذا كنتَ في قلايتك وتذكرتَ أن إنساناً أساء إليك وأحزنك، فقم في الحال وصلِّ من أجلهِ من كلِّ قلبِك أن يغفرَ الله له، وبذلك تنطفئ عنك محبة مكافأة الشرِّ بالشرِّ. إذا أنت ذهبتَ لتتناول جسدَ المسيح ودمَه الأقدسين فإياك أن يكون في قلبك حقدٌ أو غيظٌ على إنسانٍ، فإن علمتَ أن في قلب إنسانٍ عليك شيئاً فاذهب واستغفر منه أولاً لئلا تأخذ دينونةً لنفسِك وهلاكاً. إن قوتلت بزنى في أحلامِ الليل، فاحفظ فكرَك من تذكُّرها بالنهار ولا تذكر أيضاً تلك الأجساد التي أبصرتَها في أثناء نومِك لئلا تتدنس بلذتِها وتجلب على نفسِك حزناً، ولكن ألقِ ضعفك أمام الله وهو يعينك لأنه رحومٌ يرثي لضعف الإنسان. فإذا ألزمت نفسَك بصومٍ كثيرٍ وصلاة مستمرة فلا تثق بأنك ستخلص بعد ذلك، ولكن قل في فكرِك: «إني أرجو من الله بصلاة قديسيه أن يصنع مع ضعفي رحمةً من أجل الشقاء الذي شقي به جسدي». إن شتمك إنسانٌ فلا تُجبه حتى يسكت. وفتش نفسَك بخوف الله فإنك سوف تجد أن ما قد سمعتَه كائنٌ فيك وأن العلةَ هي منك. فاصنع له مطانية مثل إنسانٍ يعرفُ بالحقيقةِ أنه هو الذي أخطأ.

إن كنتَ ماضٍ مع إخوةٍ في طريقٍ وكانت بينك وبين أحدٍ محبةٌ فلا تكن لك دالةٌ معه أمامهم لئلا يكون فيهم أحدٌ ضعيف فيموت من الغيرة منكما. وتكون الخطية عليك لأنك سبَّبت له عثرةً. إن أردتَ الذهاب إلى أناسٍ فلا تضع في قلبك أنهم سوف يفرحون جداً بلقائك. فإن قبلوك اشكر الله على قبولهم لك. إذا أصابك مرضٌ وأنت ساكنٌ في قلايتك فلا تصغر نفسُك بل اشكر الله على ذلك. إن مضيتَ إلى إخوةٍ وقال لك أحدهم: «إني لا أستطيع النجاح ما دمتُ مع هؤلاء وأودُ أن أسكن معك»؛ فإياك أن تبادر بموافقتِه على ذلك لئلا تصير عثرةً له ولكثيرين غيره. فإن أباح لك بأفكارٍ مكبوتةٍ فيه وعلمتَ إزاءها أنه سيهلك بوجوده في وسطهم فعرِّفه بأن يهرب إلى مكانٍ آخر وارفض سكناه معك. إذا كنت ساكناً في قلاية فاجعل لطعامِك مقداراً معيناً، ووقتاً معروفاً لا تتعداه. وأعطِ جسدَك حاجته بالقدر الذي به تستطيع أن تخدم الله في صلاتك. ارفض محبةَ الخروجِ والجولان فيما لا ينفعك. وإن عرض لك أمرٌ هام كافتقاد أخٍ أو الذهاب إلى ديرٍ وقدموا لك طعاماً لذيذاً، فلا تشبع منه، وأسرع في العودةِ إلى قلايتك.

وقال أيضاً: «إن أشغل الشياطينُ قلبَك بأتعابٍ تفوق طاقتك، فلا تُطعهم لأنهم يشغلون قلبَ الإنسان بأمورٍ لا يقوى عليها حتى إذا ضعف وقع في أيديهم، فيضحكون عليه لأن كلَّ أمورِ العدو هي بلا نظام وبلا حدود. ولكن كُلْ مرةً واحدةً في النهار، وأعطِ جسدَك حاجته بقدرٍ بحيث تكف عن الطعام وأنت لا زلت تشتهيه. كذلك سهرك يكون بقدرٍ، اسهر نصفَ الليلِ في الصلاةِ والنصف الآخر لراحة جسدِك. ومن قبل أن تنام اسهر ساعتين مصلياً ومزمراً، وإذا اقتنيتَ طولَ الروح فاصنع قانونك بحرصٍ واجتهاد، وإن أبصرتَ جسدَك قد كسل فقُل له: «أتريد أن تستريح في هذا الزمان اليسير وتذهب إلى الظلمةِ الخارجية، أليس من الأفضل لك أن تتعب زماناً يسيراً لتتنيَّح مع القديسين إلى الأبد». وبهذا الكلام يذهب الكسلُ وتأتيك المعونةُ.

إن أنت بعت شغلَ يديك فلا تتشدَّد في الثمن كالعلمانيين. كذلك إذا أردتَ أن تشتري شيئاً فزِد على ثمنهِ قليلاً وخذه، وإن لم يكن معك ما يساوي قيمته فاتركه بسكوت. إن أودع أخٌ عندك إناءً واحتجت إليه احتياجاً شديداً فاحذر أن تمسَّه بأذيةٍ. إن ذهبتَ إلى قريةٍ وأوصاك أخٌ أن تشتري له شيئاً فاشتَرِهِ له كما لو كنتَ تشتريه لنفسِك. وإن كان معك إخوةٌ وقتئذ فأشركهم في هذا الأمر. إن اتفق لك قضاء مصلحةٍ هامة في بلدِك فاحفظ نفسَك من أهلك وأقربائك ولا يكن لك معهم دالةٌ ولا خلطة في كلامٍ أو في غيرهِ. إن استعرتَ من أخيك فأساً أو غيره فلا تتوانَ في أن تردَّه إليه عند قضاءِ حاجتك ولا تتركه حتى يطلبه منك، فإن انكسر فجدِّده له. إن أنت أقرضت إنساناً مسكيناً شيئاً وعرفت أنه ليس له ما يوفيك، فلا تُحزنه ولا تضيِّق عليه في شيءٍ مما أعطيته سواء كان ثياباً أم وزنات أم غير ذلك. إن أقمتَ في مكانٍ وبنيتَ لك فيه قلايةً وأنفقت في بنائها نفقةً ما، ثم بدا لك بعد حين أن تخرج منها، وأقام فيها أخٌ آخر، وأردتَ الرجوع إليها مرة أخرى، فاحذر من أن تُخرج ذلك الأخ منها، ولكن ابحث لنفسِك عن قلايةٍ أخرى، وإن كنتَ وقت خروجِك منها أولاً قد تركتَ فيها متاعاً ووجدت أن الأخ قد أحرقه فلا تطالبه بشيءٍ منها، وإن أردت أن تنتقلَ من قلايةٍ إلى أخرى فاحذر من أن تأخذ معك شيئاً من متاعِها، بل اتركه للأخ الذي سيسكن فيها والله يرزقك أنت حيثما كنت. كلُّ فكرٍ يحاربك اكشفه ولا تستحِ أن تقول به لمن هو أكبر منك بالروحانية، فيخفَّ ذلك الفكرُ عنك ويذهب، واعلم أنه لا يوجد شيءٌ يَفرح له الشياطين مثل إنسانٍ يُخفي أفكارَه، رديئةً كانت أم جيدةً. وإذا طغى أخوك بجهلهِ بسبب الهراطقة، ثم رجع إلى الإيمان القويم فلا تحتقره واحفظ نفسَك من مجادلةِ المخالفين بحجة أنك تريد الدفاع عن الإيمان، لئلا يؤثِّر كلامُهم فيك فتهلك. وإن وجدت كتاباً من كتبهم فلا تقرأ فيه لئلا يمتلئ قلبُك بسمِ الموتِ، بل تمسَّك بأمانتك كما أضاءت لك المعمودية، كن على حذرٍ من تعليم الكذاب المضاد».

وقال أيضاً: «إن سمعتَ أخبارَ القديسين وأعمالَهم الشريفة فلا تطمع في اقتنائها بلا تعبٍ. إن لم تشفِ نفسَك أولاً وتتأهل لها، حتى إذا أقدمتَ على عملِها جاءتك من تلقاء نفسِها. احفظ نفسَك من الملل فإنه يُتلف ثمرةَ الراهبِ. إن كنت مقهوراً من وجعٍ وأنت تجاهده فلا تمل، بل ألقِ نفسك قدام الله وقل: «أعني يا ربُّ أنا الشقي فإني لا أقوى على هذا الوجع»؛ فيُعينك سريعاً إن كانت طِلبتُك بقلبٍ مستقيمٍ. إن كنتَ في شيءٍ من تعبِ الرهبانية ورأيتَ الشياطين قد انهزموا منك وغُلبوا في القتالِ، فلا تطمئن، بل كن على حذرٍ منهم. واعلم أنهم يهيئون لك قتالاً أشرَّ من الأول، ويكمُنون لك به من وراء، فإن أنت ناصبتهم تظاهروا بأنهم طُردوا بمكرٍ منهم، وذلك ليستكبر قلبُك وتثق بقوتِك، فإذا أبصروك قد خرجت هكذا عن فضيلة الاتضاع، قام الكمينُ عليك من ورائك وهاجمك الآخر من قدامك وأحاطوا بنفسك التي لم يكن لها ملجأ وقتئذ. فلا تمل إذاً من الصلاةِ إلى الله بأن يخلِّصك ويدفع عنك كلَّ بليةٍ تأتيك، فإن لم يسمع منك سريعاً فلا تمل من التضرع إليه لأنه يعرف ما فيه خيرك أكثر منك. وإذا صليتَ إلى الله فلا تقل له: «ارفع عني هذا وهبني ذاك». بل قل: «يا ربي يسوع أنت عوني ورجائي وأنا في يديك، وأنت تعرف ما هو صالحٌ لي، فأعني ولا تتركني أخطئ إليك أو أتبع هواي، ولا ترفضني فإني ضعيفٌ ولا تسلِّمني لأعدائي، فإني لجأتُ إليك فخلصني بتحننك، ليخزَ كلُّ الذين يقومون عليَّ لأنك أنت القادر على كل شيءٍ، ولك المجد إلى الأبد، آمين».

وقال أيضاً: إن الإنسانَ لا يستطيعُ أن يتحفَّظ من الخطيةِ إن لم يحفظ نفسَه مما يلدها. وهذه هي الأشياء التي تلد الخطيةَ: صغرُ النفس، الملل، إتمام الهوى، حبُّ الاتساع، طلب الرئاسة، حديث العالم، التماس ما لا ينبغي، عدم الحذر من الناس، سماع الوقيعة، نقل الكلام من أناس إلى أناس، الذي يحبُّ أن يُعلِّم دون أن يسأل، الذي يدين القريب، فهذه الأمور وغيرها لَمِّما تلدُ الخطيةَ. فمن أراد أن ينجحَ ويتقدم في الأعمالِ الصالحة، فليحفظ نفسَه من كلِّ شيء يلد الخطيةَ، فإن الخطيةَ منها وبها. فمن حرص فهو يجد خيراً في الأعمال الصالحة، ومن تهاون وتغافل فهو يعدُّ نفسَه للعذاب، لأنه واجبٌ على كلِّ معتمدٍ أن ينقي نفسه من كلِّ الشرور، فإن أنت قطعتَ هواك بمعرفةٍ اقتنيتَ لنفسِك التواضع، أما الذي يريد أن يتمِّم هواه فذاك يُعدم الصلاحَ كلَّه. فلنهرُب من اللجاجةِ (أي من العنادِ والمجادلة) فإنها تهدمُ كلَّ بنيان الفضيلة وتصيِّر النفسَ مظلمةً لا تبصر شيئاً من الصلاحِ. فتحفَّظ من هذا الوجع الرديء الذي إذا اكتنف أيَّ صلاحٍ أعدمه، لأن ربنا ما أن طلع على الصليب حتى طوَّح يوداس من وسطِ تلاميذه. فإن لم يقطع الإنسانُ هذا الوجع الرديء (أي اللجاجة) فلن يستطيعَ أن يدركَ شيئاً من أمورِ الله، لأن كلَّ شرٍ في الدنيا يلحقُ صاحبَ هذا الوجع. وهذا الوجع هو نتيجة الكبرياء، لأن المتكبر لا يقدر أن يتحمَّل شيئاً من الموعظةِ وهو محبٌّ لمجدِ الناس والغلبة، ويسكن في نفسِه كلُّ أمرٍ يبغضه الله، لأن المستكبرَ لا يقدر أن يكونَ بغير عثرةٍ، وهو يسلِّمُ نفسَه بنفسِه إلى أيدي أعدائه. وحينئذ يصنعون بها شروراً كثيرة، فلنهرب من المجدِ الباطل ولنذكر في كل حين مجدَ العالم العتيد ولنقطع أهويةَ قلوبنا ولنلتمسَ مشيئة الله ونتممها.

فالنفس التي تريدُ أن تقفَ أمام الله بغير ذنبٍ فلتحرص كالتاجر الذي يطلب الأرباحَ ويفرُ من الخسائرِ، أما خسائر تجار المسيح فهي: طلب مجد الناس، الكبرياء، تزكية الذات، التكلم بما يغضب السامعين، محبة الأخذ والعطاء؛ هذه كلها خسائر ولا يستطيع أحدٌ أن يُرضي الله وهذه كلُّها في خزانةِ قلبه. فمن أراد أن يجيء إلى نياح الرهبنة فليتباعد من الناس في كلِّ الأمور، ولا يمدح إنساناً، كما لا يزدري به ولا يدينه ولا يزكيه، ولا يترك في قلبه هماً من ناحيةِ إنسانٍ، وليرفض من كلِّ قلبه مقابلة شر إنسان بشرِهِ لئلا تكون خدمتهُ باطلةً، لأن الذي لا يهتم بأحدٍ ويدين نفسَه وحدَه ويلومها فحياته تكون هادئةً مستريحةً. لأن النقي يحبُّ أن يكونَ كلُّ الناسِ أنقياء، أما الذي في قلبه وجعٌ، فلا يرى أحداً نقياً بل كنحو أوجاعِه يفكر في قلبه عن كلِّ أحدٍ، وإن سمع مديحاً في إنسانٍ يحسده. وهذا أقوله لكي تتحفظ فلا تزدري بإنسانٍ وأبطل معرفتك واقطع هواك. فإنَّ من وثق بمعرفتِه وتمسك بهواه لا يستطيع أن يفلتَ من أيدي الشياطين ولن يبصرَ نقائِصَه ولن يجد راحةً، أما إذا خرج من هوى الجسد فبتعبٍ يجدُ رحمةً، ومجمل هذا كله أن تراقب اللهَ من كلِّ قلبك ومن كلِّ قوتك وتترحم على كلِّ الخليقة وتطلب من الله العونَ والرحمةَ في كلِّ ساعة.

وقال أيضاً: «السكوت هو أن تَرضى بكلِّ شيءٍ ولا ينبغي أن تشغل قلبَك بأمرٍ لا يعنيك. النقاوة هي عقلٌ متيقظ وحسٌ ملتصق بالله. أحبَّ السكوتَ أكثرَ من الكلامِ، لأن السكوتَ يجمعُ، والكلامَ يبدِّدُ. الراهب لا يستطيع أن يحفظَ جهادَه إلا بالسكوتِ وبالهدوء، وأن لا يحسبَ نفسَه شيئاً في أمرٍ ما. من هو في السكوتِ فهو محتاجٌ إلى هذه الثلاث خصال: خوفُ الله، صلاةٌ دائمة، أن لا يدع قلبَه يُسبى بأمر ما. من هو في السكوتِ ينبغي له أن يجعلَ خوفَ ملاقاة الله متقدماً كلّ نَفَسٍ من أنفاسِه. ما دام القلبُ يخضعُ للخطيةِ فما صار خوفُ الله فيه بعد، وهو لا زال بعيداً عن الرحمةِ. ذلك الإنسان الذي يتكلم بكلام العالم أو يسمعه مراراً كثيرة، لا يقدر أن يكونَ له في قلبهِ دالةٌ قدام الله في صلاتهِ. أبغض كلَّ ما في العالم من نياح الجسد لأن ذلك يُصيِّرك عدواً لله. فقاتل الجسدَ كمن يقاتل عدواً لدوداً جداً. الذي يطلب الربَّ بوجع قلبٍ يسمع منه إن هو سأله باهتمامٍ ومعرفةٍ وهو غيرُ مرتبطٍ بشيءٍ من العالم إلا بنفسِه فقط، وذلك لكي يوقفها قدام الرب بلا عيبٍ كنحو قوتِهِ.

وقال أيضاً: «ثلاثُ فضائل يحتاج إليها العقلُ دائماً: تركُ الغضب، عدم التهاون، الشجاعة. وثلاث فضائل أخرى إذا ازدان بها العقلُ يثق بأنه قد بلغ الحياةَ وهي: إفراز الجيد من الرديء، التبصُّر في الأمورِ قبل الإقدام عليها، عدم الخضوع لأمرٍ غريب. وثلاث فضائل كذلك تبعث في العقل ضوءاً مستديماً وهي: أن لا يعرف شرَّ إنسانٍ، أن يصنعَ الخيرَ مع الذي يصنعُ به الشرَّ، أن يتقبل ما يجلبه العدو عليه بلا ضيق صدرٍ. فالذي لا يعرف شرَّ إنسانٍ فقد أدرك المحبةَ، والذي يفعل الخيرَ مع من يفعل به الشرَ فقد أدرك السلامةَ، والذي يقبل ما يأتيه من العدو بلا ضيقِ صدرٍ فقد اقتنى الوداعةَ. كذلك أربع فضائل تزكي النفسَ: السكون، حفظ الوصايا، الانفراد، الاتضاع. الصيام يُذل الجسدَ والسهرُ ينقي العقلَ والسكوتُ يجلب النوحَ، والنوحُ يغسل الإنسانَ ويصيِّره بلا خطية. طوبى لمن اهتم من أجل جراحاتهِ لتُشفى، وعرف خطاياه وطلب من أجلِها الغفران. إن أراد العقلُ أن يرتفعَ على الصليبِ فإنه يحتاج إلى طلبةٍ كثيرة ودموعٍ غزيرة وخضوعٍ في كلِّ ساعةٍ قدام الربِّ، ويسأل من طيبته المعونةَ حتى يقيمه غيرَ مقهورٍ متجدداً بالروح القدس. لأن شدائدَ كثيرةً عند ساعة الصليب، وهو محتاجٌ إلى صلاةٍ وإيمانٍ صحيح وقلبٍ شجيع ورجاءٍ بالله إلى آخر نفس. الذي له المجد إلى الأبد، آمين.

وقال أيضاً: إذا صليتَ ولم يَرِد على فكرِك شيءٌ من الشرِّ فقد صرتَ حراً. الذي يلوم أخاه أو يحتقره أو يشي به قدام آخرين أو يُظهر له غضباً، فقد صار بعيداً من الرحمةِ. إن قال إنسانٌ: «إني أريدُ أن أتوبَ عن خطاياي»، وهو لا يزال يفعلُ شيئاً منها فهو كذاب. من يريد أن يلازمَ السكوتَ من غير أن يقطع علل الأوجاع فهو أعمى. الذي يتجاهل خطاياه ويريد أن يقيمَ آخرين فهو جاهلٌ. من لا يدين أحداً فقد استحق النوح، إذا انشغلتَ عن خطاياك وقعت في خطايا أخيك. إن كافأتَ شراً بشرٍ فذلك يُبعدك من النوح. إن قبلتَ شيئاً من السُبح الباطل ابتعد منك النوحُ. إن صنعتَ هواك طردت عنك النوحَ. إن قلتَ إن فلاناً صالحٌ وفلاناً شريرٌ خزيتَ نفسَك، إذ تركت الاهتمام بخطاياك واهتممت بما لا يعنيك. إن قيل عنك كلامٌ لا تعرفه فتسجست فقد أبعدت عنك النوح. إن كلَّمك إنسانٌ فلا تجادله محاولاً تثبيت كلمتك، وإلا فليس فيك نوحٌ. فهذه الأمور كلِّها تدلُّ على أن الإنسانَ العتيق لا يزال حياً فيك. إن حفظت وصايا المسيح كلَّها وعملتها، قل: «إني لم أُرضِ الله قط». يا إخوتي، تأكدوا بحرصٍ أن تكون شهوتنا بالله، لنسلَم من الشرور. لنلازم محبةَ المساكين لنخلُص من حبِّ الفضة. لنكن متصالحين مع كلِّ أحدٍ لنخلص من البغضِ. لنكن محبين لجميع الناس لنخلص من الغيرة. لنتحمل تعيير إخوتنا إذا هم رذلونا لنخلص من العظمةِ. لنحرص على كرامةِ إخوتنا لكي ما نخلص من الدينونةِ. لنرفض شرفَ العالم وكراماته لنتخلص من المجدِ الباطل. لتكن ألسنتُنا ملازمةً ذكر الله والعدل لكي ما نخلص من الكذب. لننقِ قلوبَنا وأجسادَنا من الشهوةِ الرديئة لكي ما نخلص من النجاسةِ.

وقال أيضاً: الحكيمُ هو الذي يحرص إلى الموت على مرضاة الله. لنعمل بقدر قوتِنا والله يُعينُ ضعفَنا. ليكن فكرُك بالله وهو يحفظك. أمورُ العالمِ لنتركها وننطلق. وما تصنعه من أجلِ اللهِ فهو يعينك في ساعةِ شدَّتِك التي هي ساعةُ الموت. أبغض كلامَ العالم ليفرح قلبُك بالله. أحبَّ الصلاةَ في كلِّ حينٍ ليضيء قلبُك بأسرارِ الله. أبغض الكسلَ لكيلا تحزن. إذا قمتَ في موقفِ الأبرارِ احتفظ بلسانك ليسكن في قلبك خوفُ الله. أعط المحتاجين بعينٍ واسعةٍ حتى لا تحزن بين القديسين. لتكن محباً للمؤمنين لتحلَّ عليك رحمةُ الله. لتكن محباً للقديسين لتغار بأعمالهم الصالحة. اذكر دائماً أبداً ملكوتَ السماوات وما أُعد فيه للقديسين ليقودك الشوقُ إليه. كن متفكراً في كلِّ حينٍ بجهنم لكي ما تُبغض الأعمالَ المؤدية إليها. إذا قمتَ باكر كلِّ يومٍ تذكَّر أنك ستعطي لله جواباً عن أعمالِك فإنك بذلك لن تخطئ ومخافةُ الله تسكن فيك. هيئ نفسَك دائماً أبداً للقاء الله لكي ما تصنع مشيئَته. تفرَّس في نفسِك كلَّ يومٍ لتعلم أيَّ وجعٍ غلبتَ ومن أيِّ وجعٍ أنت مغلوب، أعني الشهوات الجَسَدَانية. ولتكن مجتهداً بكلِّ قوتك في أن تغلبَ كلَّ الشهواتِ الرديئة. كن دائماً أبداً حذراً منتبهَ العقلِ في كلِّ حينٍ. وإياك أن تفكِّر بالعظمةِ أو تقبل هذه الفكرة، لأن بذلك صار رئيسُ الملائكةِ شيطاناً. كلُّ من يريد أن يغلبَ بالكلامِ فبلا شكٍّ قد دلَّ على أن مخافةَ اللهِ ليست فيه ولا اتضاع، الذي يحبُّ اللهَ لا يهتم إلا ببُغض الشهواتِ النجسة وعمل الصلاح وتعب الجسد بمعرفةٍ، أما الغفلةُ والتواني فهما يولِّدان فينا أوجاعَ الجسدِ النجسة. من يُغلب من لسانِه فهو ما زال عبداً. أما من غَلب لسانَه فقد صار حراً. قلةُ الرحمةِ تُعبِّر عن أننا لا نحبُّ اللهَ. كثرةُ المناصبةِ أي الوقوف في وجه الغير المقرون بالشتائم والانتقادات والكلام اللاذع، تدلُّ على أننا أشرار. البركةُ تلدُ البركةَ. والصلاحُ يلدُ الصلاحَ. فأما الغضبُ فمن قساوة النفسِ. كثرةُ النومِ فيها خسارةُ العقلِ، وجفافُ العينين، وتغلُّظ القلب. الرقادُ بمعرفةٍ في السكوتِ أفضلُ من الكلامِ الباطلِ مع السهرِ».

وقال أيضاً: من لازم النوحَ فهو يهربُ من كلِّ الشرورِ ومن كلِّ سجسٍ. من كفَّ عن شرِ الناس فذاك بالحقيقة قد انطبع فيه اتضاعُ سيدنا يسوع المسيح وأخزى الشيطان. من يُحبُ مدحَ الناسِ فهو شقيٌ وقد شملته الظلمةُ. ضبطُ البطنِ يُذهب الأوجاعَ، أعني الشهوات الرديئة. أما شهوةُ الأطعمةِ فتجلبها. من يحبُّ اللهَ فذاك قد تغرَّب عنه شيطانُ التهاون. ومن تحاشى الحديثَ الرديء الربُّ يحفظه من السقطات. أما كثرةُ الحديث فمنها تأتي الرعونةُ والملل. من قطع هواه من أجلِ أخيه لمرضاة الله فقد أنبأ عن نفسِه أنه قد اقتنى الفضائل. أما الذي يُرضي هواه فقد أظهر أنه غيرُ خائفٍ من الله. من لازم مخافة الله فذاك قد اقتنى حكمةً سمائية. وأما من ليس فيه مخافةُ الله فقد عَدِمَ كلَّ خيرٍ. محبةُ المالِ تضايق العقلَ. من أحبَّ كلامَ العالمِ فقد أقفرت نفسُه من كلِّ صلاحٍ. من كتم خطاياه عن صاحبِ سرِّه فقد دلَّ على تعاظمه، وقد تملَّك عليه عدوه. أما الذي يُفشي أفكارَه فيستريح. بدءُ الصلاحِ هو المحبة والاتضاع والمسكنة، وعدم الدالة، أما خرابُ النفسِ فهو حبُّ البطنِ. الخلطة مع العلمانيين تمنع التوبةَ وتبرِّد الحرارة. والفرار منهم ينشِّط إلى العمل الروحاني. محبةُ أمورِ العالم تجعل النفسَ تُظلم. الكسلُ يجلبُ علينا الأعداءَ. لا تقبل أفكارَ السوءِ وتجلس تتحدث عنها لئلا تكون جالساً تحادث الشيطان مشافهةً. لأن الأفكارَ الرديئة من فمِه تخرجُ، فافطن له ونبِّه عقلَك مقابله وتقوَّ عليه باسم ربنا يسوع المسيح. ولا تكن متكِلاً على قوتِك وصلاحك. بل كن طالباً العونَ والرحمةَ من المسيح لكي ما يفرح بك وينيحك. احذر لئلا تكون بينك وبين الناسِ معاملةٌ ما دمتَ في التوبةِ فإن الخلطةَ تشغلك عن الروحانية. احتفظ بقلبك وعينيك فلن يصيبك بأسٌ في جميعِ أيامِ حياتك. كلُّ من نظر في وجه أخيه بلذةٍ شيطانية فقد فسق. لا تقبل أن تسمعَ ضعفات أخيك أو تلومه، وإلا فأنت هالكٌ. اعمل لكي ما تعطي المساكين من عرقِ جبينك لأن البطالةَ موتٌ وهلاكٌ، واحرس قلبك قبل كلِّ شيءٍ كي يكون لك عملٌ روحاني في كلِّ رهبنتك. لا تعمل عملاً في توبتك بدونِ مشورةٍ، فتعبُر أيامك بنياحٍ.

 

 

 

 

 

 

هذا مضى إلى شيخٍ تبايسي كان مقيماً في البريةِ فتتلمذ له، وحدث أن معلِّمَه دفع إليه غُصناً يابساً وأمره أن يغرسَه ويسقيه كلَّ يومٍ بجرةِ ماء، وكان الماءُ بعيداً عنهما، فكان يمضي في العشيةِ ويجيءُ في الغدِ. وبعد ثلاث سنين اخضرَّ الغصنُ وأعطى ثمرةً. فجاء بها إلى الشيخِ، فأخذها الشيخُ وجاء بها إلى الكنيسةِ وقال للإخوةِ: «خذوا كلوا من ثمرةِ الطاعةِ».

وحدث مرَّة أن قال لأخيه الأكبر: «إني أودُّ أن أكونَ بغيرِ همٍّ مثل الملائكة، لأنه لا اهتمام لهم ولا شيئاً يعملونه سوى أنهم يتعبدون للهِ دائماً». وإنه نزع ثوبَه وخرج عارياً إلى البريةِ. فأقام أسبوعاً ثم عاد إلى أخيه، فلما قرع البابَ عرفه أخوه، فَقبْلَ أن يفتحَ له البابَ قال له: «من أنت»؟ فقال:« أنا يوحنا أخوك». فجاوبه: «إن يوحنا أخي قد صار ملاكاً وليس هو من الناسِ الآن». فردَّ عليه قائلاً: «أنا هو أخوك». فلم يفتح له البابَ وتركه إلى الغدِ، حيث فتح له وقال: «اعلم الآن أنك إنسانٌ محتاجٌ إلى عملٍ وغذاءٍ لجسدِك»، فصنع له مطانية واستغفر منه.

قال الأب يوحنا القصير: «إذا أراد ملكٌ أن يأخذَ مدينةَ الأعداءِ فقبل كلَّ شيءٍ يقطعُ عنها الشرابَ والطعامَ، وبذلك يُذلُّون فيخضعون. هكذا أوجاعُ الجسدِ، إذا ضيَّق الإنسانُ على نفسِه بالجوع والعطش إزاءها فإنها تضعف وتذلَّل له».

وقال أيضاً: «من امتلأ بالطعامِ وتحدث مع صبيٍ فقد زنى معه بفكرِه».

وقال أيضاً: «إني كنتُ ماضياً مرةً في طريقِ الإسقيط ومعي القففُ محمولةً على جملٍ، وفجأة أبصرتُ الجمّال وقد تحرك فيه الغضبُ، فتركتُ كلَّ ما كان لي وهربتُ».

ومرة أخرى كان في الحصادِ فأبصر أخاً قد غضب على آخر، فهرب وترك الحصادَ.

وجاء مرة إلى الكنيسةِ فسمع مجادلةً في الكلامِ بين الإخوةِ، فرجع إلى قلايتهِ ودار حولها ثلاثَ دوراتٍ ثم عاد ودخل فيها. فسألوه لماذا فعلتَ ذلك؟ فقال: «إن صوتَ المجادلةِ كان لا يزالُ في أذني، فقلتُ: أخرجه من أذني قبل أن أدخل قلايتي، كي يكون عقلي داخل القلايةِ نقياً».

وقال أيضاً: «إن عقلَ الإنسانِ آنيةٌ للهِ وله الاستطاعة أن ينظِّفه كي يمكنه أن يجلس في القلايةِ. أما إن جعله الإنسانُ وعاءً لحديثِ العالم فلن يستطيعَ أن يجلسَ في القلاية».

وحدث مرة أن كان جالساً مع الإخوةِ قدام نرثكس الكنيسة (أي قدام مدخلها)، وكان كلُّ واحدٍ منهم يكشف له أفكارَه، فنظره أحدُ الشيوخِ وامتلأ حسداً عليه، فقال: «يا يوحنا، إنك ممتلئٌ سحراً»، فقال: «الأمرُ هكذا كما تقول يا أبتاه، ولكنك بنيتَ حُكمَك هذا على ما نظرته في الظاهر، فما عساك كنتَ تقول لو علمتَ بالخفاءِ».

ومرة كان جالساً في الإسقيط وقد أحدق به الإخوةُ يكشفون له أفكارَهم. فلما رآه أحدُ الشيوخِ قال له: «يا يوحنا، لقد زيَّنتَ ذاتَك كالزانيةِ التي تُكثر من عشاقِها». فصنع له مطانية قائلاً: «حقا قلتَ يا أبتاه». وبعد ذلك سأله الإخوةُ إن كان قد اضطرب من داخل، فقال: «ما اضطربتُ البتة، لكن كما كان خارجي كذلك كان باطني».

ومرة سألوه :«ما هو عملُ الراهبِ»؟ فقال: «تعبُ الجسدِ وضيقُ البطنِ وغَلَبةُ الإرادةِ».

ومرة كان الإخوةُ جلوساً يأكلون في أغابي، فضحك أحدهُم على المائدةِ، فنظر إليه وبكى قائلاً: «تُرى ماذا خطر ببالِ هذا الأخ حتى أنه ضحك هكذا، مع أنه كان يجب عليه البكاءَ، لأنه يـأكل طعامَ الصدقةِ».

ومرة أخرى جاء إليه إخوةٌ ليجرِّبوه لأنه ما كان يسمح لفكرِه بحديثٍ بشري، ولا كان يتلفَّظ بشيءٍ من أمور العالم. فقالوا له: «الشكر لله يا أبانا، إن هذه السنة أمطرت أمطاراً كثيرة، وقد شرب النخلُ ورُوي وها هو يُخرج السعفَ ليجدَ الإخوةُ حاجتهم منه لعمل أيديهم». أما هو فقال لهم: «إن نعمةَ الروحِ القدس إذا ما حلَّت في عقلِ إنسانٍ أَرْوَتهُ وجدَّدته ليُخرج أثماراً تصلحُ لعملِ الله».

