شرح
الإيمان المسيحى
للقديس أمبروسيوس
أسقف ميلان
الكتاب الثانى
مقدمة
1 ـ كما أظن يا جلالة الإمبراطور، فقد قلت ما يكفي في الكتاب السابق لأوضح أن ابن الله كائن أزلي وغير مختلف عن الآب، مولود غير مخلوق: كما برهنّا من خلال الاقتباسات من الكتب المقدسة أن ابن الله الحقيقي هو الله، وهذا قد أُعِلن أنه هكذا بواسطة العلامات الواضحة الخاصة بجلاله.
2 ـ ورغم أن ما سبق تقديمه هو كثير بل ويزيد، وذلك لأجل الحفاظ على الإيمان، إذ نرى أن عظمة النهر يُحكم عليها غالبًا من الطريقة التي ترتفع وتفيض بها ينابيعه. ومع ذلك، فلكي يكون إيماننا أكثر وضوحًا، فإن مياه ينبوعنا يجب ـ كما أظن ـ أن تُقسَّم إلى ثلاث قنوات، ولذلك فإنه يوجد:
أولاً: علامات واضحة تبيّن التلازم الجوهري في الألوهة؛
ثانيًا: التعبيرات الدالة على التماثل بين الآب والابن،
وأخيرًا: تلك التعبيرات الدالة على وحدة الجلال الإلهي التي لا يُشك فيها.
بخصوص النوع الأول لدينا الأسماء: "ولادة"، "الله"، "ابن"، "الكلمة"[1]؛
وبخصوص النوع الثاني لدينا: "بهاء"، "رسم"، "مرآة"، "صورة"[2]؛
وبخصوص النوع الثالث لدينا: "حكمة"، "قوة"، "حق"، "حياة"[3].
3 ـ هذه الدلائل تعلن هكذا طبيعة الابن، حتى من خلالها يمكنك أن تعرف أن الآب أزلي وأن الابن غير مختلف عنه؛ لأن مصدر الولادة هو الكائن الذي يكون[4]؛ وكمولود من الأزلي فإنه إله؛ وكصادر من الآب، فهو الابن[5]؛ ولأنه من الله فهو الكلمة؛ هو شعاع مجد الآب، رسم جوهره[6]، مثيل الله، صورة عظمته؛ جود الذي هو الجوّاد، حكمة الذي هو الحكيم، قوة القدير، حق الذي هو الحقيقي[7]، حياة الذي هو الحي[8]. لذلك فالصفات المميزة للآب والابن ترتبط معًا باتفاق، حتى لا يفترض أحد وجود أي اختلاف، أو أن يشك في أن لهما عظمة واحدة. ولكل من هذه الأسماء ولجميعها سوف نعطي أمثلة لاستخدامها، حتى نجعل حديثنا مؤكدًا بدلائل.
4 ـ ومن الاثني عشر هذه، التي هي كاثني عشر جوهرًا كريمًا يُبني عمود إيماننا، لأن هذه الأحجار الكريمة ـ الجزع العقيقي، اليشب، الزمرد، الزبرجد، والبقية منسوجة في رداء هارون المقدس[9]، الذي هو مثال للمسيح[10] الكاهن الحقيقي؛ حجارة ممتزجة بالذهب، ومنقوشة بأسماء أبناء إسرائيل، اثنى عشر حجرًا متصلة معًا موضوعة الواحد داخل الآخر، حتى إن شَطَرَها أو فَصَلَها أحد، فإن نسيح الإيمان كله يتهاوى محطمًا.
5 ـ هذا إذن هو أساس إيماننا، أن نعرف أن ابن الله مولود؛ لأنه إن لم يكن مولودًا فلا يكون ابنًا. ولا يكفي أن ندعوه ابنًا إن لم تميّزه باعتباره الابن الوحيد الجنس. فلو كان مخلوقًا فلا يكون إلهًا، ولو لم يكن إلهًا، لما كان هو الحياة، وإن لم يكن هو الحياة فلا يكون هو الحق.
6 ـ فالعلامات الثلاث الأولى، أعني الأسماء: "الولادة"، "ابن"، "الابن الوحيد الجنس"، تُظهر أن الابن هو أصلاً من الله، بسبب أنه من نفس طبيعته.
7 ـ أمّا الثلاثة التي تليها أي الأسماء: "إله"، "حياة"، "حق"، فهي تُعلن قوته التي بها وضع أساسات العالم المخلوق وهو ضابطه. وكما يقول القديس بولس: " الذي به نحيا ونتحرك ونوجد" (أع28:17)؛ ولذلك فالثلاثة الأولى تُعبِّر عن "حق الابن الطبيعي"، وفي الثلاثة الثانية الأخرى، فإن وحدة العمل القائمة بين الآب والابن تصير ظاهرة.
8 ـ ابن الله يُسمّى أيضًا: "صورة" و"بهاء" و"تعبير" (التي تُعبِّر عن الله)، لأن هذه الأسماء قد كشفت عن عظمة الآب التي لا تُدرك ولا تُستقصى، التي في الابن، وكشفت عن التعبير عن مثاله في الابن. هذه الأسماء الثلاثة كما رأينا تشير إلى مماثلة الابن للآب[11].
9 ـ كما يوجد لدينا أيضًا أفعال القوة والحكمة والحق التي يمكن بها البرهنة على أزلية الابن.
10 ـ هذا إذن هو الرداء المُزين بالحجارة الكريمة؛ هذا الذي يُعبِّر عن حب الكاهن الحقيقي؛ هذا هو رداء العُرس، هنا النسَّاج المُلهم الذي عرف جيدًا كيف ينسج هذا العمل. إنه ليس عمل نسيح عادي، والذي عنه تكلم الرب بواسطة نبيه: " من ذا الذي أعطى النساء مهارة في النسيج"[12]. أقول مرة أخرى، تلك الحجارة الموجودة ليست حجارة عادية، والتي نجدها تُسمّى "للترصيع"[13] لأن كل الكمال يعتمد على شرط عدم وجود شئ ناقص. إنها حجارة مرتبطة معًا ومُحاطة بالذهب، أي أنها من نوعٍ روحاني، ربطها يكون بواسطة أذهاننا، وهي مُحاطة بالبرهان المُقنع. وفي الختام (أقول) إن الكتاب المقدس يُعلّمنا أن هذه الحجارة هي غير عادية، نظرًا لأن البعض يُحضرون صنفًا، وآخرون صنفًا آخر أقل قيمة، هذه التي أحضرها الأمراء الورعون، مرتدين إياها على أكتافهم، وصنعوا منها "درع الحق"، أي جزءً من العمل المنسوج. فالآن يصير لدينا عمل منسوج، عندما يسير الإيمان والعمل معًا.
11 ـ أرجو ألاّ يفترض أحد أنني أخطأت عندما رَّتبتُ في الأول تقسيمًا ذا ثلاث جوانب، وكل جزء يحوي أربعة، ثم بعد ذلك تقسيمًا رباعيًا، كل واحد له ثلاثة تعبيرات. إن جمال الشيء الصالح يصير أكثر إبهاجًا عندما يُعرض بأوجه مختلفة. إن تلك الأشياء التي نُسج الرداء الكهنوتي كعلامة لها هي أشياء حسنة، أي الناموس أو الكنيسة، التي صنعت فيما بعد ثوبين لعريسها ـ كما هو مكتوب[14] ـ الواحد ثوب العمل والثاني ثوب الروح، وهي تنسج خيوط الإيمان والعمل معًا، لذلك، فكما تقرأ[15]، فإنها تصنع في مكان واحد قاعدة من ذهب، وبعد ذلك تنسج عليها أزرق وأرجوانًا مع قرمزي وأبيض. وأيضًا ـ كما تقرأ في موضع آخر ـ فإنها تصنع أولاً أزهارًا صغيرة من أزرق وألوان أخرى، وتضم فيها الذهب، وهناك تنسج ثوبًا كهنوتيًا واحدًا بهدف أن الحلية المتنوعة من النعمة والجمال، والمصنوعة من نفس الألوان الزاهية تضفي جمالاً جديدًا بتنوع الترتيب.
12 ـ وعلاوة على ذلك (لكي نكمل تفسيرنا لهذه الأمثلة)، فمن المؤكد أن الذهب المصفي والفضة يدلان على أقوال الرب التي منها يستمد إيماننا ثباته: " كلام الرب كلام نقي، فضة محمّاة مجربة في الأرض، قد صُفيت سبعة أضعاف" (مز6:12و7س). اللون الأزرق مثل الهواء الذي نتنفسه ونستنشقه داخلنا؛ والأرجواني يمثل أيضًا ظهور المياه، والقرمزي يشير إلى النار، والكتان الأبيض يشير إلى الأرض لأن أصله من الأرض[16]، ومن هذه العناصر الأربعة يتكون الجسم الإنساني[17].
13 ـ وسواء إذا كنت تربط الإيمان الموجود أصلاً في الروح بالأعمال الجسدية التي تنسجم معها، أو أن تأتي الأعمال أولاً والإيمان يتصل بها كرفيق يُقدمها إلى الله ـ هنا يكون رداء خادم الدين، هنا الثوب الكهنوتي.
ألوهية المسيح هي أساس الإيمان:
14 ـ لذلك فإن الإيمان ينفع إن كانت حافته لامعة بتاج جميل من الأعمال الصالحة[18]. هذا الإيمان ـ لأقتضب في الأمر ـ هو موجود في الأساسات التالية، والتي لا يمكن إغفالها. إن كان أصل الابن من لا شئ فهو ليس ابنًا؛ وإن كان مخلوقًا فهو ليس الخالق؛ وإن كان مصنوعًا فهو لم يصنع كل الأشياء، وإن كان في احتياج إلى أن يتعلّم فليس له سبق المعرفة، وإن كان يحتاج أن ينال فهو ليس كاملاً؛ وإن كان يرتقى (إلى العلا) فهو ليس إلهًا. إن لم يكن مثل الآب فهو ليس صورته؛ وإن كان ابنًا بالنعمة فهو ليس ابنًا بالطبيعة[19]؛ وإن لم يكن له الألوهة بالطبيعة، فسوف يوجد فيه الاحتمال أن يخطئ، لأنه " ليس أحد صالحًا إلاّ الله"[20].
الفصل الأول
شرح الآية:
" ليس أحد صالحًا إلاَّ واحد وهو الله" (مر18:10).
15 ـ الاعتراض الذي ينبغي أن أواجهه الآن يا جلالة الإمبراطور ـ يملأني بالذهول، حتى إن روحي وجسدي يقشعران عند التفكير بأنه يوجد بشر، بل بالأحرى ليسوا بشرًا، وإنما كائنات لها المظهر الخارجي للبشر، ولكن ممتلئة داخليًا بغباء وحشي، حتى، بعد أن تنال من يدي الرب إحسانات هذا عددها وهذه عظمتها، فإنها تقول إن خالق كل الأشياء الصالحة، هو نفسه ليس صالحًا.
16 ـ هم يقولون إنه مكتوب: " ليس أحد صالحًا إلاّ واحد وهو الله". إنني أقر بما يقوله الكتاب المقدس ولكن لا يوجد خطأ في المكتوب، بل الخطأ هو في شرح الآريوسيين. إن الحروف المكتوبة لا لوم فيها، ولكن ما يُلام هو المعنى الذي يعطيه لها الآريوسيون. إنني أعترف بأن هذه الكلمات هي كلمات ربنا ومخلصنا ولكن علينا أن نفكر جيدًا متى قيلت، ولمن قيلت، وما هو قصده من هذا الكلام.
17 ـ إن ابن الله يتكلم هنا بالتأكيد كإنسان، وهو يتكلم مع أحد الكتبة، وهو الذي يخاطب ابن الله بقوله " أيها المعلم الصالح"، ولكنه لا يعترف به أنه إله، لذلك فما لا يؤمن به هذا الكاتب، يعطيه المسيح أن يفهمه، وقصده من هذا أن يقوده ليؤمن بابن الله ليس "كمعلم صالح"، ولكن "كالإله الصالح". وإن كان عندما يسمّى " الإله الواحد" في أي مكان، فإن ابن الله لا ينفصل أبدًا عن ملء هذه الوحدانية، فكيف حينما يُقال إن الله وحده صالح يمكن أن يُستبعد الابن الوحيد عن ملء الصلاح الإلهي؟ على الآريوسيين إذًا إمًا أن يعترفوا أن ابن الله هو إله، أو أن ينكروا بأن الله صالح.
18 ـ لذلك، فإن ربنا ـ بفهم إلهي مُلهم ـ لا يقول: " ليس أحد صالحًا إلاّ الآب وحده"، وإنما يقول: " ليس أحد صالح إلاّ واحد وهو الله ". إن "الآب" هو الاسم الحقيقي لمن يلد. ولكن وحدانية الله لا تستبعد بأي حال ألوهة الثلاثة أشخاص، ولذلك فإن طبيعة الله هي التي تُمجد. فالصلاح إذن هو خاص بطبيعة الله. ومرة أخرى، فإن ابن الله موجود في طبيعة الله، والآية التي يستند إليها الآريوسيون ويسيئون تفسيرها، تخص ليس أحد الأقانيم، بل تخص الوحدة الكاملة للألوهة[21].
19 ـ فالرب إذن لا ينكر أنه صالح، ولكنه يوبخ مثل هذا النوع من السائلين، لأن الكاتب عندما قال: " أيها المعلم الصالح"، فإن الرب أجابه: " لماذا تدعوني صالحًا؟" أي أنه يعنى بذلك: " إنه ليس كافيًا أن يدعوه صالحًا إن كان لا يؤمن به أنه إله ". إنني لا أريد أن يكون تلاميذي من مثل هذا النوع، أشخاصًا يفكرون ـ فقط ـ في طبيعتي البشرية، ويحسبونني مجرد معلم صالح، دون أن ينظروا إلى ألوهيتي ويؤمنوا بي إنني الإله الصالح.
الفصل الثاني
ملخص:
يُبرهَن على صلاح ابن الله من خلال أعماله، وبالتحديد، إحساناته التي أظهرها نحو شعب إسرائيل في العهد القديم، وللمسيحيين في العهد الجديد. إنه لفائدة الإنسان أن يثق في صلاح ذاك الذي هو الرب والديان. شهادة الآب للابن. عدد ليس بقليل من الشعب اليهودي يشهد للابن؛ لذلك فإنه يتضح أن الآريوسيين أردأ من اليهود. وأيضًا فإن كلمات العروس (في سفر نشيد الأنشاد) تُعلِن عن المسيح نفسه.