وقال أيضاً: «أنا أشبه إنساناً جالساً تحت شجرةٍ عظيمةٍ وهو ينظرُ إلى الوحوشِ والذئاب وهي مقبلةٌ نحوه، فإذا لم يستطع ملاقاتها هرب صاعداً فوق الشجرةِ فينجو منها. هكذا أنا جالسٌ في قلايتي أبصر الأفكارَ الخبيثة تأتي إليَّ، فإذا لم أستطع صدَّها هربتُ إلى الله بالصلاةِ ونجوتُ».

وقال أيضاً: إن أحدَ الرهبانِ رأى بالنظرِ المعقول ثلاثة رهبان وقوفاً على شاطئ البحر، فجاءهم صوتٌ من الشاطئ الآخر قائلاً: «خذوا لكم أجنحةً من نارٍ وتعالوا إلينا». فاثنان منهم أخذوا أجنحةً نارية وطارا بها إلى الجانب الآخر، أما الثالث فصار يبكي ويصرخ نائحاً، وفي آخر الوقت أُعطي أجنحة لكنها عديمة القوة، وبصعوبةٍ كان يطير ثم يعود فيسقط، فينهض ثم يعود فيغرق، وهكذا حتى وصل إلى الجانب الآخر بعد تعبٍ عظيم. هكذا يكون عملُ هذا الجيلِ، فإن كان قد أخذ أجنحةً ولكن نارَ الروحِ ليست فيها، وبذلك تجدها قد عدمت قوة روح الله.

وقال أيضاً: ثلاثةُ فلاسفةٍ كانوا متآخين، فمات أحدُهم وترك ابناً صغيراً، وكان قد أوصى به إلى أحدِهم، فلما شبَّ الغلامُ أراد أن يعلِّمه الفلسفةَ، فأمره أن يمضي إلى ديرِ رهبانٍ ويحتملَ الإهانةَ لمدة ثلاث سنين. ففعل هذا، ثم جاء إليه فلم يقبله، وقال له: «إنك ما تأدبتَ بعد، ولكن امضِ وأقِم ثلاث سنين أخرى، وأعطِ أُجرةً لمن يشتمك»، ففعل ذلك. ولما عاد إليه أرسله بكتابٍ إلى صديقٍ له في أثينا في مجلسِ الحكماءِ، وكان هناك شيخٌ حكيمٌ جالسٌ على البابِ يشتِمُ كلَّ من يدخل. فلما دخل الشابُّ، شتمَه، فضحِكَ منه. فقال له الفيلسوف: «ها أنا ذا أشتِمُك وأنت تضحك»؟ فقال له الشابُّ: «أما تريدني أن أُسَرُّ وأنا لي اليومَ ثلاثَ سنين أُعطي أُجرةً لمن يشتمني، والآن وجدتُ من يشتمني مجاناً فلذلك ضحكتُ». فقال له الشيخُ: «هلم اصعد إلى مجلسِ الفلاسفةِ». ثم قال القديسُ: «إن هذا هو بابُ مدينةِ الله، وآباؤنا باحتمالهم الشتائم والهوان دخلوا فيه مسرورين».

ومرة كان الأب يوحنا صاعداً من الإسقيط مع إخوةٍ فضلَّ مرشدُهم عن الطريقِ لأنه كان ليلاً، فقال الإخوةُ لأنبا يوحنا: «ماذا نصنعُ لأن الأخ قد ضلَّ الطريق»؟ فقال لهم: «إن قلنا له شيئاً حزن واستحى، فالأفضل هو أن أتظاهر بأني مريضٌ وأقول: إني لن أستطيعَ المشي لأني في شدةٍ، وبذلك نجلس إلى الغدِ». فلما أعلن لهم رأيه هذا وافقوا وقالوا: «ونحن أيضاً نجلس معك»، وفعلاً جلسوا إلى الغدِ ولم يُحزنوا الأخَ المرشد.

ومرة قال للإخوة: «من باع يوسف»؟ فقالوا له: «إخوته». فقال: «ليس إخوته ولكن اتضاعه هو الذي باعه. لأنه كان قادراً أن يقولَ للذي اشتراه إنه أخوهم، لكنه سكت وباتضاعهِ بيع، وبذلك الاتضاع صار مدبِّرَ مَلِك مصر».

وقال أيضاً: «إن الأسدَ شجاعٌ مهاب، ولكنه من أجلِ شهوتهِ ورغبتهِ يقعُ في الفخِ، فتبطل قوَّتُه ويصير هزءاً للناس، كذلك الراهب إذا فقد قانونَه وتَبعَ شهوتَه أهلك وقارَه وصار هزءاً لكل أحدٍ».

وقيل عنه: «إنه ضفَّر في بعضِ الأوقات ضفيرةً تصلح لعمل زنبيلين، لكنه خاطها زنبيلاً واحداً ولم يعلم إلا عندما وصل إلى آخرِ الضفيرة، وذلك لأن فكرَه كان مشغولاً بالمناظر الإلهية».

ومرة جاء إليه بعضُ الإخوةِ ليأخذوا منه قُففاً فقرع أحدُهم، فخرج إليه وقال له: «ماذا تطلب أيها الأخ»؟ فأجابه: «قففاً». فتركه ودخل وجلس يُخيِّط. فقرع أخٌ آخر، فخرج إليه وقال: «ماذا تريدُ أيها الأخ»؟ فقال له: «هات لي قفةً يا أبتاه». فدخل وجلس يُخيِّط أيضاً. ثم إن الأخَ قرع مرة أخرى فخرج إليه وقال: «ماذا تريد يا أخي»؟ فقال: «القفف، أيها الأب». فأمسكه بيدِه وأدخله إلى القلايةِ وقال: «إن كنتَ تريد قفةً فخذ ما تريده منها واخرج، فإني لستُ متفرغاً لك في هذه الساعةِ».

ومرة جاءه جمَّال ليحمل أوعيته. فلما دخل ليُحضر له الضفائرَ نسيها لأنه كان مشغولاً بالتأملِ في المناظر المعقولة الإلهية. وإن الجمَّال قرع البابَ فخرج إليه ونسي مرة أخرى. فقرع الجمّالُ البابَ مرة ثالثة، فخرج إليه ثم دخل وهو يقول: «الضفائر للجمّال الضفائر للجمّال».

وقال أيضاً: «يجب على الراهب كلَّ يومٍ إذا قام بالغداةِ أن يتخذَ لنفسهِ وصيةً إلهية، وأن يقتني طولَ روحٍ واحتفاظاً من القلبِ وصلاةً دائمة مع طهارةِ لسان، وأن يجعل نفسَه تحت كلِّ الخليقةِ بالابتعاد عن الهيوليات».

وقال أيضاً: «يجب قبل كلِّ شيءٍ أن نقوِّم التواضع لأن هذه الوصيةَ هي الأولى، التي قال ربنا عنها: طوبى للمساكين بالروح فإن لهم ملكوت السماوات».

وقال أيضاً: ليكن كلُّ أحدٍ كبيراً في عينيك ولا تهِن الذين هم أقل منك معرفة، ولا تطلب كرامةً من أحدٍ، لكن اتضع لكلِّ الناسِ ولا تغضب من الذي يتعظَّم عليك لأنه قليل المعرفة، لأن من قلةِ المعرفةِ يتعظَّم الأخُ على أخيه. كن هادئاً ليناً، ولا تردّ الجواب على أمرٍ تُؤمر بأدائه، بل كن مطيعاً في كل شيءٍ لكي ما تُحَب من كثيرين. كن مبغضاً للعالمِ كي ما تكون مختاراً لله. كن صغيراً بين الناسِ لكي ما تكون فاضلاً عند ربك. كن منبسطاً كي تحلُّ عليك نعمةُ الله. كن مثل ابن بين إخوتك كي تكون محبوباً عند كلِّ الناسِ. لا يكن بين عينيك شيءٌ مشتهى لكي ما تبصرَ الله. كن حزيناً على الذين هلكوا. كن رحيماً على الذين طغوا. كن متألماً مع المتألمين، مصلِّياً من أجل المخطئين. لتكن عند نفسِك دونَ الكلِّ. كن ساكناً بين إخوتك كمثل ميتٍ عادمٍ من كلِّ غضب. لأنه من الغضبِ تأتي الخطيةُ.

اختَر السهرَ أفضلَ من الأعمالِ وذلك مع الصوم. لأن السهرَ يُضيء العقلَ ويقلل الأحلامَ. والصومُ يُذلُّ الجسدَ وهو معينٌ أكثر من كلِّ الأعمال. اهتم بقراءة الكتب لكي تعلم كيف تكون مع الله. لا تختَر أن تكون مُتعَب الجسدِ فقط وفكرُك في الباطل. لأن هذا ليس وحده المطلوب منك، ولكن امزج تدبيرك بقدرٍ، ساعةَ قراءةٍ وساعةَ صلاةٍ وساعةَ عملٍ. لكي تضيء من القراءة في صلاتك. ليس القيام الظاهري فقط هو الذي يريدُه الربُّ، ولكنه يريد الفكرَ الحكيم الذي يعرف كيف يدنو إلى الكمال. كن عبداً وحراً، عبداً مملوكاً لإرادة سيدِه، وحراً غيرَ متعبدٍ لشيءٍ من المجدِ الباطلِ، حتى ولا لوجعٍ من الأوجاع. حلَّ نفسَك من رباطِ العبودية، ولازم العتق الذي عتقك به المسيح. واقتنِ حريةَ العالمِ الجديد. لا تبتكر لنفسِك نواميسَ لئلا تكون متعبداً لنواميسك. ولكن كن حراً تصنع ما تريد. ولا تستبد بأمرٍ لأنك مخلوقٌ كائنٌ تحت التغيير. إن لم تكن حراً لا تستطيع أن تعمل من أجلِ المسيح. كن عاقلاً في تدبيرِك.

إذا مشيْتَ لا تدع عقلَك يدور، ولكن ليكن متجمعاً قدامك. كن طاهراً مترتباً في لبسك. ليكن نظرُك مُطرَقاً إلى أسفل، وفكرُك فوق عند ربك. لا تملأ عينيك من وجهِ إنسانٍ، ولكن بتهيبٍ وخوفٍ تبسط نظرَك. كن شبه عذراء ذكية، واحفظ نفسَك للمسيح. كن محباً لكلِّ أحدٍ وابتعد عن كلِّ أحدٍ. اعلم أنك راهبٌ ولا ينبغي لك أن ترتبط بشيءٍ ما. أحب بفكرك حباً فاضلاً ذاك الذي يكلمك بكلامٍ نافع. ولا تحزن من الذي يبكتك بالحساب لئلا تكون عدواً لكلمةِ الله. لتكن نفسُك متيقظةً لخدمةِ الله وليكن عقلُك متجمعاً عند ربك. ليس لك أن تفحصَ عن كلِّ الأمورِ، لأنك لم تصر مدبراً أو رئيساً، ولكنك مأمورٌ وليس لك سلطانٌ حتى ولا على نفسِك. لا تغَر من الذين ينظرون إلى أصحابهم لئلا يضطرب عقلك بالعبودية، وتكون خدمتُك بلا منفعةٍ. لا تطلب حاجتك في كلِّ أمرٍ لأنك لست لهذه التلمذةِ تتلمذتَ، أن تكون حاجتُك مهيأةً في كلِّ أمرٍ.

داوم على قراءة كتب الأنبياء لأنك فيها تعلَم عظمةَ الله وأفعاله وعدله وقوته. وادرس كتبَ المبشرين بالجديدة لأنك منها تعلَم رحمةَ المسيح وخيريته ونعمته، واذكر في كلِّ لحظةٍ أوجاعَ الشهداء لتقتني شجاعةَ النفسِ. ولا تشته الأصواتَ مثل الأحداث، واحذر من الشهوات التي يحبها هواك. الزم القراءةَ أفضلَ من كلِّ عملٍ لأنه ربما دار العقلُ في الصلاةِ أما القراءة فإنها تجمعه. مثل التاجر الذي يطلبُ الأرباحَ كذلك حاسب نفسَك كلَّ يومٍ وانظر ربحَك وخسارتك في كلِّ عشية، واجمع عقلَك وتأمل ما الذي عملته في نهارك وانظر إلى صنيع الله ربك، وافهم بماذا أنعم عليك في يومك: بإشراق الضوء، بطيب النهار، بتقويم الأزمنة، ببهاء الجبال، بحسن الألوان، بزينة الخليقة، بحركة الشمس، وبزينة قامتك وبهبوب الرياح وبحسن الأثمار، وبحفظه إياك من الأخطار مع بقية إنعاماته. فإذا تفكَّرت في هذه الأمور كلِّها يملأ قلبَك العَجب من عظم حبِّ الله لك، ويأخذك العَجب إلى أن تشكر الله بحرارةٍ على ما أنعم به عليك. لذلك وجب عليك أن تفتش لعلك فعلت شيئاً يَدُلُّ على إنكارك لهذه النعم، وقل فيما بينك وبين نفسك: «لعلي فعلتُ في هذا اليوم أمراً يغضب الله، لعلي فعلتُ شيئاً يخالف مشيئة خالقي»، فإن شعرتَ في نفسِك أنك فعلتَ شيئاً يخالفه، قم في الحال بالصلاة واشكر الله أولاً على النعم التي قبلتها منه في يومِك هذا، ثم تضرَّع من أجلِ غفرانِ ما أخطأتَ به وهكذا تنام بخوفٍ ورعدة. من المعلوم أننا إذا أغضبنا من هو أعظم منا، فإننا نبيتُ في خوفٍ ورعدة، ولكن مع الأسف فهوذا نحن نُغضبُ اللهَ وننامُ بلا مخافةٍ.

إذا قمتَ للصلاةِ قدام الله احرص أن تجمع عقلَك طارحاً عنك الأفكار المقلقة. ضع نُصبَ عينيك كرامة الله ونقِ حركاتك من الميول الشريرة. فإن شعرتَ بحرارةِ النعمة تقدَّم ولا تضعف، فإذا أبصر الله صبرَك فإنه بسرعة يسكب فيك نعمتَه ويتقوى عقلُك وينشط للعمل بواسطة السخونة (حرارة النعمة) فتضيء أفكار نفسك ويسمو بك الشعور إلى تمجيد عظمة الله كلِّ حين. ولن يكون لك ذلك إلا بطلباتٍ كثيرةٍ وفكرٍ نقي، كما أنه لا يليق أن يوضع البخورُ الطيب في إناء منتن، كذلك الله لا يُظهر عظمته في فكرٍ رديء.

إذا قمتَ في صلاتك قدام الله فأولُ شيءٍ قل: «قدوس قدوس قدوس الله القوي، السماء والأرض مملوءة من تسابيحك». وبعد ذلك قل: «اللهم أهلنا بنعمتِك لذلك الشرف الذي أعددتَه في العالم الجديد ولا يديننا عدلُك في مجيئك العظيم. اللهم أهلني لمعرفتك الحقانية والخلطة بحبك التام». وحينئذ اختم صلاتك بالصلاةِ التي علَّمها الله لتلاميذهِ دائماً واتلُها دائماً بتأملٍ. الذي يظن في نفسه أن حياته في هذه الدنيا إنما هي يومه الذي هو فيه فإنه يكاد لا يخطئ.

وقال أيضاً: «ابتداء التدبير الجيد هو أن يبتعدَ الإنسانُ من أحبائهِ ومعارفهِ وأقاربهِ بالجسد، ثم يتمسكن بالتخلي عن كلِّ شيءٍ يُشغلُ العقلَ، لا عن المقتنيات فقط بل وعن النظر والسمع والكلام كنحو قوتهِ. لأن الحواس هي رباطات الإنسان الباطن وبها حياته، لذلك كان السكوتُ أفضلَ من جميعِ الأعمال، لأن بدوامه تهدأ الأفكارُ وتموت المشيئةُ وينقطع تذكارُ الأمور الباطلة وحركةُ الأوجاع القاتلة الجسمانية منها والنفسانية. فالجسمانية هي: لذة الفم، شره البطن، شهوة الطبع، تنزه الحواس، الاسترخاء، النوم، الزنى. أما النفسانية فهي: الجهل، النسيان، البلادة، قلة الأمانة، الحسد، الشر، السبح الباطل، العجب، الكبرياء، قلة القناعة.

هدوءُ الجسدِ هو حبسهُ عن الدوران، وهدوءُ النفسِ هو الابتعادُ عن الجهلةِ ومن النظرِ للوجوه. فإن الجهلةَ يُشغلوننا بباطلِهم ويجروننا إلى عوائدِهم ويسخروننا لنواميسِهم، لأنهم يرونها حسنةً ولكنها تقطعنا عن حياتنا. لذلك ليس شيءٌ أفضل من التباعد والسكوت لأن بدونها لا يقدر الإنسانُ أن يعرفَ نفسَه. أما عملُ السكوتِ فهو: الصوم، السهر، الهذيذ الصالح، إتعاب الجسد بقانونٍ حكيم، في المقدار والترتيب، وبدوام ذلك يجتمع العقلُ إلى نفسِه ويرجع عن الدوران فيما هو خارج عنه. وبعد قليلٍ يبتدئُ في أن يصحو لنفسِه ويتصوَّر حُسنه ويشرق عليه ضوءُ الرب، وينظر الإلهَ خالقَه، ويعرف اللهَ رازقَه، ويفرح بولادتهِ ويعود من سبيه، ويحيا من موتِه ويستريح من الأوجاع، ويُعتق من الظلمةِ ويخلص من عدوه الشرير. لا بدَّ للإنسان من الإيمان الخاص الحقيقي، فالإيمانُ العام هو لكلِّ الناس، ومن نعمةِ ربنا علينا وَلَدَنا، فأما الإيمانُ الخاص الذي يقرِّبنا من الله فهو أن نسألَ ونطلبَ منه العظائمَ، التي لا يمكن للآخرين أن يصدِّقوا إمكانية وجودِها، وأن نعتصمَ به ونتقوى ولا نخاف من شيءٍ، ونتيقَّن أن الذي نتقوى به هو أقوى من كلِّ شيءٍ. والثبات في الجهاد والصبر على البلايا هو أيضاً أفضلُ من كلِّ الأمور. وكلما استمر السكوتُ ضعُفت الأوجاعُ، وكلما ضعُفت الأوجاعُ قوي العقلُ قليلاً قليلاً، إلى أن يصحَّ ويستريح، وحينئذ لا يذكر الإنسانُ أوجاعَه وأحزانَه السالفة، وذلك كما قال ربنا عن المرأة التي تلد. وإذا عُتِقَ الإنسانُ من الأوجاعِ الشريرة التي كان يعانيها دائماً فقد عُتِقَ من الأحزان والآلام والأمراض العارضة كلِّها تلك التي يؤدَّب بها الخطاةُ. وبدوامِ السكوت يُعتق من الأوجاع الذميمة. أما الذين يُعيقوننا من معرفةِ الله ويبعدوننا عن عملِ الفضيلةِ فإنهم لا يُلامون، لأنهم لا يعرفون، وأما نحن فإذ قد عرفنا رِبحَنَا وخسارتنا، فينبغي لنا أن نبتعدَ عنهم ونسكت لكي تحيا نفوسُنا.

وهو ذا شيءٌ آخر رديءٌ جداً يُفسد علينا النقاوةَ بالكليةِ وهو حبُّ الرئاسةِ والكرامة والمدح من الناس، فإن كلَّ هذه أوجاعٌ عظيمةٌ ورجاءٌ كاذب وقليلون هم الذين يتخلَّصون منها بالسكوت، لأنها أشرُّ من اللذَّات وشره البطن. فأما حبُّ الرئاسة والكرامة الحاضرة والسبح الباطل والارتباط به فإنه من العسير الانحلال منها، لأن هذه أوجاعٌ تلبس الإنسان بلا نهاية، فلا نطلب نحن رئاسةً في هذا العالم الزائل المظلم الأرضي، فإن رئاستنا نحن وكرامتنا في العالم المضيء السمائي، وحبُّ المسيح ربنا وحده هو يخلصنا من هذه الأوجاع، آمين.

 

 

 

ان هذا القديس من أهلِ مصرَ من الآباء المشهورين بالفضلِ، وكان يُعرف بالسباني، لأنه في كلِّ زمانهِ لم يكن يلبس سوى سبانيةٍ، وهي عبارة عن ثوبٍ من كتانٍ سميك. وما كان يمتلكُ شيئاً البتة حتى ولا عصا ولا حذاء، سوى إنجيلٍ صغير، وكان في أموره يُفضِّل راحةَ قريبهِ على راحةِ نفسهِ، وكان كاملاً في العبادةِ، جيداً في القراءة، يتلو عن ظهرِ قلبٍ كلَّ كتبِ الله. وكان يجولُ في كلِّ البراري والمدن سعياً وراء اقتناءِ الفضائلِ وعملِ الصالحات، بحيث لا يبالي بشيءٍ من أمورِ الدنيا حتى ولا بجسمِه، ولذلك بلغ كافة الفضائل التي أصبحت لديه كأمورٍ طبيعية.

وقيل عنه إنه أراد مرةً الذهاب إلى رومية فأتى إلى البحرِ، وبتدبير الله وجد سفينةً تريد الذهاب إليها، فألقى بنفسِه فيها، ولم يكن معه وقتئذ لا خبز ولا دراهم ولا شيء البتة. فساروا خمسة أيام لم يأكل فيها ولم يشرب، ولا كلَّمه إنسانٌ، ولكنه كان جالساً صامتاً. فظن النواتية أن دوارَ البحرِ منعه عن الأكلِ، أما هو ففي الحقيقةِ لم يمنعه سوى العدم لأنه ما كان لديه شيءٌ البتة. فسألوه: «ما هو أمرك أيها الشيخ فإنك لا تأكل ولا تشرب ولا تتكلم»؟ فقال لهم: «ليس معي طعامٌ ولا دراهم ولذلك فإني صائمٌ، أما صمتي فهذه سُنَّة الرهبان، فإنهم يفضِّلون السكوتَ». فلم يصدقوا أقوالَه وفتشوه، ولما لم يجدوا معه شيئاً تضجروا وانتهروه قائلين: «من أين توافينا بالأجرةِ»؟ فقال لهم الشيخ: «ردُّوني من المكانِ الذي بدأتُ منه الركوب معكم ثم امضوا بعد ذلك بسلامٍ». فقالوا له: «أبعد أن سافرنا خمسةَ أيامٍ تريدنا أن نرجع إلى الوراء فتؤخرنا بذلك عشرة أيام دون أن نتقدم، كما أننا لا نعلم إن كانت الرياحُ توافقنا كما الآن أم لا، لأننا قطعنا مسافةً طويلةً لطيبِ الريحِ الذي لم نرَ مثلَه قط». ولم يعلم القومُ أن الله سهَّل طريقَهم من أجلِه. أما هو فقال لهم: «إن لم تردُّوني إلى مكانٍ فهأنذا بين أيديكم لأنه ليس لي ما أعطيكم». وحدث بعد ذلك أنهم تحننوا عليه ورحموه وأطعموه وأولوه جميلاً.

ولما وصلوا إلى رومية، أخذ يجولُ في المدينةِ سائلاً عن حبيسيها وصالحيها ليعرف سيرتهم وكيف حالهم في العبادةِ. فدلُّوه على راهبةٍ حبيسةٍ لها ذِكرٌ فاضلٌ وصلاحٌ طاهرٌ، فأحبَّ أن يعرف سيرتها في رهبانيتها، فذهب إليها. وكانت تلك الحبيسةُ كثيراً ما تُمسك نفسَها عن التكلم مع الناسِ، وكانت لها خادمةٌ عجوز. فقال الشيخُ: «كلِّمي الحبيسةَ أن تكلِّمَني واعلميها بأني حباً في المسيح جئتُ إليها». فقالت له العجوز: «إن الحبيسةَ ليس لها عادةٌ أن تكلم إنساناً، وأبت أن تخبرها. فمكث القديسُ ثلاثةَ أيامٍ وهو لا يفارقُ العجوزَ، فلم يأكل ولم يشرب. فلما شعرت به الحبيسةُ وأبصرت صبرَه رَحَمته، فأشرفت عليه وقالت: «ما الذي يبقيك ها هنا يا أبي وماذا تطلبُ»؟ قال لها: «أحيةٌ أنت أم ميتة». قالت: «أنا حيةٌ بالله وميتةٌ عن العالمِ». فقال لها: «أقائمةٌ أنت أم جالسة»؟ قالت له: «لا يا أبي، بل أنا سائرةٌ». قال لها: «إلى أين تسيرين»؟ قالت: «إلى السيد المسيح». فقال لها القديسُ: «أريدُ أن أتأكدَ صحةَ كلامِك. فإن فعلتِ ما أقولُه لك علمتُ أنك صادقةٌ، اخرجي من حبسِك وانزعي ثيابك وأنا أيضاً أنزع ثيابي ونمشي عراةً الواحد منا خلف الآخر وسط سوق المدينة». فقالت له: «يا أبي، إنَّ لي حتى اليوم خمساً وعشرين سنة وأنا في هذا الحبس، فكيف تطلب مني الآن أن أخرجَ منه وأفعلَ هذه الجهالة»؟ قال لها القديسُ: «ألست تزعمين بأنك قد مُتِّ عن العالم، فالميتُ من أي شيءٍ يرتبك؟ وإن الميتَ عن العالم لا يبالي بهزءِ الناس ولا بمديحهم. من مات عن الدنيا لا يبالي بما يصيبُ جسَده من أجلِ الرب، فحياؤك هذا يدلُّ على أنك لم تموتي بعد عن العالم كما قلتِ، وإنما أنت مخدوعةٌ ولم تنتصري بعد». فقالت له: «إني لم أصِلْ بعد إلى هذه المنزلة التي أخبرتني عنها». فقال لها القديس: «إياك بعد هذا اليوم أن تعتقدي بأنك غلبت الجسدَ ومتِّ عن العالمِ». فقالت له: «لو أننا أتينا هذا الفعلَ أما كانوا يتشككون فينا ويقولون: لولا أن هذين فاسدان لما فعلا ذلك»؟ قال لها القديسُ: «كلَّ ما تصنعينه في سبيلِ الله، لا تبالي بقولِ الناس إزاءه. إن الراهبَ إذا كان يغتمُّ من الشتيمةِ والهوان فقد دلَّ على أنه علمانيٌ لم يترهب بعد». فقالت له: «اغفر لي يا أبي فإني لم أصِل بعد إلى هذه الدرجةِ». فقال لها القديس: «اتضعي في فكرك وإياك والعظمة»، ثم انصرف.

وحدث مرةً أن عبر الأب سرابيون على قريةٍ من أعمالِ مصر، فنظر امرأةً زانيةً قائمةً على بابِ الماخور. فقال لها الشيخُ: «انتظريني عشيةً لأني عازمٌ على المجيءِ إليك لأقضي هذه الليلة بقربك». فأجابته: «حسناً يا راهب حسناً». وإنها استعدت وفرشت السرير. فلما كان المساء أتى إليها وقال: «هل أعددتِ المرقد حسناً»؟ فقالت: «نعم يا راهب». فلما أغلقت البابَ قال لها: «تمهلي قليلاً لأن لنا سُنةً لا بدّ أن أعملها أولاً»، وابتدأ من أول الابصالتس مرتلاً، وفي نهايةِ كلِّ مزمورٍ كان يقول: «يا ربُّ ارحم هذه الشقيةَ وردّها للتوبةِ لتخلص». فسمع الربُّ وخشَّع قلبها وكانت قائمةً إلى جانبهِ مرتعدةً، ولفزعِها سقطت على الأرضِ. فلما أكمل الشيخُ الابصالتس أجمع، أقامها. فعلمت أنه جاء ليخلِّص نفسها. فطلبت إليه قائلة: «اصنع محبةً يا أبي وأوجد لي موضعاً تضعني فيه لأرضي إلهي وأرشدني كيف أخلص». فأخذها الشيخُ إلى دير عذارى وسلَّمها للرئيسةِ وقال لها: «اقبلي هذه الأخت وافسحي لها المجالَ لتتدبر كما تشاء»، فقبلتها. ولما مكثت أياماً يسيرةً قالت: «أنا امرأةٌ خاطئةٌ والواجب عليَّ أن آكلَ في كلِّ يومين مرةً واحدةً». وبعد أيامٍ قلائل قالت: «إني فعلتُ خطايا كثيرة والواجب عليَّ أن آكل كلَّ أربعةِ أيامٍ مرةً». وبعد أيامٍ أخرى قالت: «إن خطاياي كثيرةٌ جداً فالواجب عليَّ أن آكل كلَّ أسبوعٍ مرةً». وبعد ذلك طلبت من الرئيسةِ فجعلتها في قلايةٍ صغيرةٍ وسدَّت بابَها عليها. وكانوا يناولونها طعامَها وشغلَ يديها من طاقةٍ. وهكذا أرضت اللهَ هناك بقية حياتها.

ومرةً سأله أخٌ قائلاً: «قل لي كلمةً». فقال الشيخُ: «وماذا تريدُ بسماعِ الكلمة وقد أخذت قوتَ الفقراء وتركته في هذه الكوةِ». وذلك لأنه أبصرها مملوءةً كتباً.

وحدث أن زاره أخٌ، فطلب منه الشيخُ أن يصليَ كما هي العادة، فاعتذر قائلاً: «إني خاطئٌ لا أستحق ولا لإسكيم الرهبنةِ». فأراد الشيخُ أن يغسلَ رجليه فأبى ولم يدعه واعتذر بمثلِ هذا الكلام وقال: «إني خاطئٌ ولستُ مستحقاً». ثم إن الشيخَ هيأ طعاماً، فلما جلسا يأكلان أخذ الشيخُ يعظه بمحبةٍ ويقول له: «يا ابني إن كنتَ تريد أن تنتفع فاجلس في قلايتك، واترك عنك الدوران، واجعل اهتمامك في نفسِك وفي عملِ يديك، فإنك لا تنتفع من الجولان مثلما تنتفع من الجلوس في قلايتك». فلما سمع الأخُ ذلك الكلام وهذه العظة، تململ وتغير وجهُه، حتى أن الشيخَ لاحظ ذلك في وجهِه. فقال له الشيخُ: «بينما أنت تقول إني خاطئٌ وتصف نفسَك أنك لستَ أهلاً أن تحيا في هذه الدنيا، فإذا بي لما عاتبتُك بمحبةٍ أراك قد تململتَ وتلون وجهُك حتى صرتَ مثل السبعِ. إن كنتَ بالحقيقةِ تريدُ أن تكونَ متضعاً فاحتمل ما يأتيك من الاغتمامِ من الآخرين، ولا تلُم نفسَك ملامةً باطلةً بالرياءِ وبالكلامِ الباطلِ». فلما سمع الأخُ هذا الكلام انتفع به وصنع مطانية قائلاً: «اغفر لي». ورجع إلى قلايته.

ومرةً مضى أنبا سرابيون إلى الإسكندرية فوجد هناك إنساناً مسكيناً عرياناً في السوق، فوقف يحدِّث نفسَه قائلاً: «كيف وأنا الذي يُقال عني إني راهبٌ صبور عمّال، أكون لابساً ثوباً، وهذا المسكين عريان، حقاً إن هذا هو المسيح والبردُ يؤلمه». وإنه وثب بقلبٍ شجاعٍ وتعرى من الثوبِ الذي كان يلبسه وأعطاه لذلك المسكين. ثم جلس عرياناً والإنجيل في يده. واتفق أن كان البرخس (أي المحتسب) مجتازاً. فلما أبصره عرياناً قال له: «يا أنبا سرابيون من عرّاك»؟ فأشار إلى الإنجيلِ وقال: «هذا هو الذي عرَّاني». فبعد أن كسوه قام من هناك، فوجد إنساناً عليه دين وهو مُعتقَل من صاحبِ الدين. وحيث لم يكن لديه شيءٌ يوفيه عنه، باعَ الإنجيلَ ودفع ثمنَه للدائنِ. ولما كان ماشياً قابله في الطريقِ إنسانٌ يستعطي، فأعطاه الثوبَ وجاء عرياناً. فدخل قلايته، فلما أبصره تلميذُه هكذا قال له: «يا معلم أين الثوب الذي كنتَ تلبسه»؟ أجابه قائلاً: «لقد قدمتُه يا ولدي قدامنا حيث نحتاجه». فقال له أيضاً: «وأين إنجيلُك يا أبتاه الذي كنا نتعزى به»؟ قال له: «يا ولدي لقد كان يقول لي كلَّ يومٍ: بع كلَّ ما لَكَ وأعطهِ للمساكين».

كان بمصر إنسانٌ وله ولدٌ مقعدٌ، فحمله إلى أنبا سرابيون وتركه عند باب قلايتهِ وابتعد عنه قليلاً مترقِّباً. فبكى الولدُ، فلما سمع الشيخُ صوتَ بكائِه خرج وقال له: «من جاء بك إلى ها هنا»؟ فقال له: «أبي». قال له: «وأين هو»؟ قال: «تركني ومضى». فقال له: «قم اجرِ والحق به». فقام وجرى ولحقه، فأخذه أبوه إلى منزلهِ وهو يمجدُ اللهَ.

وحدث أيضاً أن كان لإنسانٍ ولدٌ، ومات هذا الولد، فأخذه إلى الشيخِ ووضعه قدامه على وجهِه، وضرب مطانية وتراجع قليلاً، ولم يعرف الشيخُ أن الصبي ميتٌ، وظن أنه ساجدٌ له، وانتظر ليقوم فلم يقم. فقال له: «قم يا ولدي الربُّ يبارك عليك». فقام الصبي حياً، فأخذه أبوه وعاد إلى بيتهِ شاكراً لله ولقديسيه.

وحدث مرةً أن أتوا بإنسانٍ إلى الكنيسةِ وكان قد اعتراه جنونٌ (بروحٍ نجس) وصلُّوا عليه فلم يخرج لأنه كان صعباً. فقال الكهنةُ: «ما الذي نعمله بهذا الروح لأنه لا يستطيع أحدٌ منا أن يخرجه إلا الأنبا سرابيون. وإن نحن أعلمناه وسألناه، امتنع من المجيء إلى الكنيسة. فلنجعل هذا الرجلَ المعذَّب راقداً في الموضع الذي يقف فيه ليصلي، فعند دخوله نقول له يا أننا سرابيون أيقظ هذا الرجل الراقد في البيعةِ». ففعلوا كذلك. إذ أنه لما دخل الشيخ ووقفوا للصلاةِ، قالوا له: «أيها الشيخ: أيقِظ هذا الرجلَ الراقد». فقال له: «قم». وللوقت نهض معافى بكلمةِ الشيخ.

 

 

يل إنهم كانوا سبعةَ إخوةٍ من بطنٍ واحد. وصار الجميعُ رهباناً بالإسقيط. فلما جاء البربر وخرَّبوا الإسقيط في أولِ دفعةٍ، انتقلوا من هناك وأتوْا إلى موضعٍ آخر يُدعى ابرين. فمكثوا هناك في بربا للأصنامِ أياماً قلائل. وحينئذ قال أنبا أيوب لأنبا بيمين: «لنسكت جميعُنا كلٌّ من ناحيتهِ، ولا يكلم أحدنُا الآخرَ البتة وذلك لمدةِ أسبوعٍ». فأجابه أنبا بيمين: «لنصنع كما أمرتَ»، ففعلوا كلُّهم كذلك. وكان في ذلك البيت صنمٌ من حجرٍ، فكان أنبا أيوب يقومُ في الغداةِ ويردم وجهَ الصنمِ بالترابِ، وعند المساءِ يقول للصنم: «اغفر لي». وهكذا كان يفعل طول الأسبوع. فلما انقضى الأسبوعُ قال أنبا بيمين لأنبا أيوب: «لقد رأيتُك يا أخي خلال هذا الأسبوع تقوم بالغداةِ وتردم وجه الصنم، وعند المساءِ تقول له: اغفر لي. أهكذا يفعلُ الرهبانُ»؟ فأجاب أنبا أيوب: «لما رأيتموني وقد ردمتُ وجهَه، هل غضب»؟ قال: «لا». فقال: «ولما تُبْتُ إليه هل قال: لا أغفر لك»؟ قال: «لا». فقال أنبا أيوب لإخوته: «ها نحن سبعةُ إخوةٍ، إن أردتم أن يسكنَ بعضُنا مع بعضٍ فلنصِر مثلَ هذا الصنم الذي لا يبالي بمجدٍ أو هوان، وإن لم تؤثروا أن تكونوا هكذا فها هي أربع طرقٍ أمامكم، وليذهب كلُّ واحدٍ حيثما شاء». فأجابه إخوته: «نحن لله ولك، ونحن مطيعون لما تشاء». فاختاروا أحدَهم ليهتمَ بالمائدةِ، وكلُّ ما كان يقدمُه لهم كانوا يأكلونه، ولم يقل أيُّ واحدٍ منهم: «أحضر شيئاً آخر». ولا قال أحدُهم: «لا نريد هذا أو لسنا نشتهي ذاك». وكان أنبا يعقوب يدبِّرهم في أعمالِ أيديهم. أما أنبا بيمين فقد كان معلِّماً لهم في طريقِ الفضيلةِ، وهكذا اجتازوا أيامَهم بسلامٍ. بركة صلواتهم تكون معنا، آمين.

 

 

سؤال: «إني أطلبُ إليك أيها الأب أن تعطيني قانوناً أتدبَّر به في قراءةِ المزامير وفي الصوم وفي الصلاة، واخبرني إن كان ينبغي أن تكونَ الأيامُ مختلفةً متفاوتة».

الجواب: اترك يا ابني قوانينَ الناسِ واستمع لقولِ الربِّ: «إن الذي يصبر إلى التمام يخلص»، لأنه إن لم يكن للإنسانِ صبرٌ طويل فلا يدخل إلى الحياةِ، لأنه بأحزانٍ كثيرةٍ ندخل الملكوت، كقول الرسول. فلا تطلب أن تكون تحت قانونٍ، لأني لستُ أريدك أن تكون تحت ناموسٍ بل تحت النعمةِ، لأنه مكتوب: «إن الناموسَ لم يوضع للقديسين». تمسَّك بالإفرازِ وكمثل نوتي حكيم دبِّر سفينتَك مقابل الرياح، وبعد ذلك لا تبالِ، لأن الجسدَ إذا مرض لا يقبل الطعامَ كعادتهِ، وإذا كان الأمرُ هكذا فقد بَطُلَ القانونُ. أما عن الأيامِ فلتكن عندك كلّها متساويةً مقدسة، وكلُّ شيءٍ تفعلَه فليكن بفهمٍ، وجاهد لتقطع عنك الغضبَ، لأنه يحتاج إلى جهادٍ مع معونةِ اللهِ.

من قوله بخصوصِ طول الروح: احلب لبناً فسوف يصيرُ سمناً، فإذا ضغطتَ بيديك على الضِرعِ أخرج دماً. وأيضاً قال الرسول: «صرتُ مع الكلِّ مثلَ الكلِّ لأربحَ الكلَّ». هذه هي طريقُ المسيح لأنه بكلِّ وداعةٍ وسكونٍ جاء ليخلِّصَ الناسَ. فلا يقارع الإنسانُ فكرةَ قريبهِ. إذا لم يكن الإنسانُ جلداً صبوراً فلن يستطيعَ أن يكونَ مع الناسِ في هدوءٍ وسلام. اتعب لتقتني الصبرَ، لأنه مكتوبٌ هكذا بصبرِكم تقتنون أنفسَكم.

سؤال: «هل ينبغي لي أن أضعَ لنفسي حداً أن لا أخرجَ إلى موضعٍ»؟

الجواب: «لا تربط نفسَك تحت أمرٍ ما، حتى إن اضطررتَ للخروجِ بدونِ حزنٍ أو ارتباكِ أفكار، بل في كلِّ شيءٍ اقتنِ لك صبراً».

ومن قولهِ في الصبر: لماذا تصغُر نفسُك في الأحزانِ مثل إنسانٍ جَسَدَانيّ؟ ألم تعلم أن الأحزانَ موضوعةٌ للقديسين؟ ألم تسمع أنَّ كثيرةً هي أحزانُ الصديقين ومن جميعِها يخلِّصهم الربُّ؟ ألم تعلم أن الصديقَ يُمتحن بالأحزانِ كما يُمتحن الذهبُ بالنارِ؟ فإن كنا صديقين فبالأحزانِ نُختبر، وإن كنا خطاةً فبالأحزانِ نؤدَّب. لا تنم يا أخي لئلا يفاجئك الصوتُ القائل: «هو ذا الختنُ قد أقبل، اخرجن للقائهِ». فكيف تقولُ إنك مشغولٌ وهو قد صيَّرك بلا همٍّ. لن ينتظرك الزمانُ حتى تنوحَ على خطاياك، فإنك قد سمعتَ أنه سوف يُغلَق البابُ، فأسرع لئلا تبقى خارجاً مع الجاهلات. انتقل بفكرِك من هذا العالم البطال إلى العتيد. اترك الأرضيات واطلب السماويات. دع الباليات واتخذ الباقيات. مُت بالكمالِ لكي ما تحيا بالتمامِ بيسوعِ المسيح ربنا، الذي له المجد الدائم إلى الأبد، آمين.

سؤال: «كيف يمكنني أن أجيبَ أفكاري وليست لديَّ قوةٌ»؟

الجواب: لأنك تدين أخاك، لهذا تنقطع عنك قوةُ الروحِ القدس. فتعثُر بأخيك وأنت سببُ العثرةِ، إن كنتَ متأكداً أن الله حاضرٌ وناظرٌ لكلِّ شيءٍ، فلماذا تُبغض أخاك؟ أوضح للهِ أفكارَك، وقل إن الله يعرفُ ما فيه الخير، وبذلك تستريح، وشيئاً فشيئاً تأتيك قوةٌ تستطيع بها أن تحتملَ كلَّ ما يأتيك، كلُّ من لا يحتمل الشتيمةَ فلن يبصرَ المجدَ. وكلُّ من لا يترك الغضبَ فلن يتذوقَ الحلاوةَ. فاحرص بكلِّ قوَّتِك على أن تكونَ غريباً عن الغضبِ، ولتكن قدوةً ومثالاً لمنفعةِ الكلِّ ولا تدن أحداً كما لا تحكم على أحدٍ.

سؤال: «كيف يستطيع إنسانٌ خاطئٌ أن يبتغي الربَّ في كلِّ حينٍ»؟

الجواب: لقد طلبتُ من اللهِ أن يعرِّفني جوابَ سؤالك، فقال لي: «طهِّر قلبَك من كلِّ أفكارِ الإنسانِ العتيق وأنا أجيبُك إلى سؤال قلبك، لأن مواهبي إنما تكون في الأطهارِ ولهم تُعطى، وما دام قلبُك يتحرك بالغضبِ وبالحقدِ وبسائرِ الأوجاع العتيقة، فلن تدخلَ فيه الحكمةُ. إن كنتَ تشتهي أن تنال نعمتى ومواهبي فأخرِج رَحْلَ العدو (أي أمتعته وأدواته) وأبعده عنك، ومواهبي منها وبها تأتي إليك. ألم تسمع أن عبداً لا يقدرُ أن يخدمَ ربين؟ فإن كنتَ عبدي فلا تخدم الشيطان،َ وإن خدمته فلا تظن أنك خدمتني. فمن يشتاق إلى مواهبي فليقتفِ آثاري. لأني مثل الحمل الذي لا شرَّ فيه قبلتُ الأوجاعَ كلَّها ولم أكلِّم أحداً فيهم بشرٍّ. ومع أني أوصيتكم بأن تكونوا ودعاءَ مثل الحمام، إذ بي أجدكم وقد اتخذتم لأنفسكم قساوة الأوجاع. فانظروا لئلا أقول لكم: امضوا إلى سعيرِ نارِكم التي أضرمتموها». وعندما سمعتُ ذلك صرتُ أبكي ليتحنن عليَّ كصلاحِه، ولينجني من شرِّ الإنسان العتيق ويبلِّغني إلى الإنسانِ الجديد لكي ما أقبل كلَّ ما يأتي عليَّ بشكرٍ. فصلِّ من أجلي كي أهربَ من تزكيةِ نفسي.

عظة: إنسانٌ ساكتٌ يجبُ عليه ألا يحسبَ نفسَه شيئاً، بل عليه أن يلومها دائماً. إن زَلَقَ الجاهلُ في كلامِه فله عذرٌ من الكلِّ، لأنه سفيه لا يدري ما يتكلم به. ولكن إن زَلَقَ الحكيمُ فليس له عذرٌ، لأنه حكيمٌ وبمعرفةٍ يتكلم، وكذلك إذا أخطأ واحدٌ من العالميين كان له عذرٌ لأنه يخالط الكثيرين في العالم، فأما نحن الذين يُظن بنا أننا رهبانٌ أصحابُ سكوتٍ ومعلمون، فأي عذرٍ لنا. إن كنتَ تريد السلوك في طريق الله فليكن عندك الذين يضربونك مثل أولئك الذين يكرمونك، ومهينوك مثل مادحيك، والمفترون عليك مثل مباركيك، ومحزنوك مثل مفرِّحيك. وإن عرض للإخوةِ إما من نسيانٍ أو من سهوٍ فلم يعاملوك بما كان ينبغي أن يعاملوك به من الجميل، قل: «لو شاء اللهُ ذلك لكانوا قد فعلوه بي»، وإن هم أتوك فاقبلهم بسرورٍ وقل: «إني غيرُ مستحق»، ودع عنك تزكية نفسك، أما إن كنتَ تقول إنك حسناً قلتَ وحسناً فهمتَ، فلا حسناً قلتَ ولا حسناً فهمتَ.

وبخصوص الغَلَبةِ على الشيطانِ قال: «إن نحن اتضعنا فإن الربَّ يطرد عنا الشيطان، لذلك يجب علينا أن نلومَ أنفسَنا في كلِّ حينٍ وفي كلِّ أمرٍ لأن هذه هي الغَلَبة».

ومن أجلِ الثلاث فضائل الكبار قال: «قال الآباءُ إن  الفضائلَ الثلاث الآتية جليلةٌ جداً ومن يقتنيها يستطيع أن يسكنَ في وسطِ الناس وفي البراري وحيثما أراد، وهي: أن يلومَ الإنسانُ نفسَه، ويقطع هواه، ويسير تحت كلِّ الخليقةِ. فالمتضع كائنٌ في أسفل، والذي هو في أسفل فلن يقع، ومن ذلك يتبين أن المتعالي هو الذي يسقط بسرعةٍ».

سؤال: «كيف ينبغي لي أن أقضي يومي»؟

الجواب: اقرأ في المزامير قليلاً واحفظ قليلاً، وفتِّش أفكارَك قليلاً ولا تجعل ذاتَك تحت رباطِ قانون، ولكن اعمل بقدر ما قوَّاك الله على فعلِه، ولا تترك تلاوة المزامير والقراءة قليلاً قليلاً هكذا، وبذلك يمكنك أن تقضي يومَك بمرضاةِ الله، لأن آباءنا لم يكن لهم قوانين لساعاتٍ، بل كانوا يجتازون النهارَ كلَّه: في القراءةِ وقتاً، وفي تلاوة المزامير وقتاً، وفي تعلُّم حاجات طعامِهم وقتاً آخر، وهكذا.

سؤال: «كيف يمكن للإنسانِ أن يفتشَ أفكارَه لينجوَ من السوءِ»؟

الجواب: تفتيشُ الأفكار هو هكذا: إذا أتاك فكرٌ فانظر أيَّ شيءٍ يَلِد. ولكي أُقرِّب لك المعنى أسوقُ إليك مثلاً: إذا اتفق وشتمك إنسانٌ، وأتاك الفكرُ أن تردَّ عليه، قل لفكرِك إن أنا رددتُ عليه أحزنته وأعثرته، فلأصبر أنا قليلاً والأمر يجوز بسلام. كذلك إن كنتَ واجداً على إنسانٍ أو في داخلك فكرٌ بالشرِّ من ناحيةِ إنسانٍ، فقل ما يأتي: «إن الذي يفكر بالشرِّ يعاقبه الله». وللحال يكفُّ الفكرُ الرديء. وفي الوقتِ الذي يعرض لك فيه الفكرُ فتِّشه واقطعه عنك. أما بخصوصِ الشهوةِ فإنها تحتاج انتباهاً كثيراً. كما قال الآباء: «إن أنت وجدتَ عقلَك محارَباً في الزنى فجيء به إلى القدسية. وإن حورب في الحنجرةِ فجيء به إلى الإمساك. وإن حورب في البغضةِ فجيء به إلى المحبة. وبذلك تصبح على الدوام في يقظةٍ وحذرٍ ونجاةٍ».

سؤال: «قل لي يا أبي عن الصلاةِ الدائمة، ما هو حدُّها؟ وهل ينبغي لي أن آخذ قانوناً إزاءها»؟

الجواب: افرح بالربِّ يا أخي، افرح بالربِّ يا حبيبي، افرح بالربِّ أيها الوارث معي. إن الصلاةَ الدائمة تكون للذين قد كَمِلوا وبلغوا حدَّ انعدامِ الأوجاعِ عنهم. لأنهم إذا بلغوا ذلك عرفوها، لأن الروحَ يعرِّفهم كلَّ شيء. إذ يقول الرسول: «إننا لا نعرف كيف نصلي كما ينبغي، ولكن الروحَ يطلب من أجلِنا بتنهدٍ لا يُنطق به». وماذا ينفعك إن وصفت لك مدينة رومية وأنت لم تدخلها بعد؟ إن الإنسانَ الساكت خاصة يستمر وليس عليه قانون، ولكن كن مثلَ إنسانٍ يجوع ويأكل ما يلذُّ له، فإذا جاءتك شهوةُ القراءةِ وأحسستَ تخشعاً في قلبك فاقرأ ما أمكنك. كذلك في تلاوةِ المزامير افعل هكذا وتمسَّك بالشكرِ وقل: «يا إلهي ارحمني». تقوَّ ولا تفزع. لأن مواهب الله ليس فيها رجعة. اترك عنك من اليومِ الاهتمامَ، لأنك بعدم اهتمامك بشيء من الأشياء تصير قريباً من الله ومن مدينة القديسين. وإذا لم تحسب نفسَك شيئاً، صيَّرك ذلك أهلاً للسُكنى في مدينةِ الأبكار، وإذا متَّ عن كلِّ إنسانٍ، صيَّرك ذلك مُتحداً بالله. وكلّما أطفأتَ حرارةَ الغضبِ ساعد ذلك على دوامِ سلامتِك.

 

 

طلب منه أحدُ الإخوةِ أن يقولَ له كلمةً، فقال الشيخُ: «امضِ وتمثَّل في فكرِك دائماً فَعَلَةً الشرِّ الذين في السجون، فإنهم في كلِّ ساعةٍ يسألون عن الوالي وأين هو ومتى يجيء، ومتى يجلس للحكمِ؟ ومن شدةِ فزعهم يبكون. هكذا سبيلُ الراهبِ أن ينظرَ دائماً إلى نفسِه ويُبكِّتها قائلاً: ويحي، كيف أقفُ أمام منبر المسيح، وكيف أستطيع أن أجيبَه. فإن كان يتلو ذلك دائماً فإنه يستطيع أن يخلصَ».

وجاء عنه أنه مضى مرةً إلى القديس أنطونيوس فضلَّ الطريقَ، فصلَّى إلى اللهِ قائلاً: «أسألك يا ربي وإلهي أن لا تُهلك جُبلتَك»، فظهر له من السماءٍ شعاعٌ ممتدٌ وصار يرشده في الطريقِ حتى وقف على مغارةِ القديس أنطونيوس. فقال له أنطونيوس: «إنك تنجح بمخافةِ اللهِ». وأخرجه خارج القلاية وأراه صخرةً عظيمة وقال له: «اشتم هذه  الصخرة واضربها». فصنع كما أمره. فقال له أنطونيوس: «هل تكلمت الصخرةُ»؟ قال: «لا». فقال له: «إنك تستطيع أن تكونَ هكذا فتخلصَ».

ودفعةً أتاه أناسٌ يريدون أن يتحكَّموا بحكمتهِ، وكان الشيخُ يجعلُ نفسَه جاهلاً. فوافت امرأةٌ ونظرت إليه وقالت: «إن هذا الشيخَ موسوسٌ»، فلما سمعها قال لها: «أتعلمين مقدار التعب الذي كابدتُهُ في البريةِ حتى اقتنيتُ هذا الوسواسَ»؟ قالت: «لا». قال: «لقد تعبتُ خمسينَ سنةً لأجلِهِ، فهل أفقده من أجلِك في هذه الساعةِ»، وإذ قال ذلك تركها في القلايةِ وترك الأسقفيةَ ومضى.

وسُئل دفعةً: «ما هي الطريقُ الضيقةُ الكربة»؟ أجاب: «إن الطريقَ الضيقةَ الكربةَ هي هذه: أن يراقبَ الإنسانُ فكرَه ويقطع بوجهٍ خاص هواه، وهذا هو ما يُقصد بذلك القول: قد تركنا كلَّ شيء وتبعناك».

 

 

جاء عن هذا الأب القديس أنه جاء إليه ثلاثةُ شيوخٍ، وكان أحدُهم سيئ السيرةِ، فطلب الأول من الشيخ أن يصنع له شبكةً، فلم يُجبه إلى طلبهِ. وسأله الآخر أن يصنع محبةً ويجعل لنفسِه في ديرهم تذكاراً بشبكةٍ يصنعها لهم، فوعده عندما يتفرغ يعملها. ولما تقدَّم إليه الثالثُ ذو السمعةِ السيئة وطلب منه أن يصنعَ له شبكةً ليكون له شيءٌ من عملِ يديه، أجابه إلى طلبهِ في الحال. فسأله الاثنان الأولان في خَلوةٍ وقالا له: «كيف إننا لما طلبنا إليك نحن الاثنين لم تُجبنا إلى طلبنا، أما ذاك فأجبتَه لوقتهِ وقلتَ له نعم»؟ أجابهم الشيخُ: «لقد قلتُ لكما: لا، لأني عالمٌ أنكما لا تغتمَّان. ثم إني في الحقيقةِ لم أكن وقتئذ متفرِّغاً لذلك. أما ذاك فلو أني قلتُ له: لستُ متفرِّغاً لإجابةِ طلبك، لقال في نفسهِ: إن الشيخَ قد سمع بخطيئتي، ولأجل ذلك لم يُجبني إلى طلبي. فيحزن وينقطع رجاؤه. ففعلتُ معه هكذا كي لا يهلك في الحزنِ واليأسِ».

ودفعةً جاءه أحدُ الشيوخِ، فوجده قد طرحَ من فمِهِ دماً، فسأله: «ما هذا يا أبتاه»؟ فأجابه الشيخُ: «إن هذه كلمةُ أخٍ أحزنتني، فجاهدتُ وطلبتُ من اللهِ أن يرفعها عني، فصارت الكلمةُ دماً في فمي، فبصقتُ واسترحتُ منها ونسيتُ حزنَها».

وقال عنه أنبا أموناس: إنني مضيْتُ إليه أنا وأنبا سميوس، فسمعناه يردِّد هذا الكلام قائلاً: «لا تخف يا يعقوب من النزولِ إلى مصر». فلما كرَّر هذا القولَ مراراً كثيرة قرعنا البابَ ففتح لنا وقال: «من أين أنتما»؟ فخشينا أن نقولَ إننا من القلالي، فقلنا له: «إننا من جبل نتريا». فقال: «ماذا أصنعُ وقد جئتما من ناحيةٍ بعيدةٍ». فدخل بنا فوجدناه قد عمل في الليلِ ضفائرَ كثيرةً. فسألناه كلمةً، فأجابنا قائلاً: «إني منذ البارحةِ حتى هذه الساعة قد ضفَّرتُ عشرين باعاً. وصدِّقوني إني لستُ في احتياجٍ إلى كلِّ ذلك، ولكني أخافُ أن يقولَ لي الربُّ: لماذا لا تعمل ما دمتَ تقوى على العملِ؟ من أجلِ ذلك أتعبُ بكلِّ قوتي». فانتفعنا وانصرفنا.

 

 

 

زار أحدُ الإخوةِ الأب سلوانس في جبل سينا، فلما رأى الإخوةَ منكبِّين على العملِ، قال للشيخِ: «لا تعملوا للطعامِ البائد أيها الأب، لأن مريمَ اختارت لها الحظَّ الصالح». فقال الشيخُ لتلميذِه: «أعطِ الأخَ مصحفاً (أي إنجيلاً) وأدخله في قلايةٍ فارغةٍ». ففعل. فلما حانت ساعةُ الأكلِ بقي الأخُ منتظراً على البابِ مترقباً وصول من يسأله المجيء إلى المائدةِ. فلما لم يدعُهُ أحدٌ، نهض وجاء إلى الشيخِ وقال له: «أما أكل الإخوةُ اليوم يا أبانا»؟ فأجابه: «نعم». فقال له: «ولماذا لم تدعُني للأكلِ معهم»؟ فأجابه الشيخُ: «ذلك لأنك رجلٌ روحاني، لستَ في حاجةٍ إلى طعامٍ، وأما نحن فجسديون نحتاجُ إلى طعامٍ ولذلك نمارسُ الأعمالَ. أما أنت فقد اخترتَ النصيبَ الصالح، تقرأ النهارَ كلَّه، ولا تحتاج إلى أن تأكلَ طعاماً». فلما سمع الأخُ هذا الكلامِ خرَّ ساجداً وقال: «اغفر لي يا أبانا». فأجابه الشيخُ: «لا شكَّ أن مريمَ تحتاجُ إلى مرثا، لأن مريمَ بمرثا مُدحت».

وحدث في بعضِ الأوقاتِ أن سُئل الأب سلوانس: «أيَّ سبيلٍ سلكتَ حتى حصلتَ على هذه الحكمةِ»؟ فأجاب وقال: «إني ما تركتُ في قلبي قط فكراً يُغضبُ اللهَ».

سُئل أحدُ الشيوخِ: «أيُّ الوصايا يقتنيها الإنسانُ حتى يستطيعَ بواسطتها الخلاص»؟ أجاب وقال: «إنها أربعُ فضائل يلزم للإنسانِ اقتناؤها: الصوم، الطلبة إلى الله، العمل بيديه، عفة جسمه. فالشيطان يعمل ضد هذه الأربعة، فإنه أخرج آدم من الفردوس أولاً إذ خدعه بالمأكلِ، وأضلَّه ثانياً بالهربِ فلم يَدَعه يطلب من الله غفرانَ خطيئته، كذلك احتال عليه بواسطة البطالةِ لما طُرد من الفردوس، فرماه في كثرة الشبقِ والتهور باللَّذة، حتى صيَّره أسيراً بالكليةِ. فلِعلم السيد محبّ البشر بسوءِ أعمال المحتال، أعطى آدم عملاً يشتغلُ به حتى لا يتسلَّط عليه المحتال بواسطة البطالة والفراغ، قائلاً له: اعمل الأرضَ. لذلك يعمل الشيطان على إبطال الصوم لأن به يتذلل الجسدُ ويتلطف العقلُ ويستنير، كما يحرص على إبطال الصلاة لأن بها يدنو الإنسانُ من  الله، كما أنه يعمل كذلك على إبطال العمل لأن العمل يمنع شرورَ المحتالِ ويُعين على حفظِ العفةِ التي بها يتَّحدُ الإنسانُ بالله، فإذا أحكم الإنسانُ اقتناء وممارسة هذه الأربع فضائل، أمكنه بواسطتها الحصول على باقي الفضائل».

قال أحدُ الآباءِ: «اهتم بعمل يديك ومارسه إن أمكنك ليلاً ونهاراً. لكي لا تُثقل على أحدٍ. وحتى يكون لك ما تعطي المسكين، حسب ما يأمر به الرسول، ولكي ما تصرع شيطانَ الضجر، وتُزيل من نفسِك بقيةَ الشهوات، لأن شيطانَ الضجرِ منكبٌ على البطالةِ وهو في الشهواتِ كامنٌ».

قال القديس نيلس: «إن البطالةَ هي مصدرُ رداءةَ الأعمالِ، لا سيما من أولئك الذين قد عدموا الأب. لأن اليهودَ لما لم يكن لهم في البريةِ عملٌ يشتغلون به، خرجوا من البطالةِ إلى عبادة الأوثان. فعلينا ألا نفارق عملَ اليدين، لأنه نافعٌ جداً ومهذِّبٌ».

وقال أيضاً: إن إنساناً كسلاناً بلغني عنه أنه أخذ من خزانتِه الإنجيلَ من الساعةِ السابعة إلى غياب الشمس، ولم يستطع أن يفتحَه البتة، وكأنه كان مربوطاً بالرصاصِ. أما أنطونيوس فإنه لم يفعل هكذا، بل عمل كما أراه الملاك؛ فتارةً كان جالساً ولعملِه ممارساً، وتارة أخرى كان قائماً وللصلاةِ ملازماً. فكان يؤدي ذلك، ولا يترك تلك. فحظيَ بنورٍ فائق الحدِّ. حتى أنه قال لأحدِ فلاسفة زمانه: «إني كما في لوحٍ أتأمل طبيعةَ المخلوقات دائماً، وذلك بتلاوةِ أقاويل الربِّ حتى ولو في ظلمةِ الليل الحالكة». بهذا المقدار فإنه كان يتصل بالله، فكان ليلُه نهاراً مضيئاً. كما هو مكتوبٌ: «إنَّ كلامَك سراجٌ منيرٌ والليلَ يضيءُ مثل النهار».

وقال أيضاً: «يجب أن تكون أعمال يديك إلهيةً لا أرضية. ولتكن أثمانُها مشاعةً بينك وبين المساكين».

قال ما أفرآم: «فاتحةُ العجرفةِ هي عدم مشاركة الراهب الإخوة في العمل حسب قدرتهِ، وإذا ما جئنا إلى العمل فلا نُكثر الكلامَ بل ليكن اهتمامُنا وتفكيرُنا في الهدفِ الذي من أجلهِ خرجنا».

سأل أخٌ القديسَ يوسف قائلاً: «ماذا أعملُ فإنه لا يمكنني أن أتعبَ أو أعملَ أو أتصدق»؟ فقال الشيخُ: «إن لم يمكنك العملَ فاحفظ قلبَك ونيَّتك من كلِّ ظنِ سوءٍ بأخيك فتخلص، لأن اللهَ يريدُ النفسَ ألا تكون خاطئةً».

قال أحدُ القديسين: «إن الآباءَ قد سلموا إلينا هذه الطريق، وهي: أن نعملَ بأيدينا، وأن نلازمَ الصمتَ، وأن نبكي على خطايانا».

قال القديس مرقس: «لا تكن من القومِ البطالين الذي يؤثِرون الاغتذاءَ من وجوهٍ سمجةٍ لا سيما من النساءِ، وإذ لك يدان فاعمل وكُلْ، لأنه أوفق لك أن تتشاغل بعملِ اليدِ من أن تُصرع بأعمال الخطية. لأن العمّال لا يقبل البطالةَ لئلا يسقط كمن يظن أنه منكبٌ على عملٍ روحاني ولا يسير فيه كما ينبغي».

أخبرنا يوحنا الخصي أنه سأل في شبابهِ شيخاً قائلاً: «كيف استطعتم أن تعملوا عملَ الله بنياحٍ، مع أننا لم نستطع أن نعملَه نحن حتى ولو بالتعبِ»؟ فقال الشيخُ: «نحن إنما أمكننا ذلك لأن عملَ الله كان رأسَ مالِنا، وحاجة الجسد كانت في المرتبةِ الثانية. أما أنتم فحاجةُ الجسد عندكم هي رأسُ مالِكم، وعملُ الله في المرتبةِ الثانية، من أجل ذلك فإنكم تكلِّون وتخورون، وبخصوص ذلك قال مخلصنا لتلاميذِه: يا قليلي الإيمان اطلبوا أولاً ملكوتَ اللهِ وبرَه، أما هذه الأشياء فتُزاد لكم». فسأل الأخُ الشيخَ قائلاً: «زدني إيضاحاً». فقال له: «ها أنت تسمع عني أني مريضٌ ويجب عليك افتقادي، فتقول في نفسِك: إذا ما فرغتُ من عملي أمضي إليه وأفتقده، ويتفق أن يعوقك عائقٌ ما فلا تجيء إليَّ بالكليةِ، وبذلك تكون قد جعلتَ عملَ السيد الذي هو رأسُ المال وحياةُ النفس في المرتبةِ الثانية. كذلك ربما يطلب إليك أخٌ آخر قائلاً: تقدم يا أخي وساعدني في هذا الأمر. فتقول في نفسِك: أأترك عملي وأذهب معه؟ فتكسر وصيةَ المسيح التي تتعلق بالعمل الروحي، وتعكُف على عملك الذي ينبغي أن تجعله في المرتبةِ الثانية».

سأل أخٌ الأب بيمين قائلاً: «قل لي كلمةً». فأجابه قائلاً: «واظب على عمل يديك ما استطعت، وذلك لتعمل منه صدقةً، لأنه مكتوبٌ: إن الرحمةَ تُطهِّر الخطايا».

قال الأب لوط: «الراهب الذي لا يمارس عملاً يُدان كإنسانٍ نهمٍ مغتصب».

قال الأب بيمين: «ثلاثةُ أعمالٍ رأيناها للأب بموا: صومٌ إلى المساءِ كلَّ يومٍ، وصمتٌ دائم، وعمل اليدين».

وقيل عن الأب بموا أيضاً لما حضرته الوفاة، أن سأله الآباءُ قائلين: «قل لنا كلمةً». فقال: «إني منذ دخولي هذه البرية وبنائي القلاية وسكناي فيها، ما انقضى عليَّ يومٌ واحدٌ بدونِ عمل، ولا أتذكر أني أكلتُ خبزاً من إنسانٍ، وإلى هذه الساعةِ ما ندمتُ على لفظٍ واحد تلفظتُ به، وها أنا منطلقٌ إلى الربِّ كأني ما بدأتُ بشيءٍ يرضيه بعد».

وقال أحدُ الآباء: إذا قمتَ باكر كلِّ يومٍ، خاطب نفسَك قائلاً: «يا نفسي استيقظي لترثي مُلك السماءِ». ثم خاطِب جسدَك قائلاً: «وأنت يا جسمي اعمل لتغتذي».

سُئل أحدُ الآباء: «أيُّ شيءٍ يلزم لمن يريد الخلاصَ»؟ وإذ كان الأبُ ملازماً العمل لا يرفع رأسَه عنه، أجاب: «هذا هو ما تراه».

قال الأب إشعياء: «اِغصب نفسَك على العملِ، وخوفُ اللهِ يحلُّ عليك».