20 ـ ومهما كان، فإنني سوف لا أعتمد على موضوع (ألوهة) الابن من مجرد امتياز طبيعته واستحقاقاته الخاصة بجلاله. دعنا لا نسميه صالحًا إن كان هو غير جدير بهذا اللقب، وإن كان لا يستحق ذلك بسبب الأعمال وأفعال المحبة والرحمة، فليتنازل عن الحق الذي يتمتع به بسبب طبيعته، وليُسلَّم إلى حكمنا عليه. إن الذي يديننا لا يستنكف من أن ندينه كالمكتوب: " حتى يتبرر في أقواله ويغلب إذا حوكم" (مز4:51).
21 ـ أليس صالحًا ذاك الذي أعطاني أشياء حسنة؟ أليس صالحًا ذاك الذي عندما هرب ستمائة ألف من شعب اليهود من أمام الذين يطاردونهم، فتح فجأة تيارات البحر الأحمر، كميات من الماء غير المنقطع؟ حتى إن الأمواج فاضت حول المؤمنين وصارت سورًا لهم ولكنها دفعت غير المؤمنين إلى الخلف وأغرقتهم[22].
22 ـ أليس صالحًا الذي بأمره صارت البحار أرضًا يابسًا تحت أقدام الهاربين، وأخرجت الصخور ماء للعطاش[23]؟ حتى تُعرف أعمال الخالق الحقيقي عندما صار السائل المنحلّ صلبًا، وتدفَّق الماء من الصخرة؟ حتى نعترف بأن هذا هو عمل المسيح كما قال الرسول: " والصخرة كانت المسيح" (1كو4:10).
23 ـ أليس هو صالحًا ذاك الذي عال في البرية بخبز من السماء، هذه الآلاف غير المحصاة من الناس، لئلا تقتحمهم أي مجاعة، فكانوا بلا حاجة إلى أي جهد بل وصاروا متمتعين بالراحة؟ حتى أنه لمدة أربعين سنة لم تبلَ ثيابهم عليهم وسيورهم لم تُقطع[24]، وهذا أمر يرمز للمؤمنين في القيامة الآتية، ليبيِّن أنه لا مجد الأعمال العظيمة ولا جمال القوة التي وشَّحنا الله بها، ولا مجرى الحياة البشرية، يصنعها هو بدون هدف؟
24 ـ أليس صالحًا الذي رفع الأرض إلى السماء، حتى إنه كما أن مجموعات النجوم تعكس مجده في السماء كما في مرآة، هكذا جوقات الرسل والشهداء والكهنة إذ يضيئون كالنجوم المجيدة يمكن أن ينيروا لكل العالم[25].
25 ـ إذن هو ليس صالحًا فقط، بل وأكثر من هذا، إنه راعٍ صالح لقطيعه لأن " الراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف"، نعم! إنه وضع نفسه ليرفعنا ـ ولكن بسلطان لاهوته وضع نفسه وأخذها: " لي سلطان أن أضع نفسي وأن آخذها أيضًا، ليس أحد يأخذها منى بل أضعها أنا من ذاتي" (يو11:10و17و18).
26 ـ ها أنت ترى صلاحه، إذ يضع نفسه من ذاته، وها أنت ترى قوته إذ أنه أخذها أيضًا ـ هل تنكر صلاحه بينما هو يقول عن نفسه في الإنجيل: " أم أن عينيك شريرة لأني أنا صالح" (مت15:20)؟ أيها الشقي غير الشاكر، ماذا تفعل؟ هل تنكر صلاحه وهو الذي يكمن فيه رجاؤك بخصوص الصالحات؟ هذا إن كنت تؤمن حقًا بهذا. هل تنكر صلاحه وهو الذي أعطانا: " ما لم ترَ عين وما لم تسمع به أذن"؟ (1كو9:2وإش4:64).
27 ـ إنه أمر هام أن نؤمن أنه صالح، لأنه " صالح هو الاتكال على الرب" (مز8:118)، إن هذا يبهجني أن أعترف للرب، لأنه مكتوب: " اعترفوا للرب فإنه صالح"[26].
28 ـ إن أمر نافع لي أن أعتبر أن ديّاني صالح، لأن الرب قاضي عادل لبيت إسرائيل. فإن كان ابن الله هو قاضي (فينتج عن ذلك) أن الذي هو قاضي وابن الله هو الإله العادل[27].
29 ـ ولكن ربما لا تصدق الآخرين ولا تصدق الابن. اسمع إذن الآب يقول: " فاض قلبي بالكلمة الصالحة" (مز1:45) فالابن إذن هو صالح، والابن هو المكتوب عنه: " والكلمة كان مع الله وكان الكلمة الله" (انظر يو1:1)، فإن كان الكلمة صالحًا والابن هو كلمة الله، فبالتأكيد ـ رغم أن هذا لا يرضى الآريوسيين ـ يكون ابن الله هو الله. فلتحمّر وجوههم من الخجل.
30 ـ اعتاد اليهود أن يقولوا: " إنه صالح "، مع أن البعض قالوا: " إنه ليس كذلك"، مع أن آخرين قالوا: " إنه صالح" ولكن أنتم ـ معشر الآريوسيين ـ جميعكم تنكرون صلاحه[28].
31 ـ إن كان صالحًا، ذاك الذي يصفح عن خطية إنسان واحد، ألا يكون صالحًا الذي حمل خطية العالم؟ فهو الذي قيل عنه: " هوذا حمل الله، هوذا الذي يحمل خطية العالم" (يو29:1).
32 ـ ولكن لماذا نشك؟ لقد آَمَنَتْ الكنيسة بصلاحه طوال هذه الأجيال، وقد عبّرت عن اعترافها بالإيمان بالمكتوب: " ليقبَّلني بقبلات فمه، لأن حبك أطيب من الخمر" (نش1:1)، وأيضًا: " حنكك كأجود الخمر" (نش9:7). لذلك فمن صلاحه هو يغذينا بينابيع الناموس والنعمة، ويخفف أحزان البشر بأن يخبرهم عن الأمور السماوية، فهل ننكر بعد ذلك صلاحه، بينما وهو نفسه هو الإعلان عن الصلاح، فإنه يُعبِّر في شخصه عن صورة الجود الأزلى، كما أوضحنا أعلاه أنه مكتوب أنه الانعكاس الذي بلا لوم والصورة المطابقة لذلك الجود.
الفصل الثالث
ملخص: نظرًا لأن الله واحد، من ثمّ يكون ابن الله هو الإله الصالح والحقيقي.
33 ـ ماذا تظن إذن، يا من تُنكر صلاح ابن الله وألوهيته الحقيقية، مع أنه مكتوب إنه ليس إله آخر إلاّ واحدًا؟[29] لأنه وإن وُجِدَ ما يُسمى آلهة، فهل ستحسب المسيح ضمن تلك التى تُسمى آلهة، وهي ليست كذلك، بينما ترى أن المسيح جوهره أزلى، وأنه لا يوجد سواه من هو صالح وإله حقيقي، بسبب أن الآب فيه[30]. إذ أن من طبيعة الآب ذاتها، إنه لا يوجد إله حقيقي آخر سواه، لأن الله واحد، كما أننا لا نخلط أقنومَي الآب والابن كما يفعل السابيليون، ولا نفصل الآب عن الابن كما يفعل الآريوسيون، لأن الآب والابن، كأب وابن هما أقنومان مميزان، دون أى انقسام لألوهيتهما.
الفصل الرابع
ملخص: يوضح هذا الفصل أن ابن الله كُلِّى القدرة، وذلك بشهادة العهدين القديم والجديد
34 ـ بما أننا نرى أن ابن الله هو (إله) حقيقي وصالح، فبالضرورة يكون هو الإله القادر على كل شئ. هل يمكن أن يوجد أي شك فى هذه النقطة؟ لقد استشهدنا سابقًا بالآية التى تقول عنه: " اسمه الرب القادر على كل شئ"[31]، إذن، فلأن الابن هو الرب، والرب قادر على كل شئ، من ثمّ يكون ابن الله هو القادر على كل شئ.
35 ـ واسمع أيضًا العبارة التالية، والتى لا يمكن استخراج أي شكوك فيها[32]، حيث يقول الكتاب: "هوذا يأتى مع السحاب، وستنظره كل عين والذين طعنوه، وينوح عليه جميع قبائل الأرض. نعم آمين. أنا هو الألف والياء البداية والنهاية يقول الرب الكائن والذي كان والذي يأتى، القادر على كل شئ" (رؤ7:1و8). وأنا أسأل، من الذي طعنوه؟ لأن من هو الذى نترجى مجيئه سوى الابن؟ فالمسيح إذن هو الرب القادر على كل شئ وهو الله.
36 ـ اسمع عبارة أخرى يا صاحب الجلالة، اسمع صوت المسيح: " لأنه هكذا قال الرب القادر على كل شئ: بعد مجده أرسلنى ضد الأمم الذي سلبوكم، لأنه من يمسكم يمس حدقة عينه، لأنى هأنذا أُحرك يدي على الذين سلبوكم وأُنقذكم، فيكونون سلبًا لكم، فيعلمون أن الرب القادر على كل شئ أرسلنى" (زك8:2و9س). من الواضح أن الذي يتكلم هو الرب القادر على كل شئ، والذي أُرسل هو الرب القادر على كل شئ، وتبعًا لذلك إذن، فإن القوة القادرة على كل شئ تخص الآب والابن كليهما، ومع ذلك فهو إله واحد قادر على كل شئ، لأنه توجد وحدانية في العظمة والجلالة.
37 ـ وعلاوة على ذلك، ولكى تعلم يا صاحب الجلالة أن المسيح الذي تكلم في الأناجيل هو نفسه تكلم في الأنبياء، فإنه يقول بفم إشعياء كما لو كان يسبق ويتكلم عن الإنجيل: " أنا نفسى الذي تكلمت، أنا آتي"[33]،، أي إننى أنا الذي تكلم في الناموس حاضر في الإنجيل.
38 ـ وفي موضع آخر يقول أيضًا: " كل ما للآب هو لي" (يو15:16)، ماذا يقصد بـ "كل ما"؟ واضح أنه لا يقصد الأشياء المخلوقة، لأن هذه كلها قد خُلِقت بالابن، بل يقصد الأشياء التى للآب، أى، الأزلية، الهيمنة، الألوهية، هذه الأشياء التى يملكها كمولود من الآب. ومن ثمّ لا يمكن أن نشك أن الابن قادر على كل شئ، إذ أن له كل ما للآب، بحسب المكتوب: " كل ما للآب هو لى".
الفصل الخامس
ملخص: بعض العبارات في الكتاب المقدس التى قد تدفعنا للاعتقاد بما هو ضد قدرة المسيح على كل شئ، يوجد لها حلٌّ، والكاتب يبذل جُهدًا خاصًا ليبيِّن أن المسيح ـ كثيرًا ما كان يتكلم بحسب مشاعر الطبيعة البشرية.
39 ـ مع أنه مكتوب بخصوص الله: " المبارك القادر الوحيد" (1تى15:6)، إلاّ أنه لا يساورنى أدنى شك بأن ابن الله منفصل عن الآب، إذ أرى أن الكتاب المقدس يستخدم لقب " القادر الوحيد" ليس للآب وحده، فالآب نفسه ايضًا يُصرِّح بخصوص المسيح بفم النبى: " جعلتُ عونًا على مَنْ هو قَوِى" (مز19:89). فمن ثمَّ ليس هو الآب فقط القادر الوحيد، بل والله الابن أيضًا قادر، لأنه عندما يُمدح الآب يُمدح الابن أيضًا.
40 ـ حقًا، فليبيِّن أى شخصٌ، ما هو الذي لا يقدر ابن الله أن يفعله. مَنْ كان معينه عندما صنع السموات؟ مَنْ كان معينه عندما وضع أُسس العالم[34]؟ وهل كان محتاجًا لأىّ معين ليحرِّر الإنسان، وهو الذي لم يكن محتاجًا إلى أحد في خلق الملائكة والرئاسات[35]؟
41 ـ يقولون: ” إنه مكتوب: " يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عنىِّ هذه الكأس" (مت39:26، مر35:14، لو42:22)، فإن كان قادرًا على كل شئ، فكيف يشكُ هو إذن في هذه الإمكانية؟"، بمعنى أنه حيث إنى برهنتُ على قدرته، فقد برهنتُ إنه لم يشكُ في قدرته على كل شئ.
42 ـ أنت تقول إن الكلمات هي كلمات المسيح، هذا حق، ولكن يجب أن نفكر في المناسبة التى قالها فيها، وبأى صفة كان يتكلم. لقد أخذ لنفسه طبيعة الإنسان[36] ومِن ثمَّ فقد أخذ معها أحاسيسها. كما تجد أيضًا في الموضع المذكور أعلاه أنه: " تقدَّم قليلاً وخرَّ على وجهه وكان يُصلِّى قائلاً: يا أبتاه، إن أمكن" (مت39:26، مر35:14)، فهو يتكلم إذن ليس كإله ولكن كإنسان، لأنه هل يمكن أن يكون الله جاهلاً بإمكانية حدوث أو عدم حدوث شئ ما ؟ وهل يوجد أىّ شئ غير ممكن لدى الله، والكتاب يقول: " لا يعسر عليك أمر" (أى2:42).
43 ـ مَن هو الذى يشك فيه، في نفسه أم في الآب؟ بالتأكيد في نفسه، هذا الذي يقول: " لتعبُر عنىِّ"، مِن حيث إنه يشعر كإنسان. إن النبي لا يُدوِّن شيئًا يحسب أنه مستحيل لدى الله. فإن كان النبى لا يشك، فهل تظن أن الابن يشك؟ هل تضع الله أقلّ مِن الإنسان؟ ماذا؟ هل ابن الله لديه شكوك من جهة أبيه، وهو يخاف في مواجهة الموت؟ هل المسيح يخاف؟ بينما بطرس لا يخاف شيئًا. يقول بطرس: " إنىِّ أضع نفسى عنك" (يو37:13)، بينما يقول المسيح: " نفسى قد اضطربت" (يو27:12).