جاء أحدُ المتوحدين إلى غديرٍ فيه قصب، فجلس هناك وصار يقطعُ من حشائشِ النهر ويضفِّر ويرمي الضفيرةَ في النهرِ لأنه لم يكن يعملُ لاحتياجٍ، بل لكي لا يكون بطالاً، فكان يُتعب جسدَه، ولم يزل هكذا حتى قصده الناسُ، فلما رآهم تحول عن ذلك المكان».

سأل أخٌ شيخاً قائلاً: «إن اتفق لي تحصيل حاجاتي من حيثما اتفق، فهل يليقُ بي أن لا أعمل بيدي»؟ أجاب الشيخُ: «حتى ولو اتفق من حيثما اتفق، فلا تترك العملَ، اعمل بكلِّ جهدك».

قال الأب لوقيوس: «أنا عبدٌ وسيدي قال لي: اعمل عملاً وأنا أعولك بالطريقة التي أراها؛ فإن أنا استجديتُ واقترضتُ، فليس هذا من شأنك، فقط اعمل أنت، وأنا أقوم بأَوَدك».

جاء قومٌ إلى الأب شوشاي ليسمعوا منه قولاً. فلم يخاطبهم بشيءٍ ولم يزد عن: «اغفروا لي». ولما رأوا عنده زنابيل قالوا لتلميذهِ: «ماذا تعملون بهذه الزنابيل»؟ قال لهم: «إن الشيخَ يفرِّقها هنا وهنالك». فلما سمع الشيخُ قال: «إن شوشاي من هنا ومن هنالك يغتذي». فلما سمعوا ذلك انتفعوا جداً.

قال مار أفرآم: «إن أحدَ الإخوةِ قال: طلبتُ من اللهِ أن يعطي عمل يدي نعمةً كي أعولَ جميعَ من هم في الكنوبيون، لأني بذلك أفرحُ».

قال أحدُ القديسين: إذا باشرت عملاً في قلايتك وحانت ساعةُ صلاتك، فلا تقل: «أفرغ من هذا القليل الذي بيدي وبعد ذلك أقوم»، بل بادر للوقتِ وأوفِ الصلاةَ لله في وقتِها في كلِّ حين، لئلا تعتاد نفسُك تدريجياً إهمالَ الصلاةِ.

 

 

قال قاسيانوس الرومي: إنه لأمرٌ فظيع وقبيح بنا أن يتعبَ العلمانيون ويعملون ويعولون أولاداً ونساءً، ويدفعون خِراجاً وضريبةً، ويُحسنون إلى فقراءٍ ومحتاجين حسب طاقتهم، ويحملون إلى بيتِ الله باكوراتٍ وقرابين، أما نحن فلا نقتني من أتعابنا حتى ولا حاجاتنا اللازمة لنا، بل نحبس أيدينا داخل ثيابنا، ونستجدي أتعابَ غيرنا، ولا نُصغي إلى الرسولِ القائل: «إن هاتين اليدين قد خدمتا حاجاتي وحاجات الذين هم معي». وقوله: «إن الربَّ أعطى الطوبى للمعطي أكثر من الآخذ». وقوله أيضاً: «نحن نوصيكم يا إخوتنا باسم ربنا أن تتجنبوا كلَّ أخٍ عديم النظام، لا يسلك حسب التقليدِ الذي سلمناه لكم، لأننا ما أسأنا إلى النظامِ بينكم، ولا أكلنا من أحدٍ خبزاً مجاناً، بل كنا نتعب ونكد عاملين ليلاً ونهاراً لئلا نُثقل على واحدٍ منكم. ليس لأنه لا سلطان لنا، بل لنعطيكم أنفسَنا مثالاً. لأني وقت أن كنت عندكم، قد أوصيتُكم بهذا: إن من لا يشاء أن يعمل عملاً فلا يأكل، والآن فقد سمعنا أن فيكم قوماً يسيرون بعدمِ نظامٍ ولا يمارسون عملاً. فنحن نوصي هؤلاء ونسألهم باسم ربنا يسوع المسيح أن يعملوا عملَهم بسكونٍ، ويأكلوا خبزَهم». أسمعتم كيف أن الرسولَ بحكمةٍ يزيل عِللَ الصلفِ. ويدعو الذين لا يعملون عادمي النظام. وبهذا أرانا رذيلةً كبرى شريرة. لأن البطَّال غيرُ نافعٍ في أيِّ أمر. وهو مهيأٌ للغضبِ، وغيرُ موافقٍ للسكوتِ، وعبدٌ للضجر ومنغمسٌ في الشهوات، كما أنه متهجمٌ في أقوالهِ فاعلٌ الرذائل الأخرى كلَّها. أما قوله: «أنهم لا يسلكون بحسب الوصية التي أخذوها منا»، فيقصد به أنهم متوانون ومتكبرون معاً، ومبطلون للوصايا. كذلك قوله: «لم نأكل منكم خبزَ البطالةِ»، فيؤنِّب به الذين لا يعملون بأنهم يأكلون خبزَ البطالةِ أي أنهم يُعالون بغير واجبٍ. ولذلك كان الآباءُ بإسقيط مصر لا يسمحون للرهبان لا سيما الشبان منهم بأن يتفرَّغوا من عملٍ، لا صيفاً ولا شتاءً حتى ولا إلى لحظةٍ من الزمان، لأن الذي يمارس العملَ يتخلَّص من الضجرِ ويتحصل على ما يقتاتُ به ويسعفُ منه المحتاجين.

قيل إن أحدَ الرهبانِ كان يشتغلُ في عيدِ شهيد. فلما أبصره آخر هكذا، قال له: «أيجوز اليومَ العملُ»؟ فأجابه: «إن الشهيدَ فلان قد عُذب في هذا اليوم، وجُلد وتجشم أتعاباً كثيرةً حتى الموت، ألا ينبغي لي أن أتعبَ ولو قليلاً في عمل يدي».

قيل: إنه حضر إلى الأب لوقيوس رهبانٌ من أولئك الذين يُدعَون مصلين، فسألهم عن عمل أيديهم، فقالوا له: «نحن لا نهتم بعمل اليدين. إنما نهتمُ بالصلاةِ الدائمة كقولِ الرسول». فقال لهم الشيخُ: «أما تأكلون وتنامون»؟ قالوا: «نعم». فقال لهم: «فإذا ما جلستم تأكلون أو إذا نمتم فمن يصلي عنكم»؟ فلم يكن لهم ما يجيبونه به. فقال لهم: «اغفروا لي، فإن عملَكم ليس كقولِكم، لكني أُريكم كيف إني أمارسُ عملَ يدي وأصلي دائماً. وذلك بأن أجلسَ بعونِ الله وأبلَّ خوصاً وأضفِّر الضفيرة، وأقول: ارحمني يا الله كعظيمِ رحمتك وككثرة رأفاتك امحُ إثمي. أفما يُعتبر ذلك صلاةً»؟ أجابوه: «نعم». قال لهم: «وإذا مكثتُ هكذا طولَ النهار أعمل وأصلي فيكون لي عن عملي كلّ يومٍ ستة عشر فلساً، فأعطي منها على الباب فلسين، وآكل بالباقي. فيصبح آخذ الفلسين مصلياً عني في وقتِ أكلي وفي وقتِ نومي، وبنعمةِ الله تكمُل لي الصلاةُ الدائمة كأمرِ الرسول. وإذ أمارسُ عملي فبذلك أقهر شيطانَ المللِ والشهوةِ. لأن المللَ يؤدي إلى البطالة، والشهوةُ كائنةٌ في البطالة. والطريق التي سلمها لنا جماعةُ الآباءِ هي هذه: «إنه يلزمنا أن نشتغلَ بأيدينا ونصوم طول النهار، ونقتني صمتَ اللسان، ونبكي على خطايانا».

وبخصوص الصلاة، قال القديس برصنوفيوس: «الصلاةُ الكاملة هي أن تخاطب الله بلا طياشةِ عقلٍ ولا سجس العالم. لأن المصلي الكامل قد مات عن العالمِ. إن إمساك البطن هو أن تُقلّل من شبعك قليلاً، وإن كان عليك قتالٌ فاترك قليلاً أكثر، أما إمساك العقل والقلب فهو أن يكون متيقِّظاً. لا تتهاون بأفكارِك، وإذا قاتلك العدو بالفكرِ فلا تلتفت إلى قتالهِ لأنه يريد بذلك أن يشغلَك عن مخاطبةِ الله».

قال القديس أوغريس: «تغافل عن ضروريات الجسد عند وقوفِك للصلاة، حتى ولو لدغك برغوثٌ أو بعوضة أو ذبابة أو أحدُ الهوام فلا تنشغل بها لئلا تخسر الربحَ العظيم الذي للصلاةِ. وقد حكى لنا آباؤنا القديسون عن أحدِهم كان الشيطانُ يحاربه إلى درجةٍ كبيرةٍ عند وقوفهِ للصلاة. وذلك أنه عندما كان يبسط يديه للصلاة كان الشيطانُ يغيِّر شكلَه قدامه بهيئة أسدٍ، ويشبك رجليه الاثنين في رجلي القديس وينتصب قبالته. ثم يجعل مخالبه في حَقويْ المجاهد من هنا وهنا. فلا يرجع عنه حتى يُنزل يديه، ولم يكن المجاهد يُنزل يديه حتى يُكمل صلاتَه كعادته. كذلك عرَّفونا أيضاً عن آخر أنه كان منفرداً في جبٍ جاف، وكان اسمُه يؤنس الصغير، ولو أنه في الحقيقةِ كبيرٌ عظيمٌ في الرهبانِ جداً. هذا قيل عنه أنه كان بغير انزعاج في مخاطبة الله بالصلاةِ، وكان الشيطانُ يظهر له في هيئة تنينٍ عظيمٍ يطوِّقه حول حلقهِ وينهش في لحمِه وينفخ في وجهِه بغير شفقةٍ. فإذا وقفتَ للصلاة قدام ضابط الكلِّ الخالق صانع الخير لكلِّ البريةِ، لماذا تُظهر ذاتك أمامه باحتقارٍ فتخاف من البعوضِ والذباب؟ أما سمعتَ القائل: إن الربَّ إلهك هو الذي يُخاف منه؟ ويقول أيضاً: إن كلَّ الأشياءِ تخاف وترتعد من قدام وجه قوتِه».

«قرأتُ في سيرةِ رهبان دير تاسا ما هو مكتوبٌ عنهم هكذا: إنه بينما كان القديسُ باخوميوس يتكلم مع الإخوةِ دفعة بكلامِ الله، إذ بحيتيْن قد جاءتا والتفتا حول رجليه. أما هو فلم يقلق ولكنه تظاهر كأنه يطرح حُلَّته تحت رجليه حتى فرغ من حديثهِ بكلمة الله، وحينئذ أعلم الإخوة بهما».

«كذلك قرأنا عن أخٍ روحاني أنه فيما هو يصلي مرةً جاءت أفعى وحكّت رجليه وهو يصلي، فلم يبالِ بالكليةِ حتى أكمل صلاتَه كالمعتاد، ولم يُؤذَ بالكليةِ. ذلك لأنه كان يحبُ الله أكثر من جسدِ لذاتهِ. اقتنِ لك عيناً غيرَ متشاغلةٍ وقتَ الصلاةِ، واجحد ذاتك واطلب الله بكلِّ قلبك».

«وآخر أيضاً من القديسين الذين يصلُّون كما ينبغي كان منفرداً في البريةِ، هذا وقف قدامه الشياطين مقدار أسبوعين وهم يلكمونه ويُحَلّقون به في الجوِ ويقطعون عليه الحصير، وبرغم هذا كلِّه لم يستطيعوا بالجملةِ أن يخطفوا عقلَه ولو كان في صلاةٍ قليلةٍ بحرارةٍ مع الله. اجتهد أن توقف عقلَك كمن هو أطرش وأخرس في وقتِ الصلاة، وهكذا تستطيع أن تصلي. إن كنتَ تريد أن تصلي جيداً ويصير لك افتخارٌ قدام الله، فاجحد ذاتَك في كلِّ حينٍ وفي كلِّ ساعةٍ. الصلاةُ هي بابُ الفرجِ والشكر. الصلاةُ هي دواءُ الأحزانِ وضيقِ الصدر، لا تصلِّ بالشكلِ الظاهر فقط ولكن بمخافةِ الله ورعدةٍ وخشوع مع الالتفات بعقلِك نحو المعقولات. الصلاةُ هي فهمٌ للعقلِ، الصلاةُ ترفعُ العقلَ إلى الله، الصلاةُ هي عملٌ يليقُ برتبةِ العقلِ وبطبيعتهِ الفاضلة».

وقال أيضاً: «فالواجب علينا أن نفحصَ السُبلَ التي سلك فيها الرهبان الذين تقدَّمونا ونستقيم مثلهم، فنجد أموراً كثيرةً جداً قالوها وصنعوها، لأن واحداً منهم قد قال: إن الأكلَ بضيقٍ، والحياةَ بغير تلذُّذٍ إذا اقترنا بالمحبةِ فإنهما يوصلان الراهبَ بسرعةٍ إلى ميناءِ عدمِ الأوجاع، وقد شَفيا فعلاً أحدَ الإخوةِ من خيالات الليل التي كان يقلق منها، ولما أُمر أن يخدم المرضى وهو صائمٌ خفَّت عنه، وحينئذ قال: إن أمثال تلك الأعراض لا يستطيع أحدٌ اجتنابها إلا بالرحمةِ».

تقدم أحدُ الحكماءِ في ذلك الزمان إلى القديس أنطونيوس وقال له: «كيف أنت ثابتٌ في هذه البريةِ وليس لديك كتبٌ تتغذى بها»؟ فأجابه قائلاً: «أيها الحكيم، إن كتبي هي شكل الذين كانوا قبلي، أما إن أردتُ القراءةَ، ففي كلامِ الله أقرأ».

وقال أيضاً: مضيْتُ دفعة إلى الأب مقاريوس بالنهارِ ظهراً، وقد عطشتُ لدرجةٍ كبيرةٍ جداً، فطلبتُ منه قليلَ ماءٍ لكي أشرب، فقال لي: «يكفيك ذلك الظل الذي أنت واقفٌ فيه، لأنّ كثيرين الآن في المسالكِ والوهاد في العراءِ، لا يجدون ظلاً مثل هذا». فسألتُه بعد ذلك أن يقول لي كلمةً عن النسكِ، فقال لي: «قوِّ قلبَك يا ابني فإني أقمتُ عشرين سنةً لم أشبع من خبزٍ ولا من ماءٍ ولا من نومٍ، وكنتُ آكل خبزي بقانون، أما من جهة النوم فإني كنتُ أستند على الحائطِ وأختطف يسيراً منه».

أُخبر أحدُ الرهبان أن أباه قد مات، فأجاب الذي أتاه بالخبرِ قائلاً: «كُف عن التجديف، فإن أبي لا يموت».

قال أحد الرهبان: «لأجل هذا تركتُ عني إرادتي لكي ما أنزع معها مسببات الغضب الذي يحارب الإرادةَ في كلِّ حينٍ، ويُقلق العقلَ ويطرد المعرفةَ».

قال أحد الشيوخ: «إن المحبَّ للهِ لا يحفظ ملاذَّ الأطعمة ولا المال». كما قال أيضاً: «إني لا أتذكر أن الشياطين أطغوني مرتين قط في أمرٍ واحدٍ».

 

 

سُئل القديس برصنوفيوس: «إن الآباء قالوا: ينبغي لنا أن ندخلَ إلى القلاية ونتذكر خطايانا، لكني أجد نفسي إني أتذكرها بدونِ وجعٍ، وأشتهي أن أتخشع فلا يأتيني الخشوع، فما السبب»؟

الجواب: «لستَ تسلك في سبيل الحق، لأنك تحتاجُ إلى تفتيش القلبِ وضبطِ الفكرِ عن كلِّ إنسان، فمن لم يقطع هواه، لا يوجعه قلبه، وقلةُ الإيمانِ لا تدع الإنسانَ أن يقطع هواه، وسبب ذلك هو محبةُ مجدِ الناسِ أكثرَ من مجدِ اللهِ، كما قال الربُّ. فإن أردتَ بالحقيقةِ أن تبكي على خطاياك، فمُت عن كلِّ الناسِ واقطع هواك واجتنب تزكيتك لنفسِك وإرضاءك للناس، ولا تتلذذ بطعامٍ ولا تشبع ولا تدن أحداً، وكن حسنَ الطاعةِ لتبلُغَ الاتضاع، والاتضاع يُميتُ الأوجاعَ».

سُئل أيضاً هكذا: «قُدسك قال لي هو ذا خطاياك قد غُفرت، وأنبا إشعياء قال: ما دام الإنسانُ يجدُ في قلبهِ لذةَ الخطيةِ، فلم يحظَ بعد بغفرانِها، وإني إلى الآن أحسُّ بلذتها، لذلك أظن أنها لم تُغفر بعد، فأحزن وفكري يحدثني قائلاً لي: إن الله خذلك لأن قتالَ الزنى قد ثقل عليَّ طول هذا الأسبوع»؟

الجواب: «لقد قلتُ لك إن خطاياك القديمة قد غُفرت، أتراني قلتُ لك إن قتالات العدو قد بَطُلت؟ فالراهبُ قائمٌ في صفِّ الجهاد ولو لم يكن لك خطايا. فالشيطان يجلبُ لك لذَّةَ الخطيةِ بالفكرِ، أمَّا ما قاله لك أنبا إشعياء فهو عن فاعليها المتلذِّذين بعملِها، لأن ذِكر حلاوة العسل شيء، وتذوُّق حلاوة العسل شيءٌ آخر. حتى إن الذي يتذكر لذَّة الخطية ولا يفعل ما يتعلق باللَّذةِ، بل يجاهد في سبيل إبعادها عنه فذلك هو الذي غُفرت له خطاياه القديمة. ومن خيالات الشيطان أنه يقول لغير المتمكنين: إن خطاياكم لم تُغفر، وذلك ليقطعَ رجاءَهم، فَتَحَفّظ من ذلك. أما عن قتال الزنى، فيحتاج الإنسانُ إزاءَه إلى جهادٍ واتضاعٍ، فبلا تعب واتضاع لن يخلُصَ أحدٌ. أما من جهةِ الخذلان فالله لا يخذلنا، فما لم نتخلَّ نحن عن محبتِه أو نحيد عنه، فهو لا يتخلى عنا، إذ أن مشيئته هي أن نلجأ إليه ونخلص».

وبصدد الابتعاد عن العالم قال البار إشعياء: إني في بعضِ الأوقات كنتُ جالساً بقرب القديس مقاريوس الكبير حين تقدم إليه رهبانٌ من الإسكندرية ليمتحنوه، قائلين: «قل لنا كيف نخلص»؟ فأخذتُ أنا دفتراً وجلستُ بمعزلٍ عنهم لأكتبَ ما يتحاورون به. أما الشيخُ فإنه تنهَّد وقال: «كلُّ واحدٍ منا يعرف كيف يخلص، ولكننا لا نريد الخلاصَ». فأجابوه: «كثيراً ما أردنا الخلاصَ، إلا أن الأفكارَ الخبيثةَ لا تفارقنا، فماذا نعملُ»؟ فأجابهم الشيخُ: «إن كنتم رهباناً، فلماذا تطوفون مثل العلمانيين، إن الذي قد هجر العالمَ ولبس الزي الرهباني، وهو وسط العالم، فهو لنفسِه يُخادع. فمن كانت هذه حالُهُ، فقد صار تعبُه باطلاً. لأنهم ماذا يربحون من العلمانيين سوى نياحِ الجسد، وحيث نياحُ الجسد لا يوجد خوفُ الله، لا سيما إن كان راهباً ممن يُدعَوْن متوحدين، لأنه ما دُعي متوحداً إلا لكي ينفرد ليلَه ونهارَه لمناجاةِ الله. فالراهبُ المتصرِّف بين العلمانيين هذه هي تصرفاته: قبل كلِّ شيءٍ تكون فاتحةُ أمرهِ أنه يضبطُ لسانَه ويصوم، ويذلِّل نفسَه إلى أن يُعرف ويخرج خبرُه، ويقال عنه الراهب الفلاني هو عبدُ اللهِ. وسرعان ما يسوق إبليس إليه من يُحضر له حوائجَه من خمرٍ وزيتٍ وثيابٍ ودراهم وكلِّ الأصناف، ويدعونه: القديسَ القديس. فبدلاً من أن يهرب من السُبح الباطل الناتج من قولِهم له القديس، يتعجرف الراهبُ المسكين، ويبدأ في مجالستِهم، فيأكل ويشرب معهم، ويستريح براحتهم، ثم يقوم في الصلاةِ ويعلِّي صوتَه حتى يقول العلمانيون إن الراهب يصلي ساهراً. وكلما زادوه مديحاً، زاد هو كبرياءً وعجرفة. فإن كلَّمه أحدٌ بكلمةٍ حسنة جاوبه حسناً. ثم يُكثر نظره إلى العلمانيين ليلاً ونهاراً، ويرشقه إبليس بسهامِ النساء، ونِشاب الصبيان، ويلقيه في اهتماماتٍ عالمية، ويَقلق وينزعج كما قال الربُّ: إن كلَّ من نظر إلى امرأةٍ نظرةَ شهوةٍ فقد أكمل زناه بها في قلبهِ. وإن كان ينظرُ إلى هذا القولِ على اعتبار أنه خرافة، فليسمع الربَّ قائلاً له: إن السماءَ والأرض تزولان، وكلامي لا يزول. وبعد ذلك يبدأ في حشد حاجته لسنتِهِ، بل يجمعها مضاعفةً، ويبدأ كذلك في جمعِ الذهبِ والفضة، ويلقيه الشيطان في هوَّةِ حبِّ المال، فإن أحضر له إنسانٌ ذهباً أو فضةً أو ملبوساتٍ أو غير ذلك مما يرضاه، فللوقت يقبله بفرحٍ ويُعدُّ المائدةَ الحسنة ويبدأ يأكل . أما البائسُ، لا بل المسيح، يتلوى جوعاً، ولا يفهمه أحدٌ. لهؤلاء قال سيدنا المسيح: إن دخولَ الجملِ في ثقبِ إبرةٍ، أيسرُ من دخول غني إلى ملكوتِ الله.

قولوا لي يا آبائي، هل الملائكةُ في السماءِ تجمعُ ذهباً وفضةً وتسجد لله. فنحن يا إخوتي عندما لبسنا هذا الزي، أتُرى لنجمعَ مقتنياتٍ وحطاماً، أم لنصير ملائكةً؟ فإذا كنا يا إخوتي قد هجرنا العالمَ ورفضناه، فلماذا نتراخى أيضاً ويردُّنا إبليس عن طريق المسكنةِ، أما فهمتم أن الخمرَ ونظرَ النساءِ والذهبَ والفضةَ والنياحَ الجسدي وقربَّنا من العلمانيين، هذه كلُّها تبعدنا من الله، لأن أصلَ الشرورِ كلِّها محبة الفضة، وبمقدار ما بين السماء والأرض من البُعد، هكذا بين الراهب المحبِ للفضةِ وبين مجدِ الله. نعم لا توجد رذيلةٌ أشرُ من رذيلةِ الراهب المحب للفضةِ. إن الراهبَ الذي يجالس العلمانيين يحتاج صلوات قديسين كثيرين. أما سمعتَ قول الرسول يوحنا: لا تحبوا العالم ولا شيئاً مما في العالم، فمن أحبَّ العالم، فليست فيه محبةُ الله. كذلك الرسول يعقوب يقول أيضاً: من أراد أن يكون خليلاً للعالم فقد صار عدواً لله. فلنَفِرَّ نحن أيها الإخوة من العالم كما نَفِرُّ من الحيةِ، لأن الحيةَ إذا نهشت فبالكاد تبرأ عضتُها، كذلك نحن أيضاً إن شئنا أن نكون رهباناً فلنهرب من  العالم، لأن الأوفق لنا أيها الإخوة أن تكون لنا حربٌ واحدةٌ بدلا من قتالاتٍ كثيرة. قولوا لي يا إخوتي ويا آبائي: في أي موضعٍ اقتنى آباؤنا الفضائل، أفي العالم أم في البراري؟ إذن، كيف نقتني الفضائل ونحن في العالم؟ لن نستطيع ذلك ما لم نجُع وما لم نعطش وما لم نساكن الوحوش ونموت بالجسد، كيف نريد أن نرث ملكوت الله ونحن بين العالم؟ لننظر إلى ممالك الأرض فإنه ما لم يحارب الجندي ويغلب فلن ينالَ الرتبةَ، فكم وكم أحرى بنا أن نفعل ذلك. فلا نظن أننا نرثُ ملكوتَ السماوات ونحن بين العالم. فلا يُوَسوِسُ لنا الشيطانُ أفكاراً رديئةً هكذا قائلاً: اجمع حتى تستطيع أن تعمل صدقةً. لنعلم أن من لم يشأ أن يصنع رحمةً من فلسٍ واحدٍ فلن يعملَ رحمةً من ألفِ دينار. لا يليق بنا أن نفعل ذلك يا إخوتي، لأن هذه الأمور هي من عمل العلمانيين. إن الله لا يريدُنا نحن الرهبان أن نقتني ذهباً أو فضةً أو ملابس أو أموراً هيولانية، لأن الربَّ أوصى قائلاً: انظروا إلى طيورِ السماء، فإنها لا تزرع ولا تحصد ولا تخزِّن في الأهراء، وأبوكم السماوي يقوتها. إن الراهب المقتني ذهباً وفضةً لا يثق بأن الله قادرٌ على أن يعوله. وإن كان لا يعوله فلن يعطيه مُلكه.

إن الراهبَ الذي عنده حاجته وينتظر من يُحضر له، فهو شريك ليوداس الذي ترك النعمةَ وسعى طالباً محبة الفضة، وبولس الرسول إذ عرف ذلك، لم يَدْعُ محبةَ الفضةِ أصلَ كلِّ الشرورِ فحسب، بل وسماها أيضاً عبادة أوثان. فالراهب المحبُّ للفضةِ هو عابدٌ للأوثان، إن الراهب المحبُّ للفضةِ بعيدٌ من محبةِ المسيح، الراهبُ الذي له في قلايته فضة فإنه يعبد ويسجد للأصنام المنقوشة، أعني الدنانير، وكلُّ يومٍ يذبح لها عجولاً وكباشاً، بإخضاع نيته وإرادته لمحبة الفضة الرديئة، تلك التي تفصل الراهبَ عن طغماتِ الملائكة. فيا لمحبة الفضة المُرة، أصل كلِّ الشرور، الفاصلة الراهب من مُلك السماوات، والباعثة إياه إلى التعلق بسلاطين الأرض. يا لمحبة الفضةِ سبب كلِّ الرذائل، الساحبة للسان الراهب إلى كل شتيمةٍ وخصومة ونميمة، والجارة له إلى المحاكمات شبيهاً بالعلمانيين، ويح ذلك الراهب المحب للفضة، لأنه قد تخلى عن الوصية القائلة: لا تكنزوا لكم ذهباً ولا فضة. وقد يزعم ذلك الراهبُ المسكين قائلاً: إن الاقتناء لا يضرُّني. وهو لا يعلم أنه حيث الذهب والفضة والهيولانيات، فهناك دالةُ الشياطين وهلاكُ النفوس، والويلُ المؤبَّد.

كيف يدخلُ الخشوعُ في نفسِ إنسانٍ مقتنٍ للفضة، وقد حاد عن مصدر دعوتهِ إلى الحياة الدهرية، خالقه ورازقه، وصار بذلك متعبداً وساجداً لمنحوتات غير متحركة، أعني الدنانير. كيف يقتني الخشوعَ مَن هذه صفته؟ يا إخوتي ويا أحبائي، كيف يكون لنا نحن الرهبان ذهبٌ وفضة وملابس، ولا نكف كذلك عن الجمع، مع أن البائسَ، لا بل المسيح، جائعٌ وعطشان وعريان، ولا نفكر فيه؟ ماذا يكون جوابُنا أمام السيد المسيح، وقد هجرنا العالم، وها نحن نعاودُ الطوافَ فيه؟ إن طقسَنا ملائكيٌ لكننا جعلناه علمانياً. لا يكون هذا منا يا إخوتي. إيانا أن نعمله بل لنهرب من العالم، لأنه إن كان بالكاد نخلص في البريةِ، فكيف يكون حالُنا بين العلمانيين؟ فلن يكون لنا خلاصٌ، لا سيما والربُّ يقول: من لا يهجر العالم وكل ما فيه وينكر نفسَه ويأخذ الصليبَ ويتبعني فلن يستحقني. وأيضاً يقول: اخرجوا من بينهم وافترقوا عنهم وأنا أقبلكم وأجعلكم لي بنين وبنات. أرأيتم عِظم المنفعةِ من الهربِ من العالم؟ لأنه نافعٌ لنا جداً وموافقٌ، لأن مجالسَ العلمانيين ليس فيها شيءٌ سوى البيع والشراء وما يتعلق بالنساء والأولاد والزرع والدواب، فهذه المخالطة تفصل الراهبَ عن الله، فمشاركتهم في الأكلِ والشربِ تجلبُ الكثيرَ من الضررِ. ولسنا نعني بهذا أن العلمانيين أنجاسٌ، معاذ الله، لكنهم يسلكون في الخلاصِ طريقاً آخر غير طريقِنا. فهروبُنا هو هروبٌ من مخالطتهم. فلنطلب سبَّهم فينا أكثر من مديحهم لنا، لأن سبَّهم لن يفقدنا شيئاً أما مديحُهم فهو سببُ عقوبتنا. فما منفعتي إذا أنا أرضيْتُ الناسَ وأغضبتُ ربي وإلهي، لأنه يقول: لو كنتُ أرضي الناس فلستُ بعد عبداً للمسيح. إذن فلنبتهل أمامَ ربنا قائلين: يا يسوع إلهنا نجنا وأنقذنا من مخالطتهم».

من كلام مار إسحق قال: «ابتعد عن العالم، وحينئذ تحس بنتانتهِ، لأنك إن لم تبتعد عنه، فلن تحسَّ برائحتهِ الكريهة». فسُئل مرةً: «ما هو العالم؟ وكيف نعرفه؟ وما هو مقدار مَعزَّتهِ لمحبيه»؟ فأجاب وقال: «إن العالم هو تلك الزانية التي بشهوةِ حسنِها تجذبُ الناظرين إليها إلى حبِّها. والمقتَنص بعشقهِ والمتشبث به لا يقدر أن يتخلَّص منه حتى تفنى حياته، فإذا ما عرَّاه من كلِّ شيءٍ وأخرجه من منزلهِ يوم موتهِ، حينئذ يعرف الإنسانُ في ذلك اليوم أنه خداعٌ وسرابٌ مضل، حتى إذا ما جدَّ الإنسانُ في الخروج من هذا العالم المظلم، فإنه لن يستطيعَ الخلاصَ من حبائِلهِ ما دام هو منغمساً فيه».

جاء أحدُ الإخوةٍ إلى شيخٍ من الرهبان وشكا أخاه إليه قائلاً: «ماذا أصنعُ يا أبي فإن أخي يحزنني لأنه دوَّار»؟ قال الشيخ: «احتمله يا حبيبي، فإن الله قادرٌ أن يردَّه إذا ما رأى تعبَك وصبرَك، وأخذك له بالرفقِ واللين. وإياك والقساوة، فإن الشيطانَ لا يطردُ شيطاناً. وبرفقِك وصبرِك يرجع، لأن الله إنما يردُّ الإنسانَ بطولِ روحهِ وطيبِ قلبهِ واحتمالهِ».

أخبروا عن أنبا تاؤدورس: إنه لما كان شاباً وهو يسكنُ في البريةِ، قام ذات يومٍ يخبز لنفسِه خبزاً، فوجد أخاً ليس له من يعمل له خبزاً إذ لم يكن يجيد صناعةَ الخبز. فترك أنبا تاؤدورس خبزَه وعمل خبزَ ذلك الأخ، وجاء أيضاً أخٌ آخر فخبز له خبزَه، وبعد أن أراحهم حينئذ عمل خبزَه أيضاً».

جاء خبرٌ عن أخوين قوتل أحدُها بالزنى، فقال لأخيه: «يا أخي، إني منطلقٌ إلى العالم»، فبدأ أخوه يبكي ويقول: «لا أتركك تذهب إلى العالم لئلا تُتلف تعبَ رهبانيتك وبتوليتك». فأبى أن يقبلَ منه وقال له: «إما أن تتركني أمضي وحدي، وإما أن تجيء معي». فذهب أخوه، وحدَّث أحدَ الشيوخ بحالِه، فقال له الشيخ: «اذهب معه، فإن الله من أجلِ تعبك لا يتركه يقعُ في الزنى». فلما بلغا القريةَ، رفع الله عنه قتالَ الزنى من أجلِ تعب أخيه وعنائِه معه. وإذ به يخاطبُ أخاه قائلاً: «هَب أني وقعتُ في دنسِ الخطيةِ، فأي ربح لي من ذلك»؟ ثم أنهما رجعا إلى قلايتهما وحمدا الله على خلاصهِ وحسن صنيعه معهما.