44 ـ إن كلا النصّين صواب، ومِن الطبيعى أن يكون بالتساوى أن الإنسان الذي هو أقل لا يخاف، بينما الأعظم يتحمل هذا الشعور؛ لأن الأول له كل ما للإنسان مِن جهل بقوة الموت، بينما الآخر، إذ هو الله ساكنًا في جسدٍ يُصِّور ضعف الجسد، حتى لا يكون لشرِّ أولئك الذين ينكرون سر التجسد أىّ عذر. إذن هو قال هذا، بينما لا يؤمن المانويون[37] بذلك، وينكره فالنتيونوس، بينما يقول عنه ماركيون إنه خيال.
45 ـ وفي الواقع، فإن المسيح هنا يضع نفسه فى مستوى الإنسان، حتى يُظهر نفسه ليكون في حقيقة شكله البشرى، فيقول: " ولكن ليس كما أريد أنا بل كما تريد أنت" (مت39:26)، مع أنه حقًا أن قوة المسيح الخاصة هي أن يريد ما يريد الآب، كما أنه يفعل ما يفعله الآب.
46 ـ ليت الاعتراض ينتهى عند هذا الحد، هذا الذي اعتدتم أن تعارضونا فيه بسبب قول السيد: " ليس كما أريد أنا بل كما تريد أنت"، وأيضًا: " لأنى قد نزلت مِن السماء ليس لأعمل مشيئتى بل مشيئة الذي أرسلنى" (يو38:6).
الفصل السادس
ملخص: عبارات الكتاب المقدس التى استُشِهد بها مِن قبل تُؤخذ كذريعة للإقلال من شأن الابن، بينما الرب يسوع يملك حرية العمل نفسها التى تُنسب للروح القدس وفي مواضع أخرى تُنسب للابن.
47 ـ دعنا الآن ـ في الوقت الحاضر ـ نشرح بأكثر استفاضة لماذا قال ربنا: "إن أمكن"، ولنفسح وقتًا لنوضح أنه يملُك حرية الإرادة. أنتم تنكرون ـ بل حتى الآن تمضون في طريق شرّكم ـ وتنكرون أن لابن الله مشيئة حُرَّة، وعلاوة على ذلك، فإنكم تميلون إلى أن تحطُّوا مِن قدر الروح القدس، مع أنه لا يمكنكم أن تنكروا ما هو مكتوب: " الروح يهب حيث يشاء" (يو8:3)[38]. يقول الكتاب: " حيث يشاء"، ولم يقُل: "حيث يُؤمر". فإن كان الروح إذن يهب حيث يشاء، أفما يُمكن للابن أن يفعل ما يشاء؟ لماذا؟ إنه ابن الله نفسه الذي يقول في إنجيله إن الروح له القوة أن يهبَّ حيث يشاء. فهل الابن بذلك يعترف أن الروح أعظم منه، بكون الروح له القوة أن يفعل ما لم يُسمح به للابن؟
48 ـ يقول الرسول أيضًا: " ولكن هذه كلها يعملها الروح الواحد بعينه، قاسمًا لكل واحد بمفرده كما يشاء" (1كو11:12). لاحظ القول: " كما يشاء"، أى بحسب حكم مشيئة حُرَّة وليس طاعة لِما هو قهرى. وعلاوة على ذلك، فإن المواهب التى تُوزَّع (تُقسَّم) بواسطة الروح ليست هى مجرد مواهب بسيطة أو عادية، بل مِن مثل تلك الأفعال التى اعتاد الله أن يعملها في موهبة شفاء وأعمال قُوَّات. وبينما الروح إذن يُقسِّم كما يشاء، ألا يمكن لابن الله أن يُحرِّر مَن يشاء!. اسمعه يتكلم عندما يفعل ما يشاء: " أشاء أن أفعل مشيئتك يا إلهي" (مز8:40)، وأيضًا: " أُقدِّم لك ذبيحة طوعية" (مز6:54).
49 ـ لقد عرف الرسول القديس فيما بعد أن يسوع له القدرة أن يفعل ما يشاء، ولذلك فإذ رآه يمشى على البحر قال: " يا سيد إن كنتَ أنتَ هو، فمُرنى أن آتى إليك على الماء" (مت28:14). لقد آمن بطرس أنه إِنْ أَمَرَ المسيح، فإن الأحوال الطبيعية سوف تتغيَّر، والمياه سوف تُدعِّم خطوات الإنسان، والأشياء المناقضة سوف تُقهَر وتنقص لتؤول إلى انسجام واتّفاق. إن بطرس يطلب مِن المسيح أن يأمُر، وتمَّ ما أَمَرَ به، وهذا ينكره آريوس!
50 ـ ما هو الذي يكون للآب ولا يكون للابن؟، وما هو الذى للابن وليس هو للآب؟ وكما هو مكتوب، فإن: " الآب يُحيى مَن يشاء، والابن أيضًا يُحيى من يشاء" (يو21:5). قل لى، مَنْ أحياه الابن والآب لم يُحيه، وإن كان الابن يُحيى من يشاء، وفِعل الآب والابن واحد، فأنت ترى أنه ليس الابن فقط يصنع مشيئة الآب، ولكن الآب أيضًا يفعل مشيئة الابن، لأن عملية الإحياء لا تتم إلاّ مِن خلال رغبة المسيح في الإحياء. ولكن فِعل المسيح هو مشيئة الآب، لذلك فمن يحييه الابن، فإنما يحييه بمشيئة الآب، لذلك فإن مشيئتهما هي واحدة.
51 ـ ومرة أخرى، ماذا كانت مشيئة الآب إلاّ أن يأتى المسيح إلى العالم وأن يُطهِّرنا من خطايانا؟ اسمع كلمات الأبرص: " إن شئت تقدر أن تطهرنى" (مت2:8)، وأجابه المسيح: " أريد"، وللوقت تبعت الصحة الإرادة. ألا ترى أن الابن هو سيد مشيئته الخاصة، وأن مشيئة المسيح هي نفسها مشيئة الآب. وإن كنتَ ترى حقًا أنه قال: " كل ما للآب هو لى"، فبالضرورة لم يستثنٍ شيئًا، ومِن ثمّ تكون للابن نفس المشيئة التى للآب.
الفصل السابع
52 ـ لذلك، فإنه توجد وحدة فى المشيئة حيث توجد وحدة فى العمل، لأنه فى الله، فإن مشيئته يصدر عنها مباشرة فعل حقيقى، ولكن مشيئة الله شئ، والمشيئة البشرية شئ آخر. وعلاوة على ذلك، فإن الحياة هى هدف المشيئة البشرية، فنحن نخاف الموت، بينما آلام المسيح كانت تعتمد على المشيئة الإلهية بأن يتألم لأجلنا، ولكى يوضح الرب ذلك، فعندما حاول بطرس أن يثنيه عن الآلام، قال له: " أنت لا تهتم بما لله. بل بما للناس" (مت23:16).
53 ـ ولذلك، أخذ مشيئتى لنفسه، أخذ أحزانى وبثقة أدعوها أحزانى، لأننى أكرز بصليبه. إن ما هو خاص بى هو المشيئة التى سمّاها مشيئته، لأنه كإنسان هو حمل أحزانى، وكإنسان تكلَّم ولذلك قال: " لا مشيئتى بل مشيئتك". الأحزان هى أحزانى، وما هو خاص بى والحِمل الثقيل الذى حمله بسبب حزنى هو حملى أنا، لأنه لا يوجد مًن يتهلّل عندما يكون على حافة الموت. هو يتألم معى ويتألم لأجلى، فهو حزن لأجلى. وتثقل لأجلى. لذلك فهو حزن بدلاً منى وحزن فىّ، هو الذى لم يكن هناك سبب يجعله يحزن لأجل نفسه.
54 ـ ليست جروحك هى التى آلمتك أيها الرب يسوع، بل جروحى؛ ليس هو موتك بل هو ضعفنا الذى تسبب فى آلامك، كما يقول النبى: " ضُرِبَ لأجلنا" (إش4:53س)، ونحن يارب، حسبناك مضروبًا عندما تألمت ليس لأجل نفسك بل لأجلى.
55 ـ وما الغرابة إن كان الذى بكى لأجل واحد، يحزن لأجل الجميع؟، وما الغرابة إن كان قد تثقل لأجل الجميع ساعة الموت هذا الذى بكى وهو مزمع أن يُقيم لعازر من الموت؟ حقًا لقد تحرَّكت مشاعره بتأثير دموع أخت لعازر المُحِبَّة، لأن هذه الدموع مسَّت قلبه الإنسانى، وهنا وبحزن سِرِّى سمح للمشاعر الإنسانية أن تُعبِّر عن نفسها، حيث كما أن موته وضع نهاية للموت، وجلداته شفت جروحنا، هكذا أيضًا فإن حزنه أزال أحزاننا[39].
56 ـ لذلك، فهو كإنسان، كان يشكّ، وكإنسان كان يندهش، ولكن لا قوَّته ولا ألوهيته تُدهش، ولكن نفسه. لقد دُهِشَ نتيجة أنه أخذ ضعفنا البشرى على عاتقه، وإذ ترى أنه اتخذ نفسًا، فقد اتخذ أيضًا مشاعر النفس الإنسانية[40]، لأنه لا يمكن لله أن يتألم أو يموت من جهة كونه الله. وأخيرًا، فإنه صرخ: " إلهى إلهى لماذا تركتنى"؟ (مز1:22، مت46:27، مر34:15). فهو يتكلَّم هكذا كإنسان حاملاً معه مخاوفى، لأننا عندما نكون وسط المخاطر، فإننا ربما نظن فى أنفسنا أن الله قد تركنا. فهو قد تألم كإنسان، وبكى كإنسان وصُلِبَ كإنسان.
57 ـ وهكذا فإن الرسول بولس يقول: " لأنهم صلبوا جسد المسيح" (غلا24:5)[41]، ويقول القديس بطرس أيضًا: " إذ قد تألم المسيح.. بالجسد" (1بط1:4). لذلك فالجسد هو الذى تألم، بينما اللاهوت هو فوق فى أمان مِن الموت، وقد خضع جسده للألم بحسب طبيعة البشر. هل يمكن للاهوت أن يموت بينما النفس لا تموت؟ يقول ربنا: " لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد ولكن النفس لا يقدرون أن يقتلوها" (مت28:10). فإن كانت النفس لا يمكن أن تُقتل، فكيف يمكن أن يموت اللاهوت؟
58 ـ إذن، فعندما نقرأ أن رب المجد قد صُلِبَ، فعلينا ألاّ نفترض أنه قد صُلِبَ كما فى مجده[42]، ولكن لأن الذى هو الله هو أيضًا إنسان، إله بحسب لاهوته، وباتخاذه الجسد لنفسه هو: الإنسان يسوع المسيح؛ لذلك يُقال إن رب المجد قد صُلِبَ، لأنه بامتلاكه الطبيعتين البشرية والإلهية، فإنه احتمل الآلام فى بشريته، حتى يمكننا القول إن الذى تألم يُدعى رب المجد وابن الإنسان معًا فى نفس الوقت بغير تمييز بينهما، كما هو مكتوب: " الذى نزل من السماء" (يو13:3).
الفصل الثامن
ملخص: فى هذا الفصل يشرح القديس قول المسيح: " أبى أعظم منى" بناءً على المبدأ الذى تقرَّر من قَبْل. والأقوال الأخرى المشابهة تُفسَّر بنفس الطريقة، ولا يمكن فيما يتعلق بألوهية ربنا ـ أن يُقال عنه إنه أقل من الآب.
59 ـ لذلك، فيما يليق ببشرَّيته، فإن ربَّنا قيل عنه إنه شكَّ وإنه اغتم بحزن شديد وإنه قام من الموت، لأن من يموت هو أيضًا يقوم ثانية. وأيضًا بسبب بشرَّيته فإنه قال تلك الأقوال: " أبى اعظم منى" (يو28:14)، والتى يُحوِّلها مخاصمونا بخبث ضده.
60 ـ ولكن عندما نقرأ فى مقطع آخر: " خرجتُ مِن عند الآب وقد أتيتُ إلى العالم، وأيضًا أتركُ العالمَ وأذهب إلى الآب" (يو28:16)، فكيف يمكنه أن يذهب (إلى الآب) إلاّ عن طريق الموت، وكيف يمضى إلاّ بقيامته؟ وعلاوة على ذلك، فإنه يضيف ـ ليوضِّح أنه يتكلم فيما يختص بصعوده: " وقلت لكم الآن قبل أن يكون حتى متى كان تؤمنون" (يو29:14). لقد كان يتكلم عن الآلام والقيامة التى لجسده، وعن طريق هذه القيامة يؤمن أولئك الذين سبق أن شكُّوا، لأن الله ـ فى الحقيقة ـ الموجود فى كل مكان لا يَعبُر مِن مكان إلى مكان، ولكن كما أن الإنسان يذهب، فإنه هو نفسه الذى يأتى. وأيضًا، فإنه يقول فى موضعٍ آخر: " قوموا ننطلق من ههنا" (يو31:14)، إذن، فهو يذهب ويأتى، الذى هو أمر مشترك بينه وبيننا.
61 ـ فكيف يمكن ـ أن يكون إلهًا أصغر بينما هو إله كامل وحقيقى؟ ولكن من جهة إنسانيته فهو أقلَّ. وأنت لا تزال تتعجَّب أنه عندما يتكلم كشخص إنسانى فإنه يدعو الآب أعظم منه، بينما هو كإنسان دعا نفسه دودة لا إنسان، وهذا فى قوله: " أمّا أنا فدودة لا إنسان" (مز6:22)، وأيضًا " كشاة تُساق إلى الذبح" (إش7:53).
62 ـ أمَّا إن كنت تعترف أنه أقلّ من الآب من هذه الجهة فأنا لا أستطيع أن أنكر ذلك، ورغم ذلك فإننا عندما نتكلم بكلمات الكتاب المقدس، فإنه لم يُولد أقلّ، ولكن " وُضِع أقلّ" (عب9:2)، أى أنه "جُعِل أدنى". ولكن كيف " وُضِع أقلّ" إلاّ لأنه: " إذ كان فى صورة الله، لم يحسب خُلسة أن يكون معادلاً لله، لكنه أخلى نفسه" (فى6:2و7)، وفى الواقع ـ هو لم ينفصل عن ما كان عليه، ولكنه اتخذ لنفسه ما لم يكن له، لأنه " أخذ صورة عبد" (فى7:2).