أخبروا عن أخٍ حريصٍ على خلاصهِ، جاء من غربةٍ فأقام في قلايةٍ لطيفةٍ بطور سينا. فلما جلس في اليوم الأول، وجد على خشبةٍ صغيرة كتابةً قد كتبها الأخُ الذي كان فيما مضى ساكناً فيها وهو يقول فيها: «أنا موسى بن تادرس قد حضرتُ وأقمت ههنا». وكان الأخ يضع تلك الخشبةَ قدامه طول النهار يومياً. ويسأل: «من كتب هذه الكتابةَ»؟ ثم يُردف قائلاً: «أيها الإنسان، ليت شعري، أين أنت الآن؟ لأنك قلتَ: قد حضرتُ وأقمتُ. فإلى من كتبتَ هذا يا تُرى؟ تُرى في أي عالمٍ أنت في هذه الساعةِ»؟ فكان يداوم هكذا على هذا العمل طول النهار متذكراً الموت، ثابتاً في النحيبِ والبكاء. وكانت صناعتُه الخطَ المليح. فتناول من الإخوةِ ورقاً ليكتبَ لهم شيئاً كتذكارٍ منه لهم. لكنه لم يكتب لأحدٍ شيئاً سوى صيغةٍ واحدة، كتبها في ورقِ كلِّ واحدٍ منهم وذكر فيها: «اغفروا لي أيها الإخوة سادتي، فإنه كان لي عملٌ مع ذاك القادر على خلاصي، لذلك لم أفرغ منه حتى أكتبَ لكم».

أخبروا أيضاً: أنه كان يسكنُ بقرب هذا الأخِ أخٌ آخر كان بُستانياً، وقصد مرةً المضي إلى ديرٍ في يومٍ من الأيام، فقال لذلك الأخ الكاتب: «اعمل محبةً يا أخي واهتم بالبستان حتى أرجع». فقال له الأخ: «صدقني أنه على قدر استطاعتي لن أتوانى في الاهتمامِ به».

وبعد انصراف الأخ البستاني قال الأخ الكاتب في نفسِه: «يا مسكين، لقد وجدتَ خَلوةً فاهتم بالبستانِ». ثم أنه انتصب في قانونهِ من المساءِ إلى الصباح، لم يفتر، مترنماً بدموعٍ، مصلِّياً، ومكث على هذه الحال طول النهار كذلك إذ كان يوم الأحد المقدس. فلما جاء الأخ البستاني عند المساءِ، وجد البستانَ قد أفسدته القنافذ، فقال له: «غفر الله لك يا أخي،لأنك لم تهتم بالبستانِ». فقال له ذاك: «يا معلم، عَلِم الله، إني قد بذلتُ كلَّ قوتي وحفظتُه إلا أن اللهَ قادرٌ أن يعطينا ثمراً من البستانِ الصغير». فقال له الأخ: «صدقني يا أخي لقد تلف كلُّه». فقال له الكاتب: «لقد علمتُ بذلك إلا أني واثقٌ بالله، أنه قد أزهر أيضاً». فقال البستاني: «هلم بنا لنسقي». فقال الأخُ: «انطلق أنت اسقِ في النهار وأنا أسقي في الليلِ». فلما صار القحطُ والجدبُ، اغتمَّ البستاني وقال لذلك الكاتب جارِهِ: «صدقني يا أخي، إذا لم يُعِن الله، فليس لنا في هذا العام ماءٌ». فقال له الكاتبُ: «الويل لنا يا أخي إن جفَّت ينابيعُ البستانِ، بالحقيقة لن يكون لنا خلاصٌ أيضاً». وكان يقول هذا قاصداً ينابيعَ الدموعِ. فلما جاءت الوفاةُ للمجاهد القديس، سأل البستاني جارَه قائلاً: «اصنع محبةً ولا تقل لأحدٍ إني مريضٌ، لكن امكث عندي ها هنا اليومَ، وإذا انصرفتُ إلى الربِّ فاحمل أنت جسدي، واطرحه عارياً لتأكله الوحوش والطيور لأنه أخطأ قدام الله كثيراً، ولن يستحقَ أن يُدفن». فقال له البستاني: «صدقني يا معلم إن هذا الطلبَ صعبٌ عليَّ إتمامه». فأجابه قائلاً: «لا تخالفني في هذا الطلب، وإني أُعطيك عهداً، إن سمعتَ مني وعملتَ بي كما سألتُك، واستطعتُ أنا القيام بما ينفعك لنفعتك». ثم أنه بعد وفاتهِ، عمل به كما أمره في ذلك اليوم، فطرح جسمَه في البرية عارياً، لأنهما كانا مقيميْن في مكانٍ يبعدُ عن الحصنِ عشرين ميلاً يقال له (        ) وفي اليومِ الثالث ظهر له الأخُ المنصرف للربِّ في الرؤيا وقال له: «يا أخي، يرحمُك الله كما رحمني، صدقني إن رحمتَه عظيمةٌ جداً، فلقد رحمني الله بسببِ بقاء جسمي غير مدفون، وقال لي: لأجل تواضعك الكثير، قد أمرتُ أن تكونَ مع أنطونيوس، وقد طلبتُ إليه من أجلِك أيضاً، لكن اذهب واترك البستانَ، واهتم بالبستانِ الآخر، لأني في الساعةِ التي خرجتْ فيها نفسي كنت أبصرُ دموعَ عينيَّ وقد أطفأت النارَ التي كنتُ مشرفاً على المضي إليها».

كان أخٌ فاضلٌ حريصاً، وإذا صلَّى مع أخيه قانونَه تغلبه دموعُه، فيفوته من المزمور استيخن أو أكثر، وفي أحد الأيام سأله أخوه أن يخبرَه بما ينتابه أثناء قراءة قانونه حتى يبكي ذلك البكاء المر، فقال: «اغفر لي يا أخي، فإني أثناء قراءة القانون، أبصر القاضي دائماً، وأرى ذاتي واقفاً قدامه وقوفَ المجرمِ، وهو يفحصُ أحوالي، وأسمعه قائلاً لي: لِمَ أخطأتَ؟ وإذ ليس لي جوابٌ أحتجُّ به إليه يستدُّ فمي، وعلى هذا الوجه يفوتني الاستيخن من المزمور، فاغفر لي لأني أغمُّك. وإن كنتَ تجد راحةً في أن يصلي كلُّ واحدٍ منا قانونَه منفرداً، فافعل». فقال له أخوه: «لا يا أخي، لأني وإن كنتُ أنا لا أبكي، إلا أني في الواقع إذا رأيتُك تبكي، أعطي الويلَ لنفسي وأعتبرها شقيةً». فلما أبصرَ الله تواضعه، وَهَبَ له اتضاعَ أخيه.

قيل عن أخٍ من الرهبان إنه زار شيخاً متعَباً في عملِ الخير، كان ساكناً في المغاير التي تقع فوق المكان الملقب بإسرائيل، وكان الشيخُ ذا عقلٍ متيقظٍ لدرجةِ أنه كان حيثما توجَّه، يتوقف عن السيرِ ويستعرض فكرَه ويسأله: «كيف حالُك يا أخي؟ أين نحن»؟ فإذا وجد عقلَه يترنَّم بالمزامير ومتضرعاً، حمده واستدامه، وإن وجد ذاته متفكراً في أيِّ شيءٍ من الأشياء، شتم ذاته في الحال قائلاً: «هلم من هناك، قف عند حدك، والزم عملك». وكان الشيخُ يخاطب نفسَه بهذا الكلام دائماً: «يا أخي، يلوح لي أن الانصرافَ قريبٌ، ولستُ أرى مجالاً للنومِ أو التهاون بعد». فهذا الفاضل ظهر له الشيطانُ في وقتٍ من الأوقات، وقال له: «لماذا تتعب، إنك لن تخلص». فقال له الشيخ: «وماذا يهمك إن كنتُ لا أخلص؟ لكني سوف أوجد في العذابِ فوق رأسك، وتحت كل من فيه». هذا قال أيضاً: «سبيلُ الراهبِ إذا وقف مع إخوةٍ رهبان، أن يطرقَ برأسهِ دائماً إلى أسفل ولا ينظر بالجملةِ إلى وجه إنسانٍ، وخاصة وجه شاب. وإذا كان منفرداً ينبغي له أن ينظرَ إلى العلو دائماً. ذلك لأن الشيطانَ من شأنِه أن يغتمَّ ويرتاع إذا نظر إلى العلو نحو ربنا».

أُخبر عن أحد الرهبان أنه لم يكن له عملٌ سوى الصلاةِ بلا فتور. وكان كلّ عشيةٍ يجدُ في قلايته خبزاً يأكله. فزاره أحدُ الرهبان مرة ومعه ليف، فأخذه منه وصار يعمل في الليف. فلما حان وقتُ المساءِ طلب خبزاً كعادته ليأكل، فلم يجد. فبقي حزيناً، فأتاه صوتٌ قائلاً: «لما كنتَ تعمل معي كنتُ أعولك، فلما بدأت ممارسة عملٍ آخر، فاطلب طعامك مما تعمله بيدك».

 

 

يل عن أحد الرهبان إنه كان بليغاً جداً في الإفرازِ والتمييز، وأراد السكنى في القلالي فلم يجد قلايةً منفردة، وأنه خرج تائهاً في البريةِ إلى أن لقيه أحدُ الشيوخ فأخبره بحالهِ، فأجابه الشيخ: «إن لي قلايتين، فاجلس في واحدةٍ منهما إلى حين يسهِّل المسيحُ لك قلايةً. فحَمَدَ أفضالَه. ولما سكن في القلاية قصده قومٌ من الرهبان لينتفعوا منه لكونهِ من أهلِ الفضل، وكانوا يحملون إليه ما سهل عليهم حمله. فلما نظر الشيخ صاحب القلاية ذلك، بدأ يحسده بإيعازٍ من الشيطان وقال لتلميذِه: «كم من السنين ونحن مقيمون في هذا المكان، ولم يقصدنا حتى ولا واحد من هؤلاء الرهبان. وهذا المحتال في أيامٍ قلائل استمال إليه الكلَّ. امضِ اطرده من القلاية». فمضى التلميذُ وقال له: «إن المعلمَ يسلِّم عليك ويسأل عن صحتِك ونجاح أحوالك واعتدال مزاجك، ويسألك أن تصلي من أجلهِ لأنه مريضٌ. ويقول لك: إن كان لك احتياجٌ إلى شيءٍ أقوم بتأديته لك». فقام الراهبُ وسجد للتلميذ وقال له: «بلِّغه سلامي عني، وقل له إني بخيرٍ ببركة صلواتك وليس لي احتياجٌ لشيء». فرجع التلميذ إلى الشيخ وقال له: «إن الراهبَ يُقبِّل يديك ويسألك أن تصلِّي من أجلِه وتمهله أياماً قلائل حتى يجدَ لنفسهِ قلايةً، ويرتحل عن قلايتك بسلام». فصبر ثلاثة أيام. وبعد ذلك أقلقه الحسدُ، فقال لتلميذهِ:« اذهب وقل له لقد صبرتُ أكثر من اللازم، فاخرج من قلايتي». فأخذ التلميذُ بركةً مما كان يوجد في القلاية، ثم جاء إلى الراهبِ وسجد بين يديه وقال له: «إن المعلمَ يسلِّم عليك ويسألك أن تَقبل منه هذه البركة لأجلِ السيد المسيح وتصلي من أجلهِ لأنه متعبٌ جداً، ولولا توجعه لكان قد حضر إليك». فلما سمع الراهبُ ذلك أدمعت عيناه وقال: «كنتُ أشتهي أن أذهبَ وأبصره». قال له التلميذ: «لا يا أبتاه، فإنه لا يحتمل أباً مثلك يرافقني إليه، لئلا يلحقني من ذلك شرٌ، ابقَ أنت ههنا وأنا أبلِّغه سلامَك ورسالتك». ثم ودَّعه وخرج وأتى إلى الشيخِ وقال له: «يا أبتاه إن الراهب يقول لك: لا يصعُب عليك الأمرُ، ولا تغضب، ففي يوم الأحد سوف أخرج من قلايتك». فمازال الشيخُ يترقب سواعي الليل حتى يوم الأحد، فلما لم يخرج الراهبُ، قام الشيخُ وأخذ عصا وهو مسبي العقل طائر الفكر، وقال لتلميذهِ: «تعالَ معي إلى هذا الراهب المحتال، فإنه إذا لم يخرج باختيارِه فسوف أطردُه بهذه العصا مثل الكلبِ». فلما رآه التلميذُ هائجاً، وقد سلب العدو فكرَه، قال له: «أسألُك يا أبتاه أن تستمعَ إلى مشورتي بأن تجلسَ ههنا وأنا أسبقك إليه وأُبصر إن كان عنده رهبان، لئلا إذا أبصروك على هذه الحال يطردونك عنه فلا تنال بُغيتك، أما إذا وجدتُه وحده أعلمتُك لتمضي إليه وتطرده». فاستصوب الشيخُ كلامَ التلميذ، وجلس وهو يصرُّ بأسنانهِ، ومضى التلميذُ إلى الراهب، وسجد له كعادتهِ وقال: «إن المعلم يسلِّم عليك، ولما أعلمتُه أن جسمَك ضعيفٌ احترق قلبُه ولم يستطع صبراً، وقد جاء ليبصرَك، وإنه بسبب ضعفهِ ما أمكنه المجيء إليك». فلما سمع الراهبُ ذلك الكلام خرج لوقتهِ للقائه بلا كساءٍ ولا قلنسوة على رأسهِ ولا عصا بيده. فسبقه التلميذُ إلى معلمهِ وقال له: «هوذا الراهبُ قد ترك قلايتك وها هو حاضرٌ ليودِّعك ويأخذ بركة صلاتك قبل ذهابهِ وانصرافهِ بسلامٍ». فلما سمع الشيخُ هذا الكلامَ تذكَّر كلامَه ومراسلاته له، وانكشفت عنه غمامةُ الحسدِ وبقى حائراً في نفسِه ماذا يعمل، وخجل من لقائِه، ولشده الحياءِ لم يقدر أن يرفعَ عينيه نحوه، فأخذ يولي الأدبار، فلما رآه التلميذُ على هذه الحال سجد له وقال: «يا أبتاه، التقِ بأخيك دون خجلٍ فإن جميعَ الكلامِ الذي قلتَه لي لم يصل إلى مسامعِه قط». فلما سمع الشيخُ بهذا الكلام فرح جداً، والتقى بالراهب بفرحٍ وقلبٍ نقي، ورجع معه إلى قلايته. فقال له الراهب: «اغفر لي يا أبتاه، لأنه كان الواجب عليَّ أنا أن آتي إليك، لأنك تعبتَ في المجيء إليَّ». فلما رجع الشيخُ إلى قلايته سجد بين يدي تلميذهِ وقال له: «إنك من الآن أنت الأب وأنا لا أستحق أن أكونَ لك تلميذاً، لأنك بعقلِك وسلامة ضميرك وحسن إفرازك خلَّصت نفسي من الفضيحةِ».

قيل أيضاً: «إنه كان يوجد شيخٌ له تلميذٌ جيد. ومن المللِ كان الشيخُ يخرجه خارج الباب ويزدري به، فكان التلميذُ يمكث جالساً خارجاً، ولما فتح الشيخُ البابَ في اليوم الثالث، وجده جالساً، فأدى له الشيخُ مطانية وقال له: «يا ولدي إن تواضعك وطول أناتك قد غلبا شرِّي وصغر نفسي، فهلم الآن إلى داخل، ومنذ الآن، كن أنت الشيخَ وأنا التلميذ».

قال الأب أوراسيوس: «إن عجينةَ فطيرٍ تُطرح في أساسٍ بقرب نهرٍ، لا تثبت ولا يوماً واحداً، وأما المطبوخة بالنارِ فتثبت كالحجرِ. هكذا كلُّ إنسان ذي عقل بشري، إذا صار رئيساً فإنه ينحلّ من التجارب إن لم يُطبخ بخوفِ الله مثل يوسف، فالأفضل للإنسان أن يعرفَ ضعفَه ويهرب من نير الرئاسةِ».

قيل عن أخٍ راهب كان يسكن القلالي، هذا أقام عشرين سنةً مواظباً على القراءة ليلاً ونهاراً، وذات يومٍ نهض وباع الكتبَ والمصاحفَ التي كان قد اقتناها، وأخذ وشاحَه وذهب إلى البريةِ الجوانية. فالتقاه أنبا إسحق وقال له: «إلى أين تمضي يا ولدي»؟ فأجابه الأخُ قائلاً: «يا أبي، إن لي عشرين سنةً وأنا أسمع أقاويلَ الكتبِ فقط، والآن أريدُ أن أبدأَ في الابتعادِ عملاً بما سمعتُه من الكتبِ»، فقدَّم الشيخُ صلاةً من أجلهِ ثم أطلقه.

قال أنبا أفرآم: إن أحدَ الإخوةِ سأل أخاً له قائلاً: «إن الأب أمرني بالمضي إلى المخبز لنخبز خبزاً برسم الإخوةِ، ولما كان عُمالُ المخبزِ علمانيين يتكلمون بما لا يليق، فلستُ أنتفعُ من سماعِ ما يقولونه، فماذا أصنعُ»؟ فأجابه قائلاً: «أما رأيتَ في المكتبِ صِبياناً كثيرين، وكيف أن كلَّ واحدٍ منهم يقرأُ ما لا يقرأه رفيقُه لعلمهِ أن معلمَه يطالبه فقط بإتقان ما يختص به ولا يطالبه بإتقان ما يختص بغيره، فإن كنتَ أنت تنهزمُ للآلام بمجرد سماعِك فظيع الكلام، فاستمع لقول القائل: امتحنوا سائرَ الأشياءِ وتمسكوا بأحسنِها».

وقال أيضاً: «وما لنا وللعالم، وما لنا بمعاملاته؟ نحن قد مُتنا عن العالم، كلٌّ منا بأكلةٍ يسدُّ جوعَه، وأيدينا تساعدنا على خدمةِ جسدِنا بمعونةِ الله لنا، لأنه قال: لا يوجد متجندٌ يقوم بنفقةِ نفسه بانشغاله في أمورِ الحياة، إذ كيف يستطيع وهو مشغولٌ أن يُرضي قائدَ الجيش ومليكه».

قال أنبا إشعياء: «إن مضيْتَ إلى رؤساءِ العالم مريداً مصادقتهم فليس فيك مخافةُ الله».

وقال أيضاً: «إياك أن تقتني لك أصدقاءً من بين رؤساءِ الدنيا لكي لا يبعد اللهُ عنك».

وقال أيضاً: «إن شئتَ أن تكونَ معروفاً عند الله، فلا تُعرِّف الناسَ بنفسِك، لأن المرتبطَ بأمورِ العالم إذا سمعَ الحقَّ يُرذلُ قائلَه».

قال أنبا أبوللو: «لتكن عندكم هذه علامةً عظيمةً للنجاحِ متى اقتنيتم عدمَ الشهوةِ لشيءٍ ما من أمورِ العالم، لأن هذا هو فاتحة جميع مواهب الله».
 

 

 

تأهل أحدُ الشيوخ لمواهب الله، وذاع صيتُ فَضلِهِ فاستدعاه الملكُ لينال بركةَ صلاتِهِ، فلما تناقش معه وانتفع منه، أحضر له مالاً، فقبله الشيخ وعاد به إلى قلايتِهِ، وبدأ في تنظيفها وتعميرها، فجاءه مجنونٌ (بروحٍ نجس) فقال له حسب عادتهِ: «اخرج من خليقةِ الله». فقال له الشيطانُ: «لن أطيعَك». فقال الشيخُ: «ولِمَ»؟ فأجابه: «لأنكَ صرتَ واحداً من خدامِنا إذ تركتَ عنك الاهتمامَ بالله، وأشغلتَ ذاتَك بالاهتمام بالأرضيات».

وراهبٌ آخر كان فاضلاً جداً لدرجةِ أنه كان يُخرج الشياطين بصلاتِهِ، وكانت له أمٌ عجوز مسكينةٌ، فحدثت مجاعةٌ عظيمةٌ، فأخذ الراهبُ خبزاً ومضى ليفتقد والدته، وبعد أن رجع إلى قلايتهِ أُحضر أمامه مجنونٌ فقام ليصلي عليه كعادتهِ، فأخذ الشيطانُ يهزأ به قائلاً: «ماما، ماما».

قيل عن الأب مقاريوس الصعيدي: إن إنساناً (دوقس) حضر من القسطنطينية ومعه صدقة للزيارة، فزار قلالي الإخوة طالباً من يقبل منه شيئاً، فلم يجد أحداً يأخذ منه لا كثيراً ولا قليلاً. وكان إذا قابل أحدَهم أجابه بأن لديه ما يكفيه، وأنه مصلِّ من أجلِهِ كمثل من أخذ منه تماماً، فصار ذلك الدوقس متعجباً، ثم أنه أحضر ذلك المال إلى القديس مقاريوس وسجد بين يديه قائلاً: «لأجلِ محبةِ المسيح اقبل مني هذا القليل من المال برسم الآباءِ». فقال له القديس: «نحن من نعمِةِ الله مكتفين، وليس لنا احتياجٌ إلى هذا، لأن كلاًّ من الإخوة يعملُ بأكثرِ من حاجتِهِ». فحزن ذلك المحتشم جداً وقال: «يا أبتاه من جهةِ الله لا تُخيِّب تعبي واقبل مني هذا القليل الذي أحضرتُهُ». فقال له الشيخُ: «امضِ يا ولدي وأعطه للإخوةِ». فقال له: «لقد طفتُ به عليهم جميعاً، فلم يأخذوا منه شيئاً، كما أن بعضَهم لم ينظر إليه البتةَ». فلما سمع الشيخُ فرح وقال له: «ارجع يا ابني بمالِك إلى العالم وأهلِهِ، لأننا نحن أناسٌ أموات». فلم يقبل المحتشمُ ذلك. فقال له القديس: «اصبر قليلاً». وأنه أخذ المالَ وأفرغه على بابِ الدير وأمر بأن يُضرب الناقوس، فحضر سائرُ الإخوةِ وكان عددُهم ألفين وأربعمائة، ثم وقف الأب وقال: «يا إخوةُ، من أجلِ محبة السيد المسيح، إن كان أحدُكم محتاجاً إلى شيءٍ فليأخذ بمحبةٍ من هذا المال». فعبر جميعُهم ولم يأخذ واحدٌ منه شيئاً. فلما رأى الدوقس منه ذلك صار باهتاً متعجِّباً متفكِّراً، ثم ألقى بنفسِهِ بين يدي الأب وقال: «من أجلِ اللهِ رهبني». فقال له القديس: «إنك إنسانٌ كبيرٌ ذو نعمةِ وجاهِ ومركز، وشقاءُ الرهبنةِ كثيرٌ، وتعبُها مريرٌ، فجرِّب ذاتَك ثم أخبرني». فقال: «وبماذا تأمرني أن أفعلَه من جهةِ هذا المالِ»؟ فقال له: «عمِّر به موضعاً بالأديرةِ». ففعل، وبعد قليلٍ ترهب، صلاته تكون معنا، آمين.

قيل عن القديس مقاريوس الوسطاني إن إنساناً أتاه بعنقودٍ مبكرٍ. فلما رآه سبَّح الله وأمر أن يُرسلوه إلى أخٍ كان عليلاً، فلما رآه الأخُ فرح، وهمَّ أن يأخذَ منه حبةً واحدةً ليأكلها، لكنه قمع شهوَتَه، ولم يأخذ منه شيئاً وقال: «خذوه لفلان الأخ لأنه مريضٌ أكثر مني». فلما أخذوا العنقودَ إليه رآه وفرح، لكنه قَمَعَ شهوتَه، ولم يأخذ منه شيئاً. وهكذا طافوا به على جماعةِ الإخوةِ فكان كلُّ من أخذوه إليه يعتقدُ أن غيرَه لم يره بعد، وهكذا لم يأخذوا منه شيئاً. وبعد أن انتهوا من مطافِهِم على إخوةٍ كثيرين أنفذوه إلى الأب. فلما وجد أنه لم تضع منه حبةٌ واحدةٌ، سبَّح الله من أجل قناعةِ الإخوةِ وزهدِهم. وكان القديسُ يقول: «كما أن بستاناً واحداً يستقي من ينبوعٍ واحدٍ، تنمو فيه أثمارٌ مختلفٌ مذاقُها وألوانُها، كذلك الرهبان فإنهم يشربون من عينٍ واحدةٍ، وروحٌ واحدٌ ساكنٌ فيهم، لكن ثمرَهم مختلفٌ، فكلُّ واحدٍ منهم يأتي بثمرةٍ على قدرِ الفيض المُعطى له من الله».

قال أحد الرهبان: «لا تتعرَّف بالرئيسِ ولا تتملَّقه، لئلا يحصلَ لك من ذلك دالةٌ فتشتاقَ للرئاسِةِ».

قال شيخ: «يا حنجراني، يا من تطلب أن تملأ جوفَك، الأجودَ لك أن تُلقي فيه جمرَ نارٍ من أن تتناول أطعمةَ الرؤساءِ».

قال أنبا أفرآم: «اهرب من المشارب، ولا تدخل المجالسَ لئلا تصير زانياً خِلواً من امرأةٍ تساكنك».

قال شيخ: «المنصرف إلى العالمِ بعد رفضهِ إياه، إما أن يسقطَ في فخاخِه ويتدنس قلبُه بأفكارِه، وإما أنه لا يتدنس لكنه يدين المتدنسين فيتدنس هو أيضاً».

قال القديس باسيليوس: لا تتجول في سائرِ العالم حيث لا تنتفع، ولا تحب الأسفارَ أو الطوافَ في القرى والبيوت، بل اهرب منها لأنها فخاخُ الأنفسِ. فإن ألحَّ عليك أحدُهم كي تدخل بيتَه معتقداً فيك العفةَ، فليتعلَّم ذلك الإنسان كيف يتبع إيمان قائد المائة الذي قال للسيد: «إني غيرُ أهلٍ لأن تدخلَ تحت سقف بيتي». وبذلك يقوم إيمانُهُ هذا مقامَ كلِّ شيءٍ له.

قال أنبا أفراطس: «إن شاء اللهُ حياتي فهو يعلم كيف يسوس أمري، وإن لم يشأ فما لي وللحياةِ». وكان يأبى أن يأخذَ من أحدٍ شيئاً، وإذ كان مُقعداً مُلقىً علي سريرٍ، فقد كان يقول: «إن أخذتُ من أحدٍ شيئاً، فليس لي ما أكافئه به».

وقال أيضاً: «يليق بالمتقدمين إلى الله أن ينظروا إليه وحده. ويلتجئوا إليه بوَرَعٍ هكذا، حتى لا يُعِيروا الشتيمةَ التفاتاً، حتى ولو كانوا مظلومين ربواتٍ من المرات».

قال شيخٌ: «المرائي بالمسكنةِ ويخدع بها الرحومين ليأخذَ منهم شيئاً في خفيةٍ، فهو خاطفٌ وظالم. لأنه أخذ بالرياءِ بغيرِ وجه حقٍّ، وما كان وقفاً على المساكين أخذه هو».

قال الأب زينون: «إن الراهبَ الذي يأخذُ صدقةً، سوف يعطي حساباً عنها».

قيل: حدث يوماً أن جاء إلى الإسقيط إنسانٌ غني عاد من غربةٍ وأعطى لكلِّ راهبٍ ديناراً صدقةً. وأنفذ كذلك بركةً لبعض الملازمين قلاليهم، فرأى أحدُهم في تلك الليلةِ حقلاً مملوءاً أشواكاً، وإنسانٌ يقول له: «اخرج ونظِّف حقلَ من أعطاك الأجرةَ»، فلما قام باكراً، أرسل الدينارَ لصاحبهِ قائلاً له: «خذ دينارَك، لأنه ليست لي قوةٌ على اقتلاعِ أشواكِ غيري، يا ليتني أستطيعُ اقتلاعَ أشواكَ حقلي فحسب».

قال أحدُ الآباء: «لا يكن لك في قلايتِك ثوبٌ زائدٌ عن حاجتِك ولستَ في احتياجٍ إليه، لأن هذا هو موتُك، لأن هناك قوماً آخرين غيرَك يؤلمهم البردُ، وهم أبرُّ منك وأحقُّ. وأنت الأثيم عندك ما يفضل عنك. لا تقتنِ إناءً يزيدُ عن حاجتِك حتى ولا سُكرُجة واحدة (أي طبقٌ واحد)، وإلا فعليك أن تجيبَ عما فضل عنك. لا تقتنِ ذهباً في كلِّ حياتِك وإلا فما يهتم الله بك. وإن أتاك أحدٌ بذهبٍ، وكنتَ محتاجاً، فأنفقه في قُوتِك، وإن لم تكن محتاجاً، فلا يبيت عندك. إن شئتَ أن تمتلك النوحَ، فاجتهد أن تكونَ أوانيك وكلُّ أمتعتك مسكينةً فقيرةً، مثل الإخوة الشحاذين. إذا اقتنيتَ مصحفاً (أي إنجيلاً) فلا تتنمَّق في تجليدِه ولا تُزيِّنه. ثوباً جديداً لا تلبس، لأن جميعَ هذه تمنع من النوحِ. وبالإجمال، ليكن جميعُ ما هو لك مما لا تتألم على فقدانِه. ثيابُك وحذاؤك وكلُّ أوانيك لتكن هكذا حتى لو جاء قومٌ ليسرقوها لا يرضون بها ولا يعجبهم شيءٌ منها».

وقال أحدُ الآباءِ أيضاً: «إن اللهَ يحتملُ خطايا أهلِ العالم، أما خطايا أهلِ البراري فلا يحتمل، لأن ما يطالبُ به أهلَ العالم يختلفُ عما يطلبه ممن قد تخلُّوا عن العالم. لأنَّ مَن هو في العالم له أعذارٌ كثيرةٌ، فأما نحن، فأيُّ عذرٍ لنا، نحن الذين قد قصدنا البريةَ، وتغرَّبنا فيها؟ الحقيقةَ، إن عقاباً شديداً وناراً تلتهب تلحَقُ بالعارفين لمشيئةِ الربِّ ولا يسلكون بمقتضاها».

قال القديس باسيليوس: «هذا ما يليق بالراهبِ: التمسكن، عقلٌ منخفضٌ، نظرٌ مُطرقٌ إلى الأرض، وجهٌ مُقَطَّبٌ، زيٌ مهمل، ثوبٌ وسخ حتى يكون حالُنا كحالِ النائحين الباكين، ثوبٌ بقدر الجسدِ لأن الغرضَ منه شيءٌ واحدٌ هو ستر الجسد من الحرِ والبرد، ولا نطلب ازدهار الصبغ وحسنَه ولا نعومةَ الثوبِ ولا ليونَتَه، لأن الميلَ إلى ذلك من صفاتِ النساء، كما يجبُ أن يكونَ الثوبُ سميكاً حتى لا يحتاج الأمرُ إلى وشاحٍ ليدفئَ من يلبسه. وليكن الحذاءُ بسيطاً يتمم الحاجةَ الداعيةَ إليه فقط. وكذلك الحال في الطعامِ، خبزةٌ واحدةٌ تسدُ الجوعَ، والماء ليروي ظمأ العطشان. أما المشي فلا يكون بطيئاً بانحلالٍ كما لا يكون بسرعةٍ وعجرفةٍ حيث الحركات الخطرة».

من كلام مار إسحق: «شيطانُ الزنى يرصُدُ ثوبَ الراهبِ، هل يلبسه باستمرارٍ أو يغيره عند التقائهِ بآخر، لأن هذا هو مفتاحُ الزنى».

وقال أيضاً مخاطباً الإخوة: «إن آباءَنا كانوا يلبسون خرقاً موصولةً قديمةً، وأغطيةً عتيقةً. أما الآن فلباسُنا ثيابٌ غالية الثمن. امضوا من ههنا ، فقد أفسدتم ما كان ههنا». ولما كانوا عتيدين أن يمضوا إلى الحصادِ قال لهم: «لن أوصيكم بشيءٍ لأنكم لا تحفظون شيئاً».

قال أنبا بموا: «يليقُ بالراهبِ أن يلبسَ ثوباً لو تركه خارج قلايتهِ أياماً مطروحاً، لا يرضى أحدٌ أن يأخذه لحقارتهِ».

قيل عن يوحنا فم الذهب: «إن مدةَ إقامتهِ في البطريركية كان غذاؤه ماءَ الشعير والدشيشة يومياً، كما كان يأخذ طعامَه بوزنٍ ومقدار. وهذا ما جعله ينسى الشهوةَ، أما ثوبُه فقد كان من خِرَقٍ وشعرٍ خَشِن، ولم يكن له ثالثٌ».

وبخصوص البعدِ من الأقرباءِ قيل: إن راهباً سأل الأب برصنوفيوس بشأنِ أخيه العلماني المحتاج إلى ثوبٍ، فأجابه: «أتسألني أيها الأخ بخصوصِ أخيك؟ إني لا أعرفُ لك أخاً غيرَ المسيح، فإن كان لك إخوةٌ فاعمل معهم ما شئتَ، فأنا ليس لي كلامٌ، لأنه إن كان الربُ نفسُه قال: من هي أمي ومن هم إخوتي؟ فماذا أقول أنا لك؟ هل تطرح وصيةَ الربِ وترتبط بمحبةِ أخيك حتى ولو كان مفتقراً إلى ثوبٍ، وإن كنتَ قد ذكرتَ أخاك، فلِمَ لم تتذكر المساكين الآخرين، لا بل لم تذكر القائل عن نفسِه: إني كنتُ عرياناً ولم تكسوني. ولكن الشياطين تُلاعبك بل وتُذكِّرك أيضاً بأولئك الذين كنتَ قد جحدتَهم لأجلِ المسيح لكي ما تظهر مخالفاً لأوامره».