63 ـ وعلاوة على ذلك، فلكى نعرف أنه " وُضِع قليلاً" باتخاذه جسدًا لنفسه، فإن داود يُبيِّن لنا أنه كان يتنبأ عن إنسان بقوله: " مَنْ هو الإنسان حتى تذكره، أو ابن الإنسان حتى تفتقده؟ وضعته قليلاً عن الملائكة" (مز4:8و5)، وفى تفسيره لنفس العبارة، فإن الرسول بولس يقول: " لأننا نرى يسوع الذى وُضِع قليلاً عن الملائكة مُكلَّلاً بالمجد والكرامة من أجل ألم الموت" (عب9:2).
64 ـ ومِن ثمَّ، فإن ابن الله، قد جُعِل أقلّ، ليس من الآب، بل من الملائكة أيضًا. وإن كنتَ تُحوِّل هذا لتحط من كرامته؛ فأنا أتساءل ما إذا كان الابن ـ من جهة ألوهيته ـ أقلّ من ملائكته الذين يخدمونه ويعبدونه؟ فهكذا وأنت تقصد أن تُقلِّل من كرامته، فإنك تنزلق إلى التجديف برفع طبيعة الملائكة فوق ابن الله، ولكن " العبد ليس أفضل من سيده" (مت24:10). وأيضًا، فإن الملائكة خدموه حتى بعد تجسده، وذلك لكى تعترف به أنه لم يتعرض لفقدان جلاله بسبب (اتخاذ) طبيعته الجسدية، لأن الله لا يمكن أن يخضع لأى تناقص فى ذاته[43]، وما أخذه من العذراء لا يُضيف أو يُنقص من قوته الإلهية.
65 ـ فإذ له ملء اللاهوت والمجد[44]، فهو إذن من جهة ألوهيته ليس أقلّ (من الآب)، فالأعظم والأقلّ هما من الصفات التى تليق بالموجودات المادية، حيث الأعظم يكون هكذا من جهة الرتبة أو الصفات أو العمر، ولكن هذه المصطلحات تفقد معناها عندما نأتى إلى معالجة أمور الله. فمن الشائع أن من يُسمّى الأعظم هو ذلك الذى يرشد أو يُعلِّم آخر، ولكن ليست الحالة هكذا مع حكمة الله (يقصد المسيح الابن) كأنها بُنِيَت بالتعليم الذى يحصل عليه واحد من آخر، إذ أن الحكمة هى نفسها التى وَضَعت أساس كل تعليم. لذا كتب الرسول: " لكى يذوق بنعمة الله ـ الموت لأجل كل واحد"، وذلك حتى لا نفترض أن اللاهوت وليس الجسد هو الذى كابد الآلام[45]!.
66 ـ فإن كان معارضونا لم يجدوا وسيلة ليبرهنوا على أن الآب أعظم من الابن، فدعهم لا يقلبون الكلمات إلى أقوال كاذبة. بل فليبحثوا عن معناها. لذلك فأنا أسألهم، من أى ناحية يعتبرون الآب أنه أعظم؟ فإن كان بسبب أنه هو الآب، فأنا أجيبهم، نحن هنا لسنا نسأل عن العمر أو الزمن، فالآب لا يتميز بشعر أبيض ولا الابن بالشباب، هذه الأمور التى على أساسها تقوم الكرامة الأعظم لأى أب. وكلمتا "أب" و"ابن" هما مجرد اسمين، الواحد للوالد والآخر للولد، أسماء يتضح أنها تربط ولا تفصل، لأن الطاعة والقيام بالواجب لا توحِى بأى فقدان للجدارة الشخصية، باعتبار أن القرابة تربط الناس ببعض، ولا تُمزقهم.
67 ـ فإن كانوا لا يقدرون أن يجعلوا من نظام الطبيعة سندًا لأى سؤال عندهم، فليؤمنوا الآن بشهادة الكتب، فالبشير يشهد بأن الابن ليس أقلّ من الآب بسبب أنه ابن، حاشا، بل هو يُوضِّح أنه بكونه الابن، فهو مساوٍ للآب بقوله: " فمن أجل هذا كان اليهود يطلبون أكثر أن يقتلوه، لأنه لم ينقض السبت فقط، بل قال أيضًا إن الله أبوه معادلاً نفسه بالله" (يو18:5).
68 ـ ليس هذا ما قاله اليهود، ولكن البشير هو الذى شهد بذلك، أى أن المسيح بقوله عن نفسه إنه ابن الله، فهو يجعل نفسه مساويًا لله، لأن اليهود لم يُظهروا أنفسهم أنهم يقولون: " لهذا السبب نحن نطلب أن نقتله"؛ ولكن البشير هو الذى يشهد بنفسه ويقول: " من أجل هذا كان اليهود يطلبون أن يقتلوه". علاوة على ذلك، فإن البشير قد اكتشف السبب (بقوله) إن اليهود تحركوا بالرغبة فى قتله، لأنه إن كان كإله قد كَسرَ السبت، وأيضًا قال إن الله أبوه، فإنه يكون قد نسب إلى نفسه ليس فقط جلال السلطان الإلهى فى كسر السبت، بل أيضًا فى كلامه عن أبيه نسب إلى نفسه الحق فى المساواة الأزلية معه.
69 ـ وقد كانت الإجابة التى أعطاها ابن الله لهؤلاء اليهود مناسبة جدًا، بأن أثبت نفسه أنه الابن وأنه مساوى لله؛ إذ قال: " لأن مهما عمل الآب فهذا يعمله الابن كذلك" (يو19:5)، لذلك فإن الابن قد عُرِفَ وبُرِهنَ على أنه المساوى للآب ـ وهى مساواة حقيقية، وهذه المساواة تستبعد أى اختلاف فى الألوهية، كما أنها تكشف ليس الابن فقط بل الآب أيضًا، الذى الابن مساوى له؛ لأنه لن تكون هناك مساواة حيث يوجد اختلاف، وأيضًا لن تكون هناك مساواة، لو كان يوجد أقنوم واحد فقط، نظرًا لأن الشخص الواحد لا يكون بنفسه مساويًا لنفسه. وهذا ما بيّنه البشير، أنه من اللائق أن يُسمِّى المسيح نفسه ابن الله، أى أنه مساوي لله.
70 ـ ومن ثمّ فإن بولس الرسول، وهو يتبع هذا الإعلان يقول: " لم يحسب خُلسة أن يكون معادلاً لله"، لأن ما لا يمتلكه الإنسان، فإنه يسعى ليتحصل عليه كغنيمة. لذلك فإن مساواته للآب، كإله ورب، يمتلكها فى جوهره الذاتى، وليس كغنيمة استولى عليها لنفسه بطريقة خاطئة. ومن هنا فإن الرسول أضاف الكلمات: " آخذًا صورة عبد". وبالتأكيد، فإن العبد هو عكس المساوى، ومن ثمَّ، فإن الابن مساوى إذ هو فى صورة الله، ولكنه أقلّ باتخاذه لنفسه جسدًا، وأيضًا فى آلامه كإنسان. لأنه كيف يمكن لنفس الطبيعة أن تكون أقل ومتساوية معًا فى نفس الوقت؟ وكيف يمكن للابن ـ إن كان أقل ـ أن يعمل نفس الأعمال، بنفس الطريقة، كما يعمل الآب؟ كيف يمكن فى الواقع أن يكون العمل واحدًا مع وجود اختلاف فى القوة؟ هل يستطيع الأقل أن يعمل نفس المفاعيل مثل الأعظم؟ أو هل يمكن أن توجد وحدة فى العمل حيث يوجد اختلاف فى الجوهر؟
71 ـ لذلك، عليك أن تَقْبَل بأن المسيح ـ فيما يمس ألوهيته ـ لا يمكن أن يُسَّمى أقل من الآب. يتكلم المسيح مع إبراهيم ويقول: " أقسمت بذاتى" (تك16:22)، والرسول يُبيّن أن من يُقسم بذاته لا يمكن أن يكون أقل من أىٍّ (آخر)، ولذلك يقول: " فإنه لمَّا وعد الله إبراهيم، إذ لم يكن له أعظم يُقسم به، أقسم بنفسه قائلاً: إنى لأباركنك بركة وأكثرنك تكثيرًا" (عب13:6 و14). فالمسيح إذن لا يوجد له آخر أعظم منه ليقسم به، ولهذا السبب فإنه أقسم بذاته. وعلاوة على ذلك، فإن الرسول قد أضاف عن صواب: " فإن الناس يقسمون بالأعظم منهم" (عب16:6)، من حيث إن الناس لهم مَنْ هو أعظم، أمّا الله فليس له أعظم.
72 ـ وإلاّ، فإن كان الذين يعترضون علينا سوف يفهمون الآية السابقة على أنها تُنسب إلى الآب، فإن باقى المكتوب لا يتفق مع هذا، لأن الآب لم يظهر لإبراهيم، ولا أن إبراهيم غسل قدمى الله الآب، ولكنه غسل قدمى ذاك الذى فيه سوف تكون صورة الإنسان[46]. وعلاوة على ذلك، فإن ابن الله قال: " إبراهيم ... رأى يومى وفَرِح" (انظر يو56:8)، لذلك فإن الذى أقسم بذاته هو بعينه الذى رآه إبراهيم.
73 ـ فكيف يكون له مَنْ هو أعظم منه، هذا الذى هو واحد مع الآب فى الألوهية[47]. وحيث توجد وحدة، لا يوجد أى اختلاف، بينما يوجد اختلاف بين الأعظم والأقل. إذًا فإن التعليم فى الاقتباس الموجود أمامنا من البشائر فيما يتعلق بالآب والابن، هو أن الآب ليس أعظم، وأن الابن ليس له مَنْ هو أعلا منه، نظرًا لأنه لا يوجد بين الآب والابن فرق فى الألوهة يفصل بينهما، وإنما جلالٌ واحد.
الفصل التاسع
ملخص: الاعتراض بأن الابن، بسبب أنه مُرسَل من الآب يصير ـ على الأقل ـ من جهة الاعتبار أقل من الآب، نجيب عليه بأنه أيضًا أُرسل من الروح القدس الذى لا يُعتبر أعظم من الابن. علاوة على ذلك، فإن الروح القدس ـ بدوره ـ قد أرسله الآب إلى الابن حتى تتضح وحدانية عملهم (أى أقانيم الثالوث). فمِن واجبنا لذلك أن نميز بحرص بين ما هو ملائم أن يُنسب للمسيح كإله، وما الذى يُنسب إليه كإنسان.
74 ـ لا تنتابنى أية مخاوف بخصوص الاعتراض الشائع من جهة المسيح أنه أقل من الآب ـ بسبب أنه مُرسَل منه ـ لأنه رغم كونه كان مُرسلاً، إلاّ أنه لا ينتج عن هذا أن يكون أقل فى الطبيعة؛ ومن الجهة الأخرى، فإن لقبه المساوى فى الكرامة (للآب) هو أمر ثابت حقًا. وبما أن الجميع يكرمون الابن كما يكرمون الآب (يو23:5)، فمن المؤكد أن الابن ليس أقل من الآب، بسبب كونه مُرسَل (منه).
75 ـ لذلك، لا ينبغى أن تلتفت إلى الحدود الضيقة للغة البشرية، بل لاحظ المعنى الواضح للكلمات، وآمن بالحقائق التى تمَّت. تذكَّر أن ربنا يسوع المسيح قال فى سفر إشعياء إن الروح قد أرسله (إش1:61). فهل لذلك يكون الابن أقل من الروح لأن الروح أرسله؟ وهكذا عندك المكتوب أن الابن يعلن نفسه أنه مُرسَل من الآب ومن روحه. إنه يقول: " أنا الأوّل"، "وأنا الحى إلى الأبد، ويدى أسَّست الأرض ويمينى نشرت السموات ليقفن معًا" (إش13،12:48). وأيضًا: " أنا أنا تكلمت ودعوته، أتيت به فينجَحُ طريقه، تقدموا إلىَّ واسمعوا هذا، لم أتكلم من البدء فى الخفاء، منذ وجوده أنا هناك، والآن السيد الرب أرسلنى وروحه" (إش16،15:48). هنا بالحق نجد أن الذى صنع السماء والأرض هو نفسه الذى أرسله السيد الرب وروحه. فها أنت ترى إذن أنه حتى فقر اللغة لا يقلل شيئًا من كرامة إرساليته، إذن فالآب أرسله، كما أن الروح أرسله أيضًا.
76 ـ ولكى تعرف أنه لا يوجد فرق فاصل فى الجلالة والعظمة، فإن الابن أيضًا بدوره يرسل الروح كما قال هو نفسه: " متى جاء المعزى الذى سأرسله أنا إليكم من عند أبى، روح الحق الذى من عند الآب ينبثق" (يو26:15). أما عن كون المعزى نفسه مُرسل من الآب، فقد بيّنه من قبل فى قوله: " المعزى الروح القدس الذى يُرسله الآب باسمى" (يو26:14). لاحظ وحدتهم من حيث إن الذى يُرسله الآب، فالابن أيضًا يُرسله، والذى يرسله الآب يُرسله الروح أيضًا. وإلاّ كان الآريوسيون لا يعترفون أن الابن قد أُرسل لأننا نقرأ أن الابن هو يد الآب اليمنى، فإنهم بأنفسهم يعترفون فيما يخص الآب بما ينكرونه للابن، إلاّ إذا ـ ربما ـ اخترعوا لأنفسهم أبًا آخر أو ابنًا آخر.
77 ـ فلنكف إذن عن الجدل العقيم حول الألفاظ، لأن ملكوت الله كما هو مكتوب ليس " بكلام بل بقوة" (انظر 1كو20:4)، ولننتبه إلى التمييز بين الألوهية والجسد، ففى كليهما يتكلم ابن الله الواحد نفسه، لأن كلاً من الطبيعتين موجودة فيه، ورغم أنه هو نفس الشخص الذى يتكلم، فهو لا يتكلم دائمًا بنفس الطريقة. فأنت ترى فيه مجد الله أحيانًا، وفى أحيان أخرى ترى آلام الإنسان. فهو كإله يتكلم بأمور الله لأنه هو الكلمة؛ وكإنسان هو يتكلم بأمور الإنسان لأنه يتكلم بطبيعتى.
78 ـ " هذا هو الخبز الحى الذى نزل من السماء" (يو58:6). هذا الخبز هو جسده كما قال هو بنفسه: " والخبز الذى أنا أعطى هو جسدى" (يو51:6). هذا هو الذى نزل من السماء، هذا هو الذى قدَّسه الآب وأرسله إلى العالم، والكتاب نفسه يعلّمنا أن اللاهوت ليس فى حاجة إلى تقديس بل الجسد، كما قال الرب نفسه: " لأجلهم أُقدس أنا ذاتى" (يو19:17). وهذا لكى تعترف وتقرّ أنه إنما يتقدس فى الجسد لأجلنا، كما أنه هو الذى يُقدِّس (جسده) بقوة لاهوته.
79 ـ هذا هو نفس الابن الذى أرسله الآب، ولكنه كما يقول الرسول: " مولودًا من امرأة، مولودًا تحت الناموس" (غلا4:4). هذا هو نفسه الذى يقول: " روح الرب علىَّ، لأنه مسحنى لأُبشِّر المساكين" (لو18:4، إش1:61)، هذا هو الذى قال: " تعليمى ليس لى بل للذى أرسلنى، إن شاء أحد أن يعمل مشيئته يعرف التعليم هل هو من الله أم أتكلم أنا من نفسى" (يو17،16:7). فالتعليم الذى من الله شئ والتعليم الذى من الإنسان شئ آخر. لذلك فإن اليهود عندما اعتبروه إنسانًا وسألوه عن تعليمه وقالوا: " كيف هذا يعرف الكتب وهو لم يتعلم؟ أجابهم يسوع: تعليمى ليس لى بل للذى أرسلنى" (يو15:17و16). فإن كان يُعلِّم وهو لم يعرف أُبهة اللغة، يتضح أنه لا يُعلِّم كإنسان ولكن كإله، وهو لم يتعلم (من أحد) ولكنه أبدع تعليمه (بنفسه).
80 ـ لأنه هو الذى أوجد وأبدع كل طريق التعليم كما قرأنا من قبل، نظرًا لأنه ابن الله الذى قيل عنه: " هذا هو إلهنا ولا يحاذيه آخر. هو أوجد طريق التعليم بكماله، وبعد ذلك تراءى على الأرض وتخاطب مع الناس" (باروخ36:3ـ38). كيف إذن وهو إله لا يستطيع أن يكون له تعليمه الخاص، وهو الذى قد أوجد كل طريق التعليم قبل أن يتراءى على الأرض؟ وكيف يكون أقل (من الآب) وهو الذى قيل عنه: " ولا يحاذيه آخر" ؟. بالتأكيد فإنه يعلو على المقارنة، وهو إذا قورن بآخر فإن هذا الآخر لا يمكن أن يكون محاذيًا له. والآن إذا افترض أحد أن كلام النبوة هنا هو عن الآب، فإنهم سيسقطون فى تجديف سابيليوس، بأن ينسبوا للآب أنه اتخذ طبيعة بشرية.
81 ـ فلنأتِ الآن إلى ما يلى: " مَن يتكلم من نفسه يطلب مجد نفسه" (يو18:7). انظر الوحدة التى يُعلن بها الآب والابن بكل وضوح. الذى يتكلم لا يمكن إلاّ أن يكون كائنًا ومع ذلك فما يتكلم به لا يمكن أن يكون من نفسه وحده، لأنه كل ما فيه هو موجود فيه طبيعيًا من الآب.
82 ـ والآن ما معنى تلك الكلمات: " يطلب مجد نفسه"؟، إنها لا تعنى مجدًا لا يكون الآب مشتركًا فيه، لأنه فى الحقيقة إن كلمة الله هو مجد الله. ويقول ربنا أيضًا: " لينظروا مجدى" (يو24:17)، ولكن مجد الكلمة هو أيضًا مجد الآب كما هو مكتوب: " الرب يسوع المسيح فى مجد الآب" (فى11:2)، فمن جهة لاهوته، فإن ابن الله له مجده الإلهى الذاتى، ليكون مجد الآب والابن واحدًا. فمن ثمَّ لا يكون أقل فى البهاء وذلك لأن المجد واحد، ولا أقل فى الألوهة لأن ملء اللاهوت حالٌّ فيه (كو19:1، 9:2).
83 ـ أنت تسأل معى، كيف كُتب: " أيها الآب قد أتت الساعة، مجِّد ابنك"؟ (يو1:17). أنت تقول إن الذى يتفوَّه بهذه الكلمات يحتاج إلى أن يتمجَّد، ولكن يا لقصر نظرك! ألم تقرأ بقية المكتوب الذى يكمل: " ليمجدك ابنك أيضًا". هل حَدَثَ مطلقًا أن الآب قد احتاج لأى مجد، حتى يمجِّده الابن؟.
الفصل العاشر
ملخص: دحض الاعتراض الذى يستند على طاعة الابن، وتوضيح أن القوة والألوهة والعمل كلها واحدة فى الثالوث، كما يشير إلى طاعة المسيح لوالدته، التى بكل تأكيد لا يمكن أن يكون أقل منها.
84 ـ وأيضًا فإن خصومنا يثيرون عادة معضلة من جهة طاعة الابن (للآب) باستنادهم على ما هو مكتوب: " وإذ وُجِدَ فى الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت" (فى8:2). فالكاتب لم يذكر فقط أن الابن أطاع حتى الموت، ولكنه يبيّن أولاً أنه كان إنسانًا، حتى يمكننا أن نفهم أن الطاعة حتى الموت كانت فيما يخص تجسده، وليست خاصة بألوهته، ولذلك اتخذ الوظائف وكذلك الأسماء التى تخص طبيعتنا.
85 ـ وهكذا تعلّمنا أن قوة الثالوث هى واحدة، وهذا تعلّمناه من آلام الرب وكذلك بعد آلامه: لأن الابن يتألم بجسده، هذه الآلام التى هى علامة هذا التجسد، والروح القدس ينسكب (من الآب) على الرسل، والمسيح يستودع روحه فى يدى الآب؛ وعلاوة على ذلك، فالله يُنادى به بصوت مقتدر أنه الآب. تعلّمنا أنه توجد صورة واحدة، شبه واحد، تقديس واحد للآب والابن، نشاطٌ واحد ومجدٌ واحد، وأخيرًا ألوهة واحدة.
86 ـ لذلك فإنه يوجد إله واحد كما هو مكتوب: " للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد" (تث13:6)، إله واحد لا بمعنى أن الآب والابن هما نفس الشخص، كما يقول سابيليوس الهرطوقى، ولكن بمعنى أنه توجد ألوهة واحدة لكل من الآب والابن والروح القدس، وحيث توجد ألوهة واحدة، فإنه توجد مشيئة واحدة وهدف واحد.
87 ـ ولكى تعرف أيضًا أن الآب كائن وأن الابن كائن وأن عمل الآب وعمل الابن هو واحد، أنصت لقول بولس الرسول: " والله نفسه أبونا وربنا يسوع المسيح يهدى طريقنا إليكم" (1تس11:3)، فمع أن اسم الآب والابن مذكوران، ولكن توجد وحدة فى اتجاه الهداية، وهذا بسبب وحدة السلطان. كما نقرأ فى موضع آخر: " وربنا نفسه يسوع المسيح والله وأبونا، الذى أحبنا وأعطانا عزاءً أبديًا ورجاءً صالحًا بالنعمة، يُعزى ويُثبِّت قلوبكم" (2تس16:2و17). كم هى كاملة تلك الوحدة التى يضعها الرسول أمامنا، حيث إنَّ ينبوع العزاء ليس متعددًا، وإنما هو واحد. ليخرس كل شك، أو إن لم يُغلب بالبرهان العقلى، فليثنِه فكر ربنا الرحوم الشفوق (ليرجع عن غِيِّه).
88 ـ فلنتذكر كيف تعامل معنا ربنا بكل إشفاق، إذ أنه علّمنا ليس الإيمان فقط، بل والأخلاق أيضًا. لأنه عندما جاء فى هيئة إنسان، فإنه كان خاضعًا ليوسف ومريم (لو51:2). فهل كان هو أقل من كل البشر بسبب خضوعه؟ إن القيام بالواجب شئ أما السيادة فشيء آخر، ولكن القيام بالواجب لا يلغى السيادة.
إذن، متى كان المسيح خاضعًا لناموس الآب؟ بالتأكيد كان ذلك بجسده، والذى به كان خاضعًا لأمه أيضًا.
الفصل الحادى عشر
ملخص: يتحدث هذا الفصل عن هدف التجسد وتأثيراته الشافية، ونفع الإيمان الذى به نعرف أن المسيح حَمَلَ كل الضعفات لأجلنا، المسيح الذى أعلنت ألوهيته عن نفسها فى آلامه؛ لذلك فنحن نفهم أن إرسالية ابن الله لا تستلزم أى نوع من المذلَّة، هذا الاعتقاد الذى لا نحتاج أن نخافه كشئ لا يسرّ الله، الذى يعلِن هو نفسه أنه مسرور بابنه.
89 ـ دعنا بالمِثل نتعامل بعطف، دعنا نُقنِع الذين يعادوننا بما هو نافع لهم، " هلم نسجد ونجثو وننوح أمام الرب خالقنا" (مز6:95س)، لأننا لن نطرحهم بعيدًا بل بالأحرى سوف نشفى، إننا لن نضع فخًا أمامهم، ولكننا سوف نحذِّرهم كما هو الواجب. إن الشفقة كثيرًا ما تُغيِّر أولئك الذين لا ينفع فى إخضاعهم لا القوة ولا الجدال. وربنا أيضًا عالج بالزيت والخمر الرجل الذى كان نازلاً من أورشليم إلى أريحا، والذى وقع بين اللصوص ولم يعالجه بأدوية الناموس الخشنة ولا بالنبوات الجافة.
90 ـ لذلك، فليأتِ إليه جميع الذين يريدون أن يصيروا أصحاء. دعهم يأخذون الدواء الذى أنزله من عند أبيه والمصنوع فى السماء، والذى أعدَّه من عصائر تلك الثمار السمائية التى لا تذبل. هذا ليس من نتاج أرضى، لأن الطبيعة لا يوجد بها هذا المزيج فى أى مكان. أخذ جسدنا لأجل هدف عجيب، لكى يُبيِّن لنا أن ناموس الجسد قد أُخضِع لناموس العقل. لقد تجسَّد معلِّم البشر لكى يغلب كإنسان.
91 ـ ماذا كان سيفيدنى، لو أنه كإله كشف عن ذراع قوَّته وأظهر أن ألوهيته لا تُنتهك؟ فلماذا اَّتخذ لنفسه طبيعة بشرية وسمح لنفسه أن يُجرَّب تحت ظروف طبيعتى وضعفى؟ لقد كان من الصواب أن يُجرَّب وأن يتألم معى، وذلك لكى أعرِف كيف أَنتَصِر عندما أُجرَّب، وكيف أهرب عندما أُضغَط بشدة. لقد انتصر بقوة طهارته وقوة الازدراء بالغِنَى؛ وبالإيمان. فقد وطأ الطمع وهرب من الإفراط والتطرف، آمرًا الشهوانية أن تبقى بعيدة عنه.
92 ـ هذا الدواء شاهده بطرس، فترك شباكه، أى أدوات الصيد والرِّبح المضمون، وتخلى عن شهوة الجسد كأنها سفينة مثقوبة فى القاع تتسرب إليها شهوات متعددة كثيرة. حقًّا إنه علاج فعَّال، لا ينزع فقط ندبة الجرح القديم، بل وأيضًا يقطع أصل الألم ومصدره. أيه أيها الإيمان الأثمن مِن كل خزائن الجواهر؛ أيها الدواء الممتاز، الشافى لجراحاتنا وخطايانا!.
93 ـ دعنا نذكِّر أنفسنا بمنفعة الإيمان الصحيح. إنه نافع لى أن أعرف أنه مِن أجلى حَمَل المسيح ضعفاتى، أخضع نفسه لمشاعر جسدى، ولأجلى، أى لأجل كل إنسان، صار خطيَّة ولعنة[48]، ولأجلى وفىَّ تذلَّل وصار خاضعًا، ولأجلى صار حملاً وكرمة وصخرة[49] وعبدًا، وابن الأَمَة[50] (يقصد الأُمة اليهودية والعذراء)، (قاصدًا) ألاّ يعرف يوم الدينونة ، ولأجلى لا يعرف اليوم ولا الساعة[51].
94 ـ لأنه كيف يمكنه، وهو الذى صنع الأيام والأزمنة أن يكون غير عارف لليوم (الدينونة)؟ كيف لا يمكنه أن يعرف اليوم وهو الذى أعلن زمن الدينونة الآتية وسببها[52]؟ وهو قد صار لعنة، إذن، لا من جهة ألوهيته وإنما من جهة جسده، لأنه مكتوب: " ملعون كل مَن عُلِّق على خشبة" (تث23:21، غل13:3)، ولذلك فإنه فى الجسد أى بعد التجسد قد عُلِّق، ولذلك فإن هذا الذى حَمَل لعناتنا صار لعنة[53]. إنه بكى، حتى لا يطول بكاؤك أيها الإنسان، واحتَمَلَ الإهانة حتى لا تحزن قِبالة الإساءة التى تصيبك[54].
95 ـ إنه علاج عظيم أن نتعزَّى بالمسيح! لأنه احتمل هذه الأشياء فى صبر تجاوز الحدّ لأجلنا، ونحن لا نقدر أن نحتملها بصبرٍ مماثل لأجل مجد اسمه! مَن مِنَّا لا يتعلَّم أن يصفح عندما يُهَاجم، وهو يرى المسيح حتى وهو على الصليب يُصلِّى لأجل أولئك الذين اضطهدوه؟ أما ترى أن ضعفات المسيح هذه كما يُسرِّك (أيها الهرطوقى) أن تُسمِّيها إنما هى قُوَّتك[55]؟ لماذا تسأله عن أدوية لعلاجنا؟ إن دموعه تغسلنا، وبكاءه يطهِّرنا، فلا تشكَّ أنه توجد قوة خاصة فى الضعف، لأنك إن كنت تشك (فى قوته) فسوف تيأس. وكلَّما كانت الإهانة أكبر، كلَّما كان الامتنان الذى يليق به أعظم.
96ـ حتى فى وقت السخرية والاستهزاء، عليك أن تعترف بألوهيته. إنه عُلِّق على الصليب، وكل العناصر أولتهُ التكريم[56]. الشمس أخفت شعاعها، ونور النهار احتجب، والظلمة أقبلت وغطَّت الأرض، والأرض اهتزت مع أن المُعلَّق هناك لم يهتز. إلى أىّ شئ تشير هذه العلامات إلاّ إلى توقير الخالق؟ إن هذا المُعلَّق على الصليب، هذا الذى تلاحظه أيها الآريوسى، هذا هو مُعطِى ملكوت الله، وأنتَ لا تُريد أن تعتبره أو تلتفت إليه. إنك تقرأ أنه ذاق الموت، ولكنه أيضًا هو الذى دعا اللص إلى الفردوس[57]، ولكن أنتَ لا تنتبه لمثل هذا العمل. إنك تُحملِق فى المرأة التى تبكى عند القبر، ولكن لا تنظر إلى الملائكة التى تظل تحرسه[58]. إنك تقرأ ما يقوله، ولكنك لا تقرأ ما يعمله. أنتَ تقول إن الرب قال للمرأة الكنعانية: " لم أُرسل إلاّ إلى خراف بيت إسرائيل الضالة" (مت24:15)، ولكنك لا تذكر إنه أتمَّ ما توسلَّت إليه أن يعمله.
97 ـ وهكذا عليك أن تفهم أن كونه: " أُرسِل" لا يعنى أنه أُجبِر على ذلك بأمر آخرَ، ولكنه عمل هذا بإرادة حُرَّة، وبحسب فكره الخاص. وإلاّ فأنتَ سوف تتّهمهُ أنه يحتقر أباه، لأنه إن كان بحسب شرحك قد جاء المسيح إلى اليهود مثل من يُتمِّم وصايا الآب ليخلِّص شعب اليهود وليس أحد آخر معهم، ومع ذلك فإنه مِن قَبْل أن يُتمِّم هذا، فإنه أقام ابنة المرأة الكنعانية ، فهو بالتأكيد ليس فقط يُتمِّم وصايا آخر، ولكنه حُرٌّ أيضًا ليمارس حكمه ورأيه الخاص. وحيث توجد حرِّية فى أن يعمل الشخص ما يريد، فلا يمكن أن يكون هناك تعدِّى على مهام إرسالية الشخص.
98 ـ لا تخف أن يكون عمل الابن لا يرضى الآب، لأنك ترى الابن نفسه يقول: " لأنى فى كل حين أفعل ما يرضيه"، وأيضًا: " الأعمال التى أنا أعملها يعملها هو أيضًا"(يو29:8، 12:14). كيف إذن، يكون الآب غير راضٍ عما يفعله هو نفسه بواسطة الابن؟ كما هو مكتوب: " لأن الله واحد هو الذى سيُبرِّر الختان بالإيمان والغرلة بالإيمان" (رو30:3).
99 ـ اقرأ جميع الكتب المقدسة، أصغِ إليها باجتهاد، سوف تجد عندئذٍ أن المسيح قد أظهر ذاته حتى يمكن أن نرى الله فى الإنسان، وعندما تسمع الآب يُعلن رضاءه عن الابن، فلا تسئ الفهم بخبث من جهة تمجيد الابن فى الآب.
الفصل الثانى عشر
ملخص: هل الأرثوذكس أم الآريوسيون هم الذين يضمنون لأنفسهم فضل المسيح كديَّان لهم؟ إن الاعتراض المؤَّسس على المزمور 1:110 باطل، إذ يمكن أن نبيّن أن الابن عندما يُدعى بواسطة الآب أن يجلس عن يمينه، فإنه لا يقصد بهذا أى إخضاع، بل ولا أى أفضلية له وعلى الابن، بسبب أن الابن يجلس عن يمينه. إن الحق الخاص بالأقانيم الثلاثة فى الله ووحدة طبيعتهم يبرهن عليها بالتسبحة الملائكية ذات الثلاثة تقديسات.
100 ـ إن كان لا يمكن أن يتحوَّل مقاومونا باللطف، فلنستدعِهم أمام القاضى. إلى أىّ قاضٍ إذًا سنذهب؟ بالتأكيد إلى مَنْ له الدينونة. هل إلى الآب؟ كلاَّ، " لأن الآب لا يدين أحدًا، بل قد أعطى كل الدينونة للابن" (يو22:5). إن الابن أُعطى هذا ليس كإنعام، بل فى ولادته من الآب. انظر إذن كيف أنه، غير راضٍ عن إهانتك لابنه، ومع ذلك فإنه أعطاه أن يكون ديَّانًا لك.
101 ـ دعنا إذن فى موقف القضاء، مَنْ يكون له الدعوى الأفضل، أنت أم أنا؟ بالتأكيد إن اهتمام الفريق الحكيم وهو يعرض الدعوى أن ينال أولاً رضا القاضى. أنت الذى تُكرِّم الإنسان ألا تكرِّم الله؟ إننى أسألك أيهما سوف يجد قبولاً عند القاضى: الاحترام أم الازدراء؟ افترض إننى على خطأ، ومع أننى بالتأكيد لست هكذا، هل المسيح لا يُسرُّ بالكرامة التى نقدمها؟ نحن كلنا خطاة، فمن الذى سيكون جديرًا بالغفران: هل الذى يُقدِّم العبادة أم الذى يظهر العجرفة؟
102 ـ أمّا إذا كان العقل لا يستحثَّك، فعلى الأقل دع وجه الدينونة الواضح يحركك! ارفع عينيك إلى الديَّان وانظر مَنْ هو الجالس، ومع مَنْ هو جالس وأين. المسيح يجلس عن يمين الآب. إن كنت لا تستطيع بعينيك أن ترى هذا، فاسمع كلمات النبى: " قال الرب لربى اجلس عن يمينى" (مز1:110). فالابن إذًا جالس عن يمين الآب. وإلاَّ، قُل لى يا مًن تتمسَّك بأن أمور الله يُحكم عليها من أشياء هذا العالم، فأخبرنى إذًا هل أنت تفكر أنه الجالس عن اليمين هو أقل؟ هل هو أمر مهين للآب أن يجلس عن يسار الابن؟ إن الآب يكرِّم الابن وأنت تجعل هذا الإكرام إهانة! إن الآب يجعل هذه الدعوة علامة حب وتقدير، وأنت تعتبرها أمرًا مِن سيد متسلط على غيره! المسيح قام من الأموات وجلس عن يمين الله.
103 ـ ولكنك تعترض وتقول، حسنًا، اسمع الآن عبارة لم ينطق بها الآب، ولكن الابن يتنبأ ويقول: " مِن الآن تبصرون ابن الإنسان جالسًا عن يمين القوة" (مت64:26)، وله يقول الآب: " اجلس عن يمينى"[59]. إن كنت حقًا تسأل عن السكن الأبدى للألوهة، فإنه قال عندما سأله بيلاطس ما إذا كان هو ملك اليهود: " لهذا وُلِدت"[60]، وهكذا فإن الرسول حقًا يوضح أنه من الجيد لنا أن نؤمن أن المسيح يجلس عن يمين الآب، ليس كأمر ولا كنعمة، ولكن كابن الله الحبيب العزيز جدًا، لأنه مكتوب: " اطلبوا ما فوق حيث المسيح جالس عن يمين الله، اهتموا بالأشياء التى هى فوق" (كو1:3و2). وأن تهتم بالأشياء التى هى فوق هو أن تؤمن أن المسيح فى جلوسه، لا يطيع كمن يتلقَّى أمرًا، بل هو مكرَّم كابن محبوب جدًا، إذًا، إنه من جهة جسد المسيح يقول الآب: " اجلس عن يمينى حتى أضع أعداءك موطئًا لقدميك".
104 ـ أمّا إذا كنت تسعى مرة أخرى أن تقلب معنى هذه الكلمات: " أضع أعداءك تحت موطئ قدميك"، فإننى أجيب أن الآب أيضًا يعطى للابن أن يقيم الأموات ويُحيى، ويقول المسيح: " لا يقدر أحد أن يُقبِل إلىَّ إن لم يجتذبه الآب الذى أرسلنى، وأنا أقيمه فى اليوم الأخير" (يو44:6). وأنتَ تقول إن ابن الله خاضع بسبب الضعف، وهو الابن الذى يجذب الآب إليه الناس ليقيمهم فى اليوم الأخير. أتوسل إليك، هل يبدو لعينيك أن هذا خضوع، بينما الملكوت هو معدٌّ للآب والآب يعطيه للابن، ولا مجال لقلب الكلمات، لأن الابن يعطى الملكوت للآب، ولا يوجد من يُفضَّل عليه؟ وبما أن الآب يقدِّم للابن والابن أيضًا يقدِّم للآب، فإنه توجد هنا براهين واضحة على الحب والاعتبار، إذ نرى أن الواحد هكذا يقدم للآخر، فلا يكون الذى يأخذ كأنه يحصل على شئ كما لو كان يخص الآخر، ولا الذى يقدم يَفقد.
105 ـ وعلاوة على ذلك، فالجلوس عن اليمين ليس هو أفضلية ولا الجلوس عن اليسار يدل على الازدراء، لأنه لا توجد درجات فى الألوهة التى لا تُحدّ بمكان أو بزمان، هذه الأمور التى هى معايير وقياسات الأذهان البشرية الناقصة. إنه لا يوجد اختلاف فى الحب، ولا ما يقسم الوحدة.
106 ـ فلماذا إذن الجولان بعيدًا؟ وأنت قد رأيت كل شئ حولك، رأيت الديَّان، ولاحظت الملائكة وهم يسبحونه، هل هم يسبحون وأنت تسيئ إليه؟ السلاطين والقوات تنطرح أمامه وأنت تتكلم بالشر على اسمه! جميع القديسين يعبدونه وأنتَ لا تعبد ابن الله ولا الروح القدس، بينما السارافيم يقولون " قدوس، قدوس، قدوس" (إش3:6).
107 ـ ماذا يعنى هذا النطق المثلث لنفس الاسم: " قدوس"؟ فإن كان يكرر ثلاثًا، فلماذا يكرر إلاّ لأنه فعل تسبيح واحد. وإن كان فعل تسبيح واحد، فلماذا يُكرَّر إذًا ثلاث مرات، لماذا التكرار المثلث إن لم يكن الآب والابن والروح القدس واحد فى القداسة؟ إن الساروف ينطق بالاسم ليس مرَّة واحدة لئلا يستبعد الابن، ولا مرتين لئلا يتغاضى عن الروح القدس، وليس أربع مرات لئلا يضيف الكائنات المخلوقة (فى تسبيح الخالق). وعلاوة على ذلك، فلكى يبيّن أن ألوهية الثالوث واحدة، فإن بعد الثلاثة تقديسات يضيف فى عدد مفرد: "رب الصباؤوت" فالآب إذن قدوس، والابن قدوس، وروح الله قدوس بالمثل، ولهذا فإن الثالوث يُعبَد ولا يَعبُد، ويُسبَّح ولا يسبِّح. أمَّا بالنسبة لى، فإننى أومن مثل السارافيم، وأعبد بحسب طريقة كل الرئاسات والقوات السمائية.
الفصل الثالث عشر
ملخص: الآراء الشريرة والمخزية التى يتمسك بها الآريوسيون والسابيليون والمانويون فيما يخص الدّيان الذى يدينهم تُفَّند باختصار، كما نستعرض باختصار الاعتراضات الأخرى فيما يتعلق بباقى خصوم المسيح، ويُعبِّر القديس أمبروسيوس عن أمله فى دينونة أخف لنفسه.
108 ـ دعنا إذن نتقدم إلى اتهاماتكم، ولنرَ كيف أنك قد تحصل على نعمة عند ديَّانك. أقول لك تكلم الآن، تكلم وقُل: " إننى أعتبرك، أيها المسيح، لست مثل أبيك"، وسوف يجيبك: "لاحظ، أقول لك، لاحظ وقُل لى فى أى شئ تظن أننى أختلف (عنه)".
109 ـ قُل ثانية: " إننى أعتبرك كائنًا مخلوقًا"، والمسيح سوف يجيبك: " إن كانت شهادة رُجلين حقًا، أما كان يجب عليك أن تؤمن بى وبأبى، هذا الذى دعانى ابنه؟".
110 ـ سوف تقول: " إننى لا أظن أنك كُلِّى القدرة"، وسوف يجيب بدوره: " وأنا إذن لن أقدر أن أغفر لك خطاياك".
112 ـ أنت تقول: " أنت كائن خاضع تحت سلطان آخر"، ومن ثمَّ سوف يجيب: " فلماذا إذن تبحث عن الحرية والغفران مِن هذا الذى تظن أنه خاضع لغيره مثل عبد؟".
113 ـ إننى أرى أن اتهامك يقف عند هذا الحد، وأنا لن أضغط عليك، نظرًا لأننى أنا نفسى أعرف خطاياى. إننى لن أضمر لك عدم الغفران، لأننى أنا نفسى فى احتياج أن أنال الغفران، ولكننى أريد أن أعرف هدف صلواتك. انظر، إذًا، بينما أنا أسرد أمام القاضى رغباتك، إننى لا أظهر خطاياك، ولكننى أتطلّع لأن أشاهد صلواتك ورغباتك مرتَّبة فى نسقها الصحيح.
114 ـ افصح إذن عن تلك الرغبات، والتى يريد الجميع أن تُمنح لهم. " يا سيد، اجعلنى على صورة الله" مِن ثمَّ سوف يجيب: " على أى صورة؟ هل على الصورة التى أنت أنكرتها؟".
115ـ " اجعلنى على غير فساد"، فإن إجابته سوف تكون بالتأكيد: "كيف يمكن أن أجعلك على غير فساد، أنا الذى تدعونى كائنًا مخلوقًا، ومن ثمَّ تستنبط أننى قابل للفساد. إن الأموات سوف يقومون متحررين من الفساد، فهل تطلق عليه أنه قابل للفساد، ذاك الذى هو إله؟".
116 ـ " كُن صالحًا"، " لماذا تطلب لنفسك ما تنكر أننى عليه؟ كنت أتمنى أن تكون صالحًا، وأنا قلت: " تكونون قديسين لأنى قدوس" (لا2:19)، وأنت تشرع فى نفسك بأن تنكر أننى صالح؟ هل تبحث إذن عن غفران الخطايا؟ كلا، إنه لا يقدر أحد أن يغفر الخطايا إلاّ الله وحده. فإن كنت ترى أننى بالنسبة لك لستُ الإله الحقيقى الوحيد، فإننى لن أقدر أن أغفر لك خطاياك".
117 ـ ثم دع أتباع آريوس وفوتينوس يتكلمون ويقولون: " أنا أنكر لاهوتك"، فيجيبهم الرب: " قال الجاهل فى قلبه ليس إله" (مز1:14، 1:53). مَنْ تُرى هو المقصود بذلك، هل اليهودى أم الأممى أم الشيطان؟ أيًّا كان المقصود أيها التابع لفوتينوس، فإنه يمكن احتماله لأنه سكت (أى قال فى قلبه فقط)، أمّا أنت فمع ذلك تجرَّأت ورفعت صوتك لتنطق بهذا (القول)، حتى يثبت أنك أكثر جهلاً من الجاهل. أنت تنكر لاهوتى رغم أننى قلت: " إنكم آلهة وبنو العلى كلكم" (مز6:82، يو34:10). وأنت تنكر أننى إله، رغم أنك ترى أعمالى الإلهية تحدث حولك".