كذلك قيل: سأل أحدُ الإخوةِ شيخاً وقال له: «إن أختي مسكينةٌ فهل أعطيها صدقةً، إذ ليس لها نظيرٌ في المساكين»؟ قال له الشيخُ: «لا». قال الأخ:« لِمَ أيها الأب»؟ قال له الشيخ: «لأن الدمَ يجذبُك إلى ذلك، أكثر من وصيةِ المسيح».

قيل كذلك إن أحدَ الإخوةِ كانت له والدةٌ تقيةٌ، فلما حدثت مجاعةٌ كبيرةٌ، أخذ قليلاً من الخبزِ ومضى إليها، ولما كان يسيرُ جاء إليه صوتٌ قائلاً: «أتهتم أنت بوالدتك أم أنا المهتمُ بها»؟ فميز الأخُ قوةَ الصوتِ، وخرَّ على الأرضِ بوجههِ قائلاً: «أنت يا ربُّ هو المهتمُ بنا». ونهض راجعاً إلى قلايتهِ. وفي اليوم الثالثِ جاءت إليه والدتُه وقالت له: «إن فلاناً الراهب أعطاني قليلاً من الحنطةِ، خذها واصنع لنا أرغفةً لنأكلَ». فلما سمع الأخُ بذلك، مجَّد الله وقوي أملُه.

قال أحدُ الآباء: «إن جحدتَ أنسباءَك بالجسدِ مع أمورِ الجسدِ لأجلِ الله، فلا تنخدع للرحمةِ على والدتك أو ابنك أو أخيك أو أحد أنسبائك، لأنك قد تخليتَ عن هذه كلِها، اذكر ساعةَ موتِك، فلن ينفعَك واحدٌ منهم».

قيل عن أحدِ رهبانِ الإسقيط (إنه كان له ولدٌ قبل رهبنتِه) وأنَّ ولدَه أُخذَ في خدمةِ السلطان، فكتبت أمُّ الصبي إلى زوجِها الراهب أن يسأل الوالي في إطلاقه، فأجاب الراهبُ وقال للمرسال: «إن هو أُخلي سبيله أما يأخذون غيرَه»؟ قال: «نعم». قال الراهب: «وأية منفعةٍ من أن أُفرِّح قلبَ هذه، وأُحزن قلبَ أخرى»؟ وكان ذلك الراهب يعملُ عملاً متواصلاً، فكان يأخذُ منه حاجتَه، وما بقي بعد ذلك يفرِّقه على المساكين، فلما حدثت مجاعةٌ عظيمةٌ، أرسلت الوالدة ولدَه إليه تطلب منه أن يعطيها خبزاً قليلاً، فلما سمع الراهبُ قال لولدِه: «أما يوجد في الموضعِ قومٌ آخرون محتاجون مثلُكم»؟ فأجابه: «نعم يا أبي كلُّ الناسِ محتاجون». فأغلق البابَ في وجههِ وتركه باكياً وقال: «امضِ يا ولدي، والمهتمُ بالكلِّ يهتم بكم». فسأل أحدُ الإخوة الشيخَ قائلاً: «أما يؤلمك الفكرُ إذ رددتَ هكذا»؟ فأجابه: «إن لم يُكره الإنسانُ نفسَه في كلِّ أمرٍ، فما يقدر أن يُقِّوم شيئاً من الصلاحِ البتةَ».

كان لأحدِ الرهبان أخٌ علماني وكان يواسيه من عملهِ وبقدر ما كان يواسيه، كان ذاك يفتقرُ أكثر. فمضى الراهبُ وأخبر أحدَ الشيوخِ، فقال له: «إن سمعتَ مني، فلا تعُد تعطيه شيئاً بعد، بل قل له: لما كان لي كنتُ أعطيك، أما الآن، فبقدر ما تيسَّر لك هات أنت لي. وكل ما يأتي به إليك أعطِه للمساكين واسألهم أن يصلَّوا من أجلِه». فلما جاء أخوه العلماني، قال له كما أعلمه الشيخُ، فمضى من عندِه كئيباً. وفي اليوم الثالث، أحضر له من تعبهِ قليل بَقلٍ، فأخذها الراهب وأعطاها للشيوخِ وسألهم أن يصلُّوا من أجلِه. ولما جاء ثاني مرة، أحضرَ له بقولاً وثلاث خبزات، فأخذها الراهبُ وعمل مثلما عمل أولاً، ولما جاء لثالثِ مرةٍ، أحضر له أشياءً ذاتَ ثمنٍ كنبيذٍ وسمك. فلما رأي الراهبُ ذلك تعجَّب واستدعى المساكين وأطعمهم وقال لأخيه: «هل أنت محتاجٌ إلى قليلٍ من الخبزِ فأعطيك»؟ فقال له ذاك: «لا يا أخي، لأني لما كنتُ آخذ منك شيئاً، كان كأنه نارٌ يدخلُ إلى بيتي فتأكله، وكأنه هباءٌ تأخذه الريح فلا أجده. ومنذ أن توقفتُ عن أن آخذ منك شيئاً، بارك الله لي». فمضى الراهبُ وأخبر الشيخَ بكلِّ ما جري فقال الشيخُ: «إن متاعَ الراهبِ هو نارٌ، أينما دخل أحرقَ».

قال أحدُ الآباء لراهب له مقتنيات: «لقد سُمي الراهبُ متوحداً لأنه أصبح يعيشُ وحدَه، لا يمتلك شيئاً. فإن كان له مِلكٌ يُجار عليه ويُظلم فيه، أو يجور هو ويَظلم، فليس هو إذن براهبٍ. لأن نواميسَ الملوك لا تُسلِّم بأن يحاكَم الرهبانُ في مجالسِ أحكامِهم، لأنهم قد ماتوا عن العالم، ولذلك فقد عَدِمَ كلَّ عفوٍ ذلك الراهبُ الذي يُدخِل نفسَه في مجالسِ الحكام لأجل شيءٍ يُظلم فيه أو يُجار عليه».

قيل أيضاً: أراد في يومٍ من الأيام والي البلاد أن يشاهد أنبا بيمين. لكن الشيخَ لم يشأ ذلك. فقبض الوالي على ابن أختِه بهذه الحجة وحبسه، كأنه قد عمل عملاً منكراً. وقال: «إن جاء الشيخُ وسألني من أجلِه فسوف أُطلقه». فجاءت إليه أختُه باكيةً على الباب، فلم يُجبها بجوابٍ البتة. فكرَّرت عليه قائلةً: «يا قاسي القلب، ويا حديدي الأحشاء، ارحمني فإنه وحيدي وليس لي سواه». فقال لها: «بيمين ما ولد أولاداً». فلما سمع الوالي قال: «وإن سألني بالمكاتبةِ فقط فإني أُطلقه». فأجاب الشيخُ قائلاً: «افحصه على ما يأمرُ به الشرعُ، فإن كان مستحقاً للقتل فليُقتل، وإلا فافعل كما تريد».

قال أحدُ الشيوخ: إن الرهبان المتوشحين بالزي المقدس، القاطنين في الأديرةِ، لا يليق بهم أن يقولوا: «لي ولك، ولهذا ولذاك». والجماعةُ المشتركة كذلك، ليس لهم أن يعتبروا شيئاً ما ملكاً لواحدٍ منهم. ولا يدورُ فيما بينهم القولُ: «لي ولك، ولهذا ولذاك». وإلا فما يليقُ أن تُدعى الجماعةُ بالكنوبيون، أي العيشة المشتركة، بل تُدعى مجامعَ لصوصٍ ومغارةً مملوءةً من كلِّ رذيلةٍ وسلبٍ للأشياء الطاهرة».

من الديادوخس: «الذي قد حظي وقاراً بمعرفةٍ مقدسة وذاقَ الحلاوةَ الإلهية، لا يجبُ له أن يحاكِم قط ولا يقيم دعاوى أو يجذب إلى مجلسِ حكمٍ بالجملةِ، حتى ولو سلب سالبٌ ملابسَه، لأن عدالة السلاطين في هذا الدهر ليست شيئاً بالمرة بالنسبة إلى عدالة الله. وإلا فأي فارقٍ إذن بين أولاد الله وأولاد هذا الدهر؟ وإليك ما فعله سيدنا يسوع المسيح، فإنه لما شتموه لم يشتم هو عوضاً، ولما آلموه لم يهدِّد، ولما نزعوا ثيابَه لم يتكلم، وتوجَّع لأجلِ خلاصنا، وما هو أعظم من ذلك كلِّه، أنه سأل الغفرانَ لفاعلي المكروه به».

سأل أخٌ شيخاً قائلاً: «أريدُ أن أقيمَ مع آخر في كنوبيون حتى أستريحَ في قلايتي، ويعطيني عملاً أعمله بيدي ويهتمُ بي». قال الشيخ: «لا تفعل ذلك، وإلا فما كنتَ تستطيع أن تعطي أحداً خبزاً».

سأل أخٌ الأب بيمين قائلاً: «أريدُ أن أدخلَ إلى كنوبيون وأسكن فيه». فقال له الشيخُ: «إن شئتَ سكنى الكنوبيون، فإن لم تعتق نفسَك من هَمِّ كلِّ محادثةٍ، وتبتعد عن سائرِ الأشياء، فلا يمكنك سكنى كنوبيون، لأنه لن يكون لك هناك سلطانٌ إلا على عصاك».

قال أحدُ الآباء: إن شئتَ أن تجدَ راحةً في هذه الدنيا، قل في كلِّ أمرٍ تعمله: «أنا من أنا»؟ كما لا تدن أحداً.

وقال آخر: «ليكن فكرُك فكراً صالحاً هادئاً في أيِّ موضعٍ سكنتَ فيه، كما لا تطلب أن تُلقي قولَك قدامك، فتستريح».

وقال آخر: حيثما تجلس قل: «غريبٌ أنا، غريبٌ أنا».

وقال آخر: جاور من يقول: «أيَّ شيء أريد أنا»؟ فبمجاورتك لذاك سوف تجد راحةً.

وقال آخر: «لا تسكن في موضعٍ له اسم، ولا تجالس إنساناً عظيمَ الاسم».

سأل أخٌ الأب بيمين قائلاً: «ما معنى قوله: الذي يغضبُ على أخيه باطلاً»؟ قال له: «إن أخذ أخوك منك شيئاً، وظلمك فيه وغضبتَ عليه بسببهِ، فغضبُك هذا يكون باطلاً، لأنك غضبتَ لأجل أشياءٍ باطلةٍ، أما إن أراد إبعادك عن الله خالِقك، فحينئذ اغضب جداً، لأن غضبَك حينئذ لا يكون باطلاً».

ومرة سَمِعَ عن إنسانٍ أنه كان يواصل صومَ ستةِ أيامٍ، لكنه كان يغضبُ، فقال: «إن كان هذا قد تعلَّم كيف يطوي الأسبوعَ، فكيف لا يتعلم كيف يُبعد عنه الغضبَ»؟

قال الأب مقاريوس: «إن كنتَ في حالِ ردعِك غيرك تَحرد وتغضب، فأولى بك أن تشفي ألمَك أولاً، لأنه لا يليقُ أن تُهلك نفسَك لتُخلِّص غيرَك».

سأل إخوةٌ الأب أرمانيوس قائلين: «ماذا يجب أن نتدبَّر»؟ فأجابهم الشيخُ: «لا أتذكر أني سألتُ في وقتٍ من الأوقاتِ إنساناً بأن يعملَ شيئاً، ما لم أسبق فأُجيل في خاطري أني لا أغضب متى خالفني، ولم يعمل بما قلتُه له. وهكذا عشنا عمرَنا كلَّه بسكونٍ وسلامٍ».

سأل أخٌ شيخاً قائلاً: «إن سكنتُ مع إخوةٍ، ورأيتُ منهم أمراً غيرَ لائقٍ فهل تشاء أن أتكلَّم»؟ قال الشيخُ: «إن كانوا هم أكبر منك أو في مستواك، فسكوتك خيرٌ لك. لأنك بسكوتك تخلص». فقال الأخُ: «فماذا أعملُ أيها الأب، لأن الأرواح تقلقني بأن أتكلمَ، وهكذا تجدني متعَباً». فقال الشيخُ: «إن كان ولا بدّ، فذكِّرهم مرةً باتضاعٍ وذلك بأن تؤخر إرادتك وتخضع لله، محتاطاً لنفسك ألا تتكلم فيهم بنميمةٍ، وعندي أن السكوتَ أفضل، لأنه دليلٌ على الاتضاع».

قال أحدُ الآباء: إنه لا يوجد أفضلُ من هذه الوصية: لا تزدرِ بأحدٍ من الإخوة، هو ذا قد كُتب: «توبيخاً توبِّخ قريبك ولا تأخذ بسببهِ خطيةً». فإن علمتَ أن أخاك مخطئٌ ولم تخبره بغلطتِه وثبت فيها يموتُ بخطيئتهِ، ما أجود التوبيخ لا سيما إذا كان بمحبةٍ واتضاع، لا بمعيرةٍ وازدراء».

قال شيخٌ: «إن كلَّ كلمةٍ يتكلمُ بها الإنسانُ ولا يستطيع أن ينطقَ بها قدامَ أخيه، فإنها تُعتبر نميمةً ووشاية».

من كتاب الدرجي: سمعتُ نمَّامين، فلما زجرتُهم قالوا لي بأنهم لا يفعلون شراً، وإنما يفعلون ذلك محبةً وشفقةً على أولئك الذين يتكلَّمون في حقِهم. أما أنا فقلتُ لهم: «ليست هذه محبةً، لكنك إن كنتَ تُحبَه حقاً، فصلِّ من أجلهِ خفيةً ولا تهجو أو تسبَّ أحداً».

قال أنبا بيمين: قد تجد إنساناً يُظنُّ به أنه صامتٌ، لكن فكرَه يدين آخرين، فمن كانت هذه صفته، فهو أبداً يتكلم. وقد تجد آخرَ يتكلم من بُكرةٍ إلى عشيةٍ، ويلازم الصمتَ، أعني أنه لا يتكلم كلمةً بلا منفعةٍ.

وقال شيخ: «إن شئتَ معرفةَ الطريقِ فعليك بأن تعتقدَ في ضاربك كاعتقادِك فيمن يحبك، وفي شاتمك كمن يمجِّدك، وفي ثالبك كمن يكرِّمك، وفي مُخزيك كمن ينيِّحك».

وقال آخر: «إن لم يكن قد صار عندك الامتهان كالإكرام، والخسران كالربح، والغربة كالقرابة، والعَوَز كالفضيلة، فامضِ واعمل ما شئتَ».

وقال آخر كذلك: «إن لم يعتقد الإنسانُ فيمن يظلمه كاعتقادِه في الطبيبِ، فإنه يظلم نفسَه ظُلماً عظيماً، فسبيلُك أن تتذكر من يظلمك كتذكرك طبيباً نافعاً لك، مُرسَلاً من قِبل المسيح إليك كما يلزمَك أن تتألم من أجلِ اسمِهِ».

قيل عن القديس مقاريوس: إنه كان في بعضِ القلالي أخٌ صدر منه أمرٌ شنيع وسمع به الأب مقاريوس، ولم يُرد أن يبكِّته. فلما علم الإخوةُ بذلك لم يستطيعوا صبراً. فما زالوا يراقبون الأخَ إلى أن دخلت المرأةُ إلى عِندِه. فأوقفوا بعضَ الإخوةِ لمراقبتهِ، وجاءوا إلى القديس مقاريوس. فلما أعلموه قال: «يا إخوة لا تصدقوا هذا الأمرَ، وحاشا لأخينا المبارك من ذلك». فقالوا: «يا أبانا، اسمح وتعالَ لتبصرَ بعينيك حتى يمكنك أن تصدِّق كلامَنا». فقام القديسُ وجاء معهم إلى قلاية ذلك الأخ كما لو كان قادماً ليسلِّم عليه، وأمر الإخوةَ أن يبتعدوا عنه قليلاً. فما أن علم الأخُ بقدومِ الأبِ حتى تحيَّر في نفسِه، وأخذته الرعدةُ وأخذ المرأةَ ووضعها تحت ماجورٍ كبيرٍ عنده، فلما دخل الأب جلس على الماجور، وأمر الإخوةَ بالدخول، فلما دخلوا وفتشوا القلايةَ لم يجدوا أحداً ولم يمكنهم أن يوقفوا القديس من على الماجور، ثم تحدثوا مع الأخِ وأمرهم بالانصراف. فلما خرجوا، أمسك القديس بيدِ الأخ، وقال: «يا أخي على نفسِك احكم قبل أن يحكموا عليك، لأن الحكمَ لله». ثم ودَّعه وتركه، وفيما هو خارجٌ، إذ بصوتٍ أتاه قائلاً: «طوباك يا مقاريوس الروحاني، يا من قد تشبَّهتَ بخالقك، تستر العيوبَ مثلَه». ثم أن الأخَ رجع إلى نفسِه وصار راهباً حكيماً مجاهداً وبطلاً شجاعاً. صلوات جميعهم تكون معنا آمين.

 

 

ن تعاليم القديس برصنوفيوس ليكن الأخُ الذي يقيمُ معك مثلَ ابنٍ وتلميذٍ، وإن هو أخطأ وأفسدَ شيئاً فعظه واكشف له خطأه لكي ما يرجع عنه، وإن هو كتجربةٍ نيَّح آخرَ أكثرَ منك، فلا تحزن، فلعل الله أراد ذلك. فاصطبر لكلِّ محنةٍ لأنه بالصبرِ على الأحزانِ نقتني أنفسَنا، وبالأحزانِ نشارك يسوعَ في أوجاعهِ، وإذا شاركناه في أوجاعهِ، فإننا نشاركه في مجدِه. كذلك عظ ابنَك بخوفِ الله، صافحاً عن خطايا أخيك، ألا تعلم أنه إنسانٌ تحت التجارب، والله يعطيكما طقسَ السلامةِ بخوفهِ. اعلم أن الشيطان يريدُ أن يبلبلك بالغضبِ بسببِ الأخِ الذي معك قائلاً لك: «إذا كلَّمتَه مرةً ومرتين فاتركه يعمل حسبَ هواه وكن بلا همٍ كما قال الآباء». فاعلم أن هذا الفكرَ ليس بحسبِ مشيئةِ الله، لأن ما تجمعه وتستزيده في أيامٍ كثيرةٍ، تفرغ الكيسُ منه في لحظةٍ واحدةٍ فتبقى مفلساً. أما طولُ الروحِ الذي بحسب مشيئةِ الله، فهو بالصبرِ إلى التمامِ بدون قلقٍ، وأما طولُ الروحِ الكاذب الذي أصابك من خداعِ الشيطانِ، الذي يولِّد للأخِ سجساً وغضباً، فإنه يصيب قليلي الرأي. وهذا ما أقوله لك، فإذا علمتَ أنك مع تلميذِك مثلُ الأبِ مع ابنِه، فبدلاً من أن تلكز نيَّة الأخِ دفعةً واحدةً كلَّ يومٍ وتُعرِّفه خطأه كما هو واجبٌ عليك، نراك وقد صيَّرته بسكوتِك لا يعلم غَلَطَه، وبعد أن تطيلَ روحَك عليه أياماً كثيرةً، إذا بك تلكزه لكزةً واحدةً في موضعٍ يصيبُ منه مقتلاً، فتنزع روحَه منه. فاعلم يا أخي أنك مخدوعٌ، إذ تقول إن خطايا الأخ كائنةٌ حقاً، فقل لي: إذا كنتَ تعلم باستقصاءٍ أن خطاياه حقٌ، فهل وصفتَ له العلاج ليصِحَّ منها؟ أليس هذا من الإعجابِ والكبرياءِ؟ وأيضاً بشأنِ أيِّ الخطايا قال الربُّ: إن لم تتركوا للناسِ خطاياهم، لا يترك لكم أبوكم خطاياكم. أليس بشأنِ الخطايا الحقانية؟ فكيف تدين أنت أخاك من أجلِ ما لا صحة له، فأنت بذلك تُلقي نفسَك في أشدِّ العذاب. لأنك إذا طالبتَ أخاك هكذا، طالبَك الله بشأنِ خطاياك، فأما المكتوب فهو: لا تدع الشمسَ تغرُب على غيظِكم، واحملوا ثِقلَ بعضِكم بعضاً. وكيف يخدمك الأخ؟ أليس في شأنِ الله؟ فإذا قرعت فكرَه، فأمسك أنت لفكرِك، ولا تحسب نفسَك شيئاً وأنت تتنيح، وقاتل الأفكار التي تجلب لك السجسَ وأنت تُعان.

سؤال: «إني قد وعظتُ الأخَ بحبِّ الله، وقد تسجستُ بسببِ كونهِ لم يقبل مني، فماذا أفعل»؟

الجواب: «أنت لا تفهم ما تقول، فإن كنتَ من أجلِ الله وعظتَه فكيف تسجَّستَ؟ لأن العظةَ من أجلِ اللهِ لا تدع الإنسانَ يتسجس، حتى ولو وقع الموعوظُ في الواعظِ لاحتمل ثقلَه ولم يتسجس، وإنما كلُّ عظةٍ تدع السجس يدخلُ في قلبِ الإنسانِ فهي ليست في ذاتِ الله، لكنها شيطانيةٌ، مختلطةٌ بتزكيةِ الذاتِ. فقد بان إذن أن الأمرَ تجربةٌ، ولكن اللهَ يُبطلها عنكما ويمنحكما معرفةً لتفهما حيلَ العدو، وينجيكما منه، فصليا من أجلي».

سؤال: «يا أبي، إن الأخ يحتقرني جداً، وأحبُّ أن أُبدِّله بتلميذٍ آخر، أو أبقى وحدي، لأن فكري يقول لي: لو كنتَ وحدك ما كنت تحزن».

الجواب: «لا يجب أن تقبل تزكيةَ نفسِك، ولا تقل: لو كنتُ وحدي ما كنتُ أحزن، لأنه لا يكون خلاصٌ بدونِ أحزان، لأنك بقولِك هذا تُبطل الكتابَ القائل: كثيرةٌ هي أحزان الصديقين ومن جميعِها ينجيهم الربُّ. وأيضاً: كثيرةٌ هي جلدات الخطاة. فإن كنتَ صدِّيقاً أو كنتَ خاطئاً، فواجبٌ عليك قبول الأحزان، وليست هناك أشياء يتساوى الأمر في فائدتِها مثلَ الأحزان، لأن الأحزانَ هي مقدمة الخلاص، لأن الرسولَ يقول: إننا بأحزانٍ كثيرةٍ ندخل ملكوت السموات. فالذي يطلبُ النياحَ في كلِّ شيءٍ ليسمع: إنك قد أخذتَ خيراتك في حياتِك. فإن كان ربنا قد صبر من أجلِنا على الأوجاعِ، فواجبٌ علينا أن نصبرَ على الأحزانِ لنكونَ شركاءَه في آلامهِ المحيية. أما بخصوص استبدال تلميذك بتلميذٍ آخر، فالأمر واحدٌ، لأنك إذا اتخذتَ آخر، وصادفك منه ما يحزنك، فماذا عملتَ؟ فيجب عليك إذن احتمال التلميذ الذي لك، وسياسته، ويلزمه هو القبول منك، على أن تحتمل أنت ثقله بخوفِ الله».

من أجلِ العملِ الداخلي، قال: «العملُ الداخل هو وجعُ القلبِ الذي يجلبُ الطهارةَ، والطهارةُ تلد سكوتَ القلبِ الحقاني، وهذا السكوتُ يلدُ التواضعَ، والتواضع يصيِّر الإنسانَ مسكناً لله. وهذه السكنى تطرد الأعداءَ الأشرارَ مع كافةِ الأوجاعِ الوسخةِ، وتحطم الشيطانَ رئيسَها، فيصير الإنسانُ هيكلاً لله طاهراً مقدساً مستنيراً فرحاً ممتلئاً من كلِّ رائحةٍ طيبةٍ وصلاحٍ وسرورٍ، ويصبح الإنسانُ لابساً لله، نعم، ويصير إلهاً، لأنه قال: أنا قلتُ إنكم آلهةٌ، وبني العليِّ تُدعَون. وحينئذ تنفتح عينا قلبهِ، وينظر النورَ الحقاني، ويفهم أن يقولَ: إني بالنعمةِ تخلصت بالرب يسوع المسيح. فالذي يريد أن يُرضي الله، فليقطع هواه لأخيه ومعلمِه، لأنه إذا فعل ذلك فهو يجد نياحاً بالربِ».

سؤال: «كيف أعرف الفكرَ الذي من الله والفكرَ الذي من الطبيعةِ والفكرَ الذي من الشيطان»؟

الجواب: «إفراز هذه المسألة إنما يكون للذين قد بلغوا إلى التمامِ، لأنه إن لم تَطهُر العينُ الداخلةُ بالعرقِ والعناءِ الكثير، فلا تقدر أن تفرزَ، فاقطع هواكَ للهِ في كلِّ شيءٍ وقل: ليس كما أريدُ أنا، بل ليكن ما تريده أنت يا ربي وإلهي، وهو يعمل معك كهواه. فاسمع الآن فرزَ هذه الأفكارِ الثلاثةِ: إذا تحرَّك في قلبِك فكرٌ في ذاتِ الله، ووجدتَ فرحاً، وحزناً يساوي هذا الفرح، فاعلم أن ذلك الفكرَ هو من اللهِ، فداوم فيه. فإن جاء عليك فكرٌ طبيعيٌ الذي هو الهوى الجَسَداني فادفعه، وأتمم القول القائل: أن تكفرَ بنفسِك، أي أنك تكفر بالمشيئات الطبيعية وتقطع هواك الجَسَداني. وأما أفكار الشيطان فتكون مبلبلِةً وممتلئةً أحزاناً، وهي تجرُّ إلى الخلفِ، فكلُّ أمرٍ تفكر فيه وتحس في قلبك ببلبلةٍ ولو بمقدارِ شعرةٍ، فاعلم أن ذلك من الشياطين واعلم أن ضوءَ الشياطين آخره ظلمةٌ».

وقال أيضاً: «الذين يريدون أن يسلكوا طريقاً ما، فإن لم يمشوا مع من يُريهم الطريقَ من أولهِا إلى آخرها، فلن يستطيعوا بلوغَ المدينةِ، فإن لم يترك التلميذُ هواه خلفَه ويخضع في كلِّ شيءٍ ويتضع، فلن يبلغَ مدينةَ السلامِ».

سؤال: «ما هو الاتضاع»؟

الجواب: «الاتضاع هو أن يحسبَ الإنسانُ نفسَه تراباً ورماداً، ويقول: أنا من أنا، ومن يحسبني أنا شيئاً، ومالي أنا مع الناسِ، لأني عاجزٌ. ولا يقول عن أمرٍ: ماذا؟ أو ماذا يكون هذا؟ ويكون ماشياً بخضوعٍ كثيرٍ في طرقِهِ، ولا يساوي نفسَه بغيرِه، وإذا اُحتقر ورُذل لا يغضب».

سؤال: «أخبرني يا أبي كيف يقتني الإنسانُ الاتضاعَ الكاملَ والصلاةَ الحقانية»؟

الجواب: أمّا كيف يقتني الإنسانُ الاتضاعَ الكاملَ، فالربُ قد علَّمنا ذلك بقولِه: «تعلَّموا مني فإني وديعٌ ومتواضعُ القلبِ، فستجدوا راحةً لنفوسِكم». إن كنتَ تريدَ أن تقتني الاتضاعَ فافهم ماذا عَمِلَ وتأمَّل صبرَه، واصّبر مثلَه، واقطع هواكَ لكلِّ أحدٍ، لأنه قال: «إني ما نزلتُ من السماءِ لأعمل مشيئتي، بل مشيئةَ مَن أرسلني». هذا هو الاتضاعُ الكامل، أن نحتملَ الشتيمةَ والعارَ وكلَّ شيءٍ أصاب مُعلِّمَ الفضيلةِ ربنا يسوع المسيح. وأما الصلاةُ الحقانية فهي أن يكونَ الإنسانُ مخاطباً للهِ بلا طياشةٍ، ناظراً إليه بجملتِه وأفكارِه وحواسِه والذي يسوقُ الإنسانَ إلى ذلك، هو أن يموتَ من كلِّ إنسانٍ، ومن العالمِ وكلِّ ما فيه، ويُصوِّر في عقلِه أنه قائمٌ قدام الله وإياه يُكلِّم. وهكذا يكون قد انفلتَ من الطياشةِ وانعتق منها وصار عقلُه فرحاً مضيئاً بالربِّ. وعلامته إذا وصل إلى الصلاةِ الكاملةِ، فإنه لا يتسجس البتة، ولو سجَّسه كلُّ العالمِ، لأن المصلي بالكمالِ، قد مات من العالمِ ونياحِه كلِّه، وكلُّ شيءٍ يعمله من أمورِه يكون فيه بلا طياشةٍ.

سؤال: «كيف أقدر أن أُمسكَ بطني وأن آكلَ دون حاجتي، لأني لا أستطيعُ صبراً»؟

الجواب: ليس أحدٌ يفلِتُ من هذا الأمرِ، إلا الذي بلغ إلى مقدارِ ذلك الذي قال: «إني نَسيْتُ أكْلَ خبزي من صوتِ تنهدي، وقد لَصِقَ لحمي بعظمي». فمَن كانت حالهُ هكذا، فإنه يأتي بسرعةٍ إلى قلةِ الطعامِ لأن دموعَه تصيرُ له مثلَ الخبزِ، ويبدأ إذ ذاك يتغذى من نعمةِ الروحِ القدس. صدقني يا أخي، إني أعرفُ إنساناً يعلم الربُّ أنه قد بلغ إلى هذا المقدارِ الذي ذكرتُ، حتى أنه كان لا يأكل في كلِّ أسبوعٍ مرةً أو مرتين، وكان مراراً كثيرةً يُسبى في النظرِ الروحاني، ومن حلاوةِ ذلك كان ينسى أكْلَ الطعامِ المحسوس، وكان إذا أراد أن يأكلَ يشعر كأنه شبعانٌ، ولا يجدُ لذّةً للطعامِ، وكان يأكلُ بدونِ شهوةٍ، لأنه كان يشتهي أن يكونَ دائماً مع الله، وكان يقول: «أين نحن»؟

فقال الأخُ السائل: «أنا أطلبُ إليك يا أبي أن توضِّحَ لي قوةَ هذا الأمرِ، وكيف يصيرُ الإنسانُ إلى ما ذكرتَ، فإني أجهلُ ذلك، وإذا أنا بدأتُ أقلِّل طعامي، فما يدعني الضعفُ حتى أعودَ إلى المقدارِ الأولِ، وأنت قلتَ لي إن الذي يبلغُ إلى المقدارِ الذي قيل فيه: إن لحمي لصق بعظمي من صوتِ تنهدي، هذا يصير إلى قلةِ الطعام، فبيِّن لي هذا الأمرَ»؟

قال الشيخ: هذا هو التصاقُ اللحمِ بالعظمِ، أن تصيرَ جميعُ أعضاءِ الإنسانِ ملتصقةً، أي أن تكونَ أفكارُ الإنسانِ كلُّها فكراً واحداً بالله، عند ذلك يلتصق الجَسَداني ويصير روحانياً، ويلحق الجسدُ بالفكرِ الإلهي، وحينئذ يصيرُ الفرحُ الروحاني في القلبِ يُغذِّي النفسَ ويُشبعُ الجسدَ، ويقوى كلاهُما حتى لا يكون فيهما ضعفٌ ولا ملل، لأن ربَنا يسوعَ المسيح إذ ذاك يكون الوسيطَ ويوقف الإنسانَ بالقربِ من الأبوابِ التي ليس داخلها حزنٌ ولا وجعٌ ولا تنهد. وحينئذ يتمُّ القولُ: «حيث يكون كنزُك، فهناك يكون عقلُك». فالذي يبلغُ إلى هذا المقدارِ فقد اقتنى الاتضاعَ الكاملَ بيسوعَ المسيحِ ربنا الذي له المجد إلى الأبد آمين.

 

 

ن كلام القديس سمعان العمودي: «إذا كانت حُمَّى الجسدِ تمنعه من أن يعملَ أعمالَه الجَسَدَانية، كذلك مرضُ النفسِ بالخطيةِ يمنعها من ممارسةِ أعمالِ الحياةِ الروحانية، فالله يريدُ من النفسِ أن تحبَّه وتطلبه بحرصٍ، فإذا أحبَّته وطلبته بكلِّ قوَّتِها، فحينئذ يسكنُ فيها ويملك على أفكارِها فيهديها إلى ما يريدُ لها».

قال شيخٌ: «إنَّ الله يطالبُ الإنسانَ بثلاثةٍ: العقلَ، الكلامَ الروحاني، والعملَ به. المجدُ الباطل يتولَّد من ثلاثةٍ: طلب التعليم، وطلب الاتساع في الأشياءِ، وطلب الأخذ والعطاء. وثلاثةٌ تسبقُ كلَّ خطيةٍ: الغفلة، النسيان، والشهوة. حاملُ الأمواتِ يأخذُ الأجرةَ من الناسِ، وحاملُ الأحياءِ، أعني المحتمل، يأخذُ الأجرةَ من الله».