118 ـ دع أتباع سابيليوس يتكلمون بدورهم: " إننى أعتبر أنك تكون بنفسك مرة الآب ومرة الابن أو الروح القدس". ولهذا يقول الرب: "أنت لم تسمع لا الآب ولا الابن". هل يوجد أى شك بخصوص هذا الأمر؟ إن الكتاب المقدس نفسه يُعلِّمك أن الآب هو الذى يُعطى الدينونة وأن الابن هو الذي يدين (انظر يو22:5). إنك لم تُعطِ أُذُنًا لكلماتى: " أنا لست وحدى ولكن أنا والآب الذى أرسلنى" (يو16:8، 32:16).
119 ـ دع الآن من يتبع مانى يعطى كلمته. " إننى أعتقد أن الشرير هو خالق جسدنا". ولمثل هذا سوف يجيب الرب: " ماذا تفعل الآن فى الأماكن السمائية؟ انصرف واذهب فى طريقك إلى الذى خلقك. "أريد أن الذين أعطانى يكونون معى". أنت أيها المانوى تنوِّه عن نفسك أنك مخلوق من الشيطان؛ فاسرع إذن إلى مسكنه، موضع النار والكبريت، حيث النار فيه لا تنطفئ، وحيث العقاب الأبدى لا نهاية له".
120 ـ إننى أترك جانبًا أصحاب الهرطقات الآخرين، لا أشخاصهم ولكن ما سينالونه من توعُّد مريع. أىّ نوع من القضاء ينتظرهم، وما هو شكل الحُكم عليهم؟ إنه فى الواقع سوف يقول لكل هؤلاء؛ فى أسفٍ أكثر منه فى غضبٍ: " يا شعبى، ماذا صنعتُ بك وبماذا أضجرتك؟ ألم أُصعدك من مصر وأخرجتك من بيت العبودية إلى الحرية" (ميخا3:6و4، خر2:20).
121 ـ ولكن ليس كافيًا أنه أخرجنا من مصر إلى الحرية، وأنه أنقذنا من بيت العبودية، ولكن (هناك) نعمة أعظم من هذه، أنت قد أعطيتَ ذاتك لنا، وعندئذٍ سوف يقول: أما " حملتُ أحزانكم"؟ (إش4:53)، أما أعطيت جسدى لكم؟ أما ذقتُ الموت الذى ليس له مكان فى لاهوتى ولكنه كان ضروريًا لفدائكم؟ هل هذه هى التشكرات التى آخذها (منكم)؟ أهذا هو ما يتحصَّل عليه دمى، مع أنى تكلَّمت فى الأزمنة الماضية بفم النبى: " ما الفائدة من دمى إذا نزلتُ إلى الجحيم" (مز9:30). هل هذه هى المجازاة أنكم تنكرونى بخبث، أنتم الذين لأجلكم احتملت تلك الأشياء"؟
122 ـ أمَّا من جهتى يا ربى يسوع، فمع أننى عارف فى داخلى بخطيئة عظيمة، إلاّ أننى سوف أقول: " أنا لم أنكرك وأنت تغفر لى ضعف جسدى، أعترف لك بخطيتى ولا أكتم إثمى" (مز5:32، مز3:51). إن أردت تقدر أن تطهرنى (انظر مت2:8)، والأبرص بقوله هذا نال غاية رجائه. أتوسل إليك ألاّ تدخل فى محاكمة مع عبدك (مز2:143)، أسألك ألاّ تحكم علىَّ ولكن أن تغفر لى".
الفصل الرابع عشر
ملخص: يُعرض حكم القاضى، واعتراضات المعترضين توضع فى الاعتبار، ويبرهن على أن الحكم نهائى وليس له استئناف.
123ـ أىُّ حكم نتوَّقعه من المسيح؟ هذا أنا أعرفه. هل أقول أىّ حكم سوف يُعطِى؟ كلا، لأنه إنما نطق الحكم مسبقًا، وهو بين أيدينا إذ يقول: " لكى يكرم الجميع الابن كما يكرمون الآب، مَن لا يكرم الابن لا يكرم الآب الذى أرسله" (يو23:5).
124ـ إذا كان الحُكم لا يروق لك، استأنفه لدى الآب، وألغِ الحكم الذى أعطاه الآب، وقُل إن له ابنًا ليس مثله، وعندئذٍ سوف يجيب: "هل قد كذبتُ وأنا الذى قلتُ للابن: نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا" (تك26:1).
125ـ قُل للآب إنه خلق الابن وسوف يجيبك: " لماذا إذن تعبد من تظن أنه كائن مخلوق؟".
126ـ قل له إنه وَلَد ابنًا أدنى منه، وهو سوف يجيب: " قارن بيننا ولننظر".
127ـ قُل له إنه ليس لك إيمان بالابن، وسوف يجيبك: ألم أقل لك: "هذا هو ابنى الحبيب الذى به سُررتُ. له اسمعوا" (مت5:17). ماذا تعنى هذه الكلمات: " له اسمعوا" سوى أن تسمعه وهو يقول: " كل ما هو للآب هو لى" (يو15:16، 10:17)؟. إن هذا ما سمعه الرسل كما هو مكتوب: " ولما سمع التلاميذ سقطوا على وجوههم وخافوا جدًا" (مت6:17). فإن كان الذين اعترفوا به سقطوا على الأرض، فماذا يعمل للذين ينكرونه؟ أماّ يسوع فوضع يده على الرسل وأقامهم، أما أنت فسوف يتركك منبطحًا على وجهك حتى لا ترى المجد الذى أنكرته.
128 ـ فلنهتم إذن لهذا، لأن من يدينه الابن فالآب يدينه أيضًا، لذلك يجب علينا أن نكرم الابن كما نكرم الآب، حتى يمكننا أن نأتى إلى الآب بواسطة الابن.
الفصل الخامس عشر
ملخص: يرفض القديس أمبروسيوس أىّ مديح (يوّجه له) بسبب الشرح الذى يقدمه للإمبراطور، فالإيمان يُدافع عنه بكفاية عن طريق سلطان الكتب المقدسة وشهادتها، هذه التى إذ يقاومها الآريوسيون كاليهود فإنهم يصمون آذانهم عنها. وهو يصلى لأجل أن يرجعوا عن عنادهم ويتحولوا إلى محبة الحق. وفى نفس الوقت يجب أن نتحاشاهم لأنهم هراطقة وأعداء للمسيح.
129ـ يا صاحب الجلالة، إن هذه الحجج والبراهين قد نسَّقتُها باختصار وبتلخيص وبشكل تقريبى وليس كشرح كامل ونظام دقيق. وإن كان الآريوسيون يعتبرونها غير كاملة وغير تامة، فأنا اعتبر أنها تكاد تكون بداءة، وإن كانوا يظنون أنه يوجد ما يجب تقديمه، فأنا أُسلِّم بهذا. فبينما غير المؤمنين فى احتياج شديد للبراهين، فإن المؤمنين عندهم ما يكفى ويزيد. إن اعتراف بطرس كان فى الواقع كافيًا ليكفل لنا الإيمان بالمسيح: " أنت هو المسيح ابن الله الحي" (مت16:16، مر29:8)، لأنه يكفى أن تعرف ميلاده الإلهى بدون تقسيم أو إنقاص، وهو ليس نتيجة اشتقاق أو خلق[61].
130ـ وهذا فى الواقع قد أُعلِن فى كل الكتب المقدسة، ومع ذلك فإن غير المؤمنين لا يزالون يَشُكُّون: " لأنه كما هو مكتوب: قلب هذا الشعب غلظ، وبآذانهم سمعوا ثقيلاً، وأعينهم أغمضوها، لئلا يبصروا بآذانهم ويفهموا بقلوبهم" (إش10:6، أع27:28و28). فالآريوسيون مثل اليهود اعتادوا أن يصدُّوا آذانهم (عن أن تسمع)، وأن يصنعوا ضجيجًا كثيرًا للتشويش على كلمة الخلاص.
131ـ وما العجب (فى هذا) إن كان غير المؤمنين يُشُكُّون فى كلمة الإنسان، عندما يرفضون أن يؤمنوا بكلمة الله؟ سوف تجد مكتوبًا فى الإنجيل إن ابن الله قال: " أيها الآب مجد اسمك"، وسُمع صوت من السماء يقول: " مجَّدتُ وأُمجِّد أيضًا" (يو28:12)، وهذه الكلمات سمعها غير المؤمنين ولكن لم يؤمنوا. الابن تكلّم والآب أجاب واليهود قالوا:" دَوِىّ رعد قد كلَّّمه، وآخرون قالوا قد كلمه ملاك" (يو29:12).
132ـ وعلاوة على ذلك، فإن القديس بولس عندما تسلَّم من صوت المسيح دعوة النعمة، كما هو مكتوب فى سفر الأعمال (أع9:22)، فإنه رغم أن عددًا من رفقائه كانوا مسافرين معه فى نفس الوقت، فقد قيل إنه بمفرده سمع صوت المسيح، لذلك يا صاحب الجلالة المُبجّل، فإن الذى يؤمن يسمع، وهو يسمع لكى يؤمن، بينما الذى لا يؤمن فإنه لا يسمع، وهو لن يسمع بل لا يمكنه أن يسمع إن لم يؤمن!.
133 ـ أمّا بالنسبة لى، ففى الواقع أريد أن تكون لهم رغبة فى الاستماع لعلهم يؤمنون، أن يسمعوا بمحبة حقيقية ووداعة، مثل أُناس يبحثون عما هو حق، ولا يهاجمون كل ما هو حق؛ لأنه مكتوب (علينا) ألاّ نصغى إلى " خرافات وأنساب لا حدّ لها، والتى بالأحرى تسّبب مباحثات دون أن تؤدى إلى التعليم الإلهى الذى فى الإيمان. أمّا غاية الوصية فهى المحبة من قلب طاهر وضمير صالح وإيمان بلا رياء، الأمور التى إذا زاغ قوم عنها انحرفوا إلى كلام باطل، يريدون أن يكونوا معلِّمى الناموس وهم لا يفهمون الكلمات التى يقولوها ولا الأشياء التى يتكلمون عنها بتأكيد (ولا ما يقرِّرونه)" (1تى4:1ـ7). وفى موضع آخر يقول أيضًا نفس الرسول: " أما المباحثات الغبيَّة والسخيفة اجتنبها" (2تى23:2).
134ـ مثل هؤلاء الناس الذين يزرعون خصومات، أقصد الهراطقة، فإن الرسول يأمرنا أن نتركهم ونبتعد عنهم. إذ يقول عنهم فى موضع آخر: " يرتد قوم عن الإيمان تابعين أرواحًا مُضِلَّة وتعاليم شياطين" (1تى1:4).
135 ـ والقديس يوحنا بالمِثل يقول إن الهراطقة هم أضداد للمسيح (1يو18:2) مشيرًا بوضوح إلى الآريوسيين، لأن هذه الهرطقة قد بدأت أن توجد بعد جميع الهرطقات الأخرى، وقد جمعت سموم الكل، كما هو مكتوب عن ضد المسيح أنه: " فتح فمه بالتجديف على الله، ليجدِّف على اسمه... وأن يصنع حربًا مع قديسيه" (رؤ6:13و7). وهكذا هم لا يكرمون ابن الله، كما لم يشفقوا على شهدائه، وربما (عملوا) ما لم يعمله ضد المسيح، فإنهم زوَّروا الكتب المقدسة، وهكذا من يقول إن يسوع ليس هو المسيح؛ ومن ينكر الابن ينكر الآب أيضًا كما هو مكتوب: " كل من ينكر الابن ينكر الآب أيضًا" (1يو23:2).
الفصل السادس عشر
ملخص: يؤكد القديس أمبروسيوس للإمبراطور جراتيان، أنه سينتصر، ويعلن أن هذه النصرة قد سبق وأنبأ عنها حزقيال فى نبواته، وهذا الرجاء تدعمه تقوى الإمبراطور، كما يبيّن القديس أن الكوارث السابقة كانت عقابًا على الهرطقة الموجودة فى الشرق[62]، ويختم القديس هذا الفصل بصلاة إلى الله يطلب منه فيها أن يُظهِر رحمته وأن يُنقذ الجيش والأرض والمملكة التى يعيش فيها المؤمنون.
136ـ لا ينبغى أن أُعوِّق جلالتك أيها الإمبراطور، أكثر من هذا وأنت تستعد لهذه الحرب ليتم انتصارك على البرابرة. اذهب وأنتَ فى حماية درع الإيمان، وتمنطق بسيف الروح. اذهب إلى النصرة التى تم الوعد بها منذ قديم الزمن، والتى أُنبئ عنها فى الوحى الذى أعطاه الله.
137 ـ لقد تنبأ حزقيال فى الأيام القديمة جدًا عما سيحط من قدر شعبنا وعن الحروب مع الغوط البرابرة بقوله: " لذلك تنبأ يا ابن الإنسان وقُل يا جوج هكذا يقول الرب: أفلاَ تعلم فى ذلك اليوم عند سُكنى شعبى إسرائيل آمنين، وتأتى من موضعك من أقصى الشمال، أنتَ وشعوب كثيرون معك كلهم راكبون معك، كلهم راكبون خيلاً جماعة عظيمة وجيش كثير؟ وتصعد على شعبى إسرائيل كسحابة تُغشِّى الأرض فى الأيام الأخيرة" (حز14:38ـ16س).
138ـ إن الغوط Goth هم جوج Gog، وإن مجيئهم قد سبق وذكرناه، أمَّا عن الانتصار الذى وُعد به عليهم فى الأيام الآتية بحسب كلمة الرب فهو: " وينهبون الذين نهبوهم، ويسلبون الذين سلبوهم يقول السيد الرب، ويكون فى ذلك اليوم أنى أُعطى جوجًا ـ أى الغوط ـ موضعًا شهيرًا، لأن إسرائيل تكون مثل كومة عالية لأناس كثيرين[63]، أناس قد جعلوا طريقهم إلى البحر... ويسدُّون فم الوادى، وهناك يخرِّب بيت إسرائيل جوجًا وجمهوره ويسمونه وادى جمهور جوج، ويحدق[64] بهم بيت إسرائيل ليُطهِّروا الأرض" (حز 10:39ـ12س).