سأل أخٌ الأنبا بيمين قائلاً: «كيف ينبغي للراهبِ أن يجلسَ في قلايتهِ»؟ فقال له: «أما الظاهر من الجلوسِ في القلايةِ فهو أن تعملَ بيدِك، وتأكلَ مرةً واحدةً فقط كلَّ يومٍ، والهذيذ في الزبور وقراءة الكتب والتعليم، أما غيرُ الظاهرِ والسرِّي من الأمور فهو أن تلوم نفسَك في كلِّ أمرٍ تصنعه وحيثما توجهتَ، وفي ساعة صلاتك لا تتوانَ من جهةِ أفكارك، وإن أردتَ أن تقوم من عمل يديك إلى الصلاةِ، فقم وأكمل صلاتك بلا سجس، وتمام هذا كله أن تسكن مع جماعةٍ صالحةٍ، وتتباعد من جماعة السوء».

وقال له أخٌ: «إني خاطئ فماذا أعملُ»؟ فقال له: «مكتوبٌ: خطيئتي أمامي في كلِّ حينٍ، فأنا أهتمُّ بآثامي وأعترفُ بذنبي، فقلتُ أكشف خطيئتي أمامَ الربِّ وهو يغفرُ لي نفاقَ قلبي». وقال: «من يضبط فَمَه فإن أفكارَه تموت، كالجَرَّةِ التي يوجد فيها حياتٌ وعقارب وسُدَّ فمها فإنها تموت».

وسُئل: «أيهما أصلحُ، الكلامُ أم الصمت»؟ فقال: «إن الصمتَ من أجلِ الله جيدٌ، كما أن الكلامَ من أجلِ اللهِ جيدٌ كذلك». وقال: «من يُكثر من الاختلاطِ بالناسِ، لا يمكنه أن ينجوَ من النميمةِ». وقال كذلك: «إن اللجاجةَ والحسدَ يتولَّدان من السُبحِ الباطل، لأن الإنسانَ الذي يطلبُ مجدَ الناسِ فإنه يناصبُ الذي يعملُ وينجحُ ويُمجَّد، ويحسده. والاتضاعُ هو دواءُ ذلك».

سُئل القديس باسيليوس: «كيف يكون حالُ من صَعُبَ عليه إتمام قانونِ التوبةِ»؟ فأجاب وقال: «حالُ ذاك يجب أن يكونَ كحالِ ابنٍ مريضٍ وفي شدةِ الموتِ بالنسبةِ لأبيه الخبير بصناعةِ الطبِّ والذي يرغب في مداواته، فلمعرفتِه بصعوبةِ وصفِ الأدويةِ والتعبِ الكثير في صناعتها، وبخبرةِ أبيه في الطبِ، ولأن قلبَه يطيبُ بمحبةِ أبيه له، ولرغبتهِ كذلك في الشفاء، فكلُّ هذه العوامل تجعله يرسخ لمداواته، فيمكِّنه من نفسِه ليتداوى ويحيا، لذلك من يَصْعُب عليه قانون التوبةِ، فليترك الأمرَ بين يدي معلمهِ».

وسُئل أيضاً: «كيف ينبغي للإنسانِ أن ينتهرَ»؟ قال: «كما ينتهرُ الأبُ ابنَه، وكالطبيبِ الذي يقصد شفاءَ المريض».

كما سُئل: «كيف يجب أن يُقبل الانتهار»؟ فقال: «كما يَقبل الولدُ تأديبَ والدِهِ، والمريضُ مداواةَ طبيبهِ».

وسُئل كذلك: «كيف ينبغي للإنسان أن يحبَّ قريبَه»؟ فقال: «كالمكتوبِ: تحب قريبَك مثلَ نفسِك، وأيضاً ما من حبٍ أعظمُ من هذا أن يبذلَ الإنسانُ نفسَه عن أحبائِهِ».

وأيضاً سُئل هكذا: «ما هي الكلمةُ البطالة التي نعطي عنها جواباً»؟ فقال: «هي تلك التي ليست للبنيان، كقول الرسولِ: كلُّ كلمةٍ قبيحةٍ لا تخرجُ من أفواهكم، بل الكلمةُ الصالحةُ التي تكون للبنيان، وتُعطي نعمةً للذين يسمعونها».

وقال أيضاً: «إن الصومَ الحقيقي هو سجنُ الرذائل، أعني ضبطَ اللسانِ، وإمساكَ الغضبِ، وقهرَ الشهواتِ الدنسة. الذي يُصالح نفسَه خيرٌ من الذي يُصالح الغضوبين، والذي يُدبِّر نفسَه خيرٌ من الذي يُدبِّر غيرَه. ابتداءُ المحبةِ حُسنُ الثناءِ، وابتداءُ البُغضَةِ الوقيعةُ. عوِّد جسدَك طاعةَ نفسِك، ونفسَك طاعةَ اللهِ. ما لا ينبغي أن تفعله لا تفكر فيه ولا تذكره. إن أردتَ أن تكونَ معروفاً عندَ الله، فاحرص ألا تكون معروفاً عندَ الناسِ. عاتب نفسَك فهذا أفضلُ من أن تعاتبَ غيرَك. ابتعد من نظرِ وسماعِ ما لا يفيد، فتتخلص من فِعلِ ما لا يفيد. جيدٌ ألا تخطئَ، وإن أخطأتَ فجيدٌ ألا تؤخرَ التوبةَ، وإن تُبتَ فجيدٌ أن لا تعاودَ الخطيةَ، وإذا لم تعاودها فجيدٌ أن تعرفَ أن ذلك بمعونةِ اللهِ، وإذا عرفتَ ذلك فجيدٌ أن تشكرَه على نعمتِهِ وتلازمَ سؤاله في إدامة معونته. إن كان ليس بجيدٍ أن تستشهد بإنسانٍ شريفٍ على أمرٍ حقيرٍ، فكم بالحري الله تعالى. علامةُ الخوفِ من الله، الهربُ من العيوبِ الصغارِ، حذراً من الوقوعِ في الذنوبِ الكبارِ. علامةُ مَن غلبَ الشيطانَ أن يحتملَ شرَّ أخيه ولا يدينه. علامةُ الخلوةِ مع الله هي الابتعادُ من القلقِ، والبغضةُ لسيرةِ العالم. علامةُ التكبِر قنوعُ الإنسانِ برأي نفسه. عمومُ الناسِ يظنون أن الله في الهياكلِ فقط، فيحسِّنون سيرتَهم فيها فقط، وذوو المعرفةِ يعلمون أن اللهَ في كلِّ موضعٍ، فينبغي أن يحسِّنوا سيرتَهم في كلِّ موضعٍ. كما أن الجسديين لا يقدرون أن يَغضبوا بحضرةِ الملك، كذلك الذين يتدبرون بالروحانيةِ يمنعهم من الغضبِ الخوفُ من اللهِ الملك المعقول الناظر إليهم دائماً.  الحكيمُ لا يتقي غيرَ المخوفِ، ولا يرجو غيرَ المدرَكِ، ولذلك لا يخافُ الآلام ولا يرجو دوام اللّذات العالمية، لأنها سريعةُ الزوالِ، فإذ لا يخاف هذه الآلام احتملها، وإذ لا يرجو هذه الّلذات فلا يطلبها».

قال شيخٌ: «إذا قوتِلَ راهبٌ بالزنى وحفظ بطنَه ولسانَه وغربتَه، فلي إيمانٌ أنه لا يسقط بمعونةِ اللهِ».

قال أخٌ لشيخٍ: «لستُ قادراً على إتمامِ الطاعة الكاملة». فقال له: «اعمل بقدرِ قوتِك، وأنا أؤمن أن اللهَ يحسبك مع من يُكمِل الطاعةَ». وقد قال: «لا تختنق إذا سقطتَ، بل انهض وتُب. فقد قال سليمان الحكيم: إنَّ الصديقَ إذا سقطَ سبعَ مراتٍ في اليومِ فهو يقوم سبعَ مراتٍ».

قال شيخٌ: «إذا شَتَمَ الراهبُ أخاه بذكرِ شيءٍ من الخطأِ مثل أن يقول: يا زانٍ، يا سارق، ويا كذاب، فإن سَكَتَ المشتوم وغفر للشاتم وقال في نفسِه: بالحقيقة إني خاطئ؛ فإن تلك الخطية التي شُتم بذِكرها والتي أشار إليها بقولِهِ: بالحقيقةِ إني خاطئٌ، تُغفر له، وتصبح على الشاتم له بذِكرها، لأنه ترك الاعترافَ بخطيئتهِ وأظهر خطيةَ أخيه، ولكون المشتوم احتمل إشهار خطيئتهِ فحُسب له اعترافاً، ولكونه غفر لأخيه نال المغفرةَ».

ثلاثةٌ من الرهبانِ تآخوا في الربِ، فاختار أحدُهم الصلحَ بين الناسِ كقولِ الربِّ: «طوبى لصانعي السلام فإنهم بني الله يُدعَوْن». واختار الآخرُ خدمةَ المرضى وتعاهدهم كقوله: «كنتُ مريضاً فتعهدتموني». أما الأخير فقد اختار لنفسِه الوحدةَ ليتفرغَ لخدمةِ الربِّ وحده والصلاةِ كلَّ حينٍ كقولِ الرسول. فأما الأول فإنه ضجر من خصومةٍ الناسِ ولم يقدر أن يرضيهم كلَّهم، فلما تعب مضى إلى صاحبهِ الذي يفتقدُ المرضى فوجده قد ضجر هو الآخر مما هو فيه، فقاما معاً وأتيا إلى المتوحدِ، وأعلماه بحالِهما واستخبراه عن حالهِ، فسكت قليلاً، ثم سكب ماءً في إناءٍ وقال لهما: «تأمَّلا هذا الماء»، فتأمَّلاه مضطرباً ولم ينظرا فيه شيئاً. وبعد أن سكن الماءُ قال لهما: «انظرا الآن». فنظرا، وإذا الماءُ يريهما وجهيهما مثل المرآةِ. فقال لهما: «هكذا تكون حالُ من يكون بين الناسِ، فإنه لأجل اضطرابهم لا يمكنه أن ينظرَ ما فيه، أما إذا انفرد ولا سيما في بريةٍ، فحينئذ يرى نقائصَه».

قيل إن شيخاً كان يأكلُ أثناءِ تأدية عمله، فسُئل عن ذلك فقال: «إني لا أؤثر أن أجعلَ الطعامَ عملاً يُتفرغ له، حتى لا تحس نفسي بتلذذ في الطعامِ». وهو قال: «ليس شيءٌ يغسلُ دنسَ الزنى مثل دموعِ التوبةِ، لأن الزنى يخرج من الجسد والقلب، وكذلك الدموع تخرج من الجسد والقلب».

قال شيخٌ: «يجبُ أن نحاسبَ نفوسَنا كلَّ يومٍ ونفتقد حياتنا بالتوبةِ».

وقال أيضاً: يجبُ أن نشكرَ الله على الأوجاعِ الجسمانية، فإن الرسولَ يقول: «إذا ما فسد إنسانُنا الخارجي، فإن الداخلي يتجدد يوماً فيوماً». فلن نشاركَ المسيحَ في مجدِه إلا إذا شاركناه في أوجاعِه، ولا نقدر أن نشاركه في أوجاعِه، إلا بالصبرِ على الشدائدِ. الشكرُ في الشدةِ يعينُ على الخلاصِ منها. ينبغي ألا نرغب في نياح هذا العالمِ لئلا يُقال لنا: «قد أخذتَ خيراتك في حياتك». لا تظن أنك أكملتَ شيئاً من الخيرِ، فيُحفَظ لك أجرُ برِّك. لا تحسب نفسك أنك شيءٌ، فتكون أفكارُك هادئةً. إن الشياطين يخفون شرَهم وراءهم، ونورُهم آخره ظلامٌ، فلا تعمل شيئاً بغير مشورةِ الآباءِ العارفين بقتالهم. الزم الصلاةَ في التجارب، فإن الربَّ قد قال: «الله ينتقم لعبيدهِ الصارخين إليه». ينبغي للمجاهدِ أن يبتعدَ عن كلِّ امتلاءٍ، ولو من الخبزِ والماء، وأن يجمعَ عقلَه في صلاتِه، ليكمل قربانَه الروحاني، ويتذكر خطاياه دائماً ويحزن عليها، وليكن كلَّ ما يعمله ويقوله من أجلِ مرضاة الله لا من أجلِ مجدِ الناس، وأن يفحصَ تدبيرَه دائماً، لكي لا تكون سكناه في البريةِ على غيرِ مذهب الرهبنة، فإنه قد سكن البريةَ كثيرٌ من اللصوصِ وهي مأوى للوحوشِ والطيورِ المؤذية، أما الراهب فإنه يسكنها هرباً من سجسِ العالم الذي يشغل عن عبادةِ الله التامة، كما ينبغي أن يصبرَ على البلايا ويكلِّف نفسَه في كلِّ شيءٍ، وأن يقدِّم حبَّ الله على حبِّ القريب، وحبَّ القريبِ على حبِّ نفسه، وحبَّ نفسه على حبِّ كلِّ ما سواها، وليكن له إيمانٌ قويٌ بالله ورجاءٌ واتضاع وإمساكٌ وصمتٌ وصلاةٌ دائمة وتهاونٌ بالأرضيات وتذكر الموت والمجازاة، وقراءة الكتب وتمييز كلِّ الأمور وحفظُ العقلِ والقلبِ، وطاعةٌ للآباء والوصايا من أجلِ الله.

 

 

 

ال أحدُ الإخوةِ لشيخٍ من الرهبان: «يا أبي، إني أطلبُ إلى الشيوخِ فيكلموني فيما هو لخلاصِ نفسي، ولكني لستُ عاملاً بشيءٍ مما يقولون لي، فما الذي أنتفعُ به من هذا الأمر، وأنا ممتلئٌ من الوسخِ». وكان عند الشيخِ كوزان فارغان، فقال له الشيخُ: «أحضر أحدَ هذين الكوزين وصبّ فيه ماءً وخضخضه». فجعله الشيخُ يغسل الكوزَ مراتٍ كثيرةً ثم قال له: «ضعه عند الكوز الآخر». ففعل، وبعد ساعةٍ قال له: «أحضر الكوزين معاً، وانظر أيَّ الكوزين أنقى». فقال له الأخُ: «الذي صببنا فيه الماءَ أنقى». قال له الشيخُ: «كذلك تكون نفسُ من يسأل الشيوخَ ولا يعمل بما يقولونه، أنقى من نفسِ من لا يسأل ولا يعمل معاً».

قال شيخٌ: «ينبغي للمتوحدِ في قلايتهِ أن يكون له إفرازٌ ومعرفةٌ وحرصٌ وتيقظٌ، كما يكون ضابطاً لحواسهِ حافظاً لعقلِه، لا يفكر في إنسانٍ، ولا يَفْتُر في الصلاةِ والقراءةِ».

قال أحدُ الشيوخِ: «إن الإفرازَ الحقيقي، لا يكون إلا من الاتضاع، والاتضاع هو أن نكشف لآبائِنا أفكارَنا وأعمالَنا، ولا نثق برأينا، بل نستشير الشيوخَ المجرَّبين الذين نالوا نعمةَ الإفرازِ، ونعمل بكلِّ ما يشيرون به علينا، فالذي يكشفُ أفكارَه الرديئة لآبائهِ فإنها تخف عنه، وكما أن الحيةَ إذا خرجت من موضعٍ مظلمٍ إلى ضوءٍ تهرب بسرعةٍ، كذلك الأفكارُ الرديئةُ إذا كُشفت تبطل من أجلِ فضيلةِ الاتضاع. وإذا كانت الصناعات التي نبصرها بعيوننا ونسمعها بآذاننا ونعملها بأيدينا، لا نقدر أن نمارسها بذواتنا إن لم نتعلمها أولاً من معلميها، أفليست إذن جهالةً وحماقةً ممن يريد أن يمارسَ الصناعةَ الروحانية غيرَ المرئية بغير معلمٍ؟، علماً بأنها أكثر خفاءً من جميعِ الصنائعِ، والغلط فيها أعظمُ خسارة من كلِّ ما عداها»؟

قال شيخٌ: «من اجتمع يإخوةٍ عمَّالين، فلو كان هو غيرَ عمَّالٍ فإن لم يتقدم إلى قدام، فلن يتأخر إلى وراء، كذلك من يجتمع بإخوةٍ متهاونين فلو كان عمَّالاً، فإن لم يخسر، فلن يربح. الساقطُ فلينهض لئلا يهلك، والقائمُ فليتحفظ لئلا يسقط».

وقال آخر: «إذا مشيْتَ مع رفيقٍ صالحٍ من قلايتك إلى الكنيسة، فإنه يقدِّمك ستة أشهر، وإذا مشيتَ مع رفيقٍ رديء من قلايتك إلى الكنيسة فهو يؤخرك سنةً».

سأل أخٌ شيخاً قائلاً: «يا أبي، لماذا لا يثبت جيلُنا هذا في أتعابِ الآباء الأولين»؟ فأجابه الشيخُ قائلاً: «لأنه لا يحبُّ الله ولا يفرُّ من الناسِ ولا يبغض قشاش العالم، إن كلَّ شخصٍ يفرُّ من الناسِ ومن المقتنيات فإن تعبَ الرهبنةِ يأتيه قبلَ سِنهِ، فكمثل إنسانٍ يريدُ أن يطفئ ناراً قد اشتعلت في بقعةٍ، فما لم يسبق ويبعد القشَ من قدام النار، لا يمكنه إطفاءَها، كذلك الإنسان، إن لم يذهب إلى موضعٍ لا يجد فيه الخبزَ والماءَ إلا بشدةٍ، فلا يستطيع أن يقتني تعبَ الرهبنةِ، لأن النفسَ ما لم تبصر فلا تشتهي سريعاً».

قيل إن أحدَ الآباءِ كان يجلسُ في البراري البعيدة ويسكت، وفي يومٍ من الأيامِ سأله تلميذُه قائلاً: «لماذا يا أبي تفرُّ هارباً في البراري البعيدة، مع أني أسمعُ أن الناسَ تقولُ إن الذي يسكن بقربِ العالمِ ويقاتل أفكارَه من أجلِ اللهِ، يصير أكثرَ أجراً»؟ أجابه الشيخُ: «إن الذي ينتفع من قربهِ للعالمِ فهو ذاك الإنسان الذي يصل إلى أن ينظرَ مناظرَ موسى النبي ويصير ابناً لله، أما أنا فإني ابن آدم، وأنا مثل آدم أبي الذي بمجرد أن أبصرَ ثمرةَ الخطيةِ اشتهاها فأخذ وأكل منها ومات. من أجل ذلك كان آباؤنا يهربون إلى البراري، وهناك كانوا يقتلون شهوةَ البطنِ لعدم الأطعمة، إذ كانوا لا يجدون هناك الأشياءَ التي تلد الأوجاعَ كلَّها».

وقال أيضاً: «إن كلَّ إنسانٍ يُسلِّم نفسَه لشدةٍ بهواه من أجلِ الله فلي إيمانٌ أن الله يحسبه مع الشهداءِ، وذلك البكاء الذي يأتيه في تلك الشدةِ يحسبه الله عوضَ الدمِ».

قال شيخٌ: «من لا يقتني تعبَ الرهبنةِ فلن يقتني فضائلها، ومن لا يقتني فضائلها فلن يقتني مواهبها».

قال القديس أنطونيوس: «إن أفضلَ ما يقتنيه الإنسانُ هو أن يُقرَّ بخطاياه قدام الله ويلوم نفسَه، وأن يكون متأنياً لكلِّ بليةٍ تأتيه حتى آخر نسمةٍ من حياتِه».

قال شيخٌ: «يجبُ على الراهبِ في كلِّ بُكرةِ وعشية أن يحاسبَ نفسَه ويقول: ماذا عملنا مما يحبُّه الله؟ وماذا عملنا مما لا يحبُّه الله؟ لأنه يجب علينا أن نفتقدَ حياتَنا بالتوبةِ هكذا، وبهذه السيرةِ عاش أرسانيوس، لأن من عمل كثيراً ولم يحفظه، أتلفه، ومن يعمل قليلاً ويحفظه، يبقى معه.

وقال أيضاً: «من أجلِ هذا لسنا نفلحُ، لأننا لا نعرفُ أقدارنا، وليس لنا صبرٌ في عملٍ نبدأ به، ولكننا نريد أن نقتني الفضائلَ بلا تعبٍ».

وقال شيخٌ: «إذا حلَّت بليةٌ بإنسانٍ فإن الأحزانَ تحيطُ به من كلِّ ناحيةٍ لكي ما تُضجره وتزعجه، وبيان ذلك في أنه كان أخٌ في القلالي، هذا جاءت عليه بليةٌ لدرجةِ أنه إذا أبصرَه أحدٌ ما، فكان لا يسلِّم عليه ولا يُدخله قلايته، وإن احتاج إلى خبزٍ، ما كان أحدٌ يُقرضه، وإذا جاء من الحصادِ، ما كان أحدٌ يدعوه للكنيسةِ لأجل المحبةِ كالمعتاد. وحدث أن جاء مرةً من ذلك الحصاد فلم يجد في قلايته خبزاً، ومع ذلك كلِّه، كان يشكر الله على ما يأتي عليه من الأحزانِ. فلما أبصر الله صبرَه رفع عنه قتال البليةِ، وإذا إنسانٌ قد جاء فضرب بابَ قلايتهِ ومعه جملٌ موثقٌ خبزاً جاءه من مصرَ، فبدأ الأخ يبكي ويحزن ويقول: يا ربُّ، ما أنا بأهلٍ أن تتركني أحزنُ قليلاً، لكني يا ربُّ أنا مستوجبٌ لذلك، ولستُ أهلاً لشيءٍ من النياحِ، فلما جازت عنه تلك البليةِ، صار الإخوةُ يأخذونه وينيحونه في قلاليهم وفي الكنيسة».

قال شيخٌ: «إن الراهبَ يُدعى راهباً من جهتين: الأولى: أن يبتعدَ من مناظرِ النساءِ، ويرفض العالمَ وكلَّ ما فيه ولا يهتم بشيءٍ البتة. والثانية، أن ينقي عقلَه من الآلام ويتحد بالربِّ وحده، وحينئذ يثمر ثمرَ الروحِ الذي هو الحب والفرح والسلامة والخيرية، وطول الروح والإيمان والود والوداعة والإمساك، ومن كان هكذا فلن يوجد له ناموسٌ يقاومه. وبقدر ما تكون همةُ الإنسانِ ملازمةً لله بلا طياشةٍ، بقدر ما تكون نعمةُ اللهِ متضاعفةً عليه، وبقدر ما نتقرَّب إليه بقدر ما يهتم هو بنا، وبقدر ما نبتعد عنه بهمتنا بقدر ذلك يبتعد هو منا، لأنه جعل الاختيارَ لنا في ذلك، إذ خلق نفسَ الإنسانِ على صورتهِ، فهي بطبعها تحبُّه وتشتاقُ إليه، وهي روحانية، فهي تشتاقُ إلى الأمورِ الروحانية المناسبة لها، وأما الجسدُ فَخَلقَه من الأرض، فهو يحبُّ الأرضيات وإليها يميل بطبعِه، والشيطان بتحريك الشهوات الجَسَدَانية يجذبُ النفسَ إلى الأمورِ الأرضية. فينبغي للراهب أن يكون له إفراز، ويطلب من الله الهدايةَ والمعونةَ حتى لا ينخدع، ويعتمد عليه بإيمانٍ تام، لأنه بغير معونةٍ من الله لا يقدر أن يناصب الشيطانَ ولا يبعد منه الأفكارَ الرديئة. لكنه إذا سلَّم نفسَه لله ولازم الصلاةَ، فإن الله حينئذ يملك على نفسِه ويجعل فيه هواه، ويُكمِّل فيه وصاياه. فالذي يعلم أنه لا يقدر أن يعملَ شيئاً بغير الله، فلا يفتخر كأنه قد عمل شيئاً، لكنه يشكر الله الذي عمل فيه، والشيطان إذا رأى إنساناً مجاهداً، فإنه يُحرِّك عليه الأوجاع الخبيثة، وقد يُفسح الله له المجال في ذلك، حتى لا يتعظم بأنه جاهد، حتى يلتصق به بالصلاةِ الدائمة، فإذا هو عرف ضعفَه، فإن الله يُبطلها عنه، أعني الأوجاعَ الخبيثة، وتصير نفسُه في هدوءٍ وسلامٍ».

من أقوال سمعان العمودي: «كما أن الجسدَ إذا عَدِمَ أصغرَ أعضائه كان ذلك نُقصاناً له، هكذا النفسَ إذا عجزت عن ممارسةِ أصغرِ أجزاء الفضيلةِ، كان ذلك نقصاناً لها. وكما أن الإنسانَ إذا مشى كثيراً نحو المدينةِ ونقص سَيْرُهُ ميلاً واحداً، فقد أضاع كلَّ تعبهِ ولم يدخلها، كذلك الراهب إذا لم يجاهد إلى النفسِ الأخيرِ لا يدرك مدينةَ الأطهار. وكما أن الإنسانَ إذا عَدِمَ آلةً واحدةً لا يقدر أن يُكمِّل الصناعةَ اللازمة لها تلك الآلة، هكذا الراهب إذا عَدِمَ وصيةً واحدةً، لا يقدر أن يُكمِّل سيرته. فليس يكفيه أن يمنع جسدَه من الزنى فقط، بل وأن يضبطَ فكرَه ونظرَه وشهوةَ لسانهِ من الكذبِ والنميمة والشتم والتعيير والمداينة والمزاح والمماحكة، وبالإجمالِ من كلِّ كلامٍ بطَّال، كما ينبغي له أيضاً أن يُعلِّم أعضاءَه الخضوعَ لإرادةِ الله، وليست أعضاء بشريتهِ فقط، بل وأعضاء إنسانه الجواني كذلك. وكما أن الجسدَ يهلك بكلِّ واحدٍ من الوحوش النفاثة إذا ألقى فيه سمَّه، كذلك النفسَ تهلك بكلِّ واحدٍ من الأرواح الخبيثةِ إذا ألقى فيها فكرَه».

وقال أيضاً: «كما أن الخبزَ يُقيتُ الجسدَ ويحييه، كذلك الكلام الروحاني يُقيتُ النفسَ ويحييها، وهو نورٌ للعينين ومرآةٌ للقديسين، يشفي من أمراضِ الخطية، وكلُّ من لا يعمل بكلام الناموسِ فقد احتقر واضعَ الناموسِ. وليس يكفي استماع الناموس والتكلم به من دونِ العمل بما قيل فيه. فكما نؤمن أنّ الله رحيمٌ، كذلك نؤمن أنه صادقٌ وأنه عادلٌ، ويجازي كلَّ واحدٍ كنحو عملهِ، له المجد».

كما قال أيضاً: «لتكن أسماءُ الإخوةِ حُلوةً في فيك، ومناظرهم جميلةً محبوبةً في عينيك، وخدمتهم سهلةً ميسورةً في يديك، اعمل برغبةٍ واتضاع، وعلِّم بلا حسدٍ ولا بُخلٍ، ولا تنحلَّ في الشدائد لتكون مُرضياً لله، عالماً أنه لو أراد لرفع عنك الشدةَ، وإذا لم يرفعها عنك، فإنما يريد نفعَك، فاشكر في كلِّ حالٍ. كما أن الذهبَ لا يمكن أن يُعمل منه إناءٌ مختارٌ للملك بدون سبكٍ وصياغةٍ، وكذلك الشمع لا يقبل الانطباع بالصورةِ الملكية بدون تليين، هكذا النفس لا تصلح لأن تُنقش فيها صورةُ المسيح الملك بدونِ أدبٍ كثيرٍ ظاهر وباطن، ورياضةٍ وافرة، ومحنٍ شديدةٍ».

قال شيخٌ: «كما أن الإنسانَ الذي ترك المملكةَ وترهب يُمدح من كلِّ العقلاءِ والفضلاءِ، لأن الرهبنةَ أفضلُ من كلِّ ما تركه، إذ هي توصِّل إلى المملكةِ السمائية الدائمة، كذلك إذا ترك إنسانٌ الرهبنةَ وصار ملكاً، فإنه يُذمُّ من كلِّ الفضلاءِ».

وقال أيضاً: «لقد كان الإنسانُ في البدءِ شبهَ الملائكةِ، فلما سقطَ صار شبهَ البهائمِ، لكن إذا كانت الطبيعةُ الإنسانية تسوقُ إلى الشهواتِ البهيميةِ، فإن الشريعةَ المسيحية تؤدي إلى الغاية الملائكية، لأن المسيحَ وعد الذين يعملون إرادتَه أنهم سيكونون مثل ملائكةِ الله. فاعلم يا أخي أنه ليس شيءٌ يُقرِّب إلى الله مثلَ الطهارةِ والاتضاع، ويمكن اقتناؤهما بالصومِ والصلاةِ والسهرِ والتعب، وإتمام الخيرات بقطع رأسِ الشرِّ الذي هو حب المقتنيات».

وقال شيخٌ: «كلُّ راهبٍ يجلس في قلايته ويدرس في مزاميرِه، فهو يشبه مَن يجري في طلب الملكِ، والذي يداوم في الصلاةِ فهو يشبه إنساناً يكلِّم الملكَ، وأما الذي يسأل ببكاءٍ فهو يشبه من هو ممسكٌ برجليْ الملك يطلب منه المغفرةَ».

 

 

 

يل: سَمع أخٌ بأخبارِ القديسين فظن أنه يمكنه أن يقتني فضائلهم بلا تعبٍ، فسأل شيخاً كبيراً، فقال له: «إن أردتَ أن تقتني فضائلَ القديسين، فصيِّر نفسَك مثلَ صبيٍ يكتب كلَّ يومٍ آيةً من معلمِه، فإذا حفظها كتب غيرَها، فافعل أنت كذلك هكذا: قاتل بطنَك في هذه السنةِ بالجوعِ، فإذا أحكمتَ ذلك، قاتل حينئذ السُبحَ الباطل لتبغضه كالعدوِ. وإذا قوَّمتَ هذين فاحرص على أن تزهد في أمورِ الدنيا وتطرح همَّك على الله، فإن تيقنتَ أنك قوَّمت هذه الثلاث خصال، فستلقَى المسيحَ بدالةٍ كثيرةٍ».

سُئل شيخٌ من أحدِ الإخوةِ: «ما هي فلاحةُ النفسِ لتثمرَ»؟ فقال له: «السكوتُ والإمساك وتعبُ الجسد والصلاةُ الدائمة. وأن لا يجعل الإنسانُ بالَه من عيوبِ غيره، بل من عيوبهِ فقط، فمن دام في هذه الخصال، أثمر سريعاً».

قال شيخٌ: «لا تملأ بطنَك من الخبزِ والماءِ، ولا تشبع من نومِ الليلِ، فإن الجوعَ والسهرَ ينقيان أوساخَ القلبِ من الأفكارِ، والجسدَ من قتالِ النجاسةِ، فيسكنه الروح القدس. لا تقل: اليومَ عيدٌ، آكل وأشرب! فإن الرهبانَ ليس لهم عيدٌ على الأرضِ، وإنما فصحهم هو خروجهم من الشرِّ، وعنصرتهم تكميل وصايا المسيح، ومظالّهم حصولهم ملكوت السماوات. فأما الشبع من الخبزِ فإنما هو والد الخطيةِ. حصنُ الراهبِ هو الصوم، وسلاحُه هو الصلاة، فمَن ليس له صومٌ دائمٌ فلا يوجد له حصنٌ يمنع عنه العدو، ومن ليست له صلاةٌ نقية، فليس له سلاحٌ يقاتل به الأعداءَ. كلُّ من يجعل الموتَ مقابله كلَّ حين، فإنه يغلب الضجرَ وصغرَ النفسِ».

وقال أيضاً: «إذا تمسكنت النفسُ فإنها تزداد قوةً على قوتها، كالجلود التي تُدبغ وتداس وتبيَّض وتجفف».

قال أنبا دانيال: «مادام الجسدُ يَنبُتُ، فبقدر ذلك تذبل النفسُ وتضعف، وكلما ذبل الجسد نبتت النفسُ».

طلب إخوةٌ إلى شيخٍ أن يترفَّقَ بنفسِه من كثرةِ الجهاد، فقال: «حقاً أقولُ لكم يا إخوتي: كان مصيرُ إبراهيم خليل الله أن يندمَ إذا رأى كثرة مواهب الله، وذلك إن لم يجاهد ويتعب أكثرَ مما فعل».

قال أخٌ لشيخٍ: «إن أفكاري تدور وتحزنني جداً». فقال له الشيخُ: «اجلس في قلايتك ولا تخرج منها، والأفكار تعودُ إليك، كمثل حمارةٍ مربوطةٍ وجحشُها يدورُ ثم يرجعُ إليها، هكذا من يصبر في قلايتهِ من أجلِ الله، فإن دارت الأفكارُ فإنها ترجعُ إليه».

وقال أيضاً: «كما أن الغرسَ إذا قُلع من موضعٍ وغُرس في غيرهِ لا يثمر ما لم يثبت في موضعٍ واحدٍ، كذلك الراهب الذي ينتقل من ديرٍ إلى ديرٍ، لا يثمر ما دام متنقلاً».