139ـ وعلاوة على ذلك، فلن نشك يا صاحب الجلالة المقدس، أننا نحن الذين أخذنا على عاتقنا أن نناضل ضد الكفر المخالف سوف نتمتع بمساعدة الإيمان الجامع Catholic Faith الذى هو قوىٌّ فيك. وحقًا وبوضوح فإن سبب غضب الله قد صار ظاهرًا، لدرجة أن تقدير الإمبراطورية الرومانية واحترامها قد هُدِمَ عندما انهار الإيمان بالله.
140ـ لا توجد لدىَّ رغبة فى أن أحصى الذين ماتوا والذين عُذبوا والمعترفين الذين نُفوا، كما أن وظائف المؤمنين ومراكزهم أُعطِيَتْ هدايا للخائنين[65]. ألم تسمع مِن وراء كل التخوم والحدود، مِن تراسا وراكيا التى على النهر وميسيا وكل فاليريا ضوضاء مشوبة بتعاليم المجدفين وغزو البرابرة؟ أى فائدة يمكن للجيران المتعطشين للدماء أن يجلبوها لنا، أو كيف يمكن للدولة الرومانية أن تكون فى أمان مع مثل هؤلاء المدافعين؟
141ـ نعم، هذا يكفى بل وأكثر من الكفاية أيها الإله القادر على كل شئ، ما ضحَّينا به وقدَّمناه من موت المعترفين ونفى الكهنة واحتمال الأشرار المتعجرفين، كل ما قدمناه بدمنا وبنفينا. إنه من الواضح بصورة كافية أن هؤلاء الذين حطموا الإيمان لم يكونوا فى أمان. التفِت مرة أخرى أيها الرب وارفع رايات الإيمان بك.
142ـ إنها ليست النسور الحربية ولا طيران الطيور هى التى تقود طلائع جيشنا، ولكن اسمك وعبادتك أيها الرب يسوع. إنها ليست أرض غير المؤمنين ولكنها الأرض التى من عادتها أن تُرسل المعترفين؛ إيطاليا. إيطاليا هذه التى كثيرًا ما جُرِّبت وأُغوِيَت ولكنها لم تنسحب أبدًا. إيطاليا هذه التى دافعتَ عنها طويلاً يا صاحب الجلالة والآن أيضًا قد أُنقِذَت من البرابرة. لا يوجد فى إمبراطورنا عقل متردد أو متذبذب، بل يوجد الإيمان الثابت الراسخ بقوة.
143ـ أُظهِر لنا الآن علامة واضحة على عظمة جلالك، حتى أن كل مَن يؤمِن بك أنك رب القوات الحقيقى وقائد جيوش السماء؛ ويؤمِن أنك أنت قوة الله وحكمته الحقيقية[66]، ليس كائنًا ناشئًا فى الزمن، ليس كائنًا مخلوقًا، بل كما هو مكتوب، القوة الأزلية، وألوهية الله، أنت أيها الرب تسند بقوتك الفائقة لتجعله ينال جائزة النصر لإيمانك.
كتابات الآباء التى صدرت
|
1 ـ 60 ، 62، 64، 70، 74 : صدرت ونفدت |
|
|
61 |
السجود والعبادة بالروح والحق ـ المقالتان الثانية والثالثة ـ للقديس كيرلس الاسكندرى |
|
63 |
الصلاة ـ للقديس يوحنا ذهبى الفم |
|
65 |
اختيار شريكة الحياة ـ للقديس يوحنا ذهبى الفم |
|
66 |
السجود والعبادة بالروح والحق ـ المقالتان الرابعة والخامسة للقديس كيرلس |
|
67 |
خميس العهد ـ عظتان للقديس كيرلس عمود الدين |
|
68 |
قيامة المسيح ـ للقديس كيرلس عمود الدين |
|
69 |
شرح إنجيل يوحنا ج5 ـ للقديس كيرلس عمود الدين |
|
71 |
تفسير الرسالة إلى رومية الإصحاحان 1، 2 |
|
72 |
رسائل القديس أنطونيوس (1ـ19) |
|
73 |
الصوم ـ للقديس يوحنا ذهبى الفم |
|
75 |
قيامة الجسد ـ للقديس غريغوريوس النيس |
|
76 |
الاحتفال بالقيامة ـ للقديس يوحنا ذهبى الفم |
|
77 |
المقالة الثانية ضد الآريوسيين ـ للقديس أقناسيوس الرسولى ـ طبعة ثالثة منقحة |
|
78 |
الرسالة الفصحية الأولى ـ للقديس كيرلس الأسكندرى |
|
79 |
عيد الخمسين ـ عظتان للقديس يوحنا ذهبى الفم |
|
80 |
السجود والعبادة بالورح والحق (المقالتان السادسة والسابعة) ـ للقديس كيرلس الأسكندرى |
|
81 |
الرسالة إلى ديوجينيتوس |
|
82 |
لا تبكوا على الراقدين ـ للقديس يوحنا ذهبى الفم |
|
83 |
تجسد الكلمة (طبعة جديدة) ـ للقديس أثناسيوس الرسولى |
|
84 |
ميلاد المخلّص ـ للقديسين غريغوريوس النيسى وإيرونيموس |
|
85 |
عظات القديس مقاريوس الكبير ـ طبعة رابعة مُراجعة ومُنقحة |
|
86 |
شرح الإيمان المسيحى، الجزء الأول (الكتابان الأول والثانى) للقديس أمبروسيوس أسقف ميلان |
[1] يو14:1و18، عب5:1، رو5:9، 3:1ـ4، يو1:1ـ3، 14.
[2] عب3:1، انظر يو9:14، كو15:1.
[3] 1كو24:1، انظر يو6:14، 25:11.
[4] انظر خر14:3 " أهيه الذي أهيه " أي أكون الذي أكون.
[5] انظر يو42:8، 27:16ـ28.
[6] انظر عب3:1.
[7] انظر يو6:14، 3:17، 1يو20:5.
[8] انظر تث26:5 " مَنْ.. سمع صوت الله الحي يتكلم.. وعاش". انظر يو25:11.
[9] انظر خر15:28ـ21.
[10] انظر عب15:4، 1:5ـ5، 28:7، 7:8.
[11] انظر عب3:1.
[12] يُرجع القديس أمبروسيوس الشاهد إلى أيوب36:38، بحسب الترجمة السبعينية.
[13] خر27:35.
[14] يتبع القديس أمبروسيوس النسخة السبعينية (أم21:31(22).
[15] انظر سفر الخروج34،33:28، وأيضًا 6،5:28.
[16] هذه الألوان استُخدمت في صُنع إفود الكاهن الأعظم (خر5:28و6) وصُنع حجاب الهيكل.
[17] هذه هي نظرية بعض الفلاسفة الأيونيين.
[18] انظر يع14:2ـ26.
[19] أي ابنًا "بالتبني" كواحد منّا.
[20] انظر مر18:10.
[21] الابن موجود " في طبيعة الله " بسبب أن صفة أبوة الله الأزلية تتضمن وجود ابن أزلي وحبه الأزلي هو الغاية الأزلية لهذا الحب.
[22] مز6:13 " لأنه أحسن إلىَّ" ، خر14.
[23] خر6:17، عد8:20و11.
[24] خر12:16، تث3:8و4، تث5:29، مز24:78و25، مز40:105، يو31:6، 1كو3:10.
[25] قارن مت43:13، دا 3:12، إن تألق هذه الجوقات السماوية هو إنعكاس لذاك الذي هو نور العالم، النور الحقيقي، انظر يو9:1، 12:8، 46:12، رؤ23:21، 5:22.
[26] مز1:118، 1:136، 1:106، 1:107.
[27] القياس المنطقي للقديس أمبروسيوس يظهر كالتالي: " إن القاضي هو الإله العادل، وابن الله هو القاضي، إذن يكون ابن الله هو الإله العادل".
[28] يو12:7.
[29] انظر 1كو4:8.
[30] انظر يو22:17و23.
[31] راجع الكتاب الأول الفصل الأول.
[32] لا يستخرج أي شك من المقطع التالى بسبب أن :
1 ـ معنى العبارات واضح وبسيط 2 ـ والآيات المقتبسة هي من الكتاب الموحى به.
[33] إش6:52س، والقراءة في ترجمة دار الكتاب المقدس: " لذلك يعرف شعبي اسمى، لذلك في ذلك اليوم يعرفون أنِّي أنا هو المتكلم هأنذا ".
[34] أى4:38ـ6 " أين كنتَ حين أسستُ الأرض.. مَن وضع قياسها.. على أى شئ قرَّت قواعدها..".
[35] كو15:1و16.
[36] أى الطبيعة البشرية.
[37] انظر الكتاب الأول فقرة 57.
[38] إن نفس الكلمة ـ في اللغة اليونانية على الأقل ـ تُعطِى نفس معنى (ريح) و(روح). فالهواء غير المرئي ومع ذلك فهو محسوس وحقيقي، والريح، والنَفَس يمكن أن تكون أفضل رمز للروح، الذي يُعرف ويُحقق حضوره فقط من خلال آثاره. والروح في معناه الأوَّلى هو "نسمة".
[39] إنه تعليم جميل جدًا للآباء أن المسيح أخضع ذاته لظروف وتجارب حياتنا كى يعيدها ويقدِّسها ويمدها بفاعلية استحقاقاته، وكان الآباء حريصون أن ينسبوا لكلمة الله المتجسد ليس فقط الأجزاء الطبيعية فى الجسد والنفس، بل وحتى أصغر الأشياء والخاصة جدًا مثل: الحزن، الخوف، الدموع؛ وكذلك جميع المشاعر البشرية: الحَمْل، الميلاد، الطفولة؛ وجميع مراحل الحياة والنمو: الجوع والعطش، التعب والحزن ـ كى يجد علاجًا لكل ما زحفت إليه الخطية. وكما أفسد الموت الكل، هكذا يلزم أن يُرش ماء الحياة. ويقول القديس غريغوريوس النزينزى بطريقة مُلفتة للنظر: " لقد نام حقًا ليبارك نومنا، وتعب ليقدِّس تعبنا، وبكى ليكرِّم الدموع". ويقول القديس كيرلس الكبير فى شرح (يو27:12): " سوف تجد كل أنواع الاختبارات البشرية ممثلة كما يجب فى المسيح، وأن المشاعر الجسدية قد تسربلت بالقوة، ولكن ليس مثلنا، لكى تحصل على السلطة والسيادة والاستعلاء. ولكن بقوة الكلمة الساكن فى الجسد يمكن لهذه المشاعر أن تُذلَّل وتُضبَط، وتتحوَّل طبيعتنا إلى حالة أفضل.
[40] يعدد ذلك أريستوتل فى الأخلاقيات Aristotle, Ethics II. Ch. 4 (5).
[41] يستخدم القديس أمبروسيوس هنا معنى للنص الأصلى مُلفت للنظر حيث يقول النص: " ولكن الذين هم للمسيح قد صلبوا الجسد".
[42] انظر 1كو8:2.
[43] لأنه إن كان الأمر هكذا، فإن الله يتوقف عن أن يكون إلهًا.
[44] كو9:2: فإنه فيه يحل كل ملء اللاهوت.
[45] يريد القديس أمبروسيوس أن يقول إن المسيح تألم ومات بالجسد وإنه نال معونة كإنسان وقت آلامه، كما ذكر الإنجيل أن ملاكًا من السماء ظهر له ليقويه وهو فى بستان جسثيمانى (انظر لو43:22).
[46] 1يو2:3و3، تك4:18: " ليؤخذ قليل ماء واغسلوا أرجلكم واتكئوا تحت الشجرة".
[47] انظر يو30:10 " أنا والآب واحد".
[48] 2كو21:5، غل13:3.
[49] يو29:1و36، يو1:15، 1كو4:10.
[50] مر45:10، يو4:13و5، مز16:86 " أعطِ عبدك قُوَّتك، وخلِّص ابن أَمَتَك".
[51] مت36:24.
[52] مت 22:24و29، مز13:96 " لأنه جاء ليدين الأرض، يدين المسكونة بالعدل والشعوب بالأمانة"، مز9:98 " جاء ليدين الأرض، يدين المسكونة بالعدل والشعوب بالاستقامة".
[53] هذا هو ما شكل عثرة " الصليب "، انظر غل11:5، 1كو22:1.
[54] المقصود هنا الأحزان التى نجوزها خلال وجودنا فى العالم بسبب قسوة البشر.
[55] 2كو9:12، 4:13، 1بط24:2، 13:4.
[56] مت51:27.
[57] لو43:23.
[58] يو11:20و12.
[59] قال هذا للمسيح المُقام أف20:1: " إذ أقامه من الأموات وأجلسه عن يمينه فى السماويات".
[60] يفهم القديس أمبروسيوس من هذه الآية أن المسيح يجلس عن يمين الآب.
[61] ميلاد الابن الأزلى لا يستلزم انقسامًا أو تجزئة للألوهة، ولا تقليلاً. فالآب لن يكون إلهًا أقل، وألوهيته لن تفقد شيئًا بولادته للابن الأزلى.
[62] الكوارث المُلَّمح عنها فى هذه المقدمة هى انكسار الجيش الرومانى 378م فى هادريانوبل Hadrianople والموت المُفجع للإمبراطور فالنس، الذى بعدما هرب والتجأ إلى كوخ (ليختبئ فيه) أدركه الغوط وأحاطوا بالكوخ وأضرموا فيه النيران حيث هلك الإمبراطور وسطها. وكان الأرثوذكس (المستقيمى الرأى من غير الآريوسيين) ينظرون إلى هذه النكسة على أنها دينونة (من الله) بسبب اعتقاد فالنس والذين يشاركونه فى المراكز السامية، بالهرطقة الآريوسية.
[63] " أُعطى جوجًا موضعًا هناك للقبر فى إسرائيل" بحسب الترجمة العبرية.
[64] يُقبرهم (بحسب الترجمة العبرية).
[65] أُبعِد الأساقفة والكهنة الأرثوذكس عن كراسيهم ووظائفهم ليفسحوا مجالاً لأولئك المدعوين "الخائنين للإيمان" أى أولئك الذين كفروا واعتنقوا الآريوسية.
[66] 1كو24:1 " وأمّا للمدعُوِّين... فبالمسيح قوة الله وحكمة الله".