كان أخٌ يقاتَل بأن يخرجَ من ديرِه، فذهب وأعلم رئيسَ الدير. فقال له الرئيسُ: «اذهب واجلس في قلايتك، وارهن جسدَكَ رهينةً لحائط القلاية، واترك الفكرَ يهيمُ حيثما يشاء، وأنت لا تبرح من القلايةِ قط».

وقال شيخٌ: «ينبغي للراهب أن يقاتل بجهادٍ كثيرٍ شيطانَ الضجر وصِغر النفسِ وبخاصة وقت الصلاةِ، فإذا قَوِيَ على هذا، فليحذر من شيطان الكبرياء، وليقل: إن لم يبنِ الربُّ البيتَ فباطلاً يتعب البناءون، وإن لم يحرس الربُ المدينةَ فباطلاً يسهر الحراسُ. كما يذكر كلامَ النبي: إن الله يعاند المستكبرين ويعطي المتواضعين النعمةَ».

رأى شيخٌ مغنيةً مزيَّنةً، فدمعت عيناه وتنهَّد، فسُئل عن السببِ، فقال: «لقد حرَّكني أمران؛ أحدهما إهلاك هذه المرأة لنفسِها، والآخر أنه ليس فيَّ من الحرصِ في سبيلِ إرضاءِ الله، بقدر حرص هذه في سبيلِ إرضاءِ الناس».

قال شيخٌ بخصوص لعازر المسكين: «إننا لم نجده عمل شيئاً من الفضيلةِ غير أنه لم يدمدم قط على ذلك الغني الذي لم يرحمه، كما كان شاكراً الله على ما كان فيه، فمن أجلِ هذا فقط رحمه الله».

وقع أخٌ في بليةٍ، ومع الحزنِ أتلف عملَ رهبانيتهِ، وإذا أراد أن يبدأ بالعملِ من الرأسِ، كان يستثقل ذلك ويقول: «متى أبلُغ إلى ما كنتُ فيه»؟ وكان يضجر، وتصغر نفسُه، فلا يقدر أن يبدأ بعملِ الرهبنةِ مرةً أخرى، وأخيراً ذهب إلى أحدِ الشيوخ وقصَّ عليه أمرَه، فلما رأى الشيخُ حزنَه، ضرب مثلاً قائلاً له: «كان إنسانٌ له بقيع، فمن توانيه امتلأ ذلك البقيع شوكاً، وإنه بعد ذلك انتبه، وأراد أن ينقي ذلك البقيع من الشوكِ، فقال لابنِه: يا بُني، اذهب إلى البقيع ونقهِ واقلع شوكَه. فلما ذهب ابنهُ وأبصر كثرةَ الشوكِ، سئم وملَّ، ونام. وبعد أيامٍ كثيرةٍ، أتاه أبوه لينظرَ ماذا عمل الغلام، فلما رآه لم يعمل شيئاً، قال له: حتى الآن لم تنقِّ شيئاً؟ فقال الغلامُ: أخبرك يا أبتاه، كلما عزمتُ على البدءِ في العملِ، أبصر كثرةَ الشوكِ فأحزن، ومن كثرةِ الحزنِ كنتُ أضع رأسي وأنام. فقال أبوه: لا يكون الأمرُ هكذا يا ابني، ولكن نقِّ كلَّ يومٍ قدرَ مفرشك فقط، قليلاً قليلاً. ففعل الغلام كما أمره أبوه، وداوم على ذلك حتى فرغ الشوكُ من ذلك البقيع. وأنت كذلك يا حبيبي، ابدأ بالعمل شيئاً فشيئاً ولا تضجر، والله بطيبهِ ونعمتهِ يردُّك إلى سيرتك الأولى». فذهب ذلك الأخُ وعمل وصبر كما علَّمه الشيخُ فوجد نياحاً وأفلح.

قال شيخٌ: «احذر أن تصنعَ خطيةً بهواك، لئلا تعتادها فتصنعها بغير هواك، كالضحك».

وسُئل: «كيف أسكنُ في ديرٍ بغيرِ قلقٍ»؟ فقال: «ذلك بأن تَعُدَّ نفسَك غريباً، ولا تطلب أن يكون لك فيه كلمةٌ مسموعةٌ، كما تقطع هواك ولا تحسب نفسَك شيئاً».

كما سُئل عن الغربةِ، فقال: «هي الصمتُ، وترك الالتفاتِ إلى الأمورِ».

قال أخٌ لشيخٍ: «إني أرى فكري دائماً مع الله». فقال له: «الأعجب من هذا أن ترى نفسَك تحت جميعِ الخليقةِ، فلا سقوط مع الاتضاع».

وسُئل: «ما هو الاتضاع»؟ فقال: «أن تحسن إلى من أساء إليك، وتسكت في جميع الأمور».

قال أحدُ الشيوخِ: «إذا صرنا في السلامِ غيَر مُقاتَلين فسبيلُنا أن نتضعَ كثيراً، لئلا نُدخل علينا فرحاً غريباً، فنفتخر وننسب ذلك إلى جهادِنا ونتعظَّم في أنفسِنا فيتركنا من عنايتهِ، ونُسلَّم إلى القتالِ فنسقط، لأن الله لأجلِ ضعفِنا، مراراً كثيرة يرفع عنا القتالَ».

سأل الأنبا آمون الأنبا بيمين عن الأفكارِ النجسةِ التي تتولد في قلبِ الإنسانِ والحسيات البطالة، فقال له: «هل يقطع الفأسُ بغير إنسانٍ يقطعُ به؟ فلا تحادث أنت هذه الأفكار وهي تبطل».

وسأله أيضاً أنبا إشعياء عن هذه المسألة فأجابه: «إن وضع إنسانٌ ثيابَ صوفٍ في صندوق ولم يتعاهدها، أكلتها العثة وهلكت، كذلك الأفكار إن لم تفعلها جسدانياً بطلت».

وأيضاً سأله أنبا يوسف بهذا الخصوص، فقال له: «كما أنه إذا دخلت حيةٌ أو عقربٌ في جرابٍ، فإن ربطتَّه ولم تدعها تدخل وتخرج فهي تموت مع طول الزمان، وإن تركته مفتوحاً فهي تخرجُ وتؤذيك، كذلك الأفكار السوء التي تعرض لنا تبطل بالحراسة والصبرِ».

قال أخٌ لشيخٍ: «إن أصابني ثِقَلُ النومِ أو فاتني وقتُ صلاةٍ ثم انتبهتُ ولم تنبسط نفسي للصلاة حزناً، فماذا أعمل»؟ فقال له: «ولو نمتَ إلى الصباح فقم وأغلق بابك واعمل قانونك، فالنبي داود يقول مخاطباً الله: لك النهار ولك الليل، وإلهنا لكثرةِ جودِه ورحمتِه في أي وقتٍ دُعيَ أجاب».

قال شيخٌ: «الذي يأكلُ كثيراً ويقومُ عن المائدةِ وهو جائعٌ، أفضل من الذي يأكلُ قليلاً ويبطئ أمام المائدةِ حتى يشبعَ».

وقال آخر: «إذا رأيتَ شاباً يصعدُ إلى السماءِ بهواه، فَشِدْ رِجلَه واطرحه فإن هذا أنفع له».

كان أحدُ الرهبان المجاهدين إذا قالت له الشياطين في فكرِه: «ها قد ارتفعتَ وصرتَ كبيراً»، كان يتذكَّر ذنوبَه قائلاً: «ماذا أصنعُ من أجل خطاياي الكثيرة». وإذا قالوا له: «لقد فعلتَ ذنوباً كثيرةً وما بقي لك خلاصٌ»، يقول: «وأين رحمة الله الكثيرة». فانهزمت عنه الشياطين قائلين: «لقد قهرتنا، إن رفعناك اتضعتَ، وإن وضعناك ارتفعتَ».

أخبر أبٌ أنه أبصرَ أربع مراتب مرتفعةً في السماءِ، الأولى: مريضٌ شاكرٌ لله. والثانية: صحيحٌ يضيفُ الغرباء وينيح الضعفاء. والثالثة: منفردٌ في البريةِ مجتهدٌ. والرابعة: تلميذٌ ملازمٌ لطاعةِ أبيه من أجلِ الله. ووجد أن مرتبةَ التلميذ أسمى من المراتب الثلاث الأخرى، وزعم أنه سأل الذي أراه ذلك قائلاً: «كيف صار هذا هكذا وهو أصغرهم، فأصبح أكبرهم مرتبةً»؟ فقال: «إن كلَّ واحدٍ منهم يعمل الخيرَ بهواه، وأما هذا فقد قطع هواه لله، وأطاع معلمه، والطاعة لأجلِ اللهِ أفضل الفضائل».

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ال شيخٌ: «الذي يأكلُ كثيراً ويقومُ عن المائدةِ وهو جائعٌ، أفضل من الذي يأكلُ قليلاً ويبطئ أمام المائدةِ حتى يشبعَ».

وقال آخر: «إذا رأيتَ شاباً يصعدُ إلى السماءِ بهواه، فَشِدْ رِجلَه واطرحه فإن هذا أنفع له».

كان أحدُ الرهبان المجاهدين إذا قالت له الشياطين في فكرِه: «ها قد ارتفعتَ وصرتَ كبيراً»، كان يتذكَّر ذنوبَه قائلاً: «ماذا أصنعُ من أجل خطاياي الكثيرة». وإذا قالوا له: «لقد فعلتَ ذنوباً كثيرةً وما بقي لك خلاصٌ»، يقول: «وأين رحمة الله الكثيرة». فانهزمت عنه الشياطين قائلين: «لقد قهرتنا، إن رفعناك اتضعتَ، وإن وضعناك ارتفعتَ».

أخبر أبٌ أنه أبصرَ أربع مراتب مرتفعةً في السماءِ، الأولى: مريضٌ شاكرٌ لله. والثانية: صحيحٌ يضيفُ الغرباء وينيح الضعفاء. والثالثة: منفردٌ في البريةِ مجتهدٌ. والرابعة: تلميذٌ ملازمٌ لطاعةِ أبيه من أجلِ الله. ووجد أن مرتبةَ التلميذ أسمى من المراتب الثلاث الأخرى، وزعم أنه سأل الذي أراه ذلك قائلاً: «كيف صار هذا هكذا وهو أصغرهم، فأصبح أكبرهم مرتبةً»؟ فقال: «إن كلَّ واحدٍ منهم يعمل الخيرَ بهواه، وأما هذا فقد قطع هواه لله، وأطاع معلمه، والطاعة لأجلِ اللهِ أفضل الفضائل».

قال شيخٌ لتلميذهِ: «ويحٌ لي يا ابني، فإنني ربما إذا مضيْتُ بالليلِ إلى موضعٍ يُبعدني من اللهِ، وسمعتُ صوتَ الكلابِ، أخرج لساعتي فزعاً منها، فالخطأ الذي لا يردُّني عنه خوفُ اللهِ، ردَّني عنه خوفُ الكلابِ».

وقال أيضاً: «لو أننا نحبُّ اللهَ مثلما نحبُّ أصدقاءَنا، لكنا مغبوطين، لأنني رأيتُ مَن أحزن صديقَه، فلم يجد هدوءاً حتى تجدَّدت المودةُ بينهم بالمراسلة وبالاعتذار وبالاستغفار وبالهدايا، أما الله فنغضبه بذنوبنا ولا نكترث لذلك».

قال شيخٌ: ذهبنا مع إخوةٍ إلى ديرٍ خارج الإسكندرية على بعد خمسة عشر ميلاً، فلقينا أنبا تودري، وقد كان رجلاً كثيرَ التعبِ في الرهبنةِ، ومعه موهبة الصبر، فحدثنا عن أخٍ كان ساكناً في القلالي الكائنة خارج الإسكندرية، وكان قد اقتنى له موهبة البكاء، وفي يومٍ من الأيامِ أوجعه قلبُه وجاءه بكاءٌ كثير، فلما رأى كثرةَ البكاءِ، قال لنفسِه: «هذه علامةٌ دالةٌ على أن يومَ موتي قد دنا»، فكان كلما تفكَّر في ذلك، كان البكاء يزداد ويكثر كلَّ يوم. فلما انتفعنا من حديثِ الشيخِ سألناه عن الدموع: «لأي سببٍ يا أبانا تأتي الدموع من نفسِها مرةً ولا تأتي من نفسِها مرةً أخرى»؟ فقال لنا الشيخُ: «الدموعُ مثل المطر، والراهبُ مثل الفلاح، فينبغي له إذا أبصر المطرَ قد جاء، أن يحرصَ ألا يفوته شيءٌ منه، بل يصرفه كلَّه إلى أرضهِ، حقاً أقول لكم يا بَنيَّ إنه ربما يكون يومٌ واحدٌ ممطر أخيَر من السنةِ كلِّها. فمن أجل ذلك، إذا رأينا المطرَ قد جاءنا، فلنحرص أن نحفظَ أنفسَنا ونتفرغ إلى التضرع إلى الله دائماً، إذ لا ندري هل نجد يوماً آخرَ مثلَ اليوم الذي جاءنا فيه البكاءُ أم لا». فسألناه نحن أيضاً وقلنا: «أخبرنا يا أبانا كيف ينبغي للإنسان أن يحفظَ ذلك البكاء إذا جاء»؟ فقال لنا الشيخ: «من قبل كلِّ شيءٍ، لا يتوجه ذلك الإنساُن الذي يأتيه البكاء في ذلك اليوم، أو تلك الساعة، أو تلك السنة، إلى إنسانٍ، ويتحفَّظ ألا يملأ بطنَه وألا يستكبر في قلبهِ، ويُفضَّل أن يبكي وأن يتفرَّغ للصلاةِ والقراءة، فإذا جاء النوحُ فهو يعلِّمه الأمورَ التي تضره، والأمورَ التي تأتي به». ثم إن الشيخ حدثنا وقال: «إني أعرفُ أخاً كان جالساً في قلايته يعمل في الضفيرةِ، وكانت الدموعُ تأتيه بغزارةٍ، فكان إذا رجع إلى العمل في الضفيرة، يجمع عقلَه ويأتيه البكاء، حتى في القراءةِ كذلك، فإنه إذا أخذ المصحفَ جاءه البكاءُ، وإذا تركه ذهب البكاء عنه، حينئذ قال لنفسه: حسناً قال الآباءُ، إنَّ النوحَ هو معلمٌ، يعلِّم الإنسانَ كلَّ شيءٍ ينفع نفسَه».

مضى أخٌ إلى الأب سلوانس وأخبره بأن له عدواً قد كثر شرُّه، وقد سأل السحرةَ في إهلاكِه، وأنه يريدُ أن يسلِّمه إلى السلطان ليؤدِّبه وتنفع نفسه. فقال له الشيخ: «اعمل ما شئتَ». فقال الأخ: «اصنع لي صلاةً». فقام الشيخُ ليصلي، ولما بلغ إلى قولهِ: «اغفر لنا يا ربُّ خطايانا كما نغفر نحن لمن أخطأ إلينا»، قال: «لا تغفر لنا يا ربُّ خطايانا، كما لا نغفر نحن لمن أخطأ إلينا». فقال الأخ: «لا تقل هكذا يا أبي». فأجابه الشيخُ: «إذا كنتَ تريدَ أن تنتقمَ ممن أساء إليك، فهذا ما يجب أن يقال يا ولدي وهكذا يكون». فصنع الأخُ مطانية وصفح عن عدوهِ.

فسَّر أحدُ الشيوخِ قولَ الله: «على خطيتين وثلاث خطايا صبور، وأما الرابعة فلا أحتمل». فقال: «الأولى هي التفكير في الشرِّ، والثانية هي الخضوع للفكر، والثالثة هي التحدث باللسان، والرابعة هي إتمام الفعل، وعن هذه ينتقم».

قال شيخٌ: «إن من يحب السكوت ينجو من سهام العدو، أما الذي يحب الجماعات فإنه يُصاب بجراحات كثيرةٍ».

كان إنسانٌ يريد أن يترهب، وكانت أمُه تمنعه، ولم يزل يلحُّ عليها قائلاً أريد أن أخلِّص نفسي، حتى توفيت أمه بعد قليل، فمضى وترهب، وصار متوانياً في رهبنته. فحدث أن مرض جداً، وخُطف عقلُه إلى موضع الدينونةِ، فرأى أمَه مع الذين يُعذَّبون، ولما رأته قالت: «ما هذا يا ولدي، وكيف جئتَ إلى ها هنا، وأين قولك: أريد أن أخلِّص نفسي»؟ فبقي حائراً ولم يدرِ كيف يجيبها. فرجع إلى نفسِه وقام من مرضِه، وعلم أن الله الرحوم قد افتقده ونبهه، فحبس ذاته في قلايةٍ لطيفة، وجلس يهتم بخلاص نفسِه بالتوبةِ، والبكاء على ما سلف من توانيه، حتى كان الآباء يطلبون إليه أن يكفَّ عن البكاء قليلاً، فكان يجيبهم: «إن كنتُ لم أحتمل تعيير أمي، فكيف يكون حالي إذا وقفتُ قدام المسيح بحضرةِ الملائكة يوم الدينونة. أيمكنني أن أحتمل ذلك الخزي المعد للخطاة»؟

قال شيخٌ: أراد إنسانٌ موسر أن يعلِّم أولاده النشاطَ، فقال لهم: «هل تعلمون كيف صرتُ غنياً؟ إن سمعتم مشورتي استغنيتم مثلي». فسألوه عنها، فقال لهم: «في كلِّ سنةٍ يوجد يومٌ من أيامِها كلُّ من عمل فيه باجتهادٍ استغنى، إلا أني لشيخوختي قد نسيت أيَّ يومٍ هو، فلا تتوانوا أنتم في العمل كلَّ يومٍ، لئلا يفوتكم العمل في ذلك اليوم المبارك، فيضيع تعبُكم في السنةِ كلِّها». ثم قال الشيخُ: «هكذا نحن أيضاً لسنا نعرفُ يومَ وفاتِنا، فإن توانينا حين وفاتنا، فاتنا مقصدنا وضاع كلُّ تعبنا، وإن اجتهدنا إلى الآخر وجدنا ملكوت السماوات».

وقال أخٌ آخر: «كما أن الكنزَ إذا ظهر نقص، كذلك الفضائل إذا اشتهرت وعُرفت تبيد كلُّها، وكما يذوب الشمع من أمام وجه النار، كذلك تسترخي النفس وتهلك وينقطع نشاطُها من مديحِ الناسِ».

كان أحدُ الإخوةِ يرى نعمةَ الله على الهيكلِ، فلما قال لأخيه: «لِمَ تأكل مبكراً»؟ ارتفعت ولم يرها بعد.

أخبر أحدُ الآباء إنه كان ساكناً بالقربِ من أخٍ عمَّال مع الله، فاعتراه توانٍ وكسل، وبعد مدة انتبه من توانيه ولام نفسَه قائلاً: «يا نفسي، إلى متى تتوانين عن خلاصِك؟ أما تخافين من دينونة الله يا شقية وأنت في مثل هذا التواني، فتُسلَّمين للعذاب الدائم»؟ فلما تفكَّر في مثل هذا، أنهضَ نفسَه في عملِ الله. ففي بعض الأيام وهو واقفٌ يصلي، أحاطت به الشياطين وعذَّبته، فقال لهم: «إلى متى تؤذونني؟ أما كفى ما قاسيته في زماني من التواني»؟ فقالت له الشياطين: «لما كنا نراك متوانياً، كنا متوانين عنك، ولما رأيناك قمتَ وتجردت لنا، قمنا نحن أيضاً عليك، فتلقَّى ما يأتيك». فعندما سمع ذلك، أخذته غيرةٌ، وازداد نشاطاً وحرارةً في عمل الله. وبنعمة الله حصل على الغَلَبة.

كان شيخٌ قديس له عادة إذا جلس في عمل يديه ينظر إلى الأرضِ، ويجمع عقلَه ثم يحرِّك رأسه ويقول بتنهدٍ: «تُرى ماذا يكون»؟ ثم يسكتُ قليلاً ويرجع إلى عملِه في الضفيرة، ثم يعيد القول، وهكذا استمر على هذه الحال جميع أيام حياتهِ.

أخٌ أغلق على نفسِه بابَ قلايته زماناً يسيراً، فقاتلته أفكارٌ مكتومة وأحلامٌ سمجة، فأراد الامتناعَ من شربِ الخمر، فبعث إلى شيخٍ قديس يستشيره في ذلك، فأجابه الشيخُ قائلاً: «إن كنتَ تريد أن تخلص فاهرب من شيطانِ العظمةِ، واجعل لك قليلَ محقرةٍ لأن المحقرةَ تُهلك العظمةَ وتبعدها، ولا تدع أحداً يخدمك، بل اخدم أنت نفسك، وأنت تخلص بمعونة الله، والآن فلا تغلق البابَ الخشب، بل بالحري أغلق بابَ لسانِك».

قال شيخٌ: «إذا كنتَ جالساً في قلايتك بسكوتٍ، فلا تظن أنك تفعل أمراً كبيراً، بل افتكر أنك كلبٌ عَقُور مسجون، كيلا تبصر الناسَ فتعقرهم».

قال أحدُ الشيوخِ: «عوِّد نفسَك يا ابني عند كلامِك عن الرهبان أن تقول: إن هذا أخيَرُ مني، وهذا أحرصُ مني في رهبانيته، وهذا أبرُّ مني. على أن تقول ذلك بنيةٍ صادقةٍ من كلِّ قلبك، لأن ذلك يجعلك تنظر ذاتَك تحت الخليقةِ كلِّها، وحينئذ يسكن فيك روحُ الله، أما إن كنتَ تزدري بإخوتك وتحتقرهم وتَعُدَّ نفسَك شيئاً وتستكبر، فإن نعمة الله تبعد عنك، وتُسلَّم إلى دنس الجسد الذي يقسِّي قلبَك مثل الحجرِ».

قال أحدُ الشيوخ: «إذا كان الراهبُ حريصاً مجاهداً، فإن الله يطلب منه ألا يرتبطَ بشيءٍ من أمورِ هذه الدنيا، لئلا يشغله ذلك عن ذِكر ربِّهِ، وعليه أن يطلبَ إليه بلجاجةٍ وبكاءٍ ليغفرَ الله خطاياه».

وقال شيخٌ: «كلُّ من ذاق حلاوةَ المسكنةِ، فإنه يستثقل ثوبَه الذي يلبسه وكوزَ الماء الذي يشرب به، لأن عقلَه قد اشتغل بالروحانيات. فإذا ما ارتبط الراهبُ بالدنيا وما فيها، وصنع هواه، فإن جميعَ تعبهِ يذهبُ باطلاً».

وقال أيضاً: «الجوعُ والتعبُ يُبطلان قتالَ الزنى، وطولُ الروحِ والرحمةُ يهدئان الغضبَ، وقراءةُ الكتبِ والسهرُ في الصلاةِ يجمعان العقلَ الطوَّاف».

قال شيخ: «كلُّ من يحاربه إبليس وجنوده بالقتال، وهو لأجل ذلك ينوح ويبكي ساهراً، طالباً معونة الله، فهو يُستجابُ، لأن السهرَ يحلُّ الخطيةَ، والبكاءُ يغسلُ الذنوبَ».

كما قال شيخٌ: «إن الهدوءَ هو أولُ زكاوة النفس، لأن اللسانَ حينئذ لا يتكلم بكلام الناس، والعينان لا تنظران الجمالَ والحسنَ المنحرف عن الواجب، والأذنان لا تسمعان الأصوات اللذيذة التي ترخي قوة النفس، مع كلام الضحك واللعب، والقلب لا يتبدد بالعلل البرانية، ولا الحواس تنصبُّ إلى العالم، ولكنه يرفع نفسه ويهتم بالله».

كان شابٌ في المدينةِ قد صنع شروراً كثيرةً، وكان منغمساً في الخطايا، وبرحمةِ الله، أحسَّ بعد ذلك بكثرةِ خطاياه، فحبس نفسَه في قبرٍ لكي ما يتوب عما صدر منه، وطرح وجهَه على الأرضِ وهو يقول: «لا ينبغي لي أن أرفعَ نظري إلى السماءِ لكثرة خطاياي، ولا أن أذكرَ اسمَ الله بفمي النجس، ولا أن أصلي». وكان يقول في نفسِه: «إني لا أستأهل السُكنى مع الناسِ الأحياء، ولكن مع الموتى». فحبس نفسَه في القبرِ وهو يائسٌ من الحياةِ، وكان يتنهد من وجعِ قلبهِ، فلما انقضى أسبوعٌ وهو على هذه الحال، أتاه بالليلِ أجنادُ الشياطين وهم يصيحون قائلين: «أين ذلك النجس الذي لم يشبع من الدنس، هل يريد الآن أن يصير نصرانياً؟ ألا تنطلق بعجلةٍ من ههنا، لأن الزناةَ والخمارين أصحابك يتوقعون حضورك إليهم، فاطرح عنك هذا الأمرَّ البطال، فما الذي يحملك على أن تقتلَ نفسَك أيها الأرعن، إنما أنت بجملتك لنا وقت وهبت لنا حياتك بعهودٍ، فأنت غريمٌ لنا، لماذا تهرب منا؟ ألا تردَّ علينا جواباً؟ ألا تقوم وتذهب معنا»؟ أمَّا هو، فمن وجعِ قلبهِ لزم السكوتَ، فلما كثُرَ عليه الكلامُ ولم يجبهم، حينئذ بدءوا يضربونه، واستمروا يضربونه حتى مزَّقوا جسَده، فلم يستطع أن يتحركَ، كما لم يقدروا أن يُزيغوه عن فكرِه الصالح. فتركوه مثل ميتٍ وانصرفوا وهو في تنهدٍ شديدٍ مسلِّماً نفسَه لله، ثم أن أهل بيتهِ خرجوا يطلبونه، فلما وجدوه سألوه عن أمرهِ، فأخبرهم بما حلَّ به، فأرادوا أن يأخذوه معهم، فامتنع. وفي الليلةِ التالية، عاد إليه الشياطين، وضربوه، ولما كانت الليلة الثالثة، أتوه أيضاً وضربوه حتى بقي فيه قليلُ نفسٍ، فلما رأى الله انكسارَ قلبهِ، منعهم عنه، فهربوا وهم يقولون: «قد غلبتنا». ولم يعودوا إليه بعد ذلك، فسكن في ذلك القبر بقية حياته بالزكاوةِ، واقتنى رهبنةً فاضلةً، وصار سبباً لرجوع خطاةٍ كثيرين إلى التوبةِ».

قال شيخٌ: «الاتضاع هو شجرة الحياة، التي لا يموت آكلوها».

وقال أيضاً: «تشبَّه بالعشارِ، لئلا تُدان مع الفريسي».

قوتل أخان بالزنى، فانطلقا إلى العالمِ وتزوَّجا، وبعد ذلك ندما وقال أحدُهما للآخرِ: «ماذا ربحنا، لقد تركنا عملَ الملائكةِ وجئنا إلى هذه النجاسة، ومصيرُنا بعد ذلك أن نمضي إلى جهنم النار. لنرجع إلى البريةِ ونتوب». فرجعا إلى البريةِ، وأتيا إلى الشيوخِ وسألاهم أن يطلبوا إلى الله من أجلهما. فأمروهما أن يحبسا نفسيهما سنةً واحدةً ويتضرعا إلى الله كي يتحنن عليهما. وكانوا يعطونهما خبزاً وماءً بالتساوي. فلما انقضى زمانُ توبتهما وخرجا من حبسِهما، أبصر الشيوخُ أحدَهما متغير الوجه معبَّساً، وأبصروا الآخرَ حسنَ المنظرِ باشًّا، فعجب الآباءُ من ذلك، لأن حبسَهما وطعامَهما كان واحداً. ولكن منظرهما ليس بواحدٍ. فسألوا المتغير الصورةِ: «ماذا كان تفكيرُك أثناء مدة حبسِك»؟ فقال: «كنتُ أتذكر الشرورَ التي عملتُها، والعذابَ المعدَّ لي، ومن شدة فزعي لصق لحمي بعظمي». ثم سألوا الآخر: «وأنت ماذا كنتَ تفكر وأنت جالسٌ في حبسِك». فقال: «كنتُ أشكر الله الذي خلَّصني من نجس العالم ومن العذاب الدائم، وأنعم عليَّ بأن أعمل عملَ الملائكةِ، وعلى ذلك كنتُ أفرح». فقال الشيوخ: «إن توبةَ كليهما واحدةٌ عند الله».

أخٌ من الرهبان قوتل بالزنى، فقام بالليلِ وذهب إلى أحدِ الشيوخِ وكشف له سرَّه، وسأله أن يصلي من أجلهِ، فعزاه الشيخُ وشجَّعه. ولما رجع الأخُ إلى قلايته، اشتد عليه القتالُ، فرجع ثانية إلى الشيخ، وفعل ذلك مراراً، وكان الشيخُ في كلِّ مرةٍ لا يُحزنه، ولكنه كان يكلِّمه بما فيه منفعة نفسِه قائلاً: «كلما قاتلك هذا الشيطان تعال وبُح به فإنه ليس شيءٌ يُبعد شيطان الزنى مثل إظهار أفكارِه وأعمالِه وفضيحتِه، وليس شيءٌ يفرِّحه غير كتمان ذلك». تردد ذلك الأخُ على الشيخِ في تلك الليلةِ إحدى عشرة مرة، وهو يكشف له أفكاراً، أخيراً قال:« قُل لي يا أبي كلمةً»؟ فقال له الشيخ: «ثق يا ابني لو أن الله يدع فكري وقتالي وقفاً عليك لما احتملتَ، ولكنتَ أنت تسقط بالأكثر إلى أسفل». فلما قال الشيخُ هذا الكلام باتضاع، كفَّ الله القتال عن الأخِ.

قيل عن أخٍ كان ساكناً في ديرٍ إنه من شدة القتال كان يسقط في الزنى مراراً كثيرةً. فمكث يُكره نفسَه ويصبر كيلا يترك إسكيم الرهبنة، وكان يصنع قانونَه وسواعيه بحرصٍ، ويقول في صلاتهِ: «يا ربُّ أنت ترى شدة حالي وشدة حزني، فانتشلني يا ربُّ إن شئتُ أنا أم لم أشأ، لأني مثل الطين، أشتاقُ وأحبُّ الخطيةَ، ولكن أنت الإله الجبار اكففني عن هذا النجس، لأنك إن كنتَ إنما ترحم القديسين فقط فليس هذا بعجيبٍ، وإن كنتَ إنما تخلِّص الأطهار فما الحاجة، لأن أولئك مستحقون، ولكن فيَّ أنا غير المستحق يا سيدي أرِ عجب رحمتك لأني إليك أسلمتُ نفسي». وهذا ما كان يقوله كلَّ يومٍ، أخطأ أو لم يخطئ، فلما كان ذات يوم وهو دائمٌ في هذه الصلاة، أن ضجرَ الشيطانُ من حُسن رجائهِ ووقاحتهِ المحمودة، فظهر له وجهاً لوجه وهو يرتل مزاميره، وقال له: «أما تخزى أن تقف بين يدي الله بالجملةِ وتسمي اسمَه بفمِك النجس»؟ فقال له الأخ: «ألستَ أنت تضربُ مرزبةً وأنا أضربُ مرزبةً؟ أنت توقعني في الخطيةِ، وأنا أطلب من الله الرحوم أن يتحنن عليَّ، فأنا أضاربك على هذا الصراع حتى يدركني الموتُ. ولا أقطع رجائي من إلهي، ولا أكف من الاستعداد لك، وستنظر من يغلب: أنت أو رحمة الله». فلما سمع الشيطانُ كلامَه قال: «من الآن لا أعود إلى قتالك، لئلا أسبب لك أكاليل في رجائك بإلهك». وتنحى الشيطان عنه من ذلك اليوم، ورجع الأخُ إلى نفسِه وأخذ ينوح ويبكي على خطاياه السالفة، فإذا كان الفكرُ يقول له: «نِعمَّا لأنك تبكي». فكان يجيب فكرَه بذِكرِ خطاياه. وإذا قال الفكرُ له: «أين تذهب لأنك فعلتَ خطايا كثيرة»، يقول: «الربُّ يفرحُ بحياةِ الميِّت ووجود الضال».

سُئل أنبا بيمين: «ما هي التوبة»؟ فقال: «الإقلاع عن الخطية وأن لا يعاود فعلها، لأنه لذلك دُعي الصديقون لا عيب فيهم، لأنهم أقلعوا عن الخطيةِ فصارا صديقين».

سأل أخٌ الأب شيشوي قائلاً: «ماذا أفعلُ يا أبتاه، فقد سقطتُ»؟ قال له الشيخُ: «انهض أيضاً». قال الأخُ: «نهضتُ ورجعتُ وقعت». فأجابه الشيخُ: «انهض أيضاً». فقال الأخُ: «إلى متى أيها الأب»؟ قال له: «إلى أن نؤخذ، إما في الخير وإما في السقطةِ، لأن الإنسانَ فيما يوجد فيه يؤخذ».

 

 

ال الأب أموس: «ستةُ دروبٍ توجد للتوبةِ: ذمُ الخطايا والإقلاعُ عنها، الإقرارُ بها، الندامةُ عليها، الصفحُ عن خطايا القريبِ، تركُ دينونةِ المخطئين، وتمسكن القلبِ».

قال أحدُ الشيوخِ